ﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗ

ثم يقول الحق سبحانه :
ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا١ في الأرض مفسدين ١٨٣
البخس : النقص، ومعنى أشياءهم... ١٨٣ ( الشعراء ) حقوقهم إذن، فالنقص من حق الغير ذنب، وقد يكون البخس بأخذ الشيء كله غصبا، أو بالتصرف فيه دون أمر صاحبه، أو على وجه لا يرضاه.
وهذا كله داخل في ولا تبخسوا الناس أشياءهم... ١٨٣ ( الشعراء ) كل ما ينقص الحق بأخذه بإنقاص. أو غصب أو تصرف على غير إرادة صاحبه فهو بخس للشيء.
فكل ما ثبت أنه حق لغيرك إياك أن تعتدي عليه، فالزكاة مثلا حينما يقول ربك- عز وجل- : والذين في أموالهم حق معلوم ٢٤ للسائل والمحروم ٢٥ ( المعارج ).
فما دام قد قيده الشرع، فلا تبخس أنت حق الفقير، لأنك حين تتأمل هذا الحق المعلوم الذي جعله الله من مالك للفقير، تجد أنه وضع بحكمة تراعي مدى حركة الممول، وما بذل من جهد ونفقات في سبيل تنمية ماله، حتى وجبت فيه الزكاة.
فكلما زادت حركتك قل مقدار الزكاة في مالك، فمثلا الأرض التي تسقى بماء المطر فيها العشر، والتي تسقى بآلة ونفقات فيها نصف العشر، وفي عروض التجارة وتحتاج إلى حركة أكثر قال ربع العشر، ذلك لأن الشارع الحكيم يريد للناس الحركة والسعي وتثمير الأموال، حتى لا يأتي من يقول : كيف أسعى ويأخذ غيري ثمرة سعيي ؟.
والشارع حين كفل هذا الحق للفقراء، فإنما يحمي به الفقراء والأغنياء على حد سواء. وقد حدد الشارع هذا الحق، حتى لا تزهد في العطاء، خاصة في الزكاة.
إن منهج الله يريد أن يصوب حركة الحياة من الأحياء، يريد ألا يجري دم في جسد إلا بخروج عرق هذا الجسد، وألا يدخل دم في جسد من عرق سواه، وإلا فسد المجتمع، وضن كل قادر على الحركة بحركته ؛ لأنه لا يطمئن إلى ثمار حركته أنها لا تعود عليه، أو أن غيره سيغتصبها منه بأي لون من ألوان الاغتصاب.
عندها يفسد المجتمع ؛ لأن القوي القادر سيزهد في الحركة فيقعد، والآخذ سيتعود البطالة والكسل والخمول، ولماذا يعمل وما يجري في عروقه من دماء من عمل غيره، وبمرور الوقت يصعب عليه العمل، وتثقل عليه الحركة، فيركن إلى ما نسميه ( بلطجي ) في الحياة، يعيش عالة على غيره.
إذن : الحق-تبارك وتعالى- يريد أن يطمئن كل إنسان على حركته في الحياة وثمرة سعيه، فلا يتلصص أحد على ثمرة حياة الآخر ؛ لأنه إن كان عاجزا عن الحركة فقد ضمن له ربه حقا في حركة الآخرين تأتيه إلى باب بيته، سواء أكانت زكاة أم كانت صدقة ؛ وبذلك تسلم حركة الحياة للجميع.
لذلك أراد –سبحانه وتعالى- أن يعطينا الموازين الدقيقة التي تحفظ سلامة التعامل بين الناس : فإن كلت لغيرك فوف الكيل، وإن وزنت فوف الميزان، واجعله بالقسطاس المستقيم، ولا تبخس الناس حقوقهم بأي صورة من الصور.
ولا يقتصر الأمر على هذه المسائل فحسب، إنما هي نماذج للتعامل، تستطيع القياس عليها في كل أمور الحياة فيما يقاس وفيما يعد، في الأعمال وفي الصناعات... إلخ.
إذن : فاحذر أن تتلصص على حقوق الآخرين، أو أن تبخسها، بأي نوع من أنواع التسلط : غصبا أو اختطافا أو رقة أو اختلاسا أو رشوة... إلخ.
وقلنا إن السرقة أن تأخذ شيئا من حرزه في غير وجود صاحبه، والخطف يكون صاحب الشيء موجودا، لكنك تأخذه خطفا وتفر به قبل أن يمسك بك، فإن أمسك بك فغالبته وأخذتها رغما عنه فهي غصب، أما الاختلاس فأن تأخذ من مال أنت مؤتمن عليه، ما لا يحق لك أخذه.
فإذا علم كل متحرك في الحياة أن ثمرة حركته تعود عليه، وعلم كل غير متحرك أنه يموت جوعا إن لم يعمل وهو قادر دبت الحركة في كل الأحياء، وهذا ما يريده الله تعالى لخليفته في الأرض خاصة، وقد خلق لنا سبحانه العقل الذي نفكر به، والطاقة التي نعمل بها، والمادة التي نستعين بها، فكل ما علينا أن نوظف هذه الإمكانات التي خلقها الله توظيفا مثمرا.
ثم إن كانت الزكاة كحق معلومة محددة، فهناك حق آخر غير محدد، في قوله سبحانه : وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ١٩ ( الذاريات ) ولم يقل ( معلوم ) ؛ لأن المراد هنا الصدقة المطلقة، وقد تركها الحق- تبارك وتعالى- ولم يقيدها ليترك الباب مفتوحا أمام أريحية المعطي، ومدى كرمه وإحسانه ؛ لذلك جاءت هذه الآية في سياق الحديث عن صفات المحسنين :
إن المتقين في جنات وعيون ١٥ آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ١٦ كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ٢ ١٧ وبالأسحار هم يستغفرون ١٨ وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ١٩ ( الذاريات ).
ولأن الحق هنا تفضل وزيادة تركه الشارع الحكيم دون تحديد.
وعجيب أن نرى أصحاب الأموال حين يخرج أحدهم ربع العشر مثلا من ماله، لا ينظر إلى ما تبقى له من رأس المال، وهي نسبة ٩٧، ٥%، وينظر إلى حق الفقير وهو يسير ٢، ٥%.
فنراه يحتال عليه فيؤثر به أقاربه أو معارفه، أو يضعه بحيث يعفيه من حق آخر، كذلك يعطي زكاته للخادمة مثلا، ليرضي أمها حتى لا تأخذها من يده، ومنهم من يضع أموال الزكاة في بناء مسجد أو مدرسة أو مستشفى ؛ وهذا كله لا يجوز ؛ لأن مال الزكاة حق للمستحقين المعروفين نصا في كتاب الله، ولا يصح أن يوجه مال الزكاة لشيء ينتفع به الغني أبدا.
ثم يقول سبحانه : ولا تعثوا في الأرض مفسدين ١٨٣ ( الشعراء ) عثا : أي أفسد، فالمعنى : لا تفسدوا في الأرض، فلماذا كرر الإفساد مرة أخرى فقال مفسدين ١٨٣ ( الشعراء ) ؟ قالوا : المراد : لا تعثوا في الأرض حالة كونكم مفسدين، أو في نيتكم الإفساد.
وليس في الآية تكرار ؛ لأنه فرق بين إفساد شيء وأنت لا تقصد إفساده، إنما حركتك في الحياة أفسدته، وبين أن تفسد عن قصد وعمد للإفساد، حتى لا نمنع العقول أن تفكر وتجرب لتصل إلى الأفضل، وتثري حركة الحياة، فما دمت قد قصدت الصلاح، فلا عليك إن أخطأت ؛ لأن ربك- عز وجل – يتولى تصحيح هذا الخطأ، بل ويعوضك عنه، فمن اجتهد فأخطأ فله أجر، ومن اجتهد فأصاب فله أجران٣.
إذن : المعنى : لا تفسدوا في الأرض وأنتم تقصدون الإفساد، لكن كيف نفسد الأرض ؟ إن إفساد الأرض يعني إفساد المتحرك عليها ؛ لأن الأرض خلقت للإنسان والأرض وضعها للأنام ١٠ ( الرحمن ).
وقد خلقها الله تعالى على هيئة الصلاح، والإنسان هو الذي يفسدها، بدليل أنك لا تجد الفساد إلا فيما للإنسان دخل فيه. أما ما لا تطوله يده، فيظل على صلاحه، وعلى استقامته وسلامته.
والإنسان الذي خلقه الله وجعله خليفة له في أرضه طلب منه عمارة هذه الأرض وزيادة صلاحها، تحقيقا لقول ربه عز وجل : هو أنشأكم من الأرض واستعمركم ٤ فيها... ٦١ ( هود ).
ولا يصلح أن نستعمر الأرض وهي خراب، فإذا ما كثر النسل لا يقابل زيادة في استثمار الأرض، فتحدث الأزمات، ولو أن استثمار الأرض وإصلاحها سار مع زيادة في خطين متوازنين لما شعر الناس بالحاجة والضيق، ولما أحاطت بهم الأزمات.
والآن حين تسير في الطريق الصحراوي مثلا تجد المزارع في الصحراء، وتجد القوى الجديدة تحولت فيها الأرض الجرداء إلى خضرة ونماء، فأين كانت هذه الثورة ؟ لقد كنا كسالى وفي غفلة حتى عضنا الجوع، وضاقت بنا الأرض الخضراء في الوادي والدلتا.
وإذا لم يصلح الإنسان في الأرض فلا أقل من أن يتركها على حالها الذي خلقها الله عليه. لكن رأينا الإنسان يفسد الماء ويلوثه حين يصرف فيه مخلفاته ويفسد الهواء بعادم السيارات والمصانع، ويفسد التربة بالكيماويات والمبيدات، وكل هذا الإفساد خروج عن الطبيعة الصافية التي خلقها الله لنا ؛ ذلك لأننا نظرنا إلى النفع العاجل، وأغفلنا الضرر الآجل.
لقد خلق الله لنا وسائل الركوب والانتقال، وجعلها آمنة لا ضرر منها : والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة... ٨ ( النحل ).
وقال : وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق هذه الأنفس... ٧ ( النحل ) نعم، وسائل النقل الحديث أسرع، وأراحت هذه المواشي، لكنها أتعبت الإنسان الذي خلق الله الكون كله لراحته. فترى الرجل يركب سيارته وكل همه أن يسرع بها دون أن يهتم بضبطها وصيانتها، فينطلق بها مخلفا سحابة من الدخان السام الذي يؤذي الناس، أما هو فغير مكترث بشيء ؛ لأن الدخان خلفه لا يشعر به.
لكن، احذر جيدا، إن ربك- عز وجل – قيوم لا يغفل ولا ينام، وكما تدين تدان في نفسك، أو في أولادك.
كذلك قبل أن نركب السيارات ونسرع بها يجب أن نمهد لما الطرق حتى لا تثير الغبار في وجوه الناس، وتؤذي تنفسهم، بل وتؤذي الزرع أيضا، كل هذه وجوه للإفساد في الأرض ؛ لأننا ندرس عاجل النفع ولا ندرس آجل الضرر.
وعليك حين تجتهد أن تجتهد بمقدمات سليمة، لتصل إلى النتائج السليمة، ولا تكن من المفسدين.
ومن الإفساد في الأرض قطع الطريق، وهو أن المتلصص يقيم في مكانه يرصد ضحيته إلى أن تمر به، والإغارة وهي أن يذهب المغير إلى المغار عليه في مأمنه، فيسلبه ماله.
ومن الإفساد في الأرض الرشوة، وهي من أنكى النكبات التي بلي بها المجتمع، وهي تولد التسيب وعدم الانضباط، فحين ترى غيرك يستغلك، ويستحل مالك، دون حق، تعامله و تعامل غيره نفس المعاملة، فتصير الأمور في الأجهزة والمصالح إلى فوضى لا يعلم مداها إلا الله.

١ عثا عثوا: أفسد أشد الإفساد.(القاموس القويم ٢/٧)..
٢ الهجوع: النوم ليلا. والتهجاع: النومة الخفيفة.(لسان العرب –مادة: هجع).
٣ عن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" أخرجه البخاري في صحيحه(٧٣٥٢)، ومسلم في صحيحه (١٧١٦) كتاب الأقضية..
٤ أي: أذن: لكم في عمارتها واستخراج قوتكم منها وجعلكم عماراها. وأعمره المكان واستعمره فيه: جعله يعمره.(لسان العرب- مادة: عمر).

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير