إنَّ في ذلك الإنبات، أو : كل صنف من تلك الأصناف لآيةً عظيمة دالة على كمال قدرته، وسعة علمه وحكمته، ونهاية رحمته الموجبة للإيمان، الوازعة عن الكفر والطغيان. وما كان أكثرُهُم أي : أكثر قومه - عليه الصلاة والسلام - مؤمنين في علم الله تعالى وقضائه، حيث عَلِمَ أنهم سيصرفون عنه، ولا يتدبرون في هذه الآيات العظام. وقال سيبويه :" كان " : صلة، والمعنى : وما أكثرهم مؤمنين، وهو الأنسب بمقام عتوهم وغلوهم في المكابرة والعناد، مع تعاضد موجبات الإيمان من جهته تعالى. وأما نسبة كفرهم إلى علمه تعالى وقضائه فربما يتوهم أنهم معذورون فيه بحسب الظاهر ؛ لأن التفريق بين القدرة والحكمة، اللتين هما محل التحقيق والتشريع، قد خفي على مهرة العلماء، فضلاً عن غيرهم. فالحكم بزيادة " كان " أقرب ؛ كأنه قيل : إن في ذلك لآية باهرة موجبة للإيمان، وما أكثرهم مؤمنين مع ذلك ؛ لغاية عتوهم وعنادهم. ونسبة عدم الإيمان إلى أكثرهم ؛ لأن منهم من سبق له أنه يؤمن.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي