في سَبَي النُّزُولِ قَوْلان:
صفحة رقم 466
الأوّل: قال عَطَاء ومُجَاهِد والشَّعْبِي: نزلت في قِصَّة المُنَافِقِ واليَهُودِيّ اللَّذين اخْتَصَما إلى عُمر. الثاني: روي عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر؛ «أنه رجُلاً من الأنْصَار قد شهد بَدْراً مع رسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في شِرَاجٍ مِنَ الحرَّة، وكانَا يَسْقِيَانِ به كلاهما، فقال رسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ للزُّبَيْر: اسْقِ يا زُبَيْر، ثم أرْسِلْ إلى جَارِكَ، فغَضِب الأنْصَارِيُّ، وقال: أن كان ابنُ عَمَّتِكَ؟ فتلوّن وَجْهُ رسُولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ثم قال للزُّبَيْر: اسْقِ ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ حَتَّى يَرْجع إلى الجِدْرِ» واعلم [أن الحكم] أن مَنْ كَان أرْضُهُ أقْربَ إلى فَمِ الوَادِي، فهو أوْلَى [بأَوَّل] المَاءِ، وحَقُّهُ تَمَام السَّقْي، فالرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُِ أَذِن للزُّبَيْر في السَّقْي على وَجْهِ المُسَامَحَةِ [ابْتدَاء]، فلما أسَاءَ خَصْمُهُ الأدَب، ولم يعرف حَقَّ ما أمَرَهُ به الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - من المُسَامَحَةِ لأجْلهِ، أمَرَهُ النَّبِي - عليه السلام - باسْتِيفَاءِ حَقِّه على التَّمَامِ، وحَمْل خَصْمِهِ على مُرِّ الحَقِّ.
قال عروة بن الزُّبَيْر: [أحسبُ هذه الآية نزلَتْ في ذلِك، وروي أن الأنْصَارِي الذي خاصَمَ الزُّبَيْر] كان اسْمُهُ حَاطِب بن [أبِي] بَلْتعة، فلما خَرَجَا مَرَّ على المِقْدَاد. فقال: لمن كان القَضَاءُ فقال الأنْصَارِيّ: قَضَى لابْن عَمَّتِهِ، ولَوَى شِدْقَيْه، فَفَطِنَ له يَهُودِيٌّ كان مع المِقْدَادِ، فقال: قَاتَل اللَّه هَؤلاء، يَشْهَدُون أنَّهُ رسول اللَّهِ ثم يتهمُونَهُ في قَضَاء يَقْضِي بَيْنَهُم، وأيْمُ اللَّه لقد أذْنَبْنَا ذَنْباً مَرَّة في حَيَاةِ مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فدعانا مُوسَى إلى التَّوْبَةِ مِنْهُ، فقال: فاقْتُلُوا أنفُسَكُم ففعلنا، فبلغ قَتْلاَنا سَبْعِين ألْفاً في طَاعَةِ رَبِّنا، حتىَّ رَضِيَ عَنَّا. فقال ثَابِت بن قَيْس بن شماس: أما واللَّه إنَّ الله لَيَعْلَمُ منّي
الصِّدْق، ولو أمَرَنِي مُحَمَّد ن أقْتُل نَفْسِي، لَفَعَلْتُ، فأنزل اللَّه في شَأنِ حَاطِب بن أبِي بَلْتَعَة هَذِه الآية.
قوله: «فلا وربك لا يؤمنون» فيه أربعة أقْوالٍ:
أحدها: وهو قَوْلَ ابن جَرِير: أن «لا» الأولَى ردّ لِكَلاَم تَقَدَّمَها، تقديرُه: فلا تَعْقِلُون، أو لَيْس الأمْر كما يَزْعُمُون من أنَّهمُ آمَنُوا بما أنْزِل إلَيْك، وهُم يُخَالِفُون حُكْمَكَ، ثم اسْتأنَفَ قَسَماً بعد ذَلِك، فعلى هذا يَكُون الوَقْفُ على «لاَ» تَامّاً.
الثاني: أن «لا» الأولَى قُدِّمت على القَسَمِ اهْتِمَاماً بالنَّفْي، ثم [كُرِّرت] توكيداً للنَّفْي، وكان يَصِحُّ إسقاط الأولى، ويَبْقَى مَعْنَى النَّفْي، ولكن تَفُوت الدَّلالة على الاهْتِمَامِ المذكور، [وَكَان يَصِحُّ إسْقَاطُ الثَّانِية ويبقى مَعْنَى الاهْتِمَامِ، ولكن] تفُوت الدَّلالةَ على النَّفْي، فَجَمَعَ بينهما لذلك.
الثالث: أن الثَّانِية زَائِدةٌ، والقَسَم معْتَرِضٌ بين حَرْفَي النَّفْي والمَنْفِيّ، وكان التقدير: فلا يُؤمِنُون وَرَبُّك.
الرابع: أن الأولى زائدةٌ، والثَّانِيَة غير زائدة، وهو اخْتِيَار الزَّمَخْشَرِي؛ فإنه قال: «لا» مزيدةٌ لتأكِيد مَعْنَى القَسَمِ؛ كما زِيدَتْ في
لِّئَلاَّ يَعْلَمَ [الحديد: ٢٩] لتأكِيد وُجُوب العِلْم، و «لا يؤمنون» جواب القَسَم.
فإن قلت: هلاّ زَعَمْتَ أنَّها زَائِدة لتظاهر لا في لا يؤمنون؟ «.
قلت: يَأبَى ذلك اسْتِوَاء النَّفْيِ والإثْبَات فيه؛ [وذلك لقوله: فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة: ٣٨ - ٤٠] يعني: أنه قد جاءَت» لاَ «قبل القَسَمِ؛ حَيْثُ لم تكُن» لا «موجودة في الجَوَابِ]، فالزَّمَخْشَرِي يرى: أن» لاَ «في قَوْلِهِ - تعالى -: فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ [الحاقة: ٣٨] أنها زائدَة أيضاً لتأكيدِ مَعْنَى القَسَم، وهو أحَدُ القَوْلَيْن.
والقول الآخر: كَقَوْلِ الطَّّبَرِي المتقَدِّم؛ ومثل الآيَةِ في التَّخَارِيج المَذْكُورة قول الآخر: [الوافر]
| ١٨٢٠ - فَلاَ وَاللَّه لا يُلْفى لما بِي | ولا لِلِمَا بِهِمْ أبَداً دَوَاءُ |