هذا الذي ذكرنا هو قول أهل اللغة، والتفسير، في معنى الهضيم؛ وكله متقارب يرجع إلى معنى واحد؛ لأن الهضيم معناه في اللغة (١): كَسْرُ ما فيه رخاوة ولين. تقول: هضمته فانهضم كالقَصَبة المَهضُومة التي يُزْمَر بها (٢)، والهضيم بمعنى المهضوم فيدخل في هذا اللين، واللطيف، والرَّخْص، واليانع، والنضيج، والمنضم، والمتراكب؛ لأنه إذا تراكب صار كأن كلَّ واحدٍ قد نقصَ منه شيء، وكذلك: المنهشم. ويكون الهضيم بمعنى النقصان وهو نوع من الكسر، يقال: هَضَم له من حقه إذا كَسَر له منه. واللطيف في وصف الثمر هو: الرقيق الجسم؛ سمي هضيمًا لنقصانه (٣)، كما يقال: هضيم الحَشَا (٤).
١٤٩ - وقوله تعالى: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ قال عطاء، عن ابن عباس: حاذقين بنحتها (٥). وكذلك قال الكلبي، ومقاتل، وأبو
(٢) كتاب "العين" ٣/ ٤٠٩ (هضم) بنصه، ونقله عنه الأزهري ٦/ ١٠٤، وتصحفت فيه إلى: يُرمى بها. وهي كذلك في النسخ الثلاث. والقصب: كل نبت ساقه أنابيب. "تهذيب اللغة" ٨/ ٣٨١ (قصب).
(٣) في "تهذيب اللغة" ١٣/ ٣٤٧ (لطف): لَطُف الشيء يَلْطف: إذا صَغُر.
(٤) وذهب إلى هذا الجمع ابن جرير ١٩/ ١٠٠؛ قال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: الهضيم هو المنكسر من لينه ورطوبته، وذلك من قولهم: هضم فلان فلانًا حقه: إذا انتقصه وتحيفه، فكذلك الهضم في الطلع إنما هو التنقص منه من رطوبته ولينه، إما بمس الأيدي، وإما بركوب بعضه بعضاً، وأصله (مفعول) صرف إلى: (فعيل)، والحشا: ما في البطن من الكبد والطِّحال والكرش وما يتبع ذلك، كله حشاء، وقيل غير هذا. "تهذيب اللغة" ٥/ ١٣٨ (حشا).
(٥) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٠٠، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٠٢ من طريق علي بن أبي طلحة.
صالح، والفراء: فارهين حاذقين (١). وهو من قولهم. فَرُه الرجلُ فَرَاهة فهو فارِهٌ بَيَّنُ الفرَاهة والفراهية.
وقرئ: (فرهين) (٢) قال ابن عباس: أشرين بطرين (٣). ونحو هذا قال أهل اللغة في تفسير الفَرَه؛ قال أبو عبيدة: فرهين: فرحين (٤).
وقال الفراء: أشرين (٥).
قال أبو الهيثم: من قرأ: (فرهين) فسروها: أشرين بطرين، والفَرِح في كلام العرب بالحاء: الأَشِر البَطِر، يقال: لا تفرح، أي: لا تأشَر، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص: ٧٦] فالهاء هاهنا قامت مقام الحاء (٦). وقال ابن قتيبة: يقال الهاء مبدلة من حاء، فذكر نحو قول أبي الهيثم، واحتج بالآية.
(٢) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع: (فرهين) بغير ألف، وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: فَرِهِينَ بألف. "السبعة في القراءات" ٤٧٢، و"إعراب القراءات السبع وعللها" ٢/ ١٣٧، والمبسوط في القراءات العشر ٢٧٥، و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٦٦، و"النشر في القراءات العشر" ٢/ ٣٣٦.
(٣) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٠١، بلفظ: أشرين، وذكره عنه البغوي ٦/ ١٢٤، بلفظ: أشرين بطرين.
(٤) "مجاز القرآن" ٢/ ٨٨، ولم ينسبه بل قال: وقال آخرون. ونسبه الماوردي ٤/ ١٨٣، لابن شجرة.
(٥) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٨٢.
(٦) "تهذيب اللغة" ٦/ ٢٧٩ (فره).
وقد يقال في الفَرِه بمعنى الفَرِح: الفاره. كما يقال: الفارح (١).
قال أبو عبيدة: يقال فرهين وفارهين، بمعنى مرحين، وأنشد فقال:
| لا أستكينُ إذا ما أزمةٌ أزَمتْ | ولن تراني بخيرٍ فارِهَ اللَّبَبِ (٢) |
وقال قتادة: معجبين (٤).
وقال السدي: متجبرين (٥). والشره، والإعجاب، والمرح، والتجبر كله نتائج الفرح والأشر.
وروي عن عكرمة: ناعمين (٦). وهو وهم؛ لأن (٧) الذي هو بمعنى النعيم الراء فيه مقدم على الفاء من الرفاهية، وروي في فارهين، عن عطية، وعبد الله بن شداد، أنهما قالا: يتخيرون مواضع نحتها (٨). وهذا أيضًا يعود
(٢) أنشده أبو عبيدة ٢/ ٨٩، ونسبه لعدي بن وداع العُقوي. وعنه الأنباري، الزاهر ٢/ ٣٣٠، ولم ينسبه. وأبو علي، في كتابه الحجة ٥/ ٣٦٦، ولم ينسبه أيضًا. وأنشده ابن جرير ١٩/ ١٠١، ونسبه لعدي بن وداع، وفيه: الطلب، بدل: اللبب. واللبب: البالُ. "لسان العرب" ١/ ٧٣٣ (لبب).
(٣) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٠١، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٠٢.
(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٥، وعنه ابن جرير ١٩/ ١٠١.
(٥) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٠٠، عن السدي، عن عبد الله بن شداد.
(٦) نسبه القرطبي ١٩/ ١٢٩، للكلبي.
(٧) في نسخة (ب): لأنه، وهو خطأ.
(٨) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١٠٠، عن عبد الله بن شداد، من طريقين: يتجبرون. ولم أجد فيه نسبته لعطية.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي