وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ التوراة وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ أي أرسلنا قفاه رسلا تترى فقوله من بعده تأكيد لمعنى قفينا لتضمنه معنى البعدية يعني يوشع واشموئيل وشمعون وداود وسليمان وأيوب وشعيا وأرميا وعزيرا وحزقيل، واليسع ويونس وزكريا ويحيى والياس وغيرهم عليهم السلام. وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ الدلالات الواضحات من إبراء الأكمة و الأبرص وإحياء الموتى وغير ذلك أو المراد الإنجيل
وَأَيَّدْنَاهُ قويناه بِرُوحِ الْقُدُسِ قرأ ابن كثير بسكون الدال والآخرون بضمها والمراد بالروح جبرئيل، أو الروح الذي نفخ في عيسى، والقدس الطهارة مصدر بمعنى الفاعل أي الطاهر وهو الله تعالى، أضافه إلى نفسه تكريما، نحو بيت الله وناقة الله نظيره فنفخنا فيه من روحنا ١ أو الإضافة على طريقة حاتم الجود فيكون الطهارة في المعنى صفة للروح وطهارة جبرئيل وعيسى لأجل عصمتهما ولطهارة عيسى عن مس الشيطان، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ما من بني آدم إلا يسمه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان غير مريم وابنها »٢ متفق عليه، ولأنه لم يشتمل عليه أصلاب الفحول ولا أرحام الطوامث، وتأييد عيسى بجبرائيل أنه أمر أن يسير معه حيث سار حتى صعد به إلى السماء، وقيل المراد بالروح اسم الله الأعظم الذي كان عيسى يحيي به الموتى ويري الناس العجائب، وقيل المراد به الإنجيل نظيره أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ٣ فإن كتاب الله تعالى سبب لحياة القلوب، وعلى هذين التأويلين إضافة الروح إلى الله وتوصيفه بالطهارة ظاهرة، قال البغوي : فلما سمعت اليهود ذكر عيسى عليه السلام قالوا يا محمد لا مثل عيسى كما تزعم عملت ولا كما تقص علينا من الأنبياء فعلت فأتنا بما أتى به عيسى إن كنت صادقا فقال الله تعالى : أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ يا معشر اليهود رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ أي بما لا تحبه، يقال هوى بالكسر إذا أحب والفتح إذا سقط معطوف على الجمل السابقة، ووسطت الهمزة بين الفاء وما تعلقت به توبيخا لهم على تعقيبهم ذاك بهذا وتعجيبا من شأنهم، ويحتمل أن يكون استئنافا والفاء للعطف على مقدر كان السائل يقول فما فعلوا بهم فأجاب فكفروا بهم وقال توبيخا أكفرتم بهم فكلما جاءكم الآية اسْتَكْبَرْتُمْ تكبرتم عن الإيمان واتباع الرسل
فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ كعيسى ومحمد وغيرهما عليه السلام والفاء للسببية أو للتفصيل وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ أي قتلتم مثل زكريا ويحيى وشعيا وغيرهم، ذكر بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية استحضارا لها في النفوس فإن الأمر فظيع ومراعاة للفواصل وللدلالة على أنكم تريدون قتل محمد عليه السلام حيث سحرتموه وتقاتلونه لكي تقتلوه.
عن عائشة قالت : سُحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله حتى إذا كان ذات يوم عندي دعا الله ودعاه ثم قال :«أشعرت يا عائشة أن الله تعالى قد أفتاني فيما استفتيته جاءني رجلان جلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي ثم قال أحدهما لصاحبه ما وجع الرجل ؟ قال : مطبوب، قال : ومن طبه ؟ قال : لبيد بن الأعصم اليهودي، قال فيما ذا ؟ قال : في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر، قال : فأين هو ؟ قال : في بئر ذروان، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه إلى البئر فقال : هذه البئر التي أريتها، وكان ماؤها نقاعة الحناء وكان نخلها رؤوس الشياطين فاستخرجه »٤ متفق عليه، قلت : ويجوز أن يكون تقتلون بمعناه الاستقبالي أي وفريقا تقتلون في المستقبل يعني محمدا صلى الله عليه وسلم فإنه مات شهيدا لأجل الشاة المسمومة التي أهدتها يهودية من أهل خيبر وحينئذ يكون ذكر من مضى قتلهم من الأنبياء متروكا، أو مقدورا تقديره وفريقا قتلتم وفريقا تقتلون، عن جابر رضي الله عنه فأخذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع فأكل منها وأكل رهط من أصحابه معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ارفعوا أيديكم » وأرسل إلى اليهودية فدعاها فقال :«سممت هذه الشاة، فقالت من أخبرك ؟ قال : أخبرتني هذه في يدي الذراع، قالت : نعم قلت إن كان نبيا فلن يضره وإن لم يكن نبيا استرحنا منه، فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبها، وتوفي أصحابه الذين أكلوا من الشاة واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم كاهله من أجل الذي أكل من الشاة »٥ رواه أبو داود والدارمي، وعن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه «يا عائشة ما زلت أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر وهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم »٦ رواه البخاري، فإن قيل المقتولون منهم داخلون فيمن كذَّبَهم اليهود فما وجه تخصيص التكذيب بفريق منهم ؟ قلت : يظهر بتخصيص التكذيب بفريق منهم أنهم لم يكذبوا فريقا منهم مثل يوشع وعزير، ولا يضركون بعضهم داخلا في كلا الفربقين إذ العطف بالواو والله أعلم.
٢ أخرجه البخاري في كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: واذكر في الكتاب مريم٣٤٣١، وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: فضائل عيسى عليه السلام٢٣٦٦.
٣ سورة الشورى، الآية: ٥٢.
٤ أخرجه البخاري في كتاب: الطب، باب: السحر٥٧٦٣. وأخرجه مسلم في كتاب: السلام باب: السحر.
٥ أخرجه أبو داود في كتاب: الديات، باب: فيمن سقى رجلا سما أو أطعمه فمات إيقاد منه٤٥٠٢.
٦ أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته٤٤٢٨.
التفسير المظهري
المظهري