ﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽ

وقوله تعالى: وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا [النساء: ٨٤].
يقال: نكلت بفلان، إذا عاقبته في شر أتاه، عقوبةُ تنكل غيره عن ارتكاب مثله، من قولهم: نكل الرجل عن الشيء إذا جبن عنه وامتنع (١). وقد ذكرنا هذه الحرف في قوله: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا [البقرة: ٦٦].
قال الحسن وقتادة في قوله: وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا: عقوبة (٢). ونحو ذلك قال الكلبي (٣).
وقال عطاء: أشد نقمة (٤). وقال ابن كيسان: أشد انتقامًا (٥).
وذلك أن العقوبة نقمة وانتقام، فالانتقام معنى التنكيل لا تفسيره.
٨٥ - قوله تعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا. اختلفوا في هذه الشفاعة، ما هي، وما معناها، فقال ابن عباس في رواية عطاء: "يريد من يوحد الله مخلصًا يكن له نصيب منها، يريد الجنة" (٦).
وتفسير هذا القول ما قال الضحاك: من آمن بالتوحيد، وقاتل أهل الكفر، فقد شفع شفاعة حسنة. وقال: نزلت في أبي جهل (٧)، فإنه لم

= وهذا القول لكثير من المفسرين، انظر: "تفسير الهواري" ١/ ٤٠٤ و"بحر العلوم" ١/ ٣٧٢، و"الدر المنثور" ٢/ ٣٣٥.
(١) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٦٦٥ (نكل)، وانظر: الطبري ٥/ ١٨٥، و"البسيط" بتحقيق الفوزان ٣/ ١٠٢٣، و"اللسان" ٨/ ٤٥٤٤ (نكل).
(٢) قول الحسن في "تفسير الهواري" ١/ ٤٠٤.
وأخرج قول قتادة: الطبري ٥/ ١٨٥، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٣٥، وقد عزاه له ابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ١٤٩.
(٣) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص٩١.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) لم أقف عليه. وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩١.
(٧) تقدمت ترجمته.

صفحة رقم 8

يزل يُعين المشركين على المسلمين، وهو قوله: وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً (١).
قال ابن عباس: يريد الشرك بالله (٢).
قال الضحاك: يعني من آمن بالشرك، وكفر بالتوحيد، فقد شفع شفاعة سيئة (٣).
فقول الضحاك تفسير لقول ابن عباس.
والأصل في الشفاعة الشفع الذي هو ضد الوتر، وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة، فمعنى الشفاعة على ما ذكر الضحاك (٤) أن يشفع إيمانه بالله تعالى بقتال أهل الكفر، وهو الشفاعة الحسنة. والشفاعة السيئة أن يشفع إيمانه بالشرك بكفره بالتوحيد. وابن عباس ذكر في تفسيره أحد الشفعين في كل واحد من الجانبين، حتى ذكر الضحاك الشفع الثاني.
ويؤكد هذا التفسير أيضًا ما رواه المنذري عن أبي الهيثم في قوله:
مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً: أي يزيد عملًا إلى عمل. قال: والشفع الزيادة (٥). وذهب مقاتل إلى أن معنى الشفاعة ههنا الشفاعة إلى الله تعالى بالدعاء (٦).

(١) لم أقف عليه، وقد فسر ابن جرير الآية بنحو ذلك. انظر: "تفسير الطبري" ٥/ ١٨٥، و"زاد المسير" ٢/ ١٥٠.
(٢) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩١.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) في المخطوط: (للضحاك)، والظاهر أن لا مكان لحرف الجر.
(٥) من "تهذيب اللغة" ٢/ ١٨٩٧ (شفع)، وانظر: "اللسان" ٤/ ٢٢٩٠ (شفع).
(٦) انظر: "النكت والعيون" ١/ ٥١٢، و"زاد المسير" ٢/ ١٥٠، وفي "تفسير مقاتل" ١/ ٣٩٤ " مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً [النساء: ٨٥] لأخيه بخير" فليس فيه تخصيص الدعاء.

صفحة رقم 9

واعتمد في ذلك على ما رواه أبو الدرداء (١)، عن النبي - ﷺ - أنه قال: "من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك" (٢) فذلك النصيب، وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً هي الدعوة عليه بضد ذلك.
ويؤكد هذا التفسير ما روي عن بعضهم أنه قال: كانت اليهود تدعو على المسلمين، فتوعدهم الله تعالى بهذه الآية (٣).
وقال الحسن ومجاهد والكلبي وابن زيد: هذه الشفاعة بين الناس بعضهم لبعض (٤).
قال الكلبي: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يصلح بين اثنين يكن له أجرٌ منها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يمشي بالنميمة وبالغيبة يكن له إثمٌ فيها (٥).

(١) هو الصحابي الجليل عويمر بن عامر (وقيل: ابن مالك أو ثعلبة أو عبد الله أو زيد) ابن قيس بن أمية الأنصاري الخزرجي، شهد أحدًا وما بعدها، وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين سلمان الفارسي. توفي سنة ٣٢ هـ أو ٣٣ هـ انظر: "الاستيعاب" ٣/ ٢٩٨، و"أسد الغابة" ٤/ ٣١٨، و"سير أعلام النبلاء" ٢/ ٢٣٥، و"الإصابة" ٣/ ٤٥.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء رقم (٢٧٣٢)، باب: فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب.
(٣) انظر: "النكت والعيون" ١/ ٥١٠، و"زاد المسير" ٢/ ١٥٠، و"التفسير الكبير" ١٠/ ٢٠٧.
(٤) أخرج الأثر عن الحسن، ومجاهد، وابن زيد، الطبري ٥/ ١٨٦. وأخرجه أيضاً عن الحسن، ومجاهد، ابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٣٥، وهو في "تفسير مجاهد" ١/ ١٦٧.
أما الكلبي فيرى أن المراد بالشفاعة: الإصلاح بين اثنين. كما سيأتي عند المؤلف.
(٥) "بحر العلوم" ١/ ٣٧٢، و"زاد المسير" ٢/ ١٥٠، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩١.

صفحة رقم 10

وقال مجاهد: (شفاعة حسنة) و (شفاعة سيئة): شفاعة الناس بعضهم لبعض (١).
قال الحسن: ويجوز في الدين أن يشفع فيه، فهو شفاعة حسنة كان له فيها أجران، وإن لم يشفع، لأن الله تعالى يقول: مَنْ يَشْفَعْ ولم يقل: (من يُشَفَّع) (٢).
يؤيد (٣) هذا قوله - ﷺ -: "اشفعوا تؤجروا" (٤).
وأما الكفل فقال أبو عبيدة والفراء وجميع أهل اللغة: الكفل الحظ، ومنه قوله: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد: ٢٨]، معناه: حظَّين (٥).
وقال الزجاج. الكفل في اللغة النصيب، أخذ من قولهم. أكفلت البعير إذا أدرت على سنامه كساءً وركبتُ عليه، وإنما قيل له كفل، واكتفل البعير، لأنه لم يستعمل الظهر كله، إنما استعمل نصيبًا من الظهر (٦).

(١) "تفسيره" ١/ ١٦٧، وأخرجه الطبري ٥/ ١٨٦، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٣٥.
(٢) أخرجه الطبري ٥/ ١٨٦، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٣٣٥.
(٣) كأن هذِه الكلمة في المخطوط: "ويزيد" والصواب ما أثبته. انظر: "الوسيط" ٢/ ٦٤٠.
(٤) الحديث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب: قول الله تعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً الآية ٧/ ٨٠، ومسلم في كتاب: (٢٦٢٧) البر والصلة، باب: استحباب الشفاعة ولفظه: "اشفعوا فلتؤجروا" الحديث.
(٥) "مجاز القرآن" ١/ ١٣٥، وفسر الكفل بالنصيب، و"معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٨٠.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٨٥، و"تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٦٦ (كفل)، و"زاد المسير" ٢/ ١٥٠.

صفحة رقم 11

وقال ابن المظفر: الكفل من الأجر والإثم الضِّعف، يقال: له كفلان من الأجر، ولا يقال: هذا كفل فلان، حتى تكون هيَّأت لغيره مثله، كالنصيب، فإذا أفردت فلا تقل: كفل ولا نصيب، ولكن: حظ (١).
فأما المفسرون فقال مجاهد: الكفل: النصيب (٢). وهو قول السدي والربيع وابن زيد (٣).
وقال الحسن والكلبي وقتادة ومقاتل: الكفل الوزر والإثم (٤).
فالقول الأول مثل قول أهل اللغة، والقول الثاني معناه: حظ من الإثم والوزر، والحظ من الإثم والوزر وزر وإثم، فلذلك قيل في تفسير الكفل: الإثم والوزر.
وقوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا [النساء: ٨٥].
اختلفوا في معنى المقيت، فقال الفراء: المقيت المقتدر، والمقدِّر أيضًا، كالذي يُعطي كل رجل قوته (٥).
ونحو ذلك قال عبد الله بن مسلم: المقيت المقتدر، أقات على الشيء، إذا اقتدر عليه، وأنشد:

(١) "العين" ٥/ ٣٧٣، و"تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٦٦ (كفل).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أخرج الآثار عنهم الطبري ٥/ ١٨٦، ١٨٧، وانظر: "النكت والعيون" ١/ ٥١٢، و"زاد المسير" ٢/ ١٥٠، و"الدر المنثور" ٢/ ٣٣٦.
(٤) أخرجه عن قتادة: الطبري ٥/ ١٨٦، ١٨٧، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور"، وعن الحسن انظر: "تفسير الهواري" ١/ ٤٠٤، و"النكت والعيون" ١/ ٥١٢، وعن الكلبي، انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩١، وعن مقاتل انظر "تفسيره" ١/ ٣٩٤.
(٥) "معاني القرآن" ١/ ٢٨٠.

صفحة رقم 12

وذي ضِغْنٍ كففتُ النفس عنهُ... وكُنتُ على مساءتِه مُقِيتًا (١)
قال أبو بكر: على هذا أهل اللغة، قال بعض فصحاء المعمرين:
ثم بعد الممات ينشر من... على النشر يا بني مُقيتُ (٢)
معناه: من هو مقتدر.
ويقوي هذا القول ما قاله ابن عباس في رواية عطاء في قوله: وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا: "يريد قادرًا" (٣)، وهو قول السدي وابن زيد: المقيت: المقتدر (٤)، واختيار الكسائي (٥) والنضر بن شميل، وأنشد النضر:
تجلَّد ولا تجزع وكن ذا حفيظةٍ... فإني على (...) لمقيت (٦)
أي: قادر.
وقال آخرون: المُقيت الحفيظ. وهو قول ابن عباس (٧) وقتادة (٨).

(١) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١٢٩. ونسب البيت للزبير بن عبد المطلب كما في الطبري ٥/ ١٨٨، و"النكت والعيون" ١/ ٥١٣، والقرطبي ٥/ ٢٩٦، وجاء في "زاد المسير" ٢/ ١٥٠، و"الدر المنثور" ٢/ ٣٣٦ أنه لأحيحة الأنصاري، وفي "اللسان" ٦/ ٣٧٦٩ (قوت) نسب لأبي قبيس بن رفاعة.
و"ضغن" من الضغن وهو الحقد. انظر: "اللسان" ٥/ ٢٥٩٢ (ضغن).
(٢) في "تهذيب اللغة" ٣/ ٣٠٦٩ (قوت) وفي الشطر الأول: "ينشرني من" وفي الشطر الثاني: "هو على النشر... "، وكذا في "اللسان" ٦/ ٣٧٦٩ (فوت)، ولم أقف على قائله.
(٣) انظر: "زاد المسير" ٢/ ١٥١، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩١، و"الدر المنثور" ٢/ ٣٣٦.
(٤) أخرج ذلك بنحوه: الطبري ٨/ ٥٨٤، وانظر: "النكت والعيون" ١/ ٥١٢، و"زاد المسير" ٢/ ١٥١، و"الدر المنثور" ٢/ ١٣٦.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للنحاس ٢/ ١٤٧.
(٦) لم أقف عليه، وما بين القوسين غير واضح في المخطوط.
(٧) "تفسيره" ص ١٥٢، وأخرجه الطبري ٥/ ١٨٧.
(٨) انظر: "زاد المسير" ٢/ ١٥١.

صفحة رقم 13

واختيار أبي إسحاق (١)، لأنه مشتق من القُوت، يقال: قُتُّ الرجل أقوتُه قَوْتًا، إذا حفظت نفسه بما تقوته. والقوت اسم للشيء الذي يحفظ نفسه ولا فضل فيه، على قدر الحفظ. فمعني المقيت -والله أعلم- الحفيظ الذي يُعطي للشيء قدر الحاجة من الحفظ (٢).
وقال الكلبي في قوله: مُقِيتًا مجازيًا بالحسنة والسيئة (٣). وهذا أيضًا راجع إلى معنى الحفظ؛ لأنه إنما يحفظ أعمال العباد ليجازي عليها.
وحُكي بعضهم أن هذا من القوت، ومعنى المقيت الذي عليه قوت كل دابة ورزقها (٤).
قال الفراء: يقال: أقات الشيء إقاتة، وقات أهله يقوتهم قياتة وقوتًا، والقوت الاسم، وجاء في الحديث: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت" و"يقيت" (٥).
قال أبو بكر: وعلى هذا القول قوله: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ علي زائدة للتوكيد، ومن شأنهم أن يزيدوا عَلَى للتوكيد، وأنشد لحميد (٦):

(١) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٨٥.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٨٥، وانظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٣٠٦٩ (قوت)، و"زاد المسير" ٢/ ١٥١.
(٣) انظر: "النكت والعيون" ١/ ٥١٣، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩١.
(٤) انظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٧٣.
(٥) "معاني القرآن" ١/ ٢٨٠.
والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" ٢/ ١٦٠، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وكذا الحاكم في "مستدركه" ١/ ٤١٥، وصححه، ووافقه الذهبي.
(٦) هو أبو المثنى حميد بن ثور بن حزن الهلالي، تقدمت ترجمته.

صفحة رقم 14

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية