يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ( النساء : ٩٤ ).
تفسير المفردات : الضرب في الأرض : السير فيها بالسفر والتجارة أو الجهاد لأن المسافر يضرب الأرض برجليه وعصاه أو بقوائم راحلته في سبيل الله : أي لجهاد أعدائكم فتبينوا أي تثبتوا وتأنوا ألقى إليكم السلام : أي انقاد واستسلم لكم فلم يقاتلكم عرض الحياة الدنيا : أي متاعها الحاضر الذي يأخذ منه البر والفاجر مغانم كثيرة : أي رزق وفضل كثير.
المعنى الجملي : بعد أن بين عز اسمه في الآيات السابقة أنه ليس من شأن المؤمن أن يقتل مؤمنا إلا على سبيل الخطأ وأن من قتل مؤمنا متعمدا فلا جزاء له إلا جهنم خالدا فيها أبدا.
أراد هنا أن ينبه المؤمنين إلى ضرب من ضروب قتل الخطأ كان يحصل في ذلك العهد عند السفر إلى أرض المشركين حين انتشر الإسلام ولم يبق مكان في بلاد العرب وقبائلهم يخلو من المسلمين أو ممن يميل إلى الإسلام ويتحينون الفرص للاتصال بأهله فأعلمهم ألا يحسبوا كل من يجدونه في دار الكفر كافرا وأن يتبينوا من تظهر عليهم علامات الإسلام كالشهادة والسلام الذي هو تحية المؤمنين وألا يحملوا مثل هذا على الخداع إذ ربما يكون الإيمان قد طاف على هذه القلوب وألم بها إن لم يكن قد تمكن فيها ومن ثم أمر بالتثبت ونهى عن إنكار إسلام من يدعي الإسلام ولو بإلقاء تحيته فما بالك بمن ينطق بالشهادتين وأبان أن الذي يدعوه إلى ظن هذا الظن إنما هو ابتغاء عرض الحياة الدنيا ؟ وبهذا أرشد المؤمن إلى أن يتهم نفسه ويفتش عن قلبه ولا يبني الظن على ميله وهواه بل عليه أن يتقبل الظاهر حتى يستبين له خلافه.
و في سبب نزول هذه الآية روايات كثيرة : منها ما أخرجه البخاري والترمذي والحاكم وغيرهم عن ابن عباس قال :" مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسوق غنما له فسلم عليهم فقالوا ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا فعمدوا إليه فقتلوه وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية ".
و أخرج أحمد والطبراني وغيرهما عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة ومحلم بن جثامة فمر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي فسلم علينا فحمل عليه محلم فقتله فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله الآية. وأخرج البزار من وجه آخر عن ابن عباس قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا وبقي رجل له مال كثير فقال أشهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" كيف لك بلا إله إلا الله غدا " وأنزل الله هذه الآية.
و لا مانع من تعدد الوقائع قبل نزول الآية وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها على أصحاب كل واقعة فيرون أنهم سبب نزولها.
الإيضاح : يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا أي يأيها الذين صدقوا الله وصدقوا رسوله واتبعوا الأوامر وتركوا النواهي إذا سرتم للغزو وجهاد الأعداء رفعة لدينه وإعلاء لكلمته تأنوا في قتل من اشتبه عليكم أمره فلم يعلموا أمسلم هو أم كافر ؟ ولا تعجلوا في قتل أحد إلا إذا علمتم يقينا أنه حرب لكم ولله والرسول.
ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا أي ولا تقولوا لمن انقاد لكم واستسلم ولم يقاتلكم وأظهر أنه من أهل ملتكم – إنك لست بمؤمن حقا فتقتلوه ابتغاء متاع الدنيا وحطامها الزائل السريع التحول والانتقال فعند الله أرزاق كثيرة ونعم لا تحصى ولا تعد يغنمكموها فيغنيكم إذا شاء.
كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم أي إنكم أول ما دخلتم في الإسلام حقنت دماؤكم وأموالكم بالنطق بكلمة الشهادة من غير انتظار لمعرفة أن ما في القلب موافق لما في اللسان ومن الله عليكم بذلك فعليكم أن تعملوا مع الداخلين في الإسلام كما عمل معكم وان تعتبروا بظاهر القول ولا تقولوا إن إقدامهم على التكلم بهذه الكلمة إنما كان لأجل الخوف من السيف.
فتبينوا أي فكونوا على بينة من الأمر الذي تقدمون عليه ولا تأخذوا بالظن بل تدبروا ليظهر لكم أن الإيمان العاصم من حقن الدماء يكفي فيه ظاهر الحال كما كفى معكم من قبل.
في إعادة التبيين مرة أخرى المبالغة في التحذير من ذلك الفعل والوعيد عليه.
إن الله كان بما تعملون خبيرا أي إنه تعالى خبيرا بأعمالكم لا يخفى عليه شيء من البواعث التي حفزتكم على الفعل فإن كانت ابتغاء حظ الحياة الدنيا فهو يجازيكم على ذلك فلا تفعلوا بل تثبتوا وتبينوا وإن كان محض الدفاع عن الحق فهو مثيبكم على ذلك.
و في هذا وعيد وتحذير شديد من الوقوع في مثل هذا الخطأ.
و كذلك فيه إرشاد إلى ألا نحكم بتكفير من يخالفنا من أهل القبلة والعلم الصحيح والدعوة إلى كتاب الله وسنة رسوله بمجرد المخالفة لنا في رأي أو عقيدة فإن مثل هذا لا يقدم عليه المسلم جزافا.
و علينا أن ننظر بعد هذا كله إلى أن الإسلام منع قتل من يلقى السلم ومن بينه وبين المسلمين عهد وميثاق إما على النصر وإما على ترك القتال ورغب عن ابتغاء عرض الدنيا بالقتال ليكون لمحض رفع العدوان والبغي وتقرير الحق والإصلاح.
و أين هذا مما تفعله الدول الآن من القتال للربح وجمع الأموال وهم ينقضون العهد والميثاق مع الضعفاء ولا يلتزمون حفظ المعاهدات إلا مع الأقوياء ؟.
تفسير المراغي
المراغي