ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧ

الآيتان ١٥ و١٦ وقوله تعالى : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ، واللذان يأتيانها منكم فآذوهما قيل كان هذان الحكمان في أول الإسلام : الأول منهما للمرأة والثاني : للرجل وقيل : إن آية الأذى كانت في الرجل والمرأة، وآية الحبس كانت في حبس المرأة، ويحتمل أن تكون آية الأذى في البكر في الرجل والمرأة جميعا، وآية الحبس في الثيب في الرجل والمرأة، ويحتمل أن تكون آية الأذى في الرجال خاصة في ما يأتي الذكر ذكرا على ما كان من فعل قوم لوط وآية الحبس في الرجال والنساء جميعا.
فإن كانت١ آية الأذى في الرجال خاصة ففيها حجة لأبي حنيفة رضي الله عنه حين لم يوجب على من عمل قوم لوط الحد، ولكن أوجب التعزير والأذى هو منسوخ إن كان في هذا وإن كانت في الأول فهي منسوخة.
ثم اختلف بما به نسخ فقال قوم نسخ بقوله الزانية والزاني فاجدلوا كل واحد منهما مائة جلدة ( النور ٢ ) لكن عندنا : هذا يجوز أن يجمع بين حكميهما فكيف يكون به النسخ ؟ ولكن نسخ عندنا بالخبر، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه ) ٢ قال : " خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا : البكر بالبكر والثيب بالثيب، البكر يجلد وينفى، والثيب يجلد ويرجم " ( مسلم ١٦٩٠ ) ففيه دليل حكم نسخ القرآن بالسنة، فإن قيل : في الآية دليل وعد النسخ بقوله : أو يجعل لهن سبيلا فإنما صار منسوخا بما وعد الله في الآية من النسخ لا٣ بالسنة وقيل : ما من آية أو سنة كان من حكم الله النسخ إلا الوعد فيه النسخ، وإن لم يكن مذكورا لأن الله عز وجل لا يجعل الحكم في الشيء للأبد ثم ينسخ لأنه بدو، وذلك فعل البشر لا فعل الربوبية، فإذا كان ما ذكرنا فلا فرق بين أن ينسخه الوحي٤ يكون قرآنا يتلى ( والسنة فيها ) ٥ أخبار كثيرة روي أنه رجم ماعز إذ أقر بالزنى مرارا، ورجم أيضا غيره ( بما روي أن رجلا عسف آخر فزنى بامرأته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ٦ " سأقضي بينكما بكتاب الله تعالى " وقال ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ٧ " واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن هي اعترفت فارجمها " ( البخاري ٢٦٩٥ و٢٦٩٦ ).
وعن عمر رضي الله عنه قال :( خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل : ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. ألا وإن الرجم حق ( على من زنى، إذا أحصن الرجل والمرأة ) ٨ وقامت البينة أو اعترفا٩، وقد قرأناها : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده ).
وقال قوم : الرجم بين اليهود والنصارى كهو بين المسلمين كالجلد بالآية ولما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم يهوديا قيل : إنما رجم بحكم التوراة. إلا ترى أنه روي أنه دعا بالتوراة فأمرهم أن يقرؤوا عليه ف وضعوا أيديهم على الموضع الذي فيه ذكر الرجم فقرؤوا غيره. قال ابن سلام : إنهم كتموه يا رسول الله ثم قرأ هو : فأمر برجمه١٠ ولا شك أن القرآن نسخ حكم التوراة ذلك لم يقم عليهم الرجم. فإن قال قائل : إن الحد يقام على من عمل عمل قوم لوط بقوله تعالى : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ( النور ٢ ) قيل : لا يحتمل وجوب الحد ذلك لأنه مختلف حكم من هذا في الحرمة ووجوب الرجم١١ وغير ذلك فلا يحتمل أن يعرف شيء بما١٢ يخالفه في جميع أحكامه وجميع الوجوه.
وقوله تعالى : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم في الآية دليل القياس لأنه ذكر الحكم في النساء ولم يذكر في الرجال ذلك الحكم وهما لا يختلفان في هذا الحكم لما يلزم المرأة في ذلك الفعل يلزم الرجل مثله دل ما ترك ذكره في المنصوص والانتزاع منه. وقال قوم : إن على الثيب الجلد والرجم جميعا ذهبوا في ذلك إلى ما روي عن عبادة ابن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه ) ١٣ قال : " خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر يجلد، والثيب بالثيب يجلد ويرجم " ( مسلم ١٦٩٠ أوجب الرجم على الثيب.
وأما عندنا فإنه لا يوجب مع الرجم الجلد لما روينا من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم ماعزا ولم يذكر أنه جلده وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه ) ١٤ قال : " واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها " ( ٢٦٩٥ و٢٦٩٦ ) لم يذكر هنالك جلد والأخبار كثيرة في هذا، وروي انه قال : " من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله الذي ستره عليه فإن من أبدى لنا صفحة أقمنا عليه حد الله " ( مالك في الموطأ ٢/ ٨٢٥ ).
ثم يحتمل قوله صلى الله عليه وسلم : " والثيب يجلد ويرجم " في اختلاف الأحوال : يجلد في حال ويرجم في حال أو يجلد ثيب ويرجم آخر لأنه لا كل ثيب يرجم لأنه إذا كان ثيبا غير محصن لا يرجم دل أنه ما ذكرنا أو يحتمل قوله صلى الله عليه وسلم " البكر بالبكر يجلد وينفى، والثيب بالثيب ( يجلد ويرجم )١٥ " ( مسلم ١٦٩٠ ) أي البكر مع البكر، والثيب مع الثيب، فيكون ثيب يجلد وثيب آخر يرجم.
ثم اختلف أهل العلم في نفي البكر قال قوم : النفي ثابت واجب وعندنا إن كان فهو منسوخ ودليل نسخه ما روي في خبر زيد بن خالد ( الجهني ) ١٦، وكان الرجل بكرا، يذكر أنه نفي، وما وري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه نفى رجلا فارتد ولحق بالروم وقال : لا أنفي بعد هذا أبدا وما روي أنه قال :( كفى بالنفي فتنة ). وإن كان فهو عقوبة وليس بحد كحبس الدعارة وغيره والدليل على أن النفي ليس بحد أن الله سبحانه وتعالى قال في الإماء :{ فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصن من العذاب( النساء ٢٥ ).
والأمة لا تنفى، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال : " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ثم إذا زنت فليجلدها ثم إذا زنت فليبعها ولو بضفر " ( البخاري ٢١٥٢ و٢١٥٤ ) أمر بجلدها ولم يأمر بالنفي ولو كان حدا لأمر به كما أمر بالجلد دل أنه ليس بحد في الحرة١٧ ولأنه أوجب على الإماء نصف ما اوجب على الحرائر ولا نصف للنفي دل أنه ليس بحد ولا يجب ذلك او إن كان فهو حبس وفي الحبس نفي فيحسبان١٨ أو ينفيان لينسيا ما أصاب لأن كل من رآهما يذكر فعلهما فينفيان لذلك لا أنه حد ولكن لينسيا ذلك ولا يذكر١٩.
وقوله تعالى أيضا : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم إلى قوله : فإن تابا وأصلحا ( النساء ١٥ و١٦ ) يخرج على وجهين لو كانت الآيتان في الزنى.
أحدهما : أن يكون في جميع الإناث الحبس وفي الذكور الإيذاء ولذلك جميع من الجميع في الخبر الذي به النسخ فارتفع الحبس والأذى جميعا وذلك تأنيب الرجل به أزجر له، وحبس المرأة أقطع لوجوه الزنى.
والثاني :٢٠ ان تكون الآية الأولى في المحصنات على تضمن المحصنين بالمعنى والآية الثانية في الذكور والإناث ( على تضمن الإناث ) ٢١ بالمعنى لكن جرى الذكر على ما ظهر من فضل صيانة الأبكار في الإناث إما تدينا أو حياء افتضاح٢٢ أو بما الغالب عليهن الصون من المحارم والحفظ عن قرب الذكور ليس من شيء من ذلك في الذكور ولا في الثيبات من النساء٢٣ على أنه بعيد بلوغ النساء في قلة الحياء إلى أن يعلن حتى يشهده أربعة٢٤ والغالب عليهن ألا يخالطن هذا القدر من العدد.
ثم الدلالة على دخول الكل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا " ذكرهن على ما جرى به الذكر في القرآن ثم جمع في التفسير بين الكل ثبت أن الذكر قد يضمن الكل وذلك يبطل تأويل / ٨٤- أ/ من يصرف الآية إلى الأبكار من الإناث والذكور ومتى يحتمل وجود ( الكل ) ٢٥ مثل ذلك بعد النكاح على إثر خلوة الأزواج بهن والاطلاع على ما فيه المسبة الدائمة والعار اللازم له ثم كشف ذلك لجميع محارمها ثم خوف الانتشار به ظاهر وكيف يحتمل في مثل تلك الحال إلى ممكن من ذكر دون أن ينضم إلى زوجها ؟
فتأويل من وجه الآية إلى الأبكار خارج عن المعروف ثم المروي عن السنة ثم ( ما )٢٦ أجمع عليه أهل التأويل عمد صاحبه على هذا جهله بألا يجوز بيان نسخ حكم بينة الكتاب بالسنة ويحكم على الله تعالى وعلى رسوله بحجر هذا النوع.
وقوله عز وجل : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا الآية ومعلوم أن عقوبة الزناة يتولاها الأئمة فكان الخطاب عليهم خرج ثم قد ثبتت٢٧ الفاحشة منهن ولم يأذن في إقامة عقوبتها حتى يستحضر أربعة فيشهدوا٢٨ بها. فعلى هذا أن ليس للأئمة تولي حد الزناة بعلمهم حتى يكون ثم شهود. وفي ذلك لزوم حق الستر إلى أقصى ما ينتهى إليه الفعلان من الزناة إذ ذلك أمر معلوم في ما يحل ألا يفعل إلا في أحوال الخلوات التي تعلم حقيقته ذلك بالولد يكون فأما من حيث الكون دونه فإنما هو غالب الظن فالذي لا يحل من ذلك أن يكون بحيث لا تعلم حقيقته أبدا. يدل ذلك جميع الأمور التي منها المباح والمحظور إذ المحظور منه أبعد من الظهور والعلم من المباح.
فعلى ذلك أمر هذا مع ما أيد ما جعل من هذا الرمي وجهين :
أحدهما : الزجر عن هتك هذا النوع من الستر حتى خرجت شهادة من رمى بذلك بما هتك ستر الله.
والثاني : فحش الشين بفاعل ذلك لزوم المسبة في صاحب ذلك وذلك معنى لزوم الشين، وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال : " من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله فإنه من أبدى صفحة أقمنا عليه حد الله " ( الموطأ ٢/ ٨٢٥ ) فإذا بلغ العمد الذي حده ما ذكرت من العقوبة من نهاية الستر النهاية من الإعلان حتى ظهر ذلك للجماعة يفعل ما يشينه فعله ما ذكرت استحق ما ذكرت من العقوبة بجرأته على ذلك، وبقلة٢٩ حيائه حين أظهر الذي ذلك حقه الستر عقوبة ذلك الفعل، فألزم من إليه ذلك القيام به لله. ثم جعل الله في ذلك عقوبات مختلفة على اختلاف أوقات الفعل وأهله على ما علم من مصلحة الخلق بها وزجرهم وتفكيرهم بها. ثم إن الله سبحانه وتعالى جعل أول عقوبة الزنى من نوع من الخلق ظاهرا يكسبون به عرض الدنيا في٣٠ ذلك في الإماء حتى قال تعالى : ولا تكرهوا فتاتيكم على البغاء الآية ( النور ٣٣ ) وحتى كانوا يدعون الأنساب في أولاد الزنى من الإماء حتى بلغ ظهور ذلك إلى أن يمازح به الحرائر في الطرق تعاميا عن حالهن فنزل قوله سبحانه وتعالى : يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ( الأحزاب ٥٩ ).
وإن كان هذا حالهم في ذلك الوقت فعليهم٣١ خوف مواقعة الزنى وكذلك لكثرة ما يرين٣٢ أو يسمعن وذلك ( في وجهين :
أحدهما ) ٣٣ : معنى يبعث من شرهت نفسه وقل٣٤ تفكره في أمر عاقبته مما ينزل به أو يشينه وقد ركبت هذه الشهوة في كل البشر فخفف الله عقوبته في الابتداء أن جعل في الحبس والإمساك في البيوت ثم صار ذلك إلى الضرب لما يخرج الناس من بيوتهم ويعظم٣٥ ذلك في أعينهم وجعل في الشتم به الحد ليعرفوا عظم موقعه عند الله وينتهوا٣٦ عن فعله.
وقد جعل في ذلك في بعض الأحوال الرجم وهي الحال التي يزول فيها كل وجوه العذر وترتفع جميع معاني الشبه لعظم أمره.
والثاني : أن السبب الباعث على ذلك قرب بعض ببعض ومخالطة بعض ببعض على عظم الشهوة فغلب عليهم الأمر واستعدتهم الشهوة حتى واقعوا ذلك.
ثم في الحبس ( وجوه :
أحدهما ) ٣٧ : الكف عن المعنى الذي يدعو إليه من الاختلاط وتلاقي الأبصار.
وا

١ في الأصل و م: كان..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ من م في الأصل: وإلا..
٤ في الأصل و م: بوحي..
٥ في الأصل و م: وفيه..
٦ في الأصل و م: ما روي عن عسيف الرجل زنى بامرأة وقال انظر المسند ٤/١١٥..
٧ ساقطة من الأصل و م..
٨ في الأصل و م: إذا أحصن الرجل..
٩ في الأصل و م: اعترف..
١٠ في الأصل و م: يرجمهم..
١١ من م في الأصل: المهر..
١٢ في الأصل و م: لما..
١٣ ساقطة من الأصل و م..
١٤ ساقطة من الأصل و م..
١٥ ساقطة من الأصل و م..
١٦ ساقطة من الأصل و م..
١٧ في الأصل و م: الحر..
١٨ في الأصل و م: فيحبس..
١٩ في الأصل و م: يذكر..
٢٠ في الأصل و م: أو..
٢١ من م ساقطة من الأصل..
٢٢ في م الافتضاح..
٢٣ في الأصل و م: الناس..
٢٤ في الأصل و م: أربع..
٢٥ من م ساقطة من الأصل..
٢٦ ساقطة من الأصل و م..
٢٧ في الأصل و م: اثبت..
٢٨ في الأثل و م: فيشهدون..
٢٩ أدرج قبلها في الأصل و م: محله..
٣٠ من م في الأصل و في..
٣١ في الأصل و م: عليهم..
٣٢ في الأصل و م: يدين..
٣٣ ساقطة من الأصل و م..
٣٤ في الأصل و م: وقلة..
٣٥ في الأصل و م عظم..
٣٦ في الأصل و م: وانتهوا..
٣٧ في الأصل و م: وجهان أحدهما.

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية