ثم ذكر جواب فرعون ومجادلته، فقال :
قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضَّالِّينَ * فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ * وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ
يقول الحق جل جلاله : لما أتى موسى وهارونُ فرعونَ وبلَّغا الرسالة، قال له : ألم نُربِّك. . . إلخ، رُوي أنهما أتيا بابه فلم يُؤذن لهما سنة، حتى قال البواب : إن هنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال : ائذن له، لعلنا نضحك منه، فأَذِن، فدخل، فأدى الرسالة، فعرفه فرعونُ، فقال له : ألم نُربِّك فينا ؛ في حِجْرنا ومنازلنا، وليداً أي طفلاً. عبّر عنه بذلك ؛ لقُرب عهده بالولادة. وهذه من فرعون معارضة لقول موسى عليه السلام : إنا رسول رب العالمين ، بنسبته تربيته إليه وليداً. ولذلك تجاهل بقوله : وما ربُّ العالمين ، وصرح بالجهل بعد ذلك بقوله : لئن اتخذت إلهاً غيري. . . إلخ، ولبثتَ فينا من عُمُرِكَ سنين قيل : لبث فيهم ثلاثين سنة، ثم خرج إلى مدين، وأقام به عشر سنين، ثم عاد يدعوهم إلى الله - عز وجل - ثلاثين سنة، ثم بقي بعد الغرق خمسين، وقيل : قتل القبطي وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وفرّ منهم على إثر ذلك. والله أعلم.
وقول فرعون : وما رب العالمين : سؤال عن حقيقة الذات، ومعرفة الكنه متعذرة ؛ إذ ليس كمثله شيء، وأقرب ما يجاب به قوله تعالى : هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [ الحديد : ٣ ] فهذه الأسماء الأربعة أحاطت بالذات في الجملة، ولم تترك منها شيئاً، والإحاطة بالكنه متعذرة، ولو وقعت الإحاطة لم يبق للعارفين تَرَق، مع أن ترقيهم في كشوفات الذات لا ينقطع أبداً، في هذه الدار الفانية، وفي تلك الدار الباقية. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي