ﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ

وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا ( النساء : ٥-٦ ).
تفسير المفردات : السفهاء واحدهم سفيه : وهو المبذر للمال المنفق له فيما لا ينبغي وأصل السفه الخفة والاضطراب ومنه قيل زمان سفيه : إذا كان كثير الاضطراب وثوب سفيه : رديء النسيج ثم استعمل في نقصان العقل في تدبير المال وهو المراد هنا قياما : أي تقوم بها أمور معايشكم وتمنع عنكم الفقر قال الراغب : القيام والقوام ما يقوم به الشيء ويثبت كالعماد والسناد لما يعمد ويسند به وارزقوهم : أي وأعطوهم والقول المعروف : ما تطيب به النفوس وتألفه كإفهام السفيه أن المال ماله لا فضل لأحد عليه
المعنى الجملي : بعد أن أمر الله تعالى في الآيات السالفة بإيتاء اليتامى أموالهم وبإيتاء النساء مهورهن أتى في هذه الآية بشرط للإيتاء يشمل الأمرين معا وهو ألا يكون كل منهما سفيها مع بيان أنهم يرزقون فيها ويكسون ما دامت في أيديهم مع قول المعروف لهم حتى تحسن أحوالهم وأنه لا تسلم إليهم الأموال إلا إذا أونس منهم الرشد وأنه لا ينبغي الإسراف في أكل أموال اليتامى فمن كان من الأولياء غنيا فليعف عن الأكل من أموالهم ومن كان فقيرا فليأكل بما يبيحه الشرع ويستجيزه أرباب المروءة.
الإيضاح : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما هذا خطاب لمجموع الأمة والنهي شامل لكل مال يعطى لأي سفيه أي أعطوا كل يتيم ماله إذا بلغ وكل امرأة صداقها إلا إذا كان أحدهما سفيها لا يحسن التصرف في ماله فامنعوا منه لئلا يضيعه واحفظوه له حتى يرشد.
و إنما قال أموالكم ولم يقل أموالهم مع أن الخطاب للأولياء والمال مال السفهاء الذين في ولايتهم لينبهنا إلى أنه إذا ضاع هذا المال وجب على الولي أن ينفق عليه من مال نفسه فإضاعته مفضية إلى إضاعة شيء من مال الولي فكأن ماله عين ماله وإلى أن الأمة متكافلة في المصالح فمصلحة كل فرد فيها كأنها مصلحة للآخرين.
و معنى جعل الأموال قياما للناس أن بها تقوم وتثبت منافعهم ومرافقهم فمنافعهم الخاصة ومصالحهم العامة لا تزال قائمة ثابتة ما دامت أموالهم في أيدي الراشدين المقتصدين منهم الذين يحسنون تثميرها وتوفيرها ولا يتجاوزون حدود المصلحة في الإنفاق وفي هذا حث عظيم على الاقتصاد بذكر فوائده وتنفير من الإسراف والتبذير ببيان مغبته فإن الأموال إذا وقعت في أيدي السفهاء المسرفين فات ما كان من تلك المنافع قائما ومن ثم وصف الله المؤمنين بقوله : وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ( الفرقان : ٦٧ ) وقد ورد في السنة النبوية حث كثير على الاقتصاد من ذلك ما رواه أحمد عن ابن مسعود " ما عال من اقتصد " وما رواه الطبراني والبيهقي عن ابن عمر " الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة والتودد إلى الناس نصف العقل وحسن العقل نصف العلم ".
و إن من أشد العجب أن يكون حال المسلمين اليوم ما نرى من الإسراف والتبذير وكتابهم يهديهم إلى ما للاقتصاد من فوائد وما للتبذير من مضار إلى ما للمال في هذا الزمن من المنزلة التي لا يقدر قدرها حتى صارت جميع المرافق موقوفة على المال وأصبحت الأمم الجاهلة بطرق الاقتصاد وليس في أيديها المال مستذلة مستعبدة للأمم الغنية ذات البراعة في الكسب والإحسان في الاقتصاد وجمع المال
ولا سبب لهذا إلا أنا نبذنا هدى القرآن وراء ظهورنا وأخذنا بآراء الجاهلين الذين لبسوا على الناس ونفثوا سمومهم وبالغوا في التزهيد والحث على إنفاق ما تصل إليه الأيدي مع أن السلف الصالح كانوا من أشد الناس محافظة على ما في أيديهم وأعرف الناس بتحصيل المال من وجوه الكسب الحلال وليت هذا التزهيد أتى بالغرض المسوق لأجله من الترغيب في الآخرة والعمل لها لكنهم زهدوهم في الدنيا وقطعوهم عن الآخرة فخسروهما معا وما ذاك إلا لجهلهم بهدي الإسلام وهو السعي للدنيا والعمل للآخرة كما ورد في الأثر :" اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ".
وارزقوهم فيها واكسوهم الرزق يعم وجوه الإنفاق جميعها كالأكل والمبيت والزواج والكسوة وإنما خص الكسوة بالذكر لأن الناس يتساهلون فيها أحيانا وقال : فيها ولم يقل منها إشارة إلى أن الأموال تتخذ مكانا للرزق بالتجارة فيها فتكون النفقات من الأرباح لا من صلب المال حتى لا يأكلها الإنفاق أي أيها الأولياء الذين عهد إليكم حفظ أموال السفهاء وتثميرها حتى كأنها أموالكم عليكم أن تنفقوا عليهم فتقدموا لهم كفايتهم من الطعام والثياب ونحو ذلك.
وقولوا لهم قولا معروفا أي فليقل كل ولي للمولى عليه إذا كان صغيرا : المال مالك وما أنا إلا خازن له وإذا كبرت رد إليك وإذا كان سفيها وعظه ونصحه ورغبه في ترك التبذير والإسراف وعرفه أن عاقبة ذلك الفقر والاحتياج إلى الخلق إلى نحو ذلك كما يعلمه كل ما يوصله إلى الرشد وبذا قد تحسن حاله فربما كان السفه عارضا لا فطريا فبالنصح والإرشاد والتأديب يزول ذلك العارض ويصبح رشيدا
و أين هذا مما يفعله الأولياء والأوصياء من أكل أموال السفهاء ومدهم في غيهم وسفههم حتى يحولوا بينهم وبين أسباب الرشد وما مقصدهم من ذلك إلا بقاء الأموال تحت أيديهم يتمتعون بها ويتصرفون فيها بحسب أهوائهم وشهواتهم.


المعنى الجملي : بعد أن أمر الله تعالى في الآيات السالفة بإيتاء اليتامى أموالهم وبإيتاء النساء مهورهن أتى في هذه الآية بشرط للإيتاء يشمل الأمرين معا وهو ألا يكون كل منهما سفيها مع بيان أنهم يرزقون فيها ويكسون ما دامت في أيديهم مع قول المعروف لهم حتى تحسن أحوالهم وأنه لا تسلم إليهم الأموال إلا إذا أونس منهم الرشد وأنه لا ينبغي الإسراف في أكل أموال اليتامى فمن كان من الأولياء غنيا فليعف عن الأكل من أموالهم ومن كان فقيرا فليأكل بما يبيحه الشرع ويستجيزه أرباب المروءة.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير