ولما فرغ الحق تعالى من الأمر بحفظ الأموال، شرع في الكلام على حفظ الأنساب، وقدّم الكلام أولا على الزنى ؛ إذ به تختلط الأنساب، ويختل نظام حفظها، ثم تكلم بعد على النكاح وما يحرم من النساء وما يحل، فقال :
وَاللاَّتِي يَأتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ١٥ وَاللَّذَانَ يَأتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَآ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً ١٦
يقول الحقّ جلّ جلاله : و النساء اللاتي يأتين الفاحشة أي : الزنى، سُمِّيَ فاحشة لفُحش قبحه وبشاعة فعله شرعًا، من نسائكم المسلمات، فاستشهدوا عليهن أي : اطلبوا مَنْ رَمَاهُنَّ بذلك أن يُشْهِدوا عليهن أربعة منكم ، أي : من عدول المؤمنين يرونهما كالمرود في المكحلة، وإنما جعلوا أربعة مبالغة في الستر على المؤمن، أو ليكون على كل حال واحد اثنان، فإن شهدوا عليهن بذلك فأمسكوهن في البيوت ، واجعلوه سجنًا لهن حتى يتوفاهن الموت أي : يستوفي أجلّهن الموتُ، أو يتوفاهن ملك الموت، أو يجعل الله لهن سبيلاً كتعيين الحد المخلّص من السجن، وكان هذا في أول الإسلام ثم نُسخ بما في سورة النور من الحدود، ويحتمل أن يراد التوصية بإمساكهن بعد أن يُجلدن كي لا يَعُدْن إلى الزنى بسبب الخروج والتعرض للرجال.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي