مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا ( النساء : ٨٥-٨٧ ).
تفسير المفردات : قال الراغب : الشفع ضم الشيء إلى مثله والشفاعة : الانضمام إلى آخر ناصرا له وسائلا عنه نصيب : حظ كفل : نصيب مقيت : أي مقتدرا أو حافظا أو شاهدا قال الراغب : وحقيقته قائما عليه يحفظه ويعينه فهو مأخوذ من القوت وهو ما يمسك الرمق من الرزق وتحفظ به الحياة يقال قاته يقوته إذا أطعمه قوته وأقاته يقيته إذا جعل له ما يقوته
المعنى الجملي بعد أن أمر الله تعالى نبيه أن يحرض المؤمنين على الجهاد وذكر أنه ليس عليه وزر من تمرد وعصى – بين في هذه الآية أنهم حين أطاعوك ولبوا دعوتك أصابهم من هذه الطاعة خير كثير وأن لك من هذا الخير نصيبا تستحقه عليه الأجر لأنك قد بذلت الجهد في ترغيبهم فيه بجعل نفسك شفيعا ونصيرا لهم في الوصول إلى تحصيل هذه الأغراض الشريفة.
الإيضاح : من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها أي من يجعل نفسه شفيعا لك ويناصرك في القتال – وقد أمرت به وحدك – يكن له من شفاعته نصيب بما يناله من الفوز والشرف والغنيمة في الدنيا عندما ينتصر الحق على الباطل وبما يناله من الثواب في الآخرة في جميع الحالات سواء أدرك النصر في الدنيا أم لم يدركه.
ووصف الشفاعة بالحسنة لأنها تأييد ونصر للحق ومثل هذا كل من يعاون فاعل الخير ويساعده.
ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها أي ومن ينظم إلى عدوك فيقاتل معه أو يخذل المؤمنين عن قتاله يمن له نصيب من سوء العاقبة بما يناله من الخذلان في الدنيا والعقاب في الآخرة وهذه هي الشفاعة السيئة لأنها إعانة على السيئات وسمي هذا النصيب كفلا لأنه نصيب مكفول للشافع إذ هو أثر عمله أو محدود لأنه على قدره.
و الخلاصة : إن من ينظم إلى غيره معينا له في فعل حسن يكن له منه نصيب ومن ينظم إلى غيره معينا له في فعل سيء ينله منه سوء وشدة.
و يدخل في الآية شفاعة الناس بعضهم لبعض وهي قسمان : حسنة وسيئة فالحسنة أن يشفع الشافع لإزالة ضرر ورفع مظلمة عن مظلوم أو جر منفعة إلى مستحق ليس في جرها إليه ضرر ولا ضرار والسيئة أن يشفع في إسقاط حد أو هضم حق أو إعطائه لغير مستحق أو محاباة في عمل بما يوصل إلى الخلل والزلل ولأجل هذا قال العلماء : الشفاعة الحسنة ما كانت فيما استحسنه الشرع والسيئة : فيما كرهه أو حرمه.
و في الآية من العبرة لنا أن نتذكر أن الحاكم العادل لا تنفع الشفاعة عنده إلا بإخباره بما لم يكن يعلم من مظلمة المشفوع له أو استحقاقه لما يطلب له ولا يقبل الشفاعة لإرضاء الشافع فيما يخالف الحق والعدل ويخالف المصلحة العامة.
أما الحاكم الظالم فتروج عنده الشفاعات لأنه يحابي أعوانه المقربين منه ليكونوا شركاء له في استبداده ليثبتوا على خدمته وإخلاصهم به والحكومات التي تروج فيها الشفاعات وتعتمد عليها الرعية في كل ما تطلب تضيع فيها الحقوق ويحل الظلم محل العدل ويسري من الدولة إلى الأمة فيعم فيها الفساد ويختل نظام الأعمال.
وكان الله على كل شيء مقيتا أي وكان الله مقتدرا على كل شيء فلا يعجزه أن يعطي الشافع نصيبا وكفلا من شفاعته على قدرها في النفع والضر ويجازي كلا بما يستحق لأن سننه قد قضت بأن يربط الجزاء بالعمل.
المعنى الجملي بعد أن أمر الله تعالى نبيه أن يحرض المؤمنين على الجهاد وذكر أنه ليس عليه وزر من تمرد وعصى – بين في هذه الآية أنهم حين أطاعوك ولبوا دعوتك أصابهم من هذه الطاعة خير كثير وأن لك من هذا الخير نصيبا تستحقه عليه الأجر لأنك قد بذلت الجهد في ترغيبهم فيه بجعل نفسك شفيعا ونصيرا لهم في الوصول إلى تحصيل هذه الأغراض الشريفة.
تفسير المراغي
المراغي