ﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢ ﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

يجب على الله الأصلح لعباده «١». وهذا تعبير مناف للأدب نحو الله لا يليق استعماله على ما نبهنا عليه في مناسبة سابقة أيضا. والمتبادر أن الجملة أسلوبية يقصد بها بيان كون الله تعالى إنما يتوب على الذين يعملون السيئات بجهالة ثم يتوبون من قريب.
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٩ الى ٢١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١)
. عبارة الآيات واضحة. وقد تضمنت:
(١) نهيا للمسلمين عن إمساك الزوجات مع الكراهية والبغض بقصد الكيد والإعنات وابتزاز أموالهن من مهور وغيرها.
(٢) وأمرا لهم بمعاشرتهن بالحسنى والمعروف وتحملهن حتى في حال الشعور بكرههن. فليس كل ما يكرهه المرء شرا حقا. وقد يجعل الله في المكروه خيرا كثيرا.
(٣) وتحذيرا لهم في حال اعتزامهم على تركهن للتزوج بغيرهن ألا يأخذوا شيئا مما أعطوهن مهما كان كثيرا. ففي ذلك إثم وظلم كبيران بعد ما كان بينهما ما كان من صلة الزوجية العظمى والميثاق والعهد الذي تم به التراضي.
(٤) واستثناء لحالة صدور فاحشة ثابتة منهن. فهذه حالة استثنائية خطيرة قد تسوغ للزوج الكره والفراق ومحاولة استرداد ما أعطاه كله أو بعضه.

(١) انظر تفسير الآيات في تفسير رشيد رضا.

صفحة رقم 55

تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ... إلخ والآيتين التاليتين لها وما فيها من تلقينات
ولقد روى البخاري عن ابن عباس أنه قال «كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها وإن شاءوا لم يزوجوها فهم أحقّ بها من أهلها فنزلت الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ» «١».
وهناك روايات أخرى يرويها الطبري وغيره ذكر في بعضها أسماء وأحداث معينة وفي بعضها أن ابن الزوج وأقاربه كانوا يمسكون الزوجة إذا توفي زوجها حتى تفتدي نفسها برد المهر وفي بعضها أنهم كانوا يلقون عليها ثوبا كإعلان بأنهم سيمسكونها عندهم. وفي بعضها أن أهل ابن الزوج يفعلون ذلك إذا كان هذا الابن صغيرا حتى يكبر فيمسكها أو يتركها. وأن الآية الأولى نزلت في منع هذه العادات المجحفة.
ويلحظ أن الفقرة الأخيرة من الآية الأولى تنطوي على قرينة حاسمة على أن الخطاب فيها موجه للأزواج في صدد معاملتهم لزوجاتهم حيث يجعل ذلك رواية نزولها بسبب عادة إمساك ابن الزوج أو أقاربه لزوجة الأب لأنفسهم أو لأخذ الفدية منها غريبة. وقد يكون تعبير لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً من ما سوغ للمؤولين ولابن عباس ما قالوه كسبب لنزول الآية. ولقد رأينا الزمخشري يؤولها تأويلا وجيها متسقا مع ملاحظتنا وهو (لا يحلّ لكم أن تمسكوا زوجاتكم على كراهيتكم لهن حتى يمتن عندكم بقصد أن ترثوهن) وقد يكون من القرائن على أن الآية في صدد معاملة الأزواج لزوجاتهم ورود نهي عن نكاح زوجات الآباء في آية

(١) التاج فصل التفسير ج ٤ ص ٨١.

صفحة رقم 56

مستقلة تأتي بعد الآيات التي نحن في صددها. ونرجح أن الروايات المساقة هي في صدد هذه الآية وأن سوقها في صدد الآية الأولى من الآيات التي نحن في صددها من قبيل الالتباس.
والذي يتبادر لنا أن الآيات نزلت في مناسبة شكوى رفعها بعض الزوجات إلى النبي ﷺ في حق أزواجهن بسبب ما بدا من بعض المحاولات والمواقف التي تضمنتها الآية الأولى والله أعلم.
ومع أن الآيات تبدو فصلا مستقلا فإن موضوعها متصل بموضوع النساء وحمايتهن وحقوقهن مما احتوت الآيات السابقة توطيده حتى ليصح أن يقال إنها استمرار لها. ومن المحتمل كثيرا أن تكون نزلت بعدها إن لم تكن نزلت معها فوضعت بعدها للمناسبة الظرفية والموضوعية.
ولد سبقت وصايا ونواه وتحذيرات مماثلة في الآيات (٢٢٢- ٢٤٧) من سورة البقرة مما يؤكد ما كان يلقاه الزوجات من أزواجهن من المكايدة والأذى وما كان يعمد إليه الأزواج من أساليب لابتزاز أموالهن فاقتضت الحكمة مواصلة توكيد النواهي والتحذيرات للقضاء على هذه التصرفات المكروهة المتناقضة مع الحق والعدل والواجب والعهد الزوجي.
وأسلوب الآيات هنا قوي رائع حقا. ينطوي على أبلغ التلقين وأروع العظة في حماية الزوجات وتعظيم شأن الصلة الزوجية ووجوب حسن معاشرتهن ومعاملتهن، وحمل النفس على ما تكره في هذا السبيل، والتعفف عن أموالهن ولو كانوا هم الذين أعطوها لهن لأنها صارت حقهن، وعدم التسرع في التخلي عنهن وتطليقهن. فإذا أضيف إليها ما احتوته الآيات العديدة الأخرى المكية والمدنية من مثل ذلك وفي صدده وقد مرّ منها أمثلة كثيرة بدا الأمر فذّا بالنسبة لجميع الشرائع، وصار من خصوصيات القرآن والشريعة الإسلامية ومرشحاتها للخلود والشمول.
ولقد أورد ابن كثير في سياق الآيات حديثا مقتطعا من حديث خطبة حجة وداع رسول الله رواه مسلم وأبو داود جاء فيه «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن

صفحة رقم 57

بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله» «١» وفي مجمع الزوائد حديث رواه ابن ماجه عن النبي ﷺ قال «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» مما فيه تلقين متسق مع التلقين القرآني في وجوب إحسان معاملة الزوجات والبرّ بهنّ، وهناك حديث آخر مهم رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «لا يفرك مؤمن مؤمنة وإن كره منها خلفا رضي منها بآخر» «٢». وجمهور المفسرين والمؤولين على أن جملة يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ في الآية الأولى كناية عن الزنا. وإن للزوج في حالة ثبوت ذلك على زوجته حقا في استرداد مهرها وما قد يكون أعطاها إياه من مال أو بعضه بالأسلوب الذي لا يخالف شرعا ولا عرفا. وهذا متسق مع روح الآية كما هو المتبادر.
مسألة المغالاة في المهور
ولقد روى المفسرون في سياق الآية [٢٠] أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس في خلافته فقال «ما إكثاركم في صداق النساء وقد كان الصداق في عهد النبي وأصحابه أربعمائة درهم فما دون ذلك. ولو كان في الإكثار تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها، فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم». ثم نزل، فاعترضته امرأة من قريش فقالت يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم، قال نعم، فقالت أما سمعت ما أنزل الله؟ قال وأي ذلك؟ فقالت: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فقال اللهم غفرا كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب- وفي رواية- فمن طابت نفسه فليفعل» «٣». ورووا روايات أخرى من بابها جاء في إحداها أن عمر بن الخطاب قال: لا تغالوا في مهور النساء، فقالت

(١) التاج ج ٢ ص ١٤٣ و ٢٨٨.
(٢) المصدر نفسه. وكلمة يفرك بمعنى يبغض والراجح أن المقصود بمؤمن ومؤمنة زوج وزوجة مؤمنان.
(٣) النص منقول عن ابن كثير.

صفحة رقم 58

امرأة ليس ذلك لك يا عمر إن الله يقول وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته «١». وجاء في إحداها أن عمر قال «لا تزيدوا في مهور النساء، فقالت امرأة ما ذاك لك، قال ولم؟ قالت إن الله قال وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً الآية فقال عمر امرأة أصابت ورجل أخطأ» «٢» وجاء في إحداها أن عمر قال لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية من الفضة فمن زاد جعلت الزيادة في بيت المال فقالت امرأة ما ذاك لك: قال لم؟
قالت إن الله يقول وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً الآية فقال امرأة أصابت وأخطأ عمر «٣».
وهذه الروايات لم ترد في الصحاح وقد روى أصحاب السنن حديثا فيه نهي من عمر عن المغالاة في المهور فقط عن أبي العجفاء قال «خطبنا عمر فقال ألا لا تغالوا بصداق النساء فإنّها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم. ما أصدق امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية» «٤».
على أن عدم ورود قصة اعتراض إحدى النساء على عمر في هذا الحديث لا يمنع أن تكون روايته المروية بصيغ وطرق عديدة صحيحة. ولئن صحت فيكون فيه صورة رائعة عن العهد الراشدي. منها نباهة المرأة العربية وقدرتها على استنباط الأحكام من القرآن. وجرأتها على الدفاع عن حقوقها. وإقرار الرجال وفي

(١) النص منقول عن ابن كثير.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) من رشيد رضا.
(٤) التاج ج ٢ ص ٢٧٠ وقيمة الاثنتي عشرة أوقية (٤٨٠) درهما على ما جاء في شرح الحديث وهناك حديث رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سلمة يؤيد ما جاء في الحديث المروي عن عمر جاء فيه (سألت عائشة كم كان صداق رسول الله قالت كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشّا. أتدري ما النش قال لا. قالت نصف أوقية فتلك خمسمائة درهم) انظر التاج ج ٢ ص ٢٦٩. [.....]

صفحة رقم 59

مقدمتهم الخليفة بذلك ومنها تراجع الخليفة عن وصية وصاها حينما نبهته المرأة إلى احتمال مخالفة الوصية للتلقين القرآني.
والمتبادر أن إيعاز عمر كان اجتهادا منه فيه مصلحة للمسلمين. وهناك حديث رواه ابن حبان في صحيحه عن ابن عباس عن النبي ﷺ جاء فيه «إن من خير النساء أيسرهن صداقا» «١» وحديث ثان رواه أحمد والحاكم والبيهقي جاء فيه «إن من يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها» «٢» ومن المحتمل أن يكون عمر قد استأنس بهذه الأحاديث وأمثالها في إيعازه.
وفي سورة النور آية تنطوي على تلقين قوي بوجوب تيسير الزواج لكل فئة وبخاصة للفقراء مما لا يتيسر إلّا بعدم المغالاة في المهور وهي وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢).
وحتى على فرض صحة رواية احتجاج المرأة على عمر وتراجعه عن إيعازه فإنه ليس في الآية ما يصح الاستدلال به على أن المبلغ الكبير الذي عنته بلفظ القنطار هو المهر فقط حيث يمكن أن يكون مجموعة عطايا من الزوج. وعبارتها تهدف إلى حماية المرأة وعدم ابتزاز ما صار حقها الشرعي من مال أعطاه لها زوجها فيه المهر وغير المهر مهما كثر. ويظل تلقين آية سورة النور والأحاديث النبوية وإيعاز عمر واردا واجب الاحترام بل ومخولا للحكام الإشراف على مقادير المهور ومنع المغالاة فيها في كثير من الظروف التي لا يكون أكثر الناس فيها قادرين على دفع مهور عالية حيث يؤدي هذا إلى تعسير الزواج وتزايد الأيامى- أي العزاب- من رجال ونساء وعبيد وإماء، وبعبارة أخرى إلى تعطيل أمر الله الوارد في آية سورة النور أما القادرون فالذي يتبادر لنا أنه ليس في التلقين المشار إليه ما يحول دون زيادة المهر بينهم عن المقدار المحدد في الروايات المروية. ولعل حكمة عدم

(١) انظر تفسير الآية في تفسير المنار.
(٢) المصدر نفسه.

صفحة رقم 60

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

محمد عزة بن عبد الهادي دروزة

الناشر دار إحياء الكتب العربية - القاهرة
سنة النشر 1383
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية