قال الكسائي: هذا على تأويل الجزاء، كقوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ [التوبة: ٦]، وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الحجرات: ٩]. وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ، كل هذا جزاء، غير أنه على وجه: فَعَل، ولو كان على: يفعل، لكان جزمًا (١).
وقال أبو إسحاق: (إن) أمُّ حروف الجزاء، ولا يجوز الفصل بينها وبين ما يجزم إلا في ضرورة الشعر، نحو: إن زيد يأتك أكرمه، هذا لا يجوز إلا في الشعر، وكذلك الحكم في جميع حروف الجزاء، وذلك نحو قول الشاعر:
| فمتى واغلٌ يُنبهُم يُحيُوهُ | ويُعطَفْ عليه كأسُ السَّاقي (٢) |
فأما الماضي فإن غيرّ عامله في لفظه، فجاز الفصل بينه وبين إن.
وارتفعت امرأة بفعل مضمر، يدل عليه ما بعدها، والمعنى: وإن خافت امرأة خافت (٣).
١٢٨ - وقوله تعالى: خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا قال ابن عباس ومقاتل: أي علمت (٤).
وقال الزجاج: خافت (٥) الإقامة من بعلها على الإعراض والنشوز،
(٢) نسبه الزجاج في "معانيه" ٢/ ١١٦، لعدي بن زيد، وكذا في الكتاب ٣/ ١١٣، و"المقتضب" ٢/ ٧٦، و"الإنصاف" ص ٤٩١، و"الدر المصون" ٤/ ١٠٧.
والواغل: الداخل على الشرب من غير أن يدعوه، وينبهم: ينزل بهم.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١١٦، ١١٧ بتصرف.
(٤) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩٩، و"تفسير مقاتل" ١/ ٤١٢.
(٥) في "معاني الزجاج": "إن خافت".
وليست تخاف ذلك إلا وقد بدا منه شيء (١). وقد ذكرنا مثل هذين الوجهين في قوله: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ [النساء: ٣٤].
وأما البعل فقال الليث: البعل: الزوج، يقال: بعل يبعل بعولة، فهو باعل (٢) مستعلج (٣).
قال الأزهري: وهذا من أغاليط الليث، إنما سُمي زوج المرأة بعلًا لأنه سيدها ومالكها، وليس من باب الاستعلاج في شيء (٤).
وروى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية (٥): والبعل السيد في كلام العرب (٦).
ويقال للرجل: هو بعل المرأة، وللمرأة: بعله، وبعلته. ويجمع البعل: بعولة (٧). وقد مر في سورة البقرة.
وقوله تعالى: نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا يقال: نشزت المرأة، تنشُزُ وتنشِزُ نشوزًا، إذا استعصت على زوجها، وأصله من قولهم: نشز الشيء، إذا ارتفع، وقد مر (٨).
(٢) في "العين" ٢/ ١٤٩: "فهو بعل" وهذا اللفظ عند المؤلف من "تهذيب اللغة" ١/ ٣٦٣ (بعل).
(٣) "العين" ٢/ ١٤٩، وفيه: "مستبعل" بدل "مستعلج" وما ذكره المؤلف من "التهذيب"، و"مستعلج" غير واضح المعنى، فقد يكون ما في العين هو الصواب، لا غير.
(٤) "تهذيب اللغة" ١/ ٣٦٣ (بعل). ولم يرد في "العين" الاستعلاج كما تقدم، وإنما ورد الاستبعال، فليتنبه.
(٥) يحتمل أن هذا الكلام من ابن عباس أو من المصنف والثاني أقرب.
(٦) لم أقف عليه عن ابن عباس، وانظر: "تهذيب اللغة" ١/ ٣٦٣ (بعل).
(٧) نظر: "الصحاح" ٤/ ١٦٣٥ (بعل).
(٨) انظر فيما سبق عند تفسير الآية ٣٤
قال أبو إسحاق: النشوز يكون من الزوجين، وهو كراهة كل واحد منهما صاحبه، واشتقاقه من النشز وهو ما ارتفع من الأرض (١).
قال المفسرون: نُشُوزًا ترفعًا لبغضها أَوْ إِعْرَاضًا عنها لموجدة وأثرة (٢).
قال الكلبي: يعني ترك مجامعتها، وإِعْرَاضًا بوجهه عنها (٣).
وقال مقاتل: نُشُوزًا عصيانًا - يعني: الأثرة، وهو قول ابن عباس أَوْ إِعْرَاضًا عنها لما به من الميل إلى أخرى (٤).
وقال الزجاج: النشوز من بعل المرأة أن يسيء عشرتها، وأن يمنعها نفسه ونفقته (٥).
وقوله تعالى: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا. جعل الله عز وجل الصلح (جائزًا) (٦) بين الرجل والمرأة، إذا رضيت منه بإيثار غيرها عليها.
قال جميع المفسرين: هذا الصلح في القسمة والنفقة، وهو أن يقول الرجل لامرأته: إنك دميمة، أو قد دخلت في السن وأريد أن أتزوج عليك شابة جميلة، وأوثرها عليك في القسمة بالليل والنهار، فإن رضيت بهذا
(٢) انظر: الطبري ٥/ ٣٠٥، و"بحر العلوم" ١/ ٣٩٢، و"الكشف والبيان" ٤/ ١٢٧ ب، و"النكت والعيون" ١/ ٥٣٣.
(٣) "الكشف والبيان" ٤/ ١٢٧ ب، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩٩.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" ١/ ٤١٢، ولم أقف عليه عن ابن عباس.
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١١٥.
(٦) في المخطوط: جائز (بدون نصب).
فأقيمي، وإن كرهت خليت سبيلك. فإن رضيت بذلك (كانت الواجب) (١) على الزوج أن يوفيها حقها من المقام عندها والنفقة، أو يسرحها بإحسان ولا يحبسها على [الحيف] (٢)، (وليس يُجبر) (٣) الزوج على الوطء إذا عدل في المقام والنفقة، وكل ما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز، وهو أن تترك له من مهرها، أو بعض أيامها (٤).
روى خالد بن عرعرة (٥)، قال: سأل رجل عليًّا عن قوله: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا الآية. قال: "تكون المرأة عند الرجل، فتنبو عينه عنها من دمامه أو كبر، فتفتدي منه بكره فرقته، فإن أعطته من مالها فهو له حل، وإن أعطته من أيامها فهو له حل" (٦).
واختلف القراء في قوله: (يَصّالَحَا) فقرئ: (يُصْلِحَا) (٧) أيضًا، فمن
(٢) ما بين المعقوفين في المخطوط: "الخسف"، والتصويب من "الكشف والبيان" ٤/ ١٢٧ ب.
(٣) هكذا في المخطوط، والأولى: "ولا يجبر"، انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ١٢٧ ب.
(٤) من "الكشف والبيان" ٤/ ١٢٧ ب بتصرف يسير، وانظر: "تفسير ابن عباس" ص ١٦٠، والطبري ٥/ ٣٠٦، و"معاني الزجاج" ٢/ ١١٦، و"بحر العلوم" ١/ ٢٩٣، و"النكت والعيون" ١/ ٥٣٣.
(٥) هو خالد بن عرعرة التيمي، سمع عليًّا وروى عنه سماك بن حرب والقاسم بن عوف الشيباني.
انظر: "التاريخ الكبير" للبخاري ٣/ ١٦٣، و"الجرح والتعديل" ٣/ ٣٤٣.
(٦) أخرجه بنحوه من طرق الطبري ٥/ ٣٠٦، وانظر: "الدر المنثور" ٢/ ٤١١.
(٧) قراءة: "يصّالَحا" بتشديد الصاد المفتوحة بعدها مد لابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وأبي يعقوب، وقرأ الباقون "يُصْلحا" بضم الياء وسكون الصاد. انظر: "السبعة" ص ٢٣٨، و"الحجة" ٣/ ١٨٣، و"المبسوط" ص ١٥٨.
قرأ، (يَصّالحا) أراد: يتصالحا، فأدغم التاء في الصاد، وحجته أن الأشهر في الاستعمال في هذا النحو: تصالحا (١).
وفي حرف عبد الله: (فلا جناح عليهما أن أصَّالَحا) (٢).
وانتصب (صلحًا) في هذه القراءة على المصدر، ولكنه بحذف الزوائد كما قال:
وإن يَهلِكْ فذلكَ كان قَدْري (٣)
أي: تقديري. وقد يوضع الاسم موضع المصدر، كقول القطامي:
وبعد عطائِكَ المائة الرِّتاعا (٤)
قال أبو حاتم (٥): كأن المصدر على القياس: يصالحا اصالحًا وتصالحًا، ولكن هذا كقوله: أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا [نوح: ١٧]، وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل: ٨]، مما يخالف المصدر المصدر (٦).
"ومن قرأ: يُصْلِحَا فإن الإصلاح عند التنازع والتشاجر أيضًا قد استعمل، كما استعمل: تصالحا، قال الله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ
(٢) "الحجة" ٣/ ١٨٣، وانظر: "البحر المحيط" ٣/ ٣٦٣.
(٣) عجز بيت ليزيد بن سنان، وصدره:
فإن يبرأ فلم أنفث عليه
"الحجة" ٢/ ١٢٩، و"حاشيته" ٣/ ١٨٤.
(٤) عجز بيت للقطامي، وصدره:
أكفرًا بعد رد الموت عني
والمئة الرتاع من الإبل. "الحجة" ١/ ١٨٢، ٣/ ١٨٤، و"الخصائص" ١/ ٢٢١.
(٥) هو سهل بن محمد بن عثمان بن القاسم النحوي السجستاني، تقدمت ترجمته.
(٦) لم أقف على قول أبي حاتم، وقد أشار إليه مكي في "الكشف" ١/ ٣٩٩.
جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} [البقرة: ١٨٢]، وقال: أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء: ١١٤].
والصلح على هذه القراءة اسم تعدى الفعل إليه كتعدِّيه إلى الأسماء. فقوله: (يُصلحا صلحًا) كقولك: "أصلحت ثوبًا" (١).
وقوله تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ.
قال ابن عباس: "يريد أعظم لثوابه وثوابها" (٢).
وقال الكلبي: والصلح خير من النشوز والإعراض والإقامة عليهما (٣).
وقال الزجاج: الصلح خير من الفرقة (٤).
قال أهل المعاني: يقول: إن يصالحا على شيء خير من أن يتفرقا، أو يُقيما على النشوز والإعراض (٥).
وقوله تعالى: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ.
الشح: البُخل، والشحيح: البخيل، وجمعه: أشحة (٦).
قال الفراء: يقال: شح يشِحُّ، بكسر الشين. قال: وكذلك كل فعيل من النعوت إذا كان مضاعفًا، مثل: خفيف وذفيف (٧)، فهو على فَعَل يَفْعِل، ومثله: ضنين، وقد قالوا: ضنَّ يضنُّ، واللغة العالية: يَضنُّ (٨).
(٢) لم أقف عيه.
(٣) لم أقف عيه.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١١٦.
(٥) انظر: "النكت والعيون" ١/ ٥٣٣، و"زاد المسير" ٢/ ٢١٨.
(٦) انظر: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٨٣٥ (شح).
(٧) ذفيف بمعنى: خفيف سريع. انظر: "اللسان" ٣/ ١٥٠٥ (ذفف).
(٨) في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٨٣٦ (شح).
قال ابن عباس: "يريد والغالب على نفس المرأة الشح على نصيبها من زوجها ومالها" (١). وهو قول سعيد بن جبير (٢).
وقال الفراء: ضن الرجل بنصيبه ميت الشابة، وضنت الكبيرة بنصيبها منه (٣).
وهو قول جماعة من المفسرين، قالوا: شحت المرأة بنصيبها من زوجها، وشح الرجل بنصيبه من الأخرى (٤).
وقال الحسن وابن سيرين: أُحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة والشح (٥) بحقه قبل صاحبه، فالمرأة تشحّ على مكانها من زوجها، والرجل يشحّ على المرأة بنفسه، إذا كان غيرها أحب إليه منها (٦). وهذا قول الزجاج (٧).
وقوله تعالى: وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا.
قال ابن عباس: يريد حسن المعاشرة والصحبة، وتتقوا الله فإنها أمانة (٨).
(٢) أخرجه عنه من طرق الطبري ٥/ ٣١١، وانظر: "النكت والعيون" ١/ ٥٣٣.
(٣) "معاني القرآن" ١/ ٢٩١.
(٤) من "الكشف والبيان" ٤/ ١٢٨ ب، وانظر: الطبري ٥/ ٣١١ - ٣١٢، و"بحر العلوم" ١/ ٣٩٣، و"النكت والعيون" ١/ ٥٣٣، و"زاد المسير" ٢/ ٢١٩.
(٥) هكذا في المخطوط، ولعل الواو زائدة من الناسخ.
(٦) ذكره عن الحسن الماوردي في "النكت والعيون" ١/ ٥٣٣، ولم أقف عليه عن ابن سيرين.
(٧) في "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١١٦.
(٨) لم أقف عليه.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي