ودخلت الفاء في قوله: فَلَا يُخَفَفُ عَنهُمُ العَذَابُ للعطف على (اشتروا) فيكون من صلة الذين.
٨٧ - وقوله تعالى: وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ أي: أرسلنا رسولًا يقفو رَسُولًا في الدعاء إلى توحيد الله والقيام بشرائع دينه (١).
يقال: قفّى أثره، وقفّى غيرَه على أثره، أي: اتبعه إياه، والقفا: مُؤَخَّرُ العُنُق، ويقال للشيخ إذا هرم: رُدّ على قَفَاه، ورُدّ قَفًا. قال:
| إِن تَلْقَ رَيْبَ المنايا أو تُرَدُّ قفًا | لا أَبْكِ مِنك على دينٍ ولا حَسَب (٢). |
وقوله تعالى: وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ يعني: الآياتِ التي ذكرها في سورة آل عمران (٤) والمائدة (٥).
(٢) البيت بلا نسبة في: "لسان العرب" ٦/ ٣٧٠٨، و"أساس البلاغة" ص ٢/ ٢٦٩،
(٣) ينظر: "تفسير الطبري" ١/ ٤٠٣، "تهذيب اللغة" ٣/ ٣٠١٣، "المحرر الوجيز" ١/ ٣٨٥، "اللسان" ٦/ ٣٧٠٨ مادة (قفا).
(٤) في قوله تعالى: وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ [آل عمران: ٤٩].
(٥) في قوله تعالى: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ الآية: ١١٠ من سورة المائدة وينظر: "تفسير الطبري" ١/ ٤٠٣، "تفسير الثعلبي" ١/ ١٠٢٤.
وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أي: قويناه (١)، والأيد والآد: القوة، ويقال: أَيَّدَه وآيده: إذا قواه، وآدَ يَئِيدُ أَيْدًا: إذا قوي، قال امرؤ القيس:
فَأَثَّتْ (٢) أَعَاليه وآدَتْ أُصولُه (٣)
أي: قويت وإياد كل شيء: ما يَقْوَى به (٤)، قال العجاج:
متخذًا مِنها إيادًا (٥)
واختلفوا في معنى (روح القدس). فقال قتادة (٦) والربيع والضحاك (٧) والسُّدّي (٨): إنه جبريل. واختاره الزجاج (٩). والقُدسُ:
(٢) في (م) (فأتت).
(٣) عجز البيت:
ومال بقُنْيَانٍ من البُسْرِ أحمرا
يصف نخيلًا، انظر "ديوانه" ص ٦٠، "لسان العرب" ١/ ١٨٩ (مادة أيد). "المعجم المفصل" ٣/ ١٤٠.
(٤) ينظر "تهذيب اللغة" ١/ ٩٦، "اللسان" ١/ ١٨٩، وفيه: وإياد كل شيء: ما يقوى به من جانبيه، وهما إياداه.
(٥) البيت للعجاج يصف الثور: متخذًا منها إيادًا هدفًا. ينظر "تهذيب اللغة" ١/ ٩٦، "اللسان" ١/ ١٨٩.
(٦) أخرجه عنه الطبري في "تفسيره" ٢/ ٣٢٠ وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ١٦٨، الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١٠٢٦.
(٧) أخرجه عنه الطبري في "تفسيره" ٢/ ٣٢٠ وذكره الثعلبي فى "تفسيره" ١/ ١٠٢٦.
(٨) أخرجه عنه الطبري في "تفسيره" ١/ ٤٠٤.
(٩) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٦٨ وكذا اختاره الطبري في "تفسيره" ١/ ٤٠٤ بعد أن ذكر قولين آخرين: الأول: أنه الإنجيل، والثاني: أنه الاسم الذي كان عيسى يحيي به الموتى. ثم قال: وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال: الروح في هذا الموضع جبريل؛ لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه أيد عيسى به، كما أخبر في قوله: {إِذْ =
الطهارة (١)، كأنه منسوبٌ إلى الطهارة، وذلك أنه ممن لا يقترف ذنبًا ولا يأتي مأثمًا.
وتأييد عيسى بجبريل عليهما السلام هو أنه كان قرينه، يسير معه حيثما سار، وأيضًا فإنه صَعِد به إلى السماء (٢)، ودليل هذا التأويل: قوله عز وجل: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [النحل: ١٠٢]، يعني: جبريل (٣). وإنّما سُمي جبريل رُوحًا؛ لأنه بمنزلة الأرواح للأبدان تحيا بما يأتي من (٤) البيان عن الله عز وجل من يُهدَى به، كما قال عز وجل: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ [الأنعام: ١٢٢]، أي: كان كافرًا فهديناه.
(١) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٦٨، الطبري في "تفسيره" ١/ ١٣٢.
(٢) ينظر: "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٠٢٦، وذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" ١/ ١١٢ - ١١٣ في تأييد عيسى بروح القدس الذي هو جبريل ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أُيد به لإظهار حجته وأمر دينه. والثاني: لدفع بني إسرائيل عنه إذ أرادوا قتله. والثالث: أنه أيد به في جميع أحواله.
(٣) "تفسير الثعلبي" ١/ ١٠٢٦ وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" ١/ ١٤٢ هو جبريل على الأصحِ، ويدل ذلك قوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء: ١٩٣] وقوله: فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا [مريم: ١٧]، انتهى. ويؤيده أيضًا قول النبي - ﷺ - لحسان - رضي الله عنه -: "ياحسان أجب عن رسول الله - ﷺ -، اللهم أيده بروح القدس". رواه البخاري (٤٥٣) في الصلاة، باب الشعر في المسجد ومسلم (٢٤٨٥) كتاب: في فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت وينظر "التفسير الصحيح" ١/ ١٩٢.
(٤) في (م): (عن).
وقيل (١): لأن الغالب على جسمه الروحانية لرقته، وكذلك سائر الملائكة.
وقال آخرون: أراد: الروح القدس، أي: المقدس، فأضاف الاسْم إلى الصفة، وأراد به روح عيسى عليه السلام.
وسمى روحَه قُدُسًا؛ لأنه لم تتضمنه أصلاب الفحولة، ولم تشتمل عليه أرحام الطوامث (٢) (٣). وجاء في الخبر: أن الله تعالى لما أخذ الذرية في ظهر آدم (٤) وأشهدهم على أنفسهم ردها إليه إلا روح عيسى فإنه أمسكها عنده إلى وقت خلقه. وقرئ القُدس بالتخفيف والتثقيل (٥)، وهُما حسنان، مثل: العُنْقُ والعُنُق، والحُلْم والحُلُم، وبابه (٦). ومعناه: الطهارة.
قال العَجّاج:
قد عَلِمَ القُدُّوس رَبُّ القُدْس (٧).
وذكرنا ما فيه عند قوله وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة: ٣٠].
(٢) في (م): (الطوارق).
(٣) "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٠٢٥، "الكشاف" للزمخشري ١/ ٨٠، "تفسير ابن كثير" ١/ ١٣٢.
(٤) في (م): (لما أخذ من ظهر آدم الذرية).
(٥) قرأ ابن كثير في تفسيره (القُدْس) بإسكان الدال حيث جاء، والباقون بضمها. ينظر: "السبعة" ص ١٦٣، و"التيسير" ص ٦٤، و"النشر" ٢/ ٢١٦.
(٦) من كلام أبي علي في "الحجة" ٢/ ١٥٠.
(٧) وبعده:
| إن أبا العباس أولى نفس | بمعدن الملك القديم الكِرسِ |
وقوله: أَفَكُلَّمَا ذهب أبو الحسن (١) في هذه الفاء إلى أنها زائدة، والوجه: أن تكون غير زائدة وأن تكون للإتباع؛ لتعلق ما قبلها بما بعدها.
وعلى هذا قوله - ﷺ -، وقد قيل له لما جهد (٢) نفسه بالعبادة: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "أفلا أكون عبدا شكورًا" (٣). فالوجه أن تكون الفاء هَاهُنَا مُتبعَةً غير زائدة (٤).
ونصب (كلّما) كنصب سائر الظروف (٥)، وكُلّ: حرفُ جملة، وهو اسم يجمع الأجزاء (٦).
وقال أبو الهيثم: يقع (كل) على اسم منكور مُوحَّد فيؤدي معنى الجماعة، كقولهم: ما كلُّ بيضاءَ شحمةً (٧).
و (ما) هاهُنا حرف جزاء (٨)، ضم إلى (كل) (٩).
ومعنى أسْتَكبَرْتُم: تعظمتم عن الإيمان به؛ لأنهم كانت لهم
(٢) في (م): (أجهد).
(٣) رواه البخاري (١١٣٠) في أبواب التهجد، باب: قيام النبي - ﷺ - الليل حتى ترم قدماه، ومسلم (٢٨١٩) في الجنة والنار، باب: إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة.
(٤) ينظر: "البحر المحيط" ١/ ٣٠٠.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٦٩.
(٦) "اللسان" ١١/ ٥٩١، وقال في "البحر المحيط" ١/ ٨٨: كل للعموم، وهو اسم جمع لازم للإضافة، إلا أن ما أضيف إليه يجوز حذفه ويعوض منه التنوين، وأحكام كل كثيرة.
(٧) نقله عنه الأزهري في "تهذيب اللغة" ٩/ ٤٥٠ وعنه ابن منظور في "اللسان" ١١/ ٥٩١، وينظر: "مغني اللبيب" ١/ ٢٠١ - ٢٠٢.
(٨) في (ش): (وخبر).
(٩) ينظر: "مغني اللبيب" ٢/ ٢٠١.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي