ولما جاء موسى لميقاتنا أي : لوقتنا الذي وقتنا له وكلّمه١ ربه فلما سمع كلامه اشتاق لقاءه قال رب أرني نفسك بأن تتجلى إلي أنظر إليك أراك قال لن تراني٢ في الدنيا وقد وردت أحاديث صحاح صريحة على رؤية الله تعالى في الآخرة وأجمعت الأمة على ذلك سوى المعتزلة وحسبهم من الخسران والحسرة أن عاملهم الله تعالى في الآخرة بعقيدتهم وحرمهم من نعمة لقائه كما قال جدي قدس سره ولكن انظر إلى الجبل فإن٣ استقر مكانه ويطيق الرؤية مع أنه أعظم وأثقل جسما فسوف تراني فلما تجلّى ربه للجبل ظهر نور ربه وقد ورد ما تجلى إلا قدر الخنصر٤ جعله دكًّا أي : مدكوكا كالتراب ومن قرأ دكاء فمعناه أرضا مستوية وخرّ موسى صعِقا سقط مغشيا عليه فلما أفاق قال سبحانك أنزهك مما لا يليق بك أو قال سبحانك لعظمة ما رأى تُبت إليك٥ من مسألة الرؤية بغير إذن وأنا أول المؤمنين بأنه لا يراك أحد إلى يوم القيامة أو أول قومي إيمانا.
٢ فإن الأعين الدنيوية لا تطيق النظر إلى وجهه الكريم والأحاديث الصحاح في رؤية الله تبارك وتعالى لا ينكرها إلا مخانيث الحكماء أي: المعتزلة وحسبهم من الخسران أن عاملهم بعقيدتهم في الرؤية وفي الخلود في النار من مات غير تائب من الكبيرة/١٢ وجيز..
٣ فإن استقر مكانه عند تجليه سبحانه نبه على أن الجبل مع شدته وصلابته إذا لم يستقر فالآدمي مع ضعف بنيته أولى بألا يستقر وفيه تسكين لفؤاد موسى؛ بأن المانع من الانكشاف إشفاقي عليك وأما أن المانع محالية الرؤية لتجرد الرب فليس في القرآن إشارة إليه، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل في صورته مرتين وهذا من خواصه وما أطاق أحد من الأنبياء غير نبينا صلوات الله عليه وسلامه عليهم أجمعين رؤيته وهو على صورته/١٢ وجيز..
٤ كما نقله الترمذي مرفوعا عن ابن عباس/١٢ منه. [أخرجه الترمذي (٣٢٨٢) وصححه الشيخ الألباني في (صحيح الترمذي) (٢٤٥٨) من حديث أنس رضي الله عنه]..
٥ ما هو خلاف الأدب كمسألة الرؤية بغير إذن كالشفاعة من غير إذن فيها/١٢ وجيز..
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين