ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ ﱿ

روى البخاري وأبو داود والحاكم عن عائشة والترمذي مثله عن ابن عباس أنه توقعت سودة أن يفارقها النبي صلى الله عليه وسلم فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسنت فقالت : يومي لعائشة فأنزل الله تعالى و إن امرأة مرفوع بفعل مضمر يفسر ما بعده أي خافت وجاز أن يكون خافت صفة، والمقدر كانت تقديره وإن كانت امرأة خافت يعني توقعت من بعلها مكروها يعني نشوزا أي ترفعا عن صحبتها كراهة لها، يعني خافت أن يطلقها لما ظهر لها ذلك بالإمارات أو إعراضا بوجهه عنها بأن يقل مجالستها ومحادثتها ويمنعها عن حقوقها وهي تريد أن لا يطلقها فلا جناح عليهما أن يصلحا أصله أن يتصالحا أبدلت التاء صادا أو أدغمت كذا قرأ أكثرهم، وقرأ الكوفيون يصلحا بضم الياء وسكون الصاد من أصلح بينهما بأن تحط المرأة بعض المهر أو كله أو النفقة أو نصيبها من القسم أو تهب له شيئا تستميله به إليها، قال البغوي : يقول الزوج إنك قد دخلت في السن وإني أريد أن أتزوج امرأة شابة جميلة أوثرها عليك في القسم ليلا ونهارا فإن رضيت بهذا فأقيمي وإن كرهت خليت سبيلك فإن رضيت كانت هي المحسنة ولا تجبر على ذلك وإن لم ترض بدون حقها كان على الزوج أن يوفيها حقها من القسم والنفقة أو يسرحها بإحسان فإن أمسكها ووفاها حقها مع كراهة فهو المحسن، وقال مقاتل بن حبان : هو أن الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة فيتزوج عليها الشابة فيقول للكبيرة أعطيتك من مالي نصيبا على أن أقسم لهذه الشابة أكثر مما أقسم لك فترضى بما اصطلحا عليه فإن أبت أن ترضى فعليه إن أقسم أن يعدل بينهما في القسم، وعن علي رضي الله عنه في هذه الآية قال تكون المرأة عند الرجل فتنبو عينه عنها من دمامة أو كبر فتكره المرأة فرقته فإن أعطته من مالها فهو له حل وإن أعطته من أيامها فهو حل له، وفي كلمة بينهما إشارة إلى أن الأحب أن يتصالحا من غير مدخلية ثالث لئلا يطلع غيرهما على ما بينهما مما يعاب صلحا منصوب على المصدرية والمفعول به بينهما أو هو محذوف، قيل : إنما يتم نصبه على المصدرية لو جاء الصلح بمعنى الإصلاح والتصالح، قلنا : كون الصلح فردا للإصلاح يكفي في جعله مصدرا على أنه جاز أن يكون المصدر من غير بابه كما قوله تعالى : أنبته الله نباتا وعلى القراءة الثانية جاز أن ينتصب صلحا على المفعول به على إرادة أن يوقعا بينهما صلحا خاليا عن الفساد، ويستفاد من هذه الآية بالدلالة أنه لو خاف الرجل نشوز المرأة لا جناح عليها في الإصلاح أيضا ويحتمل أن يجعل هذا الحكم تحت قوله تعالى و الصلح خير من الفرقة أو من الخصومة أو من سوء المعاشرة، أو المعنى الصلح خير من الخيرات يعني من جملتها كما أن الخصومة شر من جملة الشرور، وهذه الجملة معترضة لدفع توهم الكراهة التي تستفاد من قوله لا جناح فإنه لنفي الإثم ولأن إعطاء المرأة شيئا من حقها تشابه الرشوة، وهذه الآية وإن كانت واردة في المصالحة بين الزوجين لدفع الخصومة الواقعة لحقوق النكاح لكن اللفظ علم يشتمل كل صلح واقع بعد دعوى صحيح وذلك ثلاثة أضرب : صلح مع إقرار وصلح مع سكوت وصلح مع إنكار وكل ذلك جائز عند الأئمة الثلاثة للإطلاق هذه الآية، وقال الشافعي : لا يجوز الصلح مع إنكار وسكوت لقوله صلى الله عليه وسلم :" كل صلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حرام أو حرم حلالا والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا " رواه الحاكم عن كثير بن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جده، وجه الاستدلال أن البدل كان حلالا على الدافع حراما على الأخذ فينقلب الأمر ولأن المدعى عليه يدفع المال لقطع الخصومة وهذا رشوة، قال الأئمة الثلاثة : هذا الحديث حجة لنا لا علينا لإطلاق قوله صلى الله عليه وسلم " كل صلح جائز " ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم " إلا صلحا أحل حراما " بعينه كالخمر أو حرم حلالا بعينه كما أن يصالح امرأته على أن لا يطأ ضرتها ألا ترى أن الرجل إذا أراد أن يطلقا ا وامرأة والمرأة صالحته على أن لا يطلقها وتترك قسمها لضرتها جاز إجماعا حيث أسقطت حقها مع أن ترجيح بعض النساء في القسم كان حراما ثم صار حلالا بعد رضائها، والصلح بعد السكوت أو الإنكار صلح بعد دعوى صحيح فيقتضي بجوازه لأن المدعي يأخذ عوضا عن حقه في زعمه وهذا مشروع والمدعى عليه يدفع لدفع الخصومة عن نفسه وهذا مشروع أيضا إذ المال وقاية للأنفس ودفع الرشوة لدفع الظلم أمر جائز، غير أن من علم أن عليه حقا للمدعي عليه ولم يقر له فعجز المدعي عن إثبات حقه فصالح على بعض حقه لا يحل للمدعى عليه ذلك عند الله تعالى إجماعا لأنه هضم الحق، وأما إذا لم يعلم ذلك وادعى عليه فالصلح جائز عند الثلاثة، ومنعه الشافعي.
مسألة : فإن وقع الصلح عن إقرار اعتبر فيه ما يعتبر في البياعات إن وقع عن مال بمال فيجري فيه الشفعة ويرد بالعيب ويثبت فيه خيار الرؤية والشرط ويفسده جهالة البدل لا جهالة المصالح عنه لأنه يسقط فلا يفضي إلى المنازعة، ويشترط القدر على تسليم البدل وإن وقع عن مال بمنافع يعتبر بالأجارة فيشترط التوقيت فيها ويبطل الصلح بموت أحدهما في المدة. مسألة : والصلح عن السكوت والإنكار في حق المدعى عليه لافتداء اليمين وفي حق المدعي بمعنى المعاوضة، فإن صالح على دار لا يجب فيه الشفعة بخلاف ما إذا صالح على دار. مسألة : ولو دعى دارا فصالح على قطعة منها لم يصح الصلح لأن ما قبضه من عين حقه وهو على دعواه في الباقي إلا أن يزيد درهما في بدل الصلح أو يلحق به ذكر البراءة عن دعوى الباقي. مسألة : ويصلح الصلح عن جناية العمد والخطأ لأنه حق من الحقوق وقد قال الله تعالى : فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان وعن دعوى النكاح من الرجل فكان دفع المال من جانبها بمنزلة الخلع وعن دعوى الرق وكان بمنزلة الإعتاق على مال. مسألة : وإذا وقع الصلح عن دين يحل على أنه استوفى بعض حقه قدرا وأسقط باقيه، فمن صالح عن ألف جياد حال على خمسمائة زيوف مؤجل جاز لأنه أسقط بعض حقه قدرا ووصفا وأجل الباقي، وعن ألف زيوف على خمسمائة جياد لم يجز لأن الجياد غير مستحق له وهي زائد وصفا فصار معاوضة ألف بخمسمائة وزيادة وصف وهو ربا، ولو صالح عن الدراهم بالدنانير يشترط قبض الدنانير قبل الافتراق لأنه صرف والله أعلم.
وأخرج سعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب : أن ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج فكره منها أمرا إما كبرا أو غيره فأراد طلاقها فقالت : لا تطلقني وأقسم لي ما بدا لك فأنزل الله تعالى و إن امرأة خافت الآية، وله شواهد موصول أخرجه الحاكم من طريق سعيد بن المسيب عن رافع بن خديج قال البغوي : نزلت في غمرة، ويقال خويلة ابنة محمد بن مسلمة وفي زوجها أسعد بن الربيع، ويقال : رافع بن خديج تزوجها وهي شابة فلما علا الكبر تزوج عليها امرأة شابة وآثر عليها وجفا ابنة محمد بن مسلمة فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه فنزلت هذه الآية. وأخرج الحاكم عن عائشة قالت : نزلت هذه الآية والصلح خير في رجل كانت تحته امرأة قد ولدت أولادا فأراد أن يستبدلها فراضته على أن تقر عنده ولا يقسم لها، وقال البغوي : قال سعيد بن جبير : كان رجل له امرأة قد كبرت وله أولاد فأراد أن يطلقها ويتزوج غيرها فقالت : لا تطلقني ودعني على ولدي واقسم لي في كل شهرين إن شئت وإن شئت فلا تقسم لي، فقال : إن كان تصلح على ذلك فهو أحب إلي فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فأنزل الله تعالى وإن امرأة خافت وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال : جاءت المرأة حين أنزلت هذه الآية وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فقالت : إني أريد أن تقسم لي من نفقتك وقد كانت رضيت أن تدعها فلا يطلقها ولا يأتيها فأنزل الله تعالى [ وأحضرت الأنفس الشح ] أي جعل الشح حاضرا لها مطبوعة عليها لا يغيب عنها أبدا، والشح البخل مع الحرص كذا في الصحاح والقاموس، يعني الشح لا يذهب عن أحد غالبا فلا تكاد المرأة أن تسمح بالإعراض عنها والتقصير في حقها ولا الرجل يسمح بأن يمسكها ويقوم بحقها على ما ينبغي إذا كرهها أو أحب غيرها، وهذه الجملة أيضا معترضة كانت الجملة الأولى للترغيب في المصالحة وهذه الجملة لتمهيد العذر في المماسكة ولكونهما معترضين اغتفر عدم مجانستها فإن الأولى اسمية والثانية فعلية و إن تحسنوا في المعاشرة أي يحسن الأزواج بأداء حقوق الزوجات والإقامة معهن بالعدل وإن مع الكراهة وتحسن الزوجات بأداء حقوق الأزواج ولو على خلاف ما تشتهي أنفسهن وتتقوا النشوز والإعراض وتنقيص الحق فإن الله كان بما تعملون من الإحسان والإضرار خبيرا فيجازيكم عليه، أقام كونه عالما بأعمالهم مقام إئابته إياهم عليها الذي هو جواب الشرط حقيقة إقامة السبب مقام المسبب.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير