٩٤ قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ١ إلى قوله : وإذا ضربتم في الأرض ٢ الآية :
سببها أن بعض سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوا رجلا له حمل ومتاع، وقيل : غنيمة، فسلم على القوم وقال : لا إله إلا الله محمد رسول الله، فحمل عليه أحدهم فقتله فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت٣ الآية. واختلف المفسرون في القاتل والمقتول من هما، فقيل : القاتل أسامة ابن زيد٤، والمقتول مرداس٥ بن نهيك الغطفاني٦. وقيل : القاتل غالب الليث، والمقتول مرداس. وقيل : هو فليت، وقيل : القاتل محلم٧ ابن جثامة والمقتول عامر بن الأضبط. وقيل : القاتل أبو قتادة. وقيل : القاتل أبو الدرداء. وفي الخبر أن٨ الذي قتله لما٩ دفن لفظته١٠ الأرض ثلاث مرات، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فألقي في غار، وقال : " إن الأرض تقبل من هو شر منه " ١١. قال بعضهم : ولا خلا ف أن الذي لفظته الأرض حين مات محلم ابن جثامة.
وقوله تعالى : السلم ، معناه : الاستسلام، أي ألقى بيده١٢ لكم وأظهر دعوتكم، فعلى ما ذكرناه من تفسير هذه الآية إذا أسلم الكافر وقد قدر عليه أو لم يقدر عليه فقد عصم دمه، بخلاف المحارب. ولا أذكر في ذلك خلافا ؛ إلا أن أهل العلم١٣ اختلفوا فيما يكون١٤ به مسلما له ما للمسلمين، فذهب قوم إلى أن من قال : " لا إله إلا الله فقد صار بها١٥ مسلما " واحتجوا بحديث أبي هريرة : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال ذلك فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله ". وخالفهم آخرون وقالوا : لا يكون مسلما حتى يقول : " لا إله إلا الله محمدا رسول الله "، قالوا : ولا حجة في حديث أبي هريرة ؛ لأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يقاتل قوما لا يوحدون الله تعالى فكان أحدهم إذا وحد الله تعالى علم بذلك تركه لما قوتل عليه، وإن كان لا يعلم دخوله في الإسلام، واحتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام١٦ حين قال علي رضي الله عنه : " على ما١٧ أقاتلهم " ؟ قال١٨ : " حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " ١٩، قالوا : وقد روى الحديث الذي يحتج به الأولون : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " ٢٠. وقد أباح الله تعالى قتالهم، وإن شهدوا أن لا إله إلا الله حتى يشهدوا أن محمدا رسول الله، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد فيأتي على قول الفريقين في الوثني إذا قال : لا إله إلا الله أنه مسلم على ما قدمنا، وإنما خلافهم في الكتابي، فإلقاء السلم من الوثني عندهم " لا إله إلا الله ". وإلقاؤه من الكتابي مختلف/ فيه، فمنهم من يقول : لا إله إلا الله إلقاء سلم منه، ومنهم من يقول : إلقاء السلم منه : " لا إله إلا الله محمد رسول الله "، وعندي أنه سواء في الوثني والكتابي، وأن الوثني ينبغي أن لا يقبل منه إلا لا إله إلا الله محمد رسول الله ؛ لأنه قد يقول : لا إله إلا الله، وإن كان دالا على ترك ما هو فيه ولا يدخل به في٢١ الإسلام، بل لعله يدخل بذلك في دين اليهود والنصارى، أو لا يلزم دينا، وإنما أمرنا بالمقاتلة حتى يدخلوا٢٢ في ديننا ولسنا نعرف بذلك دخولهم في ديننا، وإنما نعرفه باجتماع الكلمتين، فهو عندي إلقاء السلم من الوثني والكتابي. وقال أبو الحسن : مقتضى قوله تعالى : لمن ألقى إليكم السلم أن من قال : " لا إله إلا الله محمد رسول الله " ٢٣، أو قال : " إني مسلم " يحكم٢٤ له بحكم الإسلام ؛ لأن قوله تعالى : لمن ألقى إليكم السلم إنما معناه : لمن استسلم فأظهر٢٥ الانقياد لما دعي إليه من الإسلام، وقد قرئ " السلام " فهو إظهار٢٦ تحية الإسلام ممن استسلم، فلا جرم. قال علماؤنا : إنما يحكم له بالإسلام٢٧ إذا أظهر ما ينافي سائر اعتقاد. فإذا قال اليهودي أو النصراني أنا مسلم لم يصر مسلما ؛ لأنهم كلهم يقولون نحن مسلمون ولو قاله٢٨ المشركون حكم بإسلامهم ؛ لأنهم لا يقولون نحن مسلمون وكذلك قوله : لا إله إلا الله، لا يقوله المشركون. قال الله تعالى٢٩ فيهم : وإذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون [ الصافات : ٣٥ ]، واليهود والنصارى يوافقون على هذه الكلمة وإنما يخالفون في نبوة سيدنا محمد٣٠ صلى الله عليه وسلم، فمتى أظهر مظهر الإيمان بسيدنا محمد٣١ صلى الله عليه وسلم فهو مسلم٣٢، حتى قال قائلون من أصحابنا، وأنه هو قول : محمد٣٣ رسول الله، فلا يحكم بإسلامه لإمكان أن يكون من العيسوية٣٤، حتى يقول : " محمد رسول الله " إلى الكافة، ولا يكون مسلما بذلك أيضا لأن منهم من يقول : محمد رسول الله من الكافة من الناس، ولكنه لم يبعث وسيبعث. وإذا تبين ذلك فما٣٥ لم يقل : أنا بريء من اليهودية والنصرانية لا يصير مسلما، ويحتمل أن يكون قراءة من قرأ : السلام أن يكون السلام بمعنى المسالمة والاعتزال. قال أبو الحسن : وظاهر هذه الآية مما احتج به في قبول توبة الزنديق وغيره٣٦ ممن أظهر الاستسلام ؛ لأن الله تعالى٣٧ لم يفرق بين الزنديق وغيره ممن أظهر الاستسلام٣٨. وأما على ما قاله علماؤنا من الشروط المعتبرة في إسلام الكفار، فلا تقبل توبة الزنديق٣٩ لأنا لا نعرف في حقه علما يظهر به خلاف اعتقاده، لأن دينه الذي يعتقده أن يدخل مع كل قوم فيما يهدونه، فكان كاليهودي إذا قال : لا إله إلا الله، وهذا تدقيق٤٠ حسن. ولم يذكر الله تعالى فيما٤١ فعلت هذه السرية من قتل الرجل الذي قال : " لا إله إلا الله محمد رسول الله "، قصاصا ولا عقلا. فيحتمل أن يكون أسقط ذلك عمن فعله ؛ لأنه متأول. وذلك حجة في إسقاط العقل على أحد الطريقتين عندنا في خطأ الإمام، ومن أذن له في شيء فأتلفه غلطا كالأجير والخازن٤٢. وقد جاء في صاحب الغنيمة الذي قتل٤٣ بعد أن قال لا إله إلا الله/، وأخذت غنيمته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل ديته إلى أهله وصرف عليهم٤٤ غنيمته.
وقوله تعالى : إذا ضربتم في سبيل الله :
يريد إذا خرجتم للغزو فتبينوا، وقرئ فتثبتوا. وقد اختلف في الدعوة قبل القتال هل يؤمر بها أم لا ؟ على ثلاثة أقوال، فقيل : يؤمر بها على الإطلاق. وقيل : لا يؤمر بها، وقيل : يؤمر بها٤٥ إذا قوتل من لا يعلم ما يدعو٤٦ إليه وتسقط في قتال من يعلم، وفي الآية حجة لمن يرى الدعوة في قوله تعالى : فتبينوا ، والتبيين وإن كان غير الدعوة فالدعوة في مضمنه لأنه إذا بحث عنه هل هو مسلم أم لا لعله يسلم أو هل هو طاعة أم لا٤٧ ؟ لعله يدخل٤٨ في الطاعة ويرضى بالجزية. وتبين الشيء إنما هو معرفة حاله، ولا معنى للدعوة إلا تبين٤٩ حال المدعوين على ما ثبت ؟ وقال بعض الناس : إن هذه المسألة مبنية على أن العقل ما خلا من سمع أو يجوز أن يكون خلا منه٥٠ وهي مسألة خلاف بين الأصوليين. واحتج٥١ من يقول : إنه ما خلا من سمع بقوله تعالى : تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير٨ قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير٩ [ الملك : ٨، ٩ ] وبقوله تعالى : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [ الإسراء : ١٥ ]، ومن ينكر القول بالعموم لا يسلم هذا الاستدلال، وهذا البناء الذي بناه به الأصوليين بعيد ؛ لأن قصارى ما فيه أنه ليس في الأرض أمة إلا وقد بلغها دعوة رسول ما، وقد يكون عند هؤلاء في الأرض قوم لم يعلموا ظهور النبي صلى الله عليه وسلم ونبوته، ويظنون٥٢ أنه طالب ملك فتجب دعوتهم٥٣. وقد اختلف الناس فيمن قاتل ولم يؤمر بقتاله إلا بعد دعوته فقتله فهل عليه ديته٥٤ أم لا ؟ فمذهب مالك وأبي حنيفة أن لا دية عليه. ومذهب الشافعي : الدية عليه٥٥. والحجة لمالك أن الله تعالى قد أمر بالتبين ولا معنى للدعوة عند التبيين، ولم يوجب على من قتل دون التبيين شيئا ولم يرد فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء، فوجب التوقف عن ذلك.
قوله تعالى : كذلك كنتم من قبل :
اختلف في تأويله، فقيل : المعنى كذلك كنتم مستخفين من قومكم بإسلامكم خائفين منهم، فمن الله تعالى بإعزازه وإظهار دينكم. وقيل : المعنى كنتم كفارا٥٦ من قبل، فمن الله عليكم بأن أسلمتم. وقيل : يحتمل أن يكون الإشارة بذلك إلى القتل قبل التثبت، أي على هذه الحال كنتم في جهالة لا تتثبتون.
٢ كلمة "في الأرض" سقطت في (ب)..
٣ في غير (هـ): "ونزلت"..
٤ في (ج): "إني أسامة ابن زيد"..
٥ في (ج): "مرصاد"..
٦ "الغطفاني" سقطت في (هـ)..
٧ في (هـ): "محيلم"..
٨ "أن" سقطت في (ج) و(د)..
٩ "لما" سقطت في (ج) و(ب) و(أ) و(د) و(هـ)..
١٠ في (هـ): "فلفظته"..
١١ حديث:.
١٢ في (ب) و(ج) و(د): "أي معنى بيده" وفي (هـ): "معناه الاستسلام، معناه: الانقياذ"..
١٣ في (أ): "أهل الحكم"..
١٤ في (ب) و(ج) و(د): "في متى يكون"..
١٥ في (هـ): "به فمن قال لا إله إلا الله فقد صار به"..
١٦ في (هـ): "صلى الله عليه وسلم"..
١٧ سقطت "على ما" في (ب) و(ج) و(د) وفي (أ) و(هـ): "على ما" والصواب ما أثبتناه..
١٨ كلمة "قال" سقطت في (ب) و(ج) و(د)..
١٩ انظر صحيح البخاري: كتاب الصلاة، باب ٢٨، ص ١٠٢ – ١٠٣، وكتاب الزكاة: باب١، ص ١١٠، وكتاب الاعتصام بالسنة: باب٢، ص ١٤٠، وباب ٢٨، ص ١٦٢، وصحيح مسلم: كتاب الأيمان، باب٨، ص ٥٢ – ٥٨، وسنن النسائي: كتاب الزكاة، باب٣، ص ١٤، وسنن ابن ماجه: كتاب الفتن، باب١، ص ١٢٩٥..
٢٠ قوله: "قالوا: وقد روي الحديث الذي يحتج به... وأن محمدا رسول الله" ساقط في (ب) و (ج) و(د)، والحديث أخرجه إمام البخاري في صحيحه كتاب الصلاة، باب٢٨، ص ١٠٢ – ١٠٣، والإمام مسلم في صحيحه: كتاب الأيمان، باب٨، ص ٥١ – ٥٢..
٢١ "في" سقطت في (ب) و(د)..
٢٢ في (هـ): "يدخل".
٢٣ "أو قال"سقطت في (هـ)..
٢٤ في (ج): "أنه يحكم له"..
٢٥ في (هـ): "فألقى الانقياد"..
٢٦ قوله: "لأن قوله تعالى: "لمن ألقى إليكم السلم" إنما معناه لمن استسلم فأظهر الانقياد لما دعي إليه من الإسلام وقد قرئ السلام فهو إظهار" ساقط في (ب) و(ج) و(د)..
٢٧ قوله: "تحية الإسلام ممن استسلم فلا جرم، قال علماؤنا: إنما يحكم له بالإسلام" ساقط في (ب) و(ج) و(د)..
٢٨ في (ب): "قال"..
٢٩ في (هـ): "قال تعالى"..
٣٠ في (هـ): "بنبوة محمد..."..
٣١ كلمة "سيدنا"ساقطة في (هـ)..
٣٢ "فهو مسلم" سقطت في (هـ)..
٣٣ في (ب) و(د): "وأن محمد..."..
٣٤ في (ب) و(ج) و(د): "من الميسر به"..
٣٥ في (هـ): "فمن"..
٣٦ في (ج) و(د): "الزنديق ممن"..
٣٧ كلمة "لأن الله تعالى" ساقطة في (أ) و(هـ)..
٣٨ قوله: "لأن الله تعالى لم يفرق... أظهر الاستسلام" سقط في (أ) و(هـ)..
٣٩ في (هـ): "... توبة الزنديق وغيره ممن أظهر الاستسلام"..
٤٠ في (أ) و (ج) و(د): "دقيق"..
٤١ في (هـ): "ما فعلت"..
٤٢ في (ج) و(د): "الصاحب"..
٤٣ في (أ) و(ج) و(د): "وقد جاء في حديث صاحب الغنيمة" وفي (هـ): "وقد جاء في حديث الذي قتل"..
٤٤ في (د): "وعليه"..
٤٥ قوله: "وقيل: يؤمر بها" ساقط في (ج)..
٤٦ في (هـ): "يدعى"..
٤٧ "أو هل هو طاعة أم لا" سقطت في (هـ) و(ج)..
٤٨ "لعله يدخل" ساقط في (ج)..
٤٩ في (ج): "إذا تبين"..
٥٠ "منه" ساقط في (ج)..
٥١ في (ج) و(هـ): "وقد احتج"..
٥٢ في (ب) و(د) و(ج): "ويظهر"..
٥٣ في (د): "دعوته"..
٥٤ في (هـ): "دية"..
٥٥ في (هـ): "ومذهب الشافعي أن عليه الدية"..
٥٦ من قوله: "فمن الله تعالى..." على قوله: "من قبل" ساقط في (هـ)..
أحكام القرآن
ابن الفرس