ﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺ

ولما جاء موسى لميقات ربه، وتلقى كلامه ورسالته، استشرفت نفسه، بدافع الشوق وحافز الرجاء، وفي غمرة الذهول والدهشة، إلى تجلي الذات الإلهية، فما كان من الحق سبحانه وتعالى إلا أن ألقى جوابا يستطيع أن يتأكد من خلاله أن الكيان البشري الضعيف لا يقوى على استقبال النور الإلهي وجها لوجه ولاسيما في هذه الدنيا، وإذا كان تجلي الذات الإلهية لجبل الطور يجعل الجبل على شموخه وصلابته خاشعا متصدعا، ويدكه دكا في طرفة عين حتى يسيخ في أعماق الأرض، من جلال الله وهيبته، فما بالك بوقع ذلك التجلي على الإنسان الضعيف البنية، والقوي الخشية، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا : ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك، قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا .
وما كاد موسى يرى ما أصاب الجبل الشامخ من تصدع وانهيار حتى أغمي عليه في الحين، من شدة فزع المنظر وهول الموقف، وذلك قوله تعالى : وخر موسى صعقا، فلما أفاق – أي من الإغماء الذي أصابه – قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين .
غير أن هذه الحادثة الكبرى لم يمر عليها وقت طويل حتى أصبحت لها ذيول في حياة بني إسرائيل، ذلك أن بني إسرائيل لم يزل الشك يراودهم فيما تلقاه موسى من كلام الله ورسالته، فأخذوا يلحون عليه أن يسأل لهم من الله ميقاتا خاصا يحضرونه بأنفسهم، ويشاهدونه إلى جانبه عيانا، فاضطر موسى إلى النزول على رغبتهم، وطلب من الله توقيت ميقات لهم، واختار من بينهم، بوحي من الله، وفدا مؤلفا من سبعين عضوا يعتبرون من خيار خيارهم، لكن لما حل الميقات المعين الذي كانوا ينتظرون فيه بكل إلحاح وعناد أن يروا الله جهرة – حسب تعبيرهم الخاص- أخذهم الحق سبحانه وتعالى أخذا وبيلا، فأخذتهم الرجفة وصعقوا في الحين، وكان ذلك عبرة للناس أجمعين، ولم ينج إلا موسى وحده، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في نهاية هذا الربع - : واختار موسى قومه، سبعين رجلا لميقاتنا، فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا الآية. وفي نفس هذا المعنى ورد في سورة البقرة المدنية : وإذا قلتم يا موسى لن نومن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون .
وها هنا فائدة لا بد من التنبيه إليها. وهي أن التعبير هنا في كتاب الله بهذا النوع من العدد ثلاثين ليلة و أربعين ليلة في سياق قوله تعالى : وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة موافق لطريقة التاريخ المتعارف عند العرب قبل الإسلام وبعده. قال القاضي أبو بكر “ابن العربي” :“التاريخ إنما يكون بالليالي دون الأيام، لأن الليالي أوائل الشهور، وبها كانت الصحابة تخبر عن الأيام، حتى روي عنها أنها كانت تقول : " صمنا خمسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم "، والعجم تخالفنا في ذلك فتحسب بالأيام، لأن معولها على الشمس، وحساب الشمس للمنافع، وحساب القمر للمناسك ".

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير