ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ ﱿ ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉ ﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖ

رعاية اليتامى والصلح بين الزوجين بسبب النشوز والعدل بين النساء
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٢٧ الى ١٣٠]
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (١٢٧) وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (١٣٠)
الإعراب:
ما يُتْلى في موضع رفع لأنه معطوف على اسم الله تعالى، أي الله يفتيكم والمتلو.
ولا يجوز أن يكون معطوفا على ضمير فِيهِنَّ لأنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور، وأجازه الكوفيون. والأولى أن تكون «ما» اسم موصول مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير: والذي يتلى عليكم في القرآن كذلك، أي يفتيكم فيهن أيضا. فِي الْكِتابِ صلة يتلى، وكذلك: فِي

صفحة رقم 290

يَتامَى النِّساءِ
. اللَّاتِي في موضع جر صفة ليتامى ولا تُؤْتُونَهُنَّ إلى قوله: أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ: في صلة اللاتي. وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ: مجرور لأنه معطوف على يَتامَى النِّساءِ، وكذلك قوله: وَأَنْ تَقُومُوا في موضع جر عطفا على الْمُسْتَضْعَفِينَ.
والتقدير: يفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين، وأن تقوموا لليتامى بالقسط وَإِنِ امْرَأَةٌ مرفوع بفعل يفسره: خافت أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً: صلحا: منصوب على المصدر على تقدير: فيصلح الأمر صلحا.
البلاغة:
يوجد جناس مغاير في يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً.. وَالصُّلْحُ وفي تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ.
فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ تشبيه مرسل مجمل.
المفردات اللغوية:
وَيَسْتَفْتُونَكَ يطلبون منك الفتيا فِي النِّساءِ في شأن النساء وميراثهن يُفْتِيكُمْ يبين لكم ما أشكل عليكم ما كُتِبَ لَهُنَّ أي فرض لهن من ميراث وصداق وَأَنْ تَقُومُوا أي تعنوا عناية خاصة بهن بِالْقِسْطِ بالعدل في الميراث والمهر فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً فيجازيكم به خافَتْ مِنْ بَعْلِها توقعت من زوجها ما تكره نُشُوزاً ترفعا وتكبرا عليها بترك مضاجعتها والتقصير في نفقتها لبغضها وطموح عينه إلى أجمل منها أَوْ إِعْراضاً عنها بوجهه أي ميلا وانحرافا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً في القسم والنفقة، بأن تترك له شيئا، طلبا لبقاء الصحبة، فإن رضيت بذلك وإلا فعلى الزوج أن يوفيها حقها أو يفارقها وَالصُّلْحُ خَيْرٌ من الفرقة والنشوز والإعراض وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ شدة البخل أي إن الشح حاضر لها لا يغيب عنها، أي جبلت مطبوعة عليه، فكأنها حاضرته لا تغيب عنه، المعنى أن المرأة لا تكاد تسمح بنصيبها من زوجها، والرجل لا يكاد يسمح لها بنفسه إذا أحب غيرها.
وَإِنْ تُحْسِنُوا عشرة النساء وَتَتَّقُوا الجور عليهن فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً فيجازيكم به أَنْ تَعْدِلُوا تسووا بَيْنَ النِّساءِ في المحبة ولو حرصتم على ذلك فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ إلى التي تحبونها في القسم والنفقة فَتَذَرُوها أي تتركوا الممال عنها كَالْمُعَلَّقَةِ التي ليست مطلقة ولا هي ذات زوج أو بعل. وَإِنْ تُصْلِحُوا بالعدل بالقسم وَتَتَّقُوا الجور فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً لما في قلبكم من الميل رَحِيماً بكم في ذلك.
مِنْ سَعَتِهِ أي فضله وغناه بأن يرزقها زوجا غيره ويرزقه غيرها وَكانَ اللَّهُ واسِعاً لخلقه في الفضل حَكِيماً فيما دبره لهم.

صفحة رقم 291

سبب النزول:
نزول الآية (١٢٧) :
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ: روى البخاري عن عائشة في هذه الآية قالت: هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها قد شركته في مالها حتى في العذق (النخلة بحملها) فيرغب عن أن ينكحها، ويكره أن يزوجها رجلا، فيشركه في مالها، فيعضلها (يمنعها عن الزواج) فنزلت.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي: كان لجابر بنت عم دميمة، ولها مال ورثته عن أبيها، وكان جابر يرغب عن نكاحها، ولا ينكحها خشية أن يذهب الزوج بمالها، فسأل النبي صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك، فنزلت.
سبب نزول الآية (١٢٨) :
وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ:
روى الترمذي عن ابن عباس أنها نزلت بسبب سودة بنت زمعة، قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالت:
لا تطلّقني وأمسكني، واجعل يومي منك لعائشة، ففعل، فنزلت: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً فما اصطلحا عليه فهو جائز. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وروى أبو داود والحاكم عن عائشة مثل ذلك.
وروى ابن عيينة وسعيد بن منصور عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن رافع بن خديج كانت تحته خولة ابنة محمد بن مسلمة، فكره من أمرها إما كبرا وإما غيره، فأراد أن يطلقها، فقالت: لا تطلقني، واقسم لي ما شئت، فجرت السنة بذلك، ونزلت: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ. وله شاهد موصول أخرجه الحاكم من طريق ابن المسيب عن رافع بن خديج.
وروى البخاري والحاكم عن عائشة رضي الله عنها: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ

صفحة رقم 292

بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً
قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حلّ، فنزلت هذه الآية.
المناسبة:
اشتملت السورة على موضوعين عامين: كان أولهما في أحكام النساء واليتامى والقرابة والإرث والمصاهرة، ثم أبانت بدءا من قوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا أسس الدين، وأحوال أهل الكتاب والمنافقين، والقتال. ثم عاد الكلام هنا إلى أحكام النساء واليتامى الضعفاء، وتوطيد دعائم الرابطة الزوجية بالإصلاح، وبالعدل بين الزوجات حال التعدد.
التفسير والبيان:
ويستفتونك يا محمد في شأن النساء وحقوقهن الشاملة للميراث وحقوق الزواج، أي المالية والزوجية، كالعدل في المعاملة، والعشرة الطيبة وعلاج حالة النشوز. قل: الله يفتيكم فيهن ويبين لكم ما أشكل من أمورهن، وكذلك يوضح لكم أحكاما أخرى في المتلو عليكم في القرآن من أول السورة، كأحكام معاملة النساء اليتامى في المواريث، وإيتاء أموال الأيتام بقوله: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ [النساء ٤/ ٢] والتحرج من الزواج باليتيمات: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ.. [النساء ٤/ ٣].
فقد جرت عادتكم القبيحة ألا تعطوهن ما كتب (فرض) لهن من الإرث إذا كان في أيديكم، لولايتكم عليهن، وترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن والتمتع بأموالهن. ويحتمل: وترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن، روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا جاءه ولي اليتيمة نظر، فإن كانت جميلة غنية قال: زوّجها غيرك، والتمس لها من هو خير منك، وإن كانت دميمة ولا مال لها قال: تزوجها، فأنت أحق بها. هذا مع العلم أنه كان الرجل منهم يضم اليتيمة

صفحة رقم 293

ومالها إلى نفسه، فإن كانت جميلة تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة عضلها عن التزوج حتى تموت فيدفنها.
والمستضعفين: معطوف على يتامى النساء، أي وما يتلى عليكم في شأن المستضعفين من الأولاد الذين لا تعطونهم حقهم في الميراث المنصوص عليه في قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ وقد كانوا في الجاهلية إنما يورّثون الرجال القوامين بالأمور دون الأطفال والنساء.
ويصح في حال العطف على يتامى النساء أن يكون العامل هو يفتيكم بمعنى يفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط.
والخلاصة: إن الله يذكّر بحق الضعيفين: المرأة والطفل اليتيم، سواء بالآيات السابقة ليتدبروا معناها ويعملوا بما فيها، لتغافلهم عنها، أو بالإفتاء المجدد فيهما عدا المذكور سابقا.
وَأَنْ تَقُومُوا أي والله يفتيكم أيضا بأن تعاملوا اليتامى بالعدل، وأن تعنوا بشؤونهم عناية خاصة. ويجوز كما ذكر الزمخشري أن يكون قوله وَأَنْ تَقُومُوا منصوبا بفعل مقدر وهو: ويأمركم أن تقوموا، وهو خطاب للأمة في أن ينظروا لهم، ويستوفوا لهم حقوقهم، ولا يدعوا أحدا يظلمهم أو يهضم حقوقهم.
وما تفعلوا من خير قليل أو كثير لليتامى والضعفاء والنساء، فإن الله به عليم، فيجازيكم عليه أحسن الجزاء. وهذا تهييج على فعل الخيرات وامتثال الأوامر، وأن الله عز وجل عالم بجميع ذلك، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه.
ثم أخبر الله تعالى عن طرق علاج الخلاف بين الزوجين، وذكر أحوالا ثلاثة: حال نفور الرجل عن المرأة، وحال اتفاقه معها، وحال فراقه لها.

صفحة رقم 294

فالحالة الأولى:
ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها أو يعرض عنها، فلها أن تسقط عنه حقها أو بعضه من نفقة أو كسوة أو مبيت أو غيرها من حقوقها عليه، وله أن يقبل ذلك منها، فلا حرج عليها في بذلها شيئا من مالها له، ولا عليه في قبوله منها. والخوف هنا مستعمل في حقيقته بشرط ظهور أمارات تدل عليه.
ومعنى الآية في هذه الحالة: إن توقعت المرأة من زوجها نشوزا وترفعا عليها بأمارات وقرائن، كأن منعها نفسه ونفقته ولم يعاملها بالود والرحمة، أو آذاها بسبّ أو ضرب ونحو ذلك، أو أعرض عنها بأن أحجم عن محادثتها ومؤانستها لسوء في الطبع والخلق، أو لطعن في السن، أو دمامة أو ملال لها أو طموح إلى غيرها، ففي هذه الأحوال لا بأس من اللجوء إلى الإصلاح بينهما، بالتنازل عن بعض حقوقها أو كل حقوقها، لتبقى في عصمته، أو تمنحه شيئا من مالها ليطلقها وهو عوض الخلع: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ. ولكن ليذكر الزوجان دائما ما أقامه الله بينهما من عاطفة الود والرحمة كما قال: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم ٣٠/ ٢١].
وقد ذكرت في أسباب النزول أكثر من حالة لبعض النسوة في صدر الإسلام، تنازلت الزوجة عن حقها في القسم لضرتها، أو اكتفت بالمبيت كل شهرين، على أن تبقى لديه ولا يطلقها.
والحالة الثانية:
وهي حالة الاتفاق بين الزوجين المعبر عنه بالصلح: أي أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج، وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية. ولما كان الوفاق أحب إلى الله من الفراق، قال تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ من الفراق

صفحة رقم 295

والتسريح، أو من النشوز والإعراض، وسوء العشرة، أو هو خير من الخصومة في كل شيء، حفاظا على الرابطة الزوجية، ومنعا من هدم كيان الأسرة وإلحاق الضرر بالأولاد، ولأن الطلاق أبغض الحلال إلى الله «١»، وكل ذلك يوجب العودة إلى المعاشرة بالمعروف والمعاملة بالعدل. وهذه الجملة اعتراض، وكذلك قوله:
وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ.
أي لقد استطرد القرآن إلى بيان طبيعة في النفوس: وهي الحرص على البخل، فالنساء حريصات على حقوقهن في القسم والنفقة وحسن العشرة، وعلى الزوج أيضا، وعلى حقها المالي في المهر ونفقة العدة، وكذا الرجال حريصون على أموالهم أيضا وعلى كراهة تهديم الأسرة، فيكون التسامح والتصالح خيرا للطرفين، ما دام بهذا الطبع، والصلح عند المشاحة خير من الفراق.
ومعنى الصلح: أن يتصالحا على أن تطيب له نفسا عن القسمة أو عن بعضها، كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وعرفت مكان عائشة من قلبه، فوهبت لها يومها، كما روي أن امرأة أراد زوجها أن يطلقها لرغبته عنها، وكان لها منه ولد، فقالت: لا تطلقني، ودعني أقوم على ولدي، وتقسم لي في كل شهرين، فقال: إن كان هذا يصلح، فهو أحب إلي، فأقرها «٢».
ومن حالات الصلح أن تهب له بعض المهر أو كله، أو النفقة، فإن لم تفعل، فليس له إلا أن يمسكها بإحسان أو يسرحها.
وإن تحسنوا البقاء مع نسائكم وإن كرهتموهن، وتصبروا على ما تكرهون،

(١، ٢)
روى أبو داود وابن ماجه عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق».
الكشاف: ١/ ٤٢٧

صفحة رقم 296

مراعاة لحق الصحبة، وتحسنوا المعاشرة فيما بينكم وتتقوا النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة، فإن الله كان بما تعملون من الإحسان والتقوى خبيرا عليما لا يخفى عليه شيء، فيجازيكم ويثيبكم عليه.
كان عمران بن حطّان الخارجي من أدمّ بني آدم، وامرأته من أجملهم، فأجالت في وجهه نظرها يوما، ثم تابعت: الحمد لله، فقال: ما لك؟ قالت:
حمدت الله على أني وإياك من أهل الجنة، قال: كيف؟ قالت: لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، وقد وعد الله الجنة عباده الشاكرين والصابرين «١».
ثم بين الله تعالى أن تمام العدل وكماله وغايته في معاملة النساء محال، فخفف الله التكليف بالعدل التام، وطالب الرجال بقدر الاستطاعة، فقال:
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ لأن العدل في المعاملة يشمل أمورا مادية وغير مادية، أما المادية فهي كالمبيت والنفقة والكسوة، وأما غير المادية فهي كالحب والميل وغير ذلك مما يرجع إلى الشعور النفسي، وأحاسيس النفس يصعب كبحها.
فكلف الله ما يستطيعه الرجال وهو العدل المادي، ورفع عنهم الحرج فيما لا يستطيعونه من الحب والاشتهاء وأحوال الجبلّة البشرية، كما هو الشأن في سائر التكاليف، فإن الحب والبغض ونحوهما لسنا مكلفين به.
ولكن الله جعل التكليف بالمستطاع في معاملة النساء مشروطا بأن يبذلوا ما فيه ولوسعهم وطاقتهم لأن تكليف ما لا يستطاع داخل في حد الظلم، وما ربك بظلام للعبيد.

(١) الكشاف: ١/ ٤٢٨

صفحة رقم 297

وعن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل، ويقول فيما رواه أصحاب السنن الأربع عن عائشة: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك»
يعني المحبة لأن عائشة رضي الله عنها كانت أحب إليه.
فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور، فتمنعوها قسمتها من غير رضا منها، يعني أن اجتناب كل الميل مما هو في حد اليسر والسعة، فلا تفرطوا فيه، وإن وقع منكم التفريط في العدل كله، وفيه نوع من التوبيخ، فإذا ملتم إلى واحدة منهن فلا تبالغوا في الميل بالكلية.
فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ أي فتبقى هذه الأخرى أو المرأة المرغوب عنها كالمعلّقة، لا هي مطلقة ولا هي متزوجة، بل عليكم إرضاؤها وحسن عشرتها وحفظ حقوقها.
روى الإمام أحمد وأهل السنن وأبو داود الطيالسي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة، وأحد شقّيه ساقط».
وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا.. أي وإن أصلحتم أموركم وقسمتم بالعدل، وتبتم عن الميل والجور، واتقيتم الله في المستقبل في جميع الأحوال، غفر الله لكم ما كان من ميل في الماضي إلى بعض النساء دون بعض، وكان شأن الله دائما المغفرة للمقصرين والرحمة بعباده التائبين الراجعين إليه.
والحالة الثالثة:
وهي حالة الفراق: أخبر الله تعالى أنه إذا تفرّق الزّوجان لاستعصاء الحلول والعلاج والتوفيق والمصالحة بينهما، فإن الله يغني الرّجل عنها، ويغنيها عنه، بأن يعوّضه الله من هو خير له منها، ويعوّضها عنه بمن هو خير لها منه، وكان الله واسع الفضل، عظيم المنّ، حكيما في جميع أفعاله وأقداره وشرعه.

صفحة رقم 298

فقه الحياة أو الأحكام:
الاستفتاء في الدّين أمر مطلوب شرعا لقوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل ١٦/ ٤٣]، والآية (١٢٧) نزلت للجواب عن الاستفتاء فيما يجب للنساء وما يجب عليهنّ مطلقا، وقد كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يسأل عن أحكام كثيرة تتعلّق بالنّساء، سواء في الميراث وغير ذلك.
والمراد بقوله: ما كُتِبَ لَهُنَّ أي ما فرض لهنّ من الميراث أو الصّداق أو النّكاح وما يعم ذلك كله وغيره.
وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ: معناه أنهم كانوا يسألون عن أحوال كثيرة، فما كان منها غير مبيّن الحكم قبل نزول هذه الآية، ذكر أن الله يفتيهم فيه. وما كان منها مبيّن الحكم في الآيات المتقدّمة مثل: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى (الآية ٣) أحالهم فيه إلى تلك الآيات، وذكر أنها تفتيهم فيما عنه يسألون. وقد جعل دلالة الكتاب على الأحكام إفتاء من الكتاب، إذ يصح القول: إن كتاب الله بيّن كذا، وإن كتاب الله أفتى بكذا.
واحتجّ بعض الحنفية بقوله تعالى: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ على أنه يجوز لغير الأب والجدّ تزويج الصغيرة لأن الله ذكر الرغبة في نكاحها، فاقتضى جوازه.
وقال الشافعية: إن الله ذكر في هذه الآية ما كانت تفعله الجاهلية على طريق الذّم، فلا دلالة فيها على ذلك، على أنه لا يلزم من الرغبة في نكاحهنّ فعله في حال الصّغر.
والخلاصة: إن الآية ترغّب في الإحسان ليتامى النساء بالميراث والصداق والنكاح وغير ذلك، كما ترغب وتأمر بالإحسان إلى الولدان الضعفاء الصغار،

صفحة رقم 299

ردّا على ما كان عليه أهل الجاهلية، إذ كانوا لا يورثونهم كما لا يورثون النساء، وتأمر أيضا بمعاملة اليتامى بالعدل. وختمت الآية بما يؤكد الأوامر السابقة، فأعلنت: وما تفعلوه من خير يتعلق بهؤلاء المذكورين أو بغيرهم، فإن الله يجازيكم عليه، ولا يضيع عنده منه شيء.
ومن الأحكام التي أخبر الله تعالى أنه يفتيهم بها في النساء: علاج حالة النشوز أو الإعراض من الرجل عن زوجته، والإعراض: الانصراف عنها بوجهه أو ببعض منافعه التي كانت لها منه، مثل أن يقلل محادثتها أو مؤانستها لكبر سنّ أو دمامة أو عيب خلقي أو ملال. والإعراض أخفّ من النّشوز.
والعلاج بالصّلح بأن تترك له المرأة يومها، كما فعلت سودة رضي الله عنها مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أو تضع عنه بعض ما يجب له من نفقة أو كسوة أو تهب له شيئا من مهرها، أو تعطيه مالا لتستعطفه وتستديم المقام معه.
ولا يكون أخذ الرجل شيئا من مال الزوجة بالصلح أكلا بالباطل أو أخذا بالإكراه إذا كان هناك عذر حقيقي مما تقدّم، دون اتّخاذ الأعذار ذريعة أو حيلة لأخذ المال، فإن لم يكن هناك مسوغ مقبول شرعا، ولكنه تظاهر بالنشوز والإعراض، كان أخذ المال حراما.
والسبب في أنه تعالى أجاز للرجل أخذ شيء من مال المرأة حال النشوز الحاصل منه، وجعل لنشوز المرأة عقوبة من زوجها يعظها ويهجرها في المضجع ويضربها، فقال: وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء ٤/ ٣٤] : السبب أن الله تعالى جعل للرجال درجة القوامة على النساء، فليس للمرؤوس معاقبة رئيسه، وأن الله فضّل الرجال على النساء في العقل والدين وتحمل التكاليف الشاقة، والتفضيل يقتضي ألا يكون نشوز الرجل إلا لسبب قاهر، أما المرأة لغلبة عواطفها عليها ونقصان عقلها ودينها

صفحة رقم 300

فيكثر منها النشوز لأتفه الأسباب، ثم إن للرجل حقّ مفارقة المرأة بالطلاق دون العكس، فلا يكون لها سبيل عليه إذا بدت منه أمارات الفرقة وعلامات الكراهية.
ودلّ قوله تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ على أن أنواع الصّلح كلها مباحة في هذه المسألة بإعطاء أحدهما للآخر مالا، أو بتنازل المرأة عن حقّها في المبيت مطلقا أو لمدة معينة أو لفترة طويلة. بل إن الآية تدلّ على جواز الصّلح في غير أحوال النزاع بين الزوجين إلا ما خصّه الدّليل، وهو يدلّ على جواز الصّلح عن إنكار والصّلح من المجهول، كما قال الجصاص «١» لأن وقوع الجملة اعتراضا وجريانها مجرى الأمثال، مما يرجّح كون اللفظ عاما. وقال القرطبي أيضا:
وَالصُّلْحُ خَيْرٌ لفظ عام مطلق يقتضي أن الصّلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير على الإطلاق. ويدخل في هذا المعنى الصّلح بين الرّجل وامرأته في مال أو وطء أو غير ذلك «٢».
وأخبر الله تعالى بقوله: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ بأن الشّحّ في كلّ أحد، وأن الإنسان لا بدّ أن يشحّ بحكم خلقته وجبلّته، حتى يحمل صاحبه على بعض ما يكره. والشّح إذا أدّى إلى منع الحقوق الشرعية أو التي تقتضيها المروءة فهو البخل وهي رذيلة.
ودلّ قوله تعالى: وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا وهو خطاب للأزواج على أن للزوج أن يشحّ ولا يحسن، أي إن تحسنوا وتتّقوا في عشرة النساء بإقامتكم عليهنّ مع كراهيتكم لصحبتهنّ واتّقاء ظلمهنّ فهو أفضل لكم.
أما العدل المرفوع من دائرة التكاليف فهو الذي لا يخضع لسلطة الإنسان

(١) أحكام القرآن: ١/ ٢٨٣
(٢) تفسير القرطبي: ٥/ ٤٠٦

صفحة رقم 301

وإرادته، وإنما يكون من أمور الجبلّة البشرية التي لم يكلّفنا الله عزّ وجلّ بشيء منها كالحبّ والكراهية، فهذا غير مستطاع، وهو داخل في تمام العدل وكماله، وهو الذي أخبر تعالى عنه أنه محال، قال أئمة التفسير من السّلف الصالح كابن عباس وقتادة ومجاهد وأبي عبيدة وغيرهم: إن العدل الذي أخبر الله عنه أنه غير مستطاع: هو التّسوية بين الزوجات في الحبّ القلبي وميل الطباع، ومعلوم أن ذلك غير مقدور. فالعدل المقصود في هذه الآية هو العدل في المحبّة القلبية فقط، وإلا لتعارضت الآية مع الآية السابقة: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى....
وأما العدل المأمور به الذي جعل شرطا في جواز تعدد الزوجات أو الجمع بينهن فهو التسوية بينهن فيما يقدر عليه المكلف، ويملكه، مثل التسوية بينهن في القسم والنفقة والكسوة والسكنى وما يتبع ذلك من كل ما يملك ويقدر عليه.
ويترتب عليه أنه لا تجب التسوية بين النساء في المحبة، فإنها لا تملك، وكانت عائشة رضي الله عنها كما تقدّم أحبّ نسائه إليه صلّى الله عليه وسلّم. وأخذ منه أنه لا تجب التسوية بينهن في الوطء لأنه موقوف على المحبة والميل، وهي بيد مقلّب القلوب.
ولكن لا يصح اتّخاذ الميل سببا للظلم، لقوله تعالى: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ قال مجاهد: لا تتعمدوا الإساءة، بل الزموا التسوية في القسم والنفقة، لأن هذا مما يستطاع.
وينبغي صون كرامة المرأة واحترام شخصيتها وعدم إلجائها إلى الانحراف، لقوله تعالى: فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ أي لا هي مطلّقة ولا ذات زوج. وهذا تشبيه بالشيء المعلّق من شيء لأنه لا على الأرض استقرّ، ولا على ما علّق عليه انحمل.

صفحة رقم 302

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية