١٥٨- قال أبو عمر : ذكر الله- عز وجل- في كتابه الكلالة في موضعين، ولم يذكر في كلا الموضعين وارثا غير الإخوة، فأما الآية التي في صدر سورة النساء، قوله : وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ، فقد أجمع العلماء أن الإخوة في هذه الآية عنى بهم الإخوة للأم، ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب والأم، أو للأب ليس ميراثهم هكذا.
وقد روي عن بعض الصحابة أنه كان يقرأ : " وله أخ أو أخت من أم "، فدل هذا مع ما ذكرنا من إجماعهم على أن المراد في هذه الآية الإخوة للأم خاصة.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن، قال : أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار. قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال : أخبرنا إبراهيم بن عبد الله، قال : أخبرنا هشيم، قال : أخبرنا يعلى بن عطاء، عن قاسم بن ربيعة بن قائف، قال : سمعت سعد١ يقرأ : " وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت من أمه " ورواه شعبة عن يعلى بن عطاء مثله بإسناد سواء.
وأما الآية التي في آخر سورة النساء، قوله تعالى : يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة –الآية، إلى قوله : وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين ٢، فلا يختلف علماء المسلمين قديما وحديثا، أن ميراث الإخوة للأم ليس هكذا، فدل إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في هذه الآية هم إخوة المتوفى لأبيه وأمه، أو لأبيه. ودلت الآيتان جميعا أن الإخوة كلهم كلالة، وأنهم إذا ورثوا المتوفى فإنه يورث كلالة، وهذا ما لا خلاف فيه، ولهذا – والله أعلم- قال من قال من الصحابة٣ : إن وراثة من عدا الوالد والولد كلالة ؛ لأن الإخوة إذا كانوا كلالة، كان من هو أبعد منهم أولى أن يسمى كلالة.
وقد اختلف الناس في المسمى بالكلالة، أهو الميت الذي لا ولد له ولا والد. أم ورثته ؟ فقال أكثر المدنيين والكوفيين : الكلالة : الذين لا ولد فيهم ولا والد. وقال البصريون : الكلالة : الميت الذي لا ولد له ولا والد، وروي ذلك عن ابن عباس. ( ت : ٥/١٩٩-٢٠٠. وانظر س : ١٥/٤٦٠ )
٢ - سورة النساء: ١٧٥..
٣ - قال ابن جرير، حدثنا الوليد بن شجاع السكوني، قال: ثني علي بن مسهر، عن عاصم، عن الشعبي. قال: قال أبو بكر- رضي الله عنه- إني قد رأيت في الكلالة رأيا، فإن كان صوابا فمن الله وحده لا شريك له، وإن يكن خطأ فمني والشيطان. والله منه بريء. إن الكلالة: ما خلا الولد والوالد. فلما استخلف عمر- رضي الله عنه- قال: إني لأستحيي من الله تبارك وتعالى أن أخالف أبا بكر في رأي رآه. جامع البيان: ٤/٢٨٤..
جهود ابن عبد البر في التفسير
أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي