وبعد ذلك ينتقل الحق إلى قضايا اليتامى والسفهاء والمال والوصاية والقوامة، فيقول سبحانه :
ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا ٥ .
ومن هو السفيه ؟ إنه الذي لا صلاح له في عقل ولا يستطيع أن يصرف ماله بالحكمة. ومن الذي يعطى ماله إلى سفيه ؟ إن الحق يقول ذلك ليعلمنا كيفية التصرف في المال ومثال على ذلك يقول الحق :
ولا تلمزوا أنفسكم ( من الآية ١١ سورة الحجرات ).
هل أحد منا يلمز نفسه ؟ لا، ولكن الإنسان يلمز خصمه، ولمز الخصم يؤدي إلى لمز النفس لأن خصمه سيلمزه ويعيبه أو لأنكما سواء. إذن فقول الحق : " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " يعني أن الله يريد أن يقول : إن السفيه يملك المال، إلا أن سفهه يمنعه من أن يحسن التصرف. وعدم التصرف الحكيم يذهب بالمال ويفسده، وحين يكون سفيها فالمال ليس له تصرفا وإدارة ولكن المال لمن يصلحه بالقوامة.
أو أن الحق سبحانه وتعالى يعالج قضية كان لها وجود في المجتمع وهي أن الرجل إذا ما كان له أبناء، وكبروا قليلا، فهو يحب أن يتملص من حركة الحياة، ويعطى لهم حق التصرف في المال. وإن كان تصرفهم لا يتفق مع الحكمة، فكأنه قال سبحانه :" لا " إياك أن تعطي أموالك للسفهاء بدعوى أنهم أولادك. وإياك أن تملك أولادك ما وهبه الله لك من رزقك ؛ لأن الله جعل من مالك قياما لك، وإياك أن تجعل قيامك أنت في يد غيرك.
" ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما. وارزقوهم فيها " وهل السفيه لا يعيش ؟ وهل يأكل السفيه دون أكل الرشيد ؟ أيلبس السفيه دون لبس الرشيد ؟ أيسكن السفيه دون مسكن الرشيد ؟ أيبتسم الإنسان في وجه الرشيد ولا يبتسم في وجه السفيه ؟ لا ؛ لذلك يأمر الحق ويقول :" وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا " ذلك أمر بحسن معاملة السفيه، وإياكم أن تعيروهم بسفههم، ويكفيهم ما هو فيه من سفه.
ويرجع الحق من بعد ذلك إلى اليتامى : وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا ٦ .
تفسير الشعراوي
الشعراوي