١٤٧- قال الشافعي : وقال : فَلا وَرَبِّكَ لا يُومِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا نزلت هذه الآية فيما بلغنا ـ والله أعلم ـ في رجل١ خاصم الزبير٢ في أرض، فقضى النبي بها للزبير٣. وهذا القضاء سنة من رسول الله، لا حكم منصوص في القرآن. والقرآن يدل ـ والله أعلم ـ على ما وصفت، لأنه لو كان قضاء بالقرآن كان حكما منصوصا بكتاب الله، وأشبه أن يكونوا إذا لم يسلموا لحكم كتاب الله نصا غير مشكل الأمر : أنهم ليسوا بمؤمنين، إذا ردوا حكم التنزيل، إذا لم يسلموا له.
وقال تبارك وتعالى : لا تَجْعَلُوا دُعَاء اَلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اَللَّهُ اَلذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ اِلذِينَ يُخَالِفُونَ عَنَ اَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ اَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ اَلِيمٌ ٤ وقال : وَإِذَا دُعُوا إِلَى اَللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِنْ يَّكُن لَّهُمُ اَلْحَقُّ يَاتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ اَمِ اِرْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَّحِيفَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلُ اَوْلَئاكَ هُمُ اَلظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ اَلْمُومِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اَللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمُ أَنْ يَّقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئاكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ وَمَنْ يُّطِعِ اِللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اَللَّهَ وَيَتَّقِهِ فَأُوْلَئاكَ هُمُ اَلْفَآئِزُونَ ٥ فأعلم الله الناس في هذه الآية أن دعاءهم إلى رسول الله ليحكم بينهم دعاء إلى حكم الله، لأن الحاكم بينهم رسول الله، وإذا سلموا لحكم رسول الله فإنما سلموا لحكمه بفرض الله. وأنه أعلمهم أن حكمَه حكمُه، على معنى افتراضه حكمَه، وما سبق في علمه جل ثناؤه من إسعاده بعصمته وتوفيقه، وما شهد له به من هدايته واتباعه أمره.
فأحكم فرضه بإلزام خلقه طاعة رسوله وإعلامهم أنها طاعته. فجمع لهم أن أعلمهم أن الفرض عليهم اتباع أمره وأمر رسوله، وأن طاعة رسوله طاعته، ثم أعلمهم أنه فرض على رسوله اتباع أمره جل ثناؤه. ( الرسالة : ٨٢-٨٥. ون أحكام الشافعي : ١/٣٠. )
ــــــــــــ
١٤٨- قال الشافعي : وليس يخالف القرآن الحديث، ولكن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مبين معنى ما أراد الله خاصا وعاما، وناسخا ومنسوخا، ثم يلزم الناس ما سن بفرض الله، فمن قبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن الله عز وجل قبل، لأن الله تعالى أبان عن ذلك في غير موضع من كتابه، قال الله عز وجل : فَلا وَرَبِّكَ لا يُومِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فَيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ ٦ الآية، وقال عز وجل : فَلْيَحْذَرِ اِلذِينَ يُخَالِفُونَ عَنَ اَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ اَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ اَلِيمٌ ٧ وبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا سفيان بن عيينة، عن سالم أبي النضر٨ قال : أخبرني عبيد الله بن أبي رافع٩ عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :« ما أعرفن ما جاء أحدكم الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا ندري ما هذا ما وجدنا في كتاب الله عز وجل أخذنا به »١٠. ( الأم : ٧/٣٤٠-٣٤١. ون اختلاف الحديث ص : ٤٨٣. )
٢ - الزبير بن العوام الأسدي. حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته صفية، وابن أخ خديجة. وأول من سل سيفا في سبيل الله. عنه: ابناه عبد الله وعروة، ونافع بن جبير. استشهد يوم الجمل في جمادى الأولى سنة: ٣٦. الكاشف: ١/٢٧٣. ون الإصابة: ٢/٥٥٣. والتهذيب: ٣/١٤٣. وقال في التقريب: أحد العشرة المشهود لهم بالجنة..
٣ - رواه البخاري في المساقاة (٤٧) باب: سَكْرِ الأنهار (٧) (ر٢٢٣١). وباب: شرب الأعلى قبل الأسفل (٨) (ر٢٢٣٢). وباب: شرب الأعلى إلى الكعبين (٩) (ر٢٢٣٣). وفي الصلح (٥٧) باب: إذا أشار الإمام بالصلح فأبى حكم عليه بالحكم البين (١٢) (ر٢٥٦١). وفي التفسير (٦٨) باب: فَلا وَرَبِّكَ لا يُومِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فَيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ
(٩١) (ر٤٣٠٩).
ورواه مسلم في الفضائل (٤٣) باب: وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم (٣٦)(ر٢٣٥٧).
ورواه أصحاب السنن، وأحمد، والبيهقي. ون لباب النقول ص: ٩٢..
٤ - النور: ٦٣..
٥ - النور: ٤٨-٥٢..
٦ - النساء: ٦٥. وتمامها: وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا..
٧ - النور: ٦٣..
٨ - سالم بن أبي أمية أبو النضر المدني. عن: أنس، وعن ابن أبي أوفى إجازة. وعنه: مالك والليث. ثقة نبيل. ت سنة: ١٢٩هـ. الكاشف: ١/٢٩٦. ون التهذيب: ٣/٢٤٣. وقال في التقريب: ثقة ثبت وكان يرسل..
٩ - عبيد الله بن أبي رافع. كاتب علي. عن: أبيه، وعلي، وعدة. وعنه: بنوه، والزهري، والحكم. الكاشف:
٢/٢١٨. ون التهذيب: ٥/٣٧٢. وقال في التقريب: ثقة..
١٠ - أخرجه أبو داود في السنة (٣٤) باب: في لزوم السنة (٦) (ر٤٦٠٥) بلفظ: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته..» الحديث.
وأخرجه الترمذي في العلم (٣٨) باب: ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي صلى الله عليه وسلم (١٠) (ر٢٦٢٣) وقال: حديث حسن صحيح.
وأخرجه ابن ماجة في المقدمة باب: تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (٢) (ر١٣).
ورواه أحمد، والبيهقي، والشافعي في المسند (ر٣١ و ٣٢)، وفي الأم: ٧/٢٨٨-٢٨٩..
تفسير الشافعي
الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي