ولكم نصف ما ترك أزواجكم أي زوجاتكم إن لم يكن لهن ولد أي صاحب فرض أو عصبة من الأولاد سواء كان بواسطة أو بلا واسطة فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أودين ولهن أي للزوجات واحدة كانت أو أكثر الر بع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد الصلب أو وولد الابن فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أودين وكذا ترث المعتدة من الطلاق الرجعي دون البائن إن كان الزوج طلقها صحيحا وكذا إن طلقها في مرض موته رجعيا إجماعا غير أن أبا حنيفة يقول ترث إن مات وهي في العدة، وقال أحمد : ترث وإن انقضت عدتها ما لم تتزوج قبل موته، وقال مالك ترث وإن تزوجت وللشافعي أقوال كالمذاهب الثلاثة، وكذا إن طلق في مرض موته طلاقا بائنا عند أبي حنيفة وأحمد إلا أن أبا حنيفة يشترط في إرثها أن لا يكون الطلاق عن طلب منها لأنها إن طلبت رضيت بإبطال حقها وللشافعي قولان أظهرهما أنها لا ثرت. روى أحمد عن معمر أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة فقال صلى الله عليه وسلم :" اختر منهن أربعا " فلما كان عهد عمر طلق نساءه وقسم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر فقال : إني لأظن الشيطان مما يسترق من السمع سمع موتك فقذفه في نفسك وأعلمك أنك لا تمكث إلا قليلا وايم الله لتراجعن نسائك ولترجعن مالك أو لأورثهن منك ولأمرت بقبرك فيرجم كما رجم قبر أبي رغال " وحكم البخاري بصحة الموقوف منه عن الزهري عن سالم عن أبيه بخلاف أول القصة. قلت : هذا الحديث سند الإجماع على ألا ميراث بعد الطلاق الرجعي والحجة للجمهور على إيراثها بعد البائن أن عثمان رضي الله عنه ورث تماضر بنت الأصبع بن زياد الكلبية، وقيل بنت عمرو بن الشريد السلمية من عبد الرحمن بن عوف لما بت طلاق في مرضه ومات وهي في العدة بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعا وقال ما اتهمته، ولكن وردت السنة وبمذهبنا ذهب عمر وابنه وعثمان وابن مسعود والمغيرة ونقله أبو بكر الرازي عن علي وأبي بن كعب وعبد الرحمن بن عوف وعائشة وزيد بن ثابت ولم يعلم عن صحابي خلافه، وهو مذهب النخعي والشعبي وسعيد ابن المسيب وابن سيرين وعروة وشريح وربيعة بن عبد الرحمن وطاووس بن شبرمة والثوري والحماد بن أبي سليمان والحارث.
وإن كان رجل يعني الميت أو الوارث يورث صفة رجل، فإن كان المراد به الميت فالمعنى يورث منه وإن كان المراد به الوارث فهو من أورث كلالة خبر كان أو خبره يورث وكلالة حال من الضمير فيه، وجاز أن يكون كلالة مفعولا له إن كان المراد بالكلالة قرابة ليست من جهة الولد. وهو في الأصل مصدر بمعنى الكلال أعني الإعياء يقال : كل الرجل في مشيه كلالا والسيف عن ضربته كلولا وكلالة واللسان عن الكلام فاستعير لقرابة وليست بالبعضية يعني ليس أحدهما متوالدا من الآخر لأنها كالة بالإضافة إليها ثم وصف بها من لا يرث منه والد ولا ولد ومن يرث ممن ليس له والد ولا ولد بمعنى ذي كلالة كذا قال البيضاوي، وقال البغوي : هو اسم للموروث الذي لا ولد له ولا والد وهو قول علي وابن مسعود رضي الله عنهما لأنه مات عن ذهاب طرفيه فكل عمود نسبه، وقال سعيد بن جبير : هو اسم لوارث ليس والدا للميت ولا ولده لأنهم يتكللون الميت من جوانبه وليس في عمود نسبه أحد كالإكليل يحيط بالرأس ووسط الرأس منه خال، وعليه حديث جابر حيث قال : إنما يرثني كلالة أي يرثني ورثة ليسوا لي بولد ولا والد. وسئل أبو بكر عن الكلالة فقال : إني سأقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان أراه ما خلا الوالد والولد، فلما استخلف عمر قال إني لأستحي الله إن أراد شيئا قاله أبو بكر رواه البيهقي عن الشعبي، رواه ابن أبي حاتم في تفسيره والحاكم بإسناد صحيح عن ابن عباس عن عمر قوله وفي حديث مرفوع عن أبي هريرة فسر الكلالة بأنها غير الوالد والولد رواه الحاكم، وأخرج أبو الشيخ عن البراء قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلالة قال :" ما خلا الوالد والولد " وكذا أخرج أبو داود في المراسيل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عنه صلى الله عليه وسلم قال :" من لم يترك والدا ولا ولدا فورثته كلالة " قلت : والمراد بالوالد والولد في تفسير الكلالة الذكر من الأصولي أو الفروع حتى أنه إذا كان للميت بنت أو أم فهو كلالة أيضا يدل عليه حديث جابر فإن جابر بن عبد الله كان له عند نزول الآية بنت فقط ولم يكن له والد لن أباه عبد الله بن حرام مات يوم أحد قبل هذا والأخوة والأخوات ترث مع الأم والبنت بالإجماع، والمراد بالولد أعم من ولد الابن حتى لا يرث الأخوة مع ابن الابن بالإجماع، وكذا المراد بالوالد أعم من الجد لعدم الفصل بين الوالد والولد في تفسير الكلالة والله أعلم أو امرأة عطف على رجل، ونظم الآية وإن كان رجل أو امرأة يورث يعني أحدهما كلالة وله الضمير عائد إلى رجل لأنه مذكر، مبتدأ به أو إلى أحدهما من رجل وامرأة المذكورين وهو مذكر، والجملة الظرفية معطوف على خبر كان إن كان المراد برجل الميت، وإن كان المراد به الوارث فالضمير عائد إلى المورث المفهوم من السياق كضمير لأمه والجملة الظرفية حال من ضمير يورث والمعنى وإن كان رجل أو امرأة يورث أحدهما من الميت كلالة وهو يعني الوارث للميت أخ أو أخت أجمعوا على أن المراد بالأخ والأخت هاهنا الأخ والأخت لأم فقط يدل عليه قراءة أبي وسعد بن أبي وقاص، روى البيهقي أن سعدا قال الراوي أظنه ابن أبي وقاص كان يقرأ وله أخ أو أخت من أم " وروى أبو بكر بن المنذر أيضا عن سعد كذلك، وحكى الزمخشري عنه وعن أبي كعب، وقيل : قرأ ابن مسعود كذلك. قال الحافظ ابن حجر : لم أره عن ابن مسعود، ومن هاهنا يظهر أنه يجوز العمل بالقراءة الغير المتواترة كما هو مذهب أبي حنيفة إذا صح إسناده خلافا للشافعي في الأصول، قال البغوي : قال أبو بكر الصديق في خطبته : ألا إن الآية التي أنزل الله في أول سورة النساء في بيان الفرائض أنزلها في الولد والوالد والآية الثانية في الزوج والزوجة والأخوة من الأم والآية التي ختم بها السورة في الأخوة والأخوات من الأب ولأم والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " ١ { فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث أجمعوا على أن أولاد الأم إذا كانوا اثنين فصاعدا يشتركون في الثلث ذكرهم وأنثاهم في الاستحقاق والقسمة سواء. واختلفوا في مسألة حمارية وهي زوج وأم وأخوان لأم وأخ لأبوين : فللزوج النصف وللأم السدس وللأخوة من أم الثلث ولا شيء لأخ لأبوين واحدا كان أو أكثر عند أبي حنيفة وأحمد وداود لأنه عصبة ولم يبق من أصحاب الفرائض شيء، وقال مالك والشافعي : يشارك الأخ لأبوين الأخوين لأم في الثلث الذي هو فرض لهما، ذكر الطحاوي أن عمر كان لا يشرك حتى ابتلى بمسألة فقال له الأخ لأب وأم : يا أمير المؤمنين هب أن أبانا كان حمارا ألسنا من أم واحدة ؟ فشركهم ولذلك سمى المسألة حمارية، ورواه الحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن من حديث زيد بن ثابت وصححه الحاكم وفيه أبو أمية بن يعلى الثقفي ضعيف ورواه من طريق الشعبي عن عمر وعلي وزيد بن ثابت أنه لم يزدهم الأب إلا قربا، وأخرج الدارقطني من طريق وهب بن منبه عن مسعود بن الحكم الثقفي قال : أتى عمر في امرأة تركت زوجها وأمها وأخواتها لأمها وأخواتها لأبيها وأمها فشرك الأخوة للأم والأخوة للأب والأم، فقال له رجل : إنك لم تشرك بينهم عام كذا ؟ فقال : تلك على ما قضينا وهذه على ما قضينا، وأخرجه عبد الرزاق وأخرجه البيهقي من طريق ابن المبارك عن معمر، لكن قال عن الحكم عن ابن مسعود وصوبه النسائي، وأخرج البيهقي أيضا أن عمر أشرك بين الأخوة وأن عليا لم يشرك.
مسألة : ويسقط أولاد الأم بالولد وولد الابن والأب والجد بالإجماع، وإنما الخلاف في سقوط الأخوة من الأب أو منها مع الجد كما سبق، وكان القياس سقوطهم مع الأم لأنه من يدلي إلى الميت بشخص فإنه يسقط مع ذلك الشخص لكن تركنا القياس بالإجماع و لأن الأم لا ترث جميع المال من بعد وصية يوصى بها قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم بفتح الصاد على البناء للمفعول والباقون بكسر الصاد على البناء للفاعل أو دين غير مضار حال من فاعل يوصي على قراءة من قرأ على البناء للفاعل، وأما على قراءة من قرأ على البناء للمفعول فهو حال من فاعل فعل مضمر يدل عليه الكلام فإن الفعل المبني للمفعول يدل على فعل مبني للفاعل، كما في قول الشاعر : ليبك يزيد ضارع لخصومة، أي غير مضار لورثته بالزيادة على الثلث في الوصية أو الإقرار بدين كاذبا أو الوصية بقصد الإضرار بالورثة دون القربة. عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار، ثم قرأ أبو هريرة من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار إلى قو له : وذلك الفوز العظيم ٢ رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه، وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من قطع ميراث وارثه قطع ميراثه من الجنة يوم القيامة " ٣ رواه ابن ماجه ورواه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة، وعن علي :" لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث " رواه البيهقي، وروي أيضا عن ابن عباس أنه قال : الذي يوصي بالخمس أفضل من الذي يوصي بالربع الحديث.
( فائدة ) : قيد الله تعالى الوصية والدين هاهنا بقوله غير مضار لا فيما سبق مع أنه معتبر في الجميع، لأن قرابة الأولاد وحسن معاشرة الأزواج مانع من الضرار غالبا وفي بني الأخياف مظنة الضرار قوي فلذا قيده بذلك.
( فصل ) الوصية منها الواجب والمندوب والمباح والحرام والمكروه، فمن كان عليه من دين أو زكاة أو نذر أو حج أو فائتة صلاة أو صوم يجب عليه أن يوصي بأداء ما وجب عليه وبفدية الصلاة والصوم من ماله فينفذ الديون من جميع ماله ويقدم من الديون ما هو معروفة الأسباب على غير ذلك عند أبي حنيفة، وقال الشافعي : هما سواء. وما عدا الدين ينفذ من ثلث ماله ولا يجوز أن يهمل مثل هذه الوصية، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " ٤ متفق عليه، وفي رواية لمسلم " ثلاث ليال " ومن ليس عليه واجب يستحب أن يوصى بالتصدق بما دون الثلث بالعشر أو الخمس أو الربع، ويباح إلى الثلث إن كان الورثة أغنياء لما مر من الأحاديث وإن كان الورثة فقراء فحينئذ يكره الوصية تنزيها، وترك الوصية أولى لما فيه من الصدقة على القريب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم صدقة وصلة " ٥ رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والدارمي. ويحرم من الوصية ما فيه مضار للورثة أو قصد الإضرار بهم وصية من الله مصدر مؤكد أي يوصيكم وصية أو منصوب بغير مضار على المفعول به، يعني حال كونه غير مضار وصية من الله وهو الثلث فما دونه بالزيادة أو وصية بالأولاد والأزواج والأقارب بالإسراف في الوصية والإقرار الكاذب والله عليم بالمضار وغيره حليم لا يعاجل ب
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: الوصايا، باب، ما جاء في الوصية بالثلث (٢١١٦) وأخرجه أبو داود في كتاب: الوصايا، باب: ما جاء في كراهية الإضرار في الوصية (٢٨٦٤)..
٣ أخرجه ابن ماجه في كتاب: الوصايا، باب: الحيف في الوصية (٢٧٠٣) وفي الزوائد: في إسناده زيد العمي..
٤ أخرجه البخاري في أول كتاب: الوصايا (٢٧٣٨) وأخرجه مسلم في أول كتاب: الوصية (١٦٢٧)..
٥ أخرجه الترمذي في كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في الصدقة على ذي القرابة (٦٥٨) وأخرجه النسائي في كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على الأقارب (٢٥٧٢) وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الزكاة، باب: فضل الصدقة (١٨٤٤)..
التفسير المظهري
المظهري