يعتقده أهل السنة أن بعض العصاة يحترق في نار جهنم ويموت، بخلاف أهل النار لا يموتون ولا يحيون.
والكلمة الأخيرة: إن اليتامى عاجزون ضعاف يستحقون كل عناية ورعاية لمصالحهم، وتربية لهم تعوضهم عن فقد أبيهم، لذا عني القرآن بشأنهم فأنزل الله فيهم تسع آيات متتابعات من أول سورة النساء إلى آخر الآية السابقة، قرر فيها جميعا الأمر بحفظ مال اليتيم ورعايته، وأكّد فيها النّهي عن أكل ماله وتضييع حقّه. كما أنه أنزل فيهم آيات أخرى متفرقة منها: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء ١٧/ ٣٤]، ومنها: وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ [النساء ٤/ ١٢٧]، ومنها: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى ٩٣/ ٩]، ومنها:
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى، قُلْ: إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ، وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [البقرة ٢/ ٢٢٠]،
وقال صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن سهل بن سعد: «أنا وكافل اليتيم كهاتين، وأشار بأصبعيه: السبابة والوسطى».
آيات المواريث
[سورة النساء (٤) : الآيات ١١ الى ١٢]
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)
الإعراب:
كُنَّ نِساءً كان واسمها وخبرها، وتقديره: إن كانت المتروكات نساء فوق اثنتين. وإنما ثبت للبنتين الثلثان بالسّنة، ودلالة النّص على أن الأختين لهما الثلثان في قوله تعالى: فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ إذ ليس هاهنا في الآية نصّ يدلّ على ذلك.
وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً خبر كان الناقصة، وتقديره: فإن كان المتروك واحدة، وقرئ بالرفع على أنه فاعل كان التامة، وهي بمعنى: حدث ووقع.
فَلِأُمِّهِ من ضمها فعلى الأصل، ومن كسرها فعلى الاتباع، كقولهم: المغيرة في المغيرة.
آباؤُكُمْ مبتدأ، خبره: لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ.
نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ نَفْعاً: تمييز، وفَرِيضَةً: منصوب على المصدر، وتقديره: فرض الله ذلك فريضة.
وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً كانَ هنا تامة، ورَجُلٌ: فاعل، ويُورَثُ: جملة فعلية صفة رجل، وكَلالَةً: منصوب من أربعة أوجه: إما حال من ضمير يُورَثُ، وإما تمييز، والمراد بالكلالة في هذين الوجهين: الميت، وإما صفة مصدر محذوف تقديره: يورث وراثة كلالة، والمراد بالكلالة في هذا الوجه: المال، وإما خبر كان، والمراد بالكلالة في هذا الوجه اسم الورثة. وتقديره: ذا كلالة. غَيْرَ مُضَارٍّ حال من ضمير يوصى.
وَصِيَّةٍ منصوب على المصدر. وقوله: وَلَهُ أَخٌ يعود على الرجل، وهذا في العطف بأو جائز.
البلاغة:
يوجد طباق في لفظ (الذكر) والْأُنْثَيَيْنِ، وفي آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ. ويوجد جناس اشتقاق في وَصِيَّةٍ يُوصِي، وهناك إطناب في مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ ومِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ للتأكيد. وقوله: عَلِيمٌ حَلِيمٌ للمبالغة.
المفردات اللغوية:
يُوصِيكُمُ أي يأمركم الله ويفرض عليكم. والوصية: ما تعهد به إلى غيرك من العمل في المستقبل، أي أمر له حَظِّ نصيب. عَلِيماً بخلقه. حَكِيماً فيما دبّره لهم. كَلالَةً مصدر وهو الإعياء، ثم استعمل في القرابة البعيدة غير قرابة الأصول والفروع، وهو من لا والد له ولا ولد أي له قرابة فقط من الحواشي. عَلِيمٌ بما دبّره لخلقه من الفرائض. حَلِيمٌ بتأخير العقوبة عمن خالفه.
سبب النزول: نزول الآية (١١) :
يُوصِيكُمُ اللَّهُ:
أخرج الأئمة الستة عن جابر بن عبد الله قال: عادني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني النّبي صلّى الله عليه وسلّم لا أعقل شيئا، فدعا بماء فتوضأ، ثم رش علي، فأفقت، فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي، فنزلت: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ.
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم عن جابر قال: جاءت امرأة
سعد بن الربيع إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في أحد شهيدا، وإنّ عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالا، ولا تنكحان إلا ولهما مال، فقال: يقضي الله في ذلك، فنزلت آية الميراث: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى عمهما فقال:
«أعط بنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك».
قالوا: وهذه أول تركة قسمت في الإسلام.
قال الحافظ ابن حجر: تمسك بهذا من قال: إن الآية نزلت في قصة ابنتي سعد، ولم تنزل في قصة جابر، خصوصا أن جابرا لم يكن له يومئذ ولد، قال:
والجواب أنها نزلت في الأمرين معا، ويحتمل أن يكون نزول أولها في قصة البنتين، وآخرها وهو قوله تعالى: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً في قصة جابر، ويكون مراد جابر بقوله: فنزلت: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ أي ذكر الكلالة المتصل بهذه الآية.
المناسبة:
ذكر سبحانه وتعالى في الآية السابقة حكم ميراث القرابة إجمالا في قوله:
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ثم فصّل في آيات المواريث أنصباء الورثة، فبيّن حقوق الأولاد (الفروع) وحقوق الآباء والأمهات (الأصول)، وحقوق الزوجين، وحقوق الإخوة لأم، أما الإخوة لأب فحكمهم في آخر السورة.
وكانت أسباب الإرث في الجاهلية ثلاثا:
١- النسب: للرجال المقاتلين، وليس للنساء والصغار شيء.
٢- التّبني: يعطى الولد المتبنى مثل الولد الأصلي في الميراث.
٣- الحلف والعهد: بأن يقول الرجل لآخر: «دمي دمك وهدمي هدمك «١»، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك».
فأقرّ الإسلام ما عدا التّبني الذي أبطله بقوله تعالى: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ [الأحزاب ٣٣/ ٤]. وأما التوارث بالنّسب فأقره بقوله تعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ [النساء ٤/ ٣٣]، وأما التوارث بالعهد فأجازه بقوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ [النساء ٤/ ٣٣].
وزاد الإسلام في مبدأ الأمر سببين آخرين هما الهجرة والمؤاخاة، ثم نسخ العمل بهما بقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [الأنفال ٨/ ٧٥]. واستقر العمل على أن أسباب الإرث ثلاثة: النسب، الزواج، الولاء، أي الإرث بسبب عتق السيد عبده أو أمته.
التفسير والبيان والأحكام:
حقوق الأولاد في الميراث:
بدأ الله تعالى بالأولاد، لأنهم أحق بالعطف والعون لضعفهم، أما الأصول فقد يكون لهم حق واجب على غير المتوفى، أو لهم قدرة على الكسب. فقال: يعهد إليكم في ميراث أولادكم، بمعنى يأمركم ويفرض عليكم في شأن أولادكم من بعدكم أو في ميراثهم ما يستحقون من أموالكم، على أساس قاعدة: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ أي إذا مات الميت، وترك ذكورا وإناثا، فللذكر ضعف الأنثى لأن الرجل مطالب بالنفقة وبالعمل والتكسب وتحمل المشاق ودفع مهر زوجته، ولا تطالب المرأة بالإنفاق على أحد، سواء أكانت بنتا أم أختا أم أمّا أم زوجة أم عمة أم خالة، وإنما بعد الكبر أو البلوغ تنفق على نفسها إن لم تكن زوجة.
فإن كانت المتروكات نساء: بنات أو أخوات فوق اثنتين فلهما الثلثان مما ترك المتوفى، وإن كانت المتروكة واحدة ليس معها ذكر يعصبها فلها النصف.
وقد وقع خلاف في ميراث البنتين إذا انفردتا عن أخ ذكر، فقال ابن عباس: حكمهما كالبنت الواحدة، لهما النصف، لظاهر الآية: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ، فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ.
وقال الجمهور: البنتان كالأختين لهما الثلثان، قياسا لهما على الأختين اللتين قال الله فيهما: فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ، ولأن البنت تأخذ مع أخيها الثلث، فأولى أن تأخذه مع أختها، ولأن ابن مسعود قضى في بنت وبنت ابن وأخت: بالسّدس لبنت الابن والنّصف للبنت تكملة الثلثين، فجعل لبنت الابن مع البنت الثلثين، فبالأحرى يكون للبنتين الثلثان. ويجوز أن يكون معنى قوله: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ: فإن كنّ نساء اثنتين فما فوق، مثل قوله تعالى: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ [الأنفال ٨/ ١٢] أي اضربوا الأعناق فما فوقها.
والخلاصة: إذا كان الأولاد ذكورا وإناثا فللذكر ضعف الأنثى. وإذا كان المولود أنثى واحدة كان لها النصف، وإذا كان هناك أنثيان فأكثر، كان لهن الثلثان في رأي الجمهور، وإذا انفرد الولد الذكر يأخذ التركة، وإذا كان معه أخ فأكثر اقتسموا التركة بالمساواة.
وأولاد الابن وأولادهم مثل الأبناء، الأعلى يحجب الأدنى، فإن كان الأعلى أنثى كبنت وابن ابن، أخذت البنت النصف، والباقي لابن الابن. وإن كان ولد الولي أنثى كان للعليا النصف، وللسفلى السدس تكملة الثلثين. وإن كان الولد الأعلى بنتين أخذتا الثلثين، ولم يبق للبنت السفلى شيء إلا إذا عصبها ذكر في درجتها أو أسفل منها.
ميراث الوالدين:
لكل واحد من أبوي الميت السدس من التركة إن كان للولد الميت ولد ذكر أو أنثى، واحد أو جماعة، والباقي للأولاد على النحو السابق، فإن لم يكن له ولد أصلا وورثه أبواه فلأمه الثلث. والسبب في تساوي الوالدين في الميراث مع وجود الأولاد: هو توفير احترامهما على السواء. وأما سبب كون نصيب الوالدين أقل من نصيب الأولاد فهو إما كبرهما وإما استغناؤهما، وإما لوجود من تجب عليهما نفقتهما من أولاد أحياء. وأما الأولاد فبحاجة إلى نفقات كثيرة إما بسبب الصغر، وإما بسبب الحاجة إلى الزواج وتحمل أعباء الحياة حال الكبر.
فإن كان للميت مع وجود أبويه إخوة جماعة ذكورا أم إناثا، كان للأم السدس بدلا من الثلث، سواء أكانت الإخوة أشقاء أم لأب أم لأم.
والاثنان من الإخوة كالثلاثة فأكثر لأن النّبي صلّى الله عليه وسلّم والخلفاء الراشدين قضوا بأن الأخوين والأختين يردان الأم من الثلث إلى السدس. أخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه دخل على عثمان رضي الله عنهما، فقال: لم صار الأخوان يردان الأم من الثلث إلى السدس، وإنما قال الله: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة؟ فقال عثمان رضي الله عنه: هل أستطيع نقض أمر كان قبلي، وتوارثه الناس، ومضى في الأمصار؟
أي أن هناك إجماعا في الشرع على ذلك، ويؤيده أنه ورد في اللغة إطلاق الجمع على الاثنين، قال تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التحريم ٦٦/ ٤]، وقال:
وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ [ص ٣٨/ ٢١]، ثم قال: خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ [ص ٣٨/ ٢٢].
والخلاصة: إن للأم الثلث إذا لم يكن معها فرع وارث أو اثنان فصاعدا من الإخوة أو الأخوات، ولها السدس مع الفرع الوارث أو العدد من الإخوة أو
الأخوات. وللأب السدس مع الفرع الوارث، فإن كان الفرع بنتا أخذت النصف، وأخذ الأب بالفرض والتعصيب، وللأم ثلث الباقي إذا كان مع الأبوين أحد الزوجين، وهي المسألة العمرية أو الغراء، كما في زوج وأب وأم، أو زوجة وأب وأم، ففي الأولى: للزوج النصف، وللأب الباقي تعصيبا، وللأم ثلث الباقي بعد فرض الزوج وهو سهم من ستة، وفي الثانية: للزوجة الربع من ١٢ لعدم الفرع الوارث وللأب الباقي تعصيبا، وهو ستة، وللأم ثلث الباقي وهو ثلاثة أسهم.
تقديم الديون ثم الوصايا:
إن قسمة المواريث كلها بين الورثة مقدم عليه أولا إيفاء الديون المتعلقة بالتركة، وتنفيذ الوصايا، فالله تعالى يوصي ويأمر بقسمة المواريث على النحو الذي شرع من بعد وصية يوصى بها من الميت، ومن بعد دين تعلق بذمة الميت قبل موته.
وقدمت الوصية على الدّين مع أن الواجب تقديم الدّين أولا في الوفاء، حثّا على تنفيذها واهتماما بشأنها ومنعا من جحودها، أما الدّين فمعلوم قوّته، قدم أو لم يقدم. ثم إن أَوْ هاهنا للإباحة، ولا تقتضي الترتيب. ودليل تقديم وفاء الدّين:
ما رواه علي كرّم الله وجهه وأخرجه عنه جماعة كابن جرير الطبري: إنكم تقرؤون هذه الآية: من بعد وصية يوصى بها أو دين، إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قضى بالدّين قبل الوصية، فليس لأحد من الورثة ولا من الموصى لهم حق في التركة إلا بعد قضاء الدّين. ولو استغرق الدّين التركة، فليس لأحد شيء.
ويقدم على الدّين والوصية والميراث نفقات تكفين الميت وتجهيزه ودفنه، تكريما لإنسانيته واحتراما لآدميته.
وإنما يقدم الدّين على الوصية والميراث لأن ذمة الميت مرتهنة به، وأداء الدين أولى من فعل الخير الذي يتقرب به.
وتقديم الوصية على الميراث في حدود ثلث التركة لأنه القدر المأذون بالإيصاء به
في السّنة النّبوية فيما رواه الجماعة عن سعد: «الثلث والثلث كثير».
ثم أتى النّص القرآني بجملة معترضة للتنبيه على جهل المرء بعواقب الأمور، فبيّن تعالى أن هؤلاء الذين أوصاكم الله بهم وقدر أنصباءهم، هم آباؤكم وأبناؤكم، فلا تجوروا في القسمة ولا تحرموا البعض كما كان يفعل العرب في الجاهلية إذ لا تدرون بمن هو أقرب لكم نفعا.
فرض الله ذلك فريضة محتمة، وإن الله يعلم بما يصلح خلقه، حكيم في تدبيره، يضع الأمور في موضعها الصحيح المناسب، ولا يشرع لكم إلّا ما فيه المنفعة لكم، وقسم الميراث بينكم على أساس من الحق والعدل والمصلحة، فالزموا قسمته ومنهجه، واحذروا حرمان أحد من الورثة كالنساء والضعفاء كما كان أهل الجاهلية يفعلون.
ميراث الزوجين:
للزوج نصف تركة الزوجة إن لم يكن لها ولد، سواء أكان منه أم من غيره، وسواء أكان ذكرا أم أنثى، واحدا أم أكثر، منها مباشرة أم من بنيها أم من بني بنيها، والباقي لأولادها، ولا يشترط الدخول بالزوجة وإنما يكفي مجرد العقد. فإن كان لها ولد فللزوج الربع، والباقي لأقاربها ذوي الفروض والعصبات، أو ذوي الأرحام- في رأي الحنفية- أو لبيت المال إن لم يكن وارث آخر.
لكم ذلك في تركتهن من بعد وفاء الديون وتنفيذ الوصايا.
وللزوجة ربع تركة الزوج إن لم يكن له ولد، ولها الثمن إن كان له ولد.
فإن تعددت الزوجات اشتركن في الربع أو في الثمن من بعد الدين والوصية، كما سبق.
ميراث الكلالة:
جعل الله الورثة في هذه الآيات أقساما ثلاثة: قسم يتصل بالميت بغير واسطة وإنما برابطة الدم وهم الأولاد والوالدان، وقسم يتصل بالميت بغير واسطة وإنما بعقد الزوجية وهما الزوجان، وقسم يتصل بالميت بواسطة وهم الكلالة:
وهي ما عدا الوالد والولد. ونظرا لقوة القسم الأول قدمه تعالى في البيان، ثم أتبعه بالقسم الثاني، ثم ذكر القسم الثالث، ولأن القسمين الأوليين لا يعرض لهما السقوط بحال، بخلاف القسم الثالث، فإنه قد يعرض له السقوط بالكلية.
والراجح أن الكلالة: من عدا الوالد والولد، وهو تفسير أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أخرج ابن جرير عن الشعبي قال: قال أبو بكر رضي الله عنه:
إني رأيت في الكلالة رأيا، فإن كان صوابا، فمن الله وحده لا شريك له، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله منه بريء، إن الكلالة: ما خلا الوالد والولد.
ويؤكد تفسيره: اشتقاق الكلمة، فهي مأخوذة من الضعف، والقرابة لا من جهة الولادة قرابة ضعيفة، وأما قرابة الولادة فهي قوية، فلا يطلق عليها كلالة. ثم إن الله تعالى حكم بتوريث الإخوة والأخوات عند عدم وجود الأب، فوجب ألا يكون الوالد من الكلالة.
وحكم إرث الكلالة بحسب النص: أنه إذا وجد أخ أو أخت لأم فلكل واحد منهما السدس، فإن تعددوا فهم شركاء في الثلث، وهم فيه سواء لا تفاضل بين ذكورهم وإناثهم.
والدليل على أن المراد بالأخ والأخت في آية الكلالة الإخوة لأم: قراءة
سعد بن أبي وقاص: «وله أخ أو أخت من أم» ولأن الأخوين من العصبة سيأتي حكمهما في آخر سورة النساء: يَسْتَفْتُونَكَ، قُلِ: اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [٤/ ١٧٦] فالمراد منهما هنا الإخوة الأشقاء أو لأب، لهم المال كله إن انفردوا، ويأخذون الباقي بعد ذوي الفروض.
ولأن الفرض هنا الثلث أو السدس وهو فرض الأم، فناسب أن يكون فرض الإخوة الذين يدلون بها هم الإخوة لأم.
والخلاصة: للإخوة لأم حالتان:
١- إذا انفرد الأخ أو الأخت لأم فلكل واحد منهما السدس.
٢- إذا تعدد الإخوة لأم اشتركوا في قسمة الثلث بالتساوي، ذكرهم مثل أنثاهم لأن مطلق التشريك يدلّ عليه.
وهذه القسمة للإخوة لأم من بعد إيفاء الدّين وتنفيذ الوصية اللذين لا إضرار فيهما بالورثة والدائنين، والضرار في الدين والوصية له أحوال:
أولا- أن يقرّ الشخص بدين لأجنبي يستغرق المال كله أو بعضه، بقصد إضرار الورثة، ويظهر قصد الضرر كثيرا في الكلالة (الحواشي)، أما في الوالدين والأولاد والأزواج فهو نادر.
ثانيا- أن يقرّ بأن الدين الذي كان له عند فلان قد استوفاه.
ثالثا- أن يوصي بأكثر من الثلث، قال ابن عبّاس: الضرار في الوصية من الكبائر.
رابعا- أن يوصي بالثلث لا بقصد القربة إلى الله، بل لإنقاص أنصباء الورثة.
يوصيكم الله ويأمركم بذلك ويعهد إليكم به عهدا للعمل به وتنفيذه، والله عليم حليم، عليم بمصالح عباده وبمضارهم وبمن يستحق الميراث ومن لا يستحق، وبمقدار المستحق، حليم لا يعجل بالعقوبة على من عصاه، فأضرّ في الوصية بالورثة أو بالدّائنين، أو حرم أحدا من النساء والأطفال حقه في الإرث.
وفي هذه الخاتمة المؤثرة بمن أصغى إليها وفهمها: إشارة إلى أنه تعالى شرع المواريث على هذا النحو، وهو يعلم ما فيها من الخير والمصلحة، فمن الواجب الإذعان لوصايا الله وفرائضه، والتزام منهجه وحدوده، فلا ينبغي الاعتداء وهضم الحقوق، أو التعديل في أنظمة الإرث كإعطاء المرأة مثل الرجل، كما في بعض الدّول الإسلامية أخذا بأعراف فاسدة لمصادمتها للنصوص القرآنية القطعية، أو محاكاة لأنظمة الغرب وقوانين البشر، زعما بأن ذلك عدل يقتضي المساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة، لكن لا عدل بعد عدل الله، ولا رحمة فوق رحمة الله، فإن افتتاح الآيات بقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ دليل على أنه تعالى أرحم بالناس من الوالدة بولدها، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، ويؤيده
الحديث الصحيح: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها».
أحكام أخرى من آيات المواريث:
١- قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ بيان لما أجمل في قوله:
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ فدل على جواز تأخير البيان عن وقت السؤال. وهذه الآية ركن من أركان الدين، وعمدة من عمد الأحكام، وأم من أمّهات الآيات، فإن الفرائض عظيمة القدر، حتى إنها ثلث العلم، وروي نصف العلم، وهو أول علم ينزع من الناس وينسى.
أخرج الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «تعلموا الفرائض وعلّموه الناس، فإنه نصف العلم، وهو أول شيء ينسى، وهو أول شيء ينتزع من أمتي».
٢- قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ قال الشافعية: قول الله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ حقيقة في أولاد الصّلب، فأما ولد الابن فإنما يدخل فيه بطريق المجاز فإذا حلف أن لا ولد له، وله ولد ابن لم يحنث وإذا أوصى لولد فلان، لم يدخل فيه ولد ولده. وأبو حنيفة يقول: إنه يدخل فيه إن لم يكن له ولد صلب.
٣- ظاهر الآية أن يكون الميراث لجميع الأولاد، المؤمن منهم والكافر، فلما ثبت
عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا يرث المسلم الكافر» «١»
علم أن الله أراد بعض الأولاد دون بعض، فلا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، على ظاهر الحديث.
ودلت الأحاديث على أن موانع الإرث هي ثلاث: قتل، واختلاف دين، ورقّ، لكن القتل الخطأ لا يمنع من الميراث عند الإمام مالك، ويمنع كالقتل العمد عند باقي الأئمة.
ولم يدخل في عموم الآية ميراث النبي صلّى الله عليه وسلّم
لقوله فيما رواه أحمد: «إنا لا نورث ما تركناه صدقة».
وقال النخعي: لا يرث الأسير، وقال أغلب أهل العلم: إنه يرث ما دام تعلم حياته على الإسلام لأن قوله تعالى: فِي أَوْلادِكُمْ دخل فيه الأسير في أيدي الكفار.
٤- أصحاب الفرائض في الآيات يأخذون حقوقهم، والباقي للعصبات،
لقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه الأئمة: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقته الفرائض فلأولى رجل ذكر»
يعني الفرائض الواقعة في كتاب الله تعالى وهي ستة: النصف والربع والثمن، والثلثان والثلث والسدس. وقوله: لأولى: أي لأقرب.
فالنصف فرض خمسة: ابنة الصلب، وابنة الابن والأخت الشقيقة، والأخت لأب، والزوج، إذا انفردوا عمن يحجبهم عنه.
والربع: فرض الزوج مع الحاجب وهو الولد: وفرض الزوجة والزوجات مع عدم الحاجب.
والثمن: فرض الزوجة والزوجات مع الحاجب.
والثلثان: فرض أربع: البنتان فصاعدا، وبنات الابن، والأخوات الشقيقات، أو لأب، إذا انفردن عمن يحجبهن عنه.
والثلث فرض صنفين الأم مع عدم الولد وولد الابن، وعدم الاثنين فصاعدا من الإخوة والأخوات، وفرض الاثنين فصاعدا من ولد الأم، وهذا هو ثلث كل المال. فأما ثلث ما يبقى فذلك للأم في مسألة: زوج أو زوجة وأبوان، فللأم فيها ثلث ما يبقى. وفي مسائل الجد مع الإخوة إذا كان معهم ذو سهم، وكان ثلث ما يبقى أحظى له.
والسدس فرض سبعة: الأبوان والجد مع الولد وولد الابن، والجدة والجدات إذا اجتمعن، وبنات الابن مع بنت الصلب، والأخوات للأب مع الأخت الشقيقة، والواحد من ولد الأم ذكرا كان أو أنثى. ويسقط ولد الأم مع الفرع الوارث والأصل الوارث المذكر.
وهذه الفرائض كلها مأخوذة من كتاب الله تعالى إلا فرض الجد والجدات، فإنه مأخوذ من السنة، ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قضى للجدة بالسدس.
٥- لا ميراث إلا بعد أداء الدين والوصية، كما بينت.
٦- لما قال تعالى: فِي أَوْلادِكُمْ يتناول كل ولد كان موجودا أو جنينا في بطن أمه، من الطبقة الأولى أو بعدها، من الذكور أو الإناث ما عدا الكافر كما تقدم.
٧- قوله تعالى: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ فرض الله تعالى للواحدة النصف بقوله: وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ ولما كان للواحدة مع أخيها الثلث إذا انفردت، علمنا أن للاثنتين الثلثين. وقيل:
فَوْقَ زائدة أي كن نساء اثنتين، كقوله تعالى: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ [الأنفال ٨/ ١٢] أي الأعناق فما فوقها. وأقوى حجة في أن للبنتين الثلثين الحديث الصحيح المروي في سبب النزول.
٨- إذا كان مع البنت بنت ابن فللبنت النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين. سئل ابن مسعود عن ذلك فقال: لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين! أقضي فيها بما
قضى النبي صلّى الله عليه وسلّم: للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت.
٩- إذا مات الرجل وترك زوجته حبلى، فإن المال يوقف حتى يتبين ما تضع. فإن خرج ميتا لم يرث، وإن خرج حيا يرث ويورث. أما الخنثى وهو الذي له فرجان فأجمع العلماء على أنه يورّث من حيث يبول.
١٠- قوله تعالى وَلِأَبَوَيْهِ الأبوان: تثنية الأب والأبه، أو من قبيل التغليب عند العرب، كقولهم للأب والأم: أبوان، وللشمس والقمر: القمران، ولليل والنهار: الملوان، وكذلك العمران لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
١١- للجدة السدس إذا لم يكن للميت أم بإجماع العلماء، وأجمعوا على أن الأم تحجب أمها وأمّ الأب، وأجمعوا على أن الأب لا يحجب أم الأم.
ولا يرث في رأي مالك إلا جدّتان: أم الأم وأم الأب وأمهاتهما. ولا ترث الجدة أم أب الأم على حال.
١٢- قوله تعالى لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فرض تعالى لكل واحد من الأبوين مع الولد السدس، وأبهم الولد، فكان الذكر والأنثى فيه سواء.
١٣- قوله تعالى: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ الإخوة يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس، وهذا هو حجب النقصان، سواء كان الإخوة أشقاء أو للأب أو للأم، ولا سهم لهم.
١٤- الدين مقدم على الوصية، بدليل
ما روى الترمذي عن علي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قضى بالدين قبل الوصية.
وهذا مجمع عليه.
وتمسك الشافعي بالآية في تقديم دين الزكاة والحج على الميراث، فقال: إن الرجل إذا فرّط في زكاته، وجب أخذ ذلك من رأس ماله لأنه حق من الحقوق، فيلزم أداؤه عنه بعد الموت لحقوق الآدميين، لا سيما والزكاة مصرفها إلى الآدمي. وقال أبو حنيفة ومالك: إن أوصى بها أديت من ثلثه، وإن سكت عنها لم يخرج عنه شيء، حتى لا يترك الورثة فقراء.
١٥- قوله تعالى: لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً قيل: في الدنيا بالدعاء والصدقة، كما جاء في الأثر:
«إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده»
وفي الحديث الصحيح عند مسلم وغيره: «إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من ثلاث- فذكر- أو ولد صالح يدعو له».
وقيل: في الآخرة، فقد يكون الابن أفضل فيشفع في أبيه.
وفي الجملة: إن الآباء والأبناء ينفع بعضهم بعضا في الدنيا بالتناصر والمواساة، وفي الآخرة بالشفاعة. وإذا تقرر ذلك في الآباء والأبناء تقرر ذلك في جميع الأقارب.
١٦- ليس في الفرائض موضع يكون فيه الذكر والأنثى سواء إلا في ميراث الإخوة للأم، وذلك في قوله تعالى: فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ هذا التشريك يقتضي التسوية بين الذكر والأنثى وإن كثروا.
١٧- الضرر والإضرار حرام وهو في الوصية من الكبائر، وكذا في الدين، قال تعالى: غَيْرَ مُضَارٍّ والإضرار راجع إلى الوصية والدين، أما رجوعه إلى الوصية فبأن يزيد على الثلث أو يوصي لوارث، فإن زاد فإنه يرد إلا أن يجيزه الورثة لأن المنع لحقوقهم لا لحق الله تعالى. وإن أوصى لوارث فإنه يرجع ميراثا. وأجمع العلماء على أن الوصية للوارث لا تجوز.
وأما رجوعه إلى الدين فبالإقرار في حالة لا يجوز له فيها، كما لو أقر في مرضه لوارثه أو لصديق ملاطف، فذلك لا يجوز. وأجمع العلماء على أن إقراره بدين لغير وارث حال المرض جائز إذا لم يكن عليه دين في الصحة.
فإن كان عليه دين في الصحة ببينة وأقر لأجنبي بدين، فقالت طائفة منهم الحنفية: يبدأ بدين الصحة. وقالت طائفة منهم الشافعي: هما سواء إذا كان لغير وارث.
قال ابن عباس: الإضرار في الوصية من الكبائر، ورواه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم.
وروى أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت، فيضارّان في الوصية فتجب لهما النار».
ومشهور مذهب مالك: أن الموصي لا يعد فعله مضارّة في ثلثه لأن ذلك حقه، فله التصرف فيه كيف شاء.
١٨- قوله تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ يعني عليم بأهل الميراث، حليم على أهل الجهل منكم.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي