وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)
وقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ).
يعني: التوراة، وهو ظاهر.
وقوله: (وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ).
وقيل: وقفينا: أَرْدَفْنَا، وهو من القفا، قفا يقفو.
وقيل: أَتبعنا رسولًا على أَثر رسول؛ كقوله: (فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا)، واحدًا على أَثر واحدٍ.
وقوله: (وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ).
قيل: البينات: الحجج.
وقِيل: العجائب التي كانت تجري على يديه، من خلق الطين، وإحياء الموتى، وإبراءِ الأكمه والأَبرص، وإِنباءِ ما يأْكلون وما يدخرون.
وقيل: البينات: الحلال والحرام.
ثم الرسل في أَنفسهم حفظوا حججًا؛ فلم يحتج كل قول يقولون إلى أن يكون مصحوبًا بدليل وبيانٍ على صدقهم؛ لأَنهم في أَنفسهم حجة.
وأما سائر الناس فليسوا بحجج في أَنفسهم، فلا بد لكل قول يقولون أَن يأتوا بدليلٍ يدل على صدقهم، وبيانٍ يُظهر الحق من الباطل، والصوابَ من الخطأ، والصدقَ من الكذب. وباللَّه التوفيق.
وقوله: (وَأَيَّدْنَاهُ): قويناه.
(بِرُوحِ الْقُدُسِ).
اختلف فيه:
قيل: روح القدس: جبريل.
وفي الأَصل: القدوس، لكن طرحت الواو للتخفيف.
وتأْييدُه: هو أَن عصمه على حفظه؛ حتى لم يدن منه شيطان، فضلًا أَن يدنو بشيء، واللَّه أعلم.
وقيل: (وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) يعني بالروح: روح اللَّه.
ووجه إضافةِ روح عيسى إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: أَن تكون أضيفت تعظيمًا له وتفضيلًا، وذلك أن كل خاص أُضيف إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أُضيف؛ تعظيمًا لذلك الشيء، وتفضيلًا له، كما يقال لموسى: كليم اللَّه، ولعيسى: روحُ اللَّه، ولإبراهيم: خليلُ اللَّه، على التعظيم والتفضيل.
وإذا أُضيف الجُمَل إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - فإنما تضاف؛ تعظيمًا له - عَزَّ وَجَلَّ - وتنزيهًا؛ كقوله: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، أُضيف ذلك إليه؛ تعظيمًا وتنزيهًا، واللَّه الموفق.
والأَصل في ذلك: أَن خاصية الأَشياءِ إذا أُضيف ذلك إليه أضيف تعظيمًا لتلك الخاصية. وإذا أضيف جمل الأَشياء إلى اللَّه، فهو يخرج على تعظيم الرب والتبجيل له.
وقوله. (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ).
في ظاهر هذه الآية أَنهم كذبوا فريقًا من الرسل، وقَتلوا فريقًا منهم.
ويقول بعض الناس: إنهم قتلوا الأَنبياءَ ولم يقتلوا الرسل؛ لقوله: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا)، ولقوله: (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ)، أَخبر أَنه ينصرهم، ومن كان اللَّه ناصره فهو لا يقتل.
ومنهم من يقول: إنهم قتلوا الرسل والأنبياء.
فنقول: يحتمل قوله: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا) في رسول دون رسول، فمن نصره اللَّه فهو
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم