ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤ

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَعَاصِمٌ بِتَاءِ الْخِطَابِ وَالْبَاقُونَ بِيَاءِ الْغَيْبَةِ، وَجْهُ الْأَوَّلِ: الْبِنَاءُ عَلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ، أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ، وَوَجْهُ الثَّانِي: الْبِنَاءُ عَلَى أَنَّهُ آخِرُ الْكَلَامِ وَاخْتِيَارُ الْخِطَابِ لِأَنَّ عَلَيْهِ الْأَكْثَرَ وَلِأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى الْمَعْنَى لِتَغْلِيبِ الْخِطَابِ عَلَى الْغَيْبَةِ إِذَا اجْتَمَعَا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَزَجْرٌ عَظِيمٌ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَبِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى الطَّاعَةِ، لِأَنَّ الْغَفْلَةَ إِذَا كَانَتْ مُمْتَنِعَةً عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ مَعَ أَنَّهُ أَقْدَرُ الْقَادِرِينَ وَصَلَتِ الْحُقُوقُ لَا مَحَالَةَ إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا.
[سورة البقرة (٢) : آية ٨٦]
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)
اعْلَمْ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ تَحْصِيلِ لَذَّاتِ الدُّنْيَا وَلَذَّاتِ الْآخِرَةِ مُمْتَنِعٌ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مَكَّنَ الْمُكَلَّفَ مِنْ تَحْصِيلِ أَيِّهِمَا شَاءَ وَأَرَادَ، فَإِذَا اشْتَغَلَ بِتَحْصِيلِ أَحَدِهِمَا فَقَدْ فَوَّتَ الْآخَرَ عَلَى نَفْسِهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ مَا أَعْرَضَ الْيَهُودُ عَنْهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَا فِي كُتُبِهِمْ وَمَا حَصَلَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْكُفْرِ وَلَذَّاتِ الدُّنْيَا كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي نِهَايَةِ الذَّمِّ لَهُمْ لِأَنَّ الْمَغْبُونَ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الدُّنْيَا مَذْمُومٌ حَتَّى يُوصَفَ بِأَنَّهُ تَغَيَّرَ فِي عَقْلِهِ فَبِأَنْ يُذَمَّ مُشْتَرِي مَتَاعِ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ أَوْلَى.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي دُخُولِ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: فَلا يُخَفَّفُ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: الْعَطْفُ عَلَى اشْتَرَوُا وَالْقَوْلُ الْآخَرُ بِمَعْنَى جَوَابِ الْأَمْرِ، كَقَوْلِكَ أُولَئِكَ الضُّلَّالُ انْتَبِهْ فَلَا خَيْرَ فِيهِمْ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ فِيهِ إِلَى الْإِضْمَارِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: بَعْضُهُمْ حَمَلَ التَّخْفِيفَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ بَلْ يَدُومُ، لِأَنَّهُ لَوِ انْقَطَعَ لَكَانَ قَدْ خَفَّ، وَحَمَلَهُ آخَرُونَ عَلَى شِدَّتِهِ لَا عَلَى دَوَامِهِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْعَذَابَ قَدْ يَخِفُّ بِالِانْقِطَاعِ وَقَدْ يَخِفُّ بِالْقِلَّةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ أَوْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، فَإِذَا وَصَفَ تَعَالَى عَذَابَهُمْ بِأَنَّهُ لَا يُخَفَّفُ اقْتَضَى ذَلِكَ نَفْيَ جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ فَفِيهِ وَجْهَانِ: الْأَكْثَرُونَ حَمَلُوهُ عَلَى نَفْيِ النُّصْرَةِ فِي الْآخِرَةِ يَعْنِي أَنَّ أَحَدًا لَا يَدْفَعُ هَذَا الْعَذَابَ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ عَلَى مَنْ يُرِيدُ عَذَابَهُمْ وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى نَفْيِ النُّصْرَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ ذَلِكَ جَزَاءً عَلَى صَنِيعِهِمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ: فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِالْآخِرَةِ، لِأَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا وَإِنْ حَصَلَ فَيَصِيرُ كَالْحُدُودِ الَّتِي تُقَامُ عَلَى الْمُقَصِّرِ وَلِأَنَّ الْكُفَّارَ قَدْ يَصِيرُونَ غَالِبِينَ للمؤمنين في بعض الأوقات.
[سورة البقرة (٢) : آية ٨٧]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لَا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (٨٧)
اعْلَمْ أَنَّ هَذَا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أَفَاضَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ إِنَّهُمْ قَابَلُوهُ بِالْكُفْرِ وَالْأَفْعَالِ الْقَبِيحَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا وَصَفَ حَالَ الْيَهُودِ مِنْ قَبْلُ بِأَنَّهُمْ يُخَالِفُونَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَتْلِ/ أَنْفُسِهِمْ وَإِخْرَاجِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا مِنْ

صفحة رقم 594

دِيَارِهِمْ وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ بِهَذَا الصَّنِيعِ اشْتَرَوُا الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ، زَادَ فِي تَبْكِيتِهِمْ بِمَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. أَمَّا الْكِتَابُ فَهُوَ التَّوْرَاةُ آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا جُمْلَةً وَاحِدَةً،
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ التَّوْرَاةَ لَمَّا نَزَلَتْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى بِحَمْلِهَا فَلَمْ يُطِقْ ذَلِكَ، فَبَعَثَ اللَّهُ لِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا مَلَكًا فَلَمْ يُطِيقُوا حَمْلَهَا فَخَفَّفَهَا اللَّهُ عَلَى مُوسَى فَحَمَلَهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَفَّيْنَا، أَتْبَعْنَا مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ يَأْتِي فِي قَفَاهُ الشَّيْءُ، أَيْ بَعْدَ نَحْوِ ذَنَبِهِ مِنَ الذَّنَبِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا [الْمُؤْمِنُونَ: ٤٤].
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: رُوِيَ أَنَّ بَعْدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى أَيَّامِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَتِ الرُّسُلُ تَتَوَاتَرُ وَيَظْهَرُ بَعْضُهُمْ فِي أَثَرِ بَعْضٍ، وَالشَّرِيعَةُ وَاحِدَةٌ إِلَى أَيَّامِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ جَاءَ بِشَرِيعَةٍ مُجَدِّدَةٍ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ فِي الشَّرِيعَةِ يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِيهَا، قَالَ الْقَاضِي: إِنَّ الرَّسُولَ الثَّانِيَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى شَرِيعَةِ الْأَوَّلِ حَتَّى لَا يُؤَدِّيَ إِلَى تِلْكَ الشَّرِيعَةِ بِعَيْنِهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، مَعَ أَنَّ تِلْكَ الشَّرِيعَةَ مَحْفُوظَةٌ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهَا بِالتَّوَاتُرِ عَنِ الْأُوَلِ، لِأَنَّ الرَّسُولَ إِذَا كَانَ هَذَا حَالَهُ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَعْلَمَ مِنْ جِهَةٍ إِلَّا مَا كَانَ قَدْ عَلِمَ مِنْ قَبْلُ أَوْ يُمْكِنْ أَنْ يَعْلَمَ مِنْ قَبْلُ، فَكَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولًا لَا شَرِيعَةَ مَعَهُ أَصْلًا، تُبَيِّنُ الْعَقْلِيَّاتِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ، فَكَذَا الْقَوْلُ فِي مَسْأَلَتِنَا: فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الرُّسُلِ الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَكُونُوا قَدْ أَتَوْا بِشَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ إِنْ كَانَتِ الْأُولَى مَحْفُوظَةً أَوْ مُحْيِيَةً لِبَعْضِ مَا انْدَرَسَ مِنَ الشَّرِيعَةِ الْأُولَى. وَالْجَوَابُ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ مِنْ بَعْثَةِ هَؤُلَاءِ الرُّسُلِ تَنْفِيذَ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ السالفة على الأمة أو نوع آخَرَ مَنِ الْأَلْطَافِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ، وَبِالْجُمْلَةِ، فَالْقَاضِي مَا أَتَى فِي هَذِهِ الدَّلَالَةِ إِلَّا بِإِعَادَةِ الدَّعْوَى، فَلِمَ قَالَ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَعْثُ هَؤُلَاءِ الرُّسُلِ إِلَّا لِشَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ أَوْ لِإِحْيَاءِ شَرِيعَةٍ انْدَرَسَتْ وَهَلِ النِّزَاعُ وَقَعَ إِلَّا فِي هَذَا؟
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: هَؤُلَاءِ الرُّسُلُ هُمْ: يُوشَعُ، وَشَمْوِيلُ «١»، وَشَمْعُونُ، وَدَاوُدُ، وَسُلَيْمَانُ وَشَعْيَاءُ، وَأَرْمِيَاءُ، وَعُزَيْرٌ، وَحِزْقِيلُ، وَإِلْيَاسُ، وَالْيَسَعُ، وَيُونُسُ، وَزَكَرِيَّا، وَيَحْيَى، وَغَيْرُهُمْ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: السَّبَبُ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْمَلَ ذِكْرَ الرَّسُولِ ثُمَّ فَصَّلَ ذِكْرَ عِيسَى لِأَنَّ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ جَاءُوا بِشَرِيعَةِ مُوسَى فَكَانُوا مُتَّبِعِينَ لَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِيسَى، لِأَنَّ شَرْعَهُ نَسَخَ أَكْثَرَ شَرْعِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قِيلَ عِيسَى بِالسُّرْيَانِيَّةِ أَيْشُوعُ، وَمَرْيَمُ بِمَعْنَى الْخَادِمِ، وَقِيلَ: مَرْيَمُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مِنَ النِّسَاءِ كَزِيرٍ مِنَ الرِّجَالِ، وَبِهِ فُسِّرَ قَوْلُ رُؤْبَةَ:
«قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهُ»
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الْبَيِّنَاتِ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: الْمُعْجِزَاتُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَنَحْوِهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَثَانِيهَا:
أَنَّهَا الْإِنْجِيلُ. وَثَالِثُهَا: وَهُوَ الْأَقْوَى أَنَّ الْكُلَّ يَدْخُلُ فِيهِ، لِأَنَّ الْمُعْجِزَ يُبَيِّنُ صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ كَمَا أَنَّ الْإِنْجِيلَ يُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ شَرِيعَتِهِ فَلَا يَكُونُ لِلتَّخْصِيصِ معنى.

(١) في الأصل المطبوع: «وأشمويل» ولعلها مصحفة.

صفحة رقم 595

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قُرِئَ وَأَيَّدْنَاهُ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ «الْقُدْسِ» بِالتَّخْفِيفِ وَالْبَاقُونَ بِالتَّثْقِيلِ وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلَ رُعُبٌ وَرُعْبٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الرُّوحِ عَلَى وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِوُجُوهٍ.
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ الرُّوحُ الْمُقَدَّسَةُ كَمَا يُقَالُ: حَاتِمُ الْجُودِ وَرَجُلُ صِدْقٍ فَوُصِفَ جِبْرِيلُ بِذَلِكَ تَشْرِيفًا لَهُ وَبَيَانًا لِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. الثَّانِي: سُمِّي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَحْيَا بِهِ الدِّينُ كَمَا يَحْيَا الْبَدَنُ بِالرُّوحِ فَإِنَّهُ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِإِنْزَالِ الْوَحْيِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُكَلَّفُونَ فِي ذَلِكَ يَحْيَوْنَ فِي دِينِهِمْ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ الرُّوحَانِيَّةُ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَلَائِكَةِ غَيْرَ أَنَّ رُوحَانِيَّتَهُ أَتَمُّ وَأَكْمَلُ. الرَّابِعُ: سُمِّيَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رُوحًا، لِأَنَّهُ مَا ضَمَّتْهُ أَصْلَابُ الْفُحُولِ وَأَرْحَامُ الْأُمَّهَاتِ، وَثَانِيهَا: الْمُرَادُ بِرُوحِ الْقُدُسِ الْإِنْجِيلُ، كَمَا قَالَ فِي الْقُرْآنِ: رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشُّورَى: ٥٢] وَسُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ الدِّينَ يَحْيَا بِهِ وَمَصَالِحَ الدُّنْيَا تَنْتَظِمُ لِأَجْلِهِ. وَثَالِثُهَا:
أَنَّهُ الِاسْمُ الَّذِي كَانَ يُحْيِي بِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَوْتَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ الرُّوحُ الَّذِي نُفِخَ فِيهِ وَالْقُدُسُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَنَسَبَ رُوحَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى نَفْسِهِ تَعْظِيمًا لَهُ وَتَشْرِيفًا، كَمَا يُقَالُ: بَيْتُ اللَّهِ وَنَاقَةُ الله، عن الربيع، وعلى هذا المراد بِهِ الرُّوحُ الَّذِي يَحْيَا بِهِ الْإِنْسَانُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ إِطْلَاقَ اسْمِ الرُّوحِ عَلَى جِبْرِيلَ وَعَلَى الْإِنْجِيلِ وَعَلَى الِاسْمِ الْأَعْظَمِ مَجَازٌ لِأَنَّ الرُّوحَ هُوَ الرِّيحُ الْمُتَرَدِّدُ فِي مَخَارِقِ الْإِنْسَانِ وَمَنَافِذِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ مَا كَانَتْ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ سُمِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِالرُّوحِ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ مِنْ حَيْثُ أَنَّ الرُّوحَ كَمَا أَنَّهُ سَبَبٌ لِحَيَاةِ الرَّجُلِ، فَكَذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَبَبٌ لِحَيَاةِ الْقُلُوبِ بِالْعُلُومِ، وَالْإِنْجِيلُ سَبَبٌ لِظُهُورِ الشَّرَائِعِ وَحَيَاتِهَا، وَالِاسْمُ الْأَعْظَمُ سَبَبٌ لِأَنْ يُتَوَسَّلَ بِهِ إِلَى تَحْصِيلِ الْأَغْرَاضِ إِلَّا أَنَّ الْمُشَابَهَةَ بَيْنَ مُسَمَّى الرُّوحِ وَبَيْنَ جِبْرِيلَ أَتَمُّ لِوُجُوهٍ. أَحَدُهَا: لِأَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَخْلُوقٌ مِنْ هَوَاءٍ نُورَانِيٍّ، لَطِيفٍ فَكَانَتِ الْمُشَابَهَةُ أَتَمَّ، فَكَانَ إِطْلَاقُ اسْمِ الرُّوحِ عَلَى جِبْرِيلَ أَوْلَى. وَثَانِيهَا: أَنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ فِيهِ أَظْهَرُ مِنْهَا فِيمَا عَدَاهُ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ يَعْنِي قَوَّيْنَاهُ، وَالْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ التَّقْوِيَةِ الْإِعَانَةُ وَإِسْنَادُ الْإِعَانَةِ إِلَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَقِيقَةٌ وَإِسْنَادُهَا إِلَى الْإِنْجِيلِ وَالِاسْمِ الْأَعْظَمِ مَجَازٌ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى، وَرَابِعُهَا: وَهُوَ أَنَّ اخْتِصَاصَ عِيسَى بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ مِنْ آكَدِ وُجُوهِ الِاخْتِصَاصِ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مِثْلُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي بَشَّرَ مَرْيَمَ/ بِوِلَادَتِهَا وَإِنَّمَا وُلِدَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ نَفْخَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ الَّذِي رَبَّاهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَكَانَ يَسِيرُ مَعَهُ حَيْثُ سَارَ وَكَانَ مَعَهُ حِينَ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لَا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَهُوَ نِهَايَةُ الذَّمِّ لَهُمْ، لِأَنَّ الْيَهُودَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا إِذَا أَتَاهُمُ الرَّسُولُ بِخِلَافِ مَا يَهْوُونَ كَذَّبُوهُ، وَإِنْ تَهَيَّأَ لَهُمْ قَتْلُهُ قَتَلُوهُ. وَإِنَّمَا كَانُوا كَذَلِكَ لِإِرَادَتِهِمُ الرِّفْعَةَ فِي الدُّنْيَا وَطَلَبِهِمْ لَذَّاتِهَا وَالتَّرَؤُّسَ عَلَى عَامَّتِهِمْ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَكَانَتِ الرسل تبطل عليه ذَلِكَ فَيُكَذِّبُونَهُمْ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَيُوهِمُونَ عَوَامَّهُمْ كَوْنَهُمْ كَاذِبِينَ وَيَحْتَجُّونَ فِي ذَلِكَ بِالتَّحْرِيفِ وَسُوءِ التَّأْوِيلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَسْتَكْبِرُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ اسْتِكْبَارَ إِبْلِيسَ عَلَى آدَمَ.

صفحة رقم 596

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية