وقول المفسرين: عسى من الله واجب، أي الكريم إذا رُجِي
حقّق، وقوله: (وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا)
تنبيه أنك لا تحتاج أن تقصر عن قتالهم، فالله معك، وهو أشد بأسًا
من عداك، فلا يجب أن يَنكادك من تاخر عنك.
قوله عز وجل: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)
الشفاعة: من الشفع أي ضم الشيء إلى غيره.
وضد قولهم شفعه: أفرده، ولهذا قال الشاعر:
ومن يفرد الإِخوان فيما ينوبهم... تصبه الليالي مرة وهو مفرد
والشفعة متعارفة في ضم ملك بِيعَ إلى ملكك، والشفاعة في
انضمام إنسان إلى آخر فيما يطلبه، والشفاعة المذكورة.
في نحو قوله: (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ) هي في الآخرة معروفة
وأما في الدنيا فبأن يهدي الإِنسان غيره، فمن هدى غيره إلى
طريق خير فقد شفع له.
وأصل الكِفل الكَفل، فجعل اسمًا لمركبٍ من خِرَقٍ
وكساءٍ يوضع على الكِفْل، وقد يسمَّى ما يُكْسى العضو
باسمه، كقولهم: يد القميص وبدنُه، ورجل السراويل، والساقُ
والساعدُ لما يُلْبِسُ هذين العضوين، ثم استعير الكفل تارة
إن نبا ركوبه تشبيها بذلك المركب. قال الشاعر:
غير مِيلٍ ولاعواوين في الهَيـ... جا ولا عُزَّل ولا أكْفَالِ
ثم سُمي الفاجر في أي أمر كان كفلا، ولما كان ذلك الكفل
يجعل على قدر الكفل تصور فيه المماثلة، فقيل للمثل في العدد كفل.
فإن قيل: فلم فرق بينهما فقال في الحسنة: (نَصِيبٌ)، وفي السيئة (كِفلٌ)؟
قيل: يجوز أنه لما كان النصيب يقال فيما
يقل ويكثر، والكفل لا يقال إلا في المثل جاء في السيئة بلفظ
الكفل تنبيهًا على معنى المماثلة، وإشارة إلى ما قال: (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا).
وقد قيل: الكفل المذكور هاهنا أكثر ما يقال في الشيء الرديء، فنبّه بلفظه على ذلك تنبيهًا على قوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا).
فإن قيل: فقد قال (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ)، وليس ذلك بمذموم؟
قيل: إنه عنى بالكفلين هاهنا أي له كفيلان من رحمته يتكفلان به من العذاب،
فيضَارع اللفظان، والمعنيان مختلفان، ولما حث الله تعالى في الآية
المتقدمة على تكلُّف ما أمر وتحريض المؤمنين، ورجاء الظفر
بالكفار، بين هاهنا أن من أعان غيره في فعل حسن فله نصيب في
ثوابه، وإن أعانه في فعل سيئ فله كفل منه، وذلك عبارة عمّا
بينه النبي - ﷺ - بقوله:
"من سنَّ سُنَّةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها" الخبر.
وقال بعضهم: القصد بذلك أن من يدعو لغيره دعاءً حسنًا
فله فيه نصيب، ومن فعل بخلاف ذلك فكذلك.
قال: والسبب في هذا أن اليهود والمنافقين كانوا إذا دخلوا
على النبي - ﷺ - يقولون: السام عليكم، يوهمون أنهم يقولون:
السلام عليكم، فأنزل الله ذلك، واستدل قائل هذا بقوله تعالى
بعد ذلك: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا).
وقوله: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا)
قال السدي: المقيت: المقتدر، وأنشد الكسائي فيه:
..................... وكنت على مساءته مقيتا
وقال ابن عباس: الحفيظ، وقوّاه الرجّاج.
وقال مجاهد: الشهيد، ورُوِيَ عنه: الحسيب،
وقال الضحاك: الرازق.
وقال غيرهم: المجازي، وحقيقته الذي يجعل للإِنسان قوتًا.
وفي الحديث: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت "
- ويقيت - كأن الله تعالى يجعل لكل إنسان قوتا من
الجزاء بقدر فعله، ويجعل له في الدنيا والآخرة قدر ما يستوجبه.
وما قالوه فصحيح من حيث المقصد، لأن ما قدّره الله
تعالى للعبد فقد حفظه وشهده.
ورُوِيَ أن رجلًا سأل عبد الله بن رواحة عن المقيت؟
فقال: يقيت كل إنسان بقدر علمه.
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار