من أمورهم او كن مصلحا او أصلحهم بحملك إياهم على طاعة الله وقال ابن عباس يريد الرفق بهم والإحسان إليهم وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ يعنى لا تتبع من عصى الله ولا تطع من دعاك الى المعصية والإفساد.
وَلَمَّا جاءَ مُوسى الى طور سيناء لِمِيقاتِنا اللام للاختصاص اى اختص مجيئه لميقاتنا اى وقتنا الذي وقتنا له ان أكلمه فيه قال اهل التفسير ان موسى عليه السّلام تطهر وطهر ثيابه لميعاد ربه وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ فى القصة ان الله انزل ظلمة على سبعة فراسخ وطرد عنه الشياطين وطوّر هو أم الأرض ونحى عنه الملكين وكشط له السماء فراى الملئكة قياما فى الهواء ورأى العرش بارزا فكلمه الله وناجاه حتى أسمعه وكان جبرئيل معه فلم يسمع ما كلمه ربه حتى سمع صرير القلم قال البيضاوي روى ان موسى كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة قلت معناه انه لا يسمع من جهة وكان كلما يتوجه الى جهة من الجهات يسمع ذلك الكلام بلا جهة من غير تفاوت فاستجلى موسى كلام ربه واشتاق الى رويته وقالَ رَبِّ أَرِنِي نفسك أَنْظُرْ إِلَيْكَ قال الحسن هاج به الشوق قال الروية ظنا منه انه يجوز ان يرى فى الدنيا يعنى قياسا على الروية فى الاخرة قالَ الله تعالى لَنْ تَرانِي وليس لبشران يطيق النظر الىّ فى الدنيا من نظر الىّ فى الدنيا مات فقال الهى سمعت كلامك فاشتقت الى النظر إليك ولان انظر إليك ثم أموت أحب الى من ان اعيش ولا أراك قال السيوطي التعبير بلن ترانى دون لا ارى يفيد إمكان الروية فقال الله تعالى وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ الاية وهو أعظم جبل بمدين يقال له زبير قال السدى لما كلم الله تعالى موسى غاص الخبيث إبليس فى الأرض حتى خرج بين قدمى موسى فوسوس اليه وقال ان من كلمك شيطان فعند ذلك سأل الروية وفى هذه الاية دليل على إمكان الروية فى الدنيا لان طلب المستحيل من الأنبياء محال خصوصا ما يقتضى الجهل بالله تعالى وقوله لن ترانى فيه دليل على عدم الوقوع له ما دامت الدنيا لا على عدم الوقوع له ولغيره فضلا من عدم الإمكان والظاهر ان موسى قبل نزول قوله لن ترانى كان لا يعرف عدم الوقوع فى الدنيا وليس هذا جهلا بالله تعالى بل ببعض أحكامه كما ان نوحا عليه السلام سأل ربه نجاة ابنه وابراهيم عليه السلام سأل مغفرة أباه ومحمدا صلى الله عليه واله وسلم سأل مغفرة ابى طالب حتى نزل قوله تعالى وما كان للنبى والذين أمنوا ان يستغفروا للمشركين ولو كانوا اولى قربى الاية وسأل مغفرة بعض المنافقين حتى نزل استغفر لهم او لا تستغفر لهم
ان تستغفر لهم سبعين مرة وحتى نزل ولا تصل على أحد منهم مات ابدا ولا تقم على قبره كل ذلك لعدم اطلاعهم على عدم وقوع الاستجابة مع كفر المدعو لهم واستدل نفاة الروية بقوله تعالى لن ترانى قالوا لن للتأبيد قلنا ليس كذلك بل هى لتاكيد نفى الروية المسئولة فى الدنيا الا ترى ان قوله تعالى ولن يتمنوه ابدا اخبار عن اليهود وقد اخبر عن الكفرة بتمنيهم الموت فى الاخرة حيث قال ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك وقال يا ليتها كانت القاضية ويقول الكفر يليتنى كنت ترابا والقول بان سوال موسى عليه السلام الروية كان لتبكيت قومه حين قالوا أرنا الله جهرة خطأ فاحش فان ذلك وقعة اخرى وقد عذبهم الله تعالى على ذلك القول فاخذتهم الصاعقة بظلمهم حيث لم يكونوا مستحقين لها ولم يكن أحدا من قوم موسى معه حين كلمه الله تعالى وأعطاه التورية وسأل ربه الروية ولم يعاتب على موسى على ذلك السؤال لاستحقاقه وانما نفى الروية لعدم احتمالها للنية الدنيوية وقال ولكن انظر الى الجبل الاية وايضا لو كانت الروية ممتنعة وكان هذا السؤال لتبكيت قومه لوجب على موسى ان تجهلهم ويزيح شبهتهم كما فعل بهم حين قالوا اجعل لنا الها وكيف يتبع موسى سبيلهم لو كان ممتنعا وقد قال لاخيه ولا تتبع سبيل المفسدين وقوله تعالى ولكن انظر الى الجبل فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي استدراك يريد ان يبين به انه لا يطيقه كما لا يطيق الجبل وفى تعليق الروية بالاستقرار ايضا دليل على الجواز ضرورة ان المعلق على الممكن ممكن قال وهب وابن اسحق لما سأل موسى ربه الروية أرسل الله الضباب «١» والصواعق والظلمة والرعد والبرق وأحاطت بالجبل الذي عليه موسى الى اربعة فراسخ من كل جانب وامر الله تعالى ملئكة السموات ان يعترضوا على
موسى فمرت به ملئكة السماء الدنيا كثيران «٢» البقر تتبع أفواههم بالتسبيح والتقديس بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد ثم امر الله ملئكة السماء الثانية ان اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه فهبطوا عليه أمثال الأسود لهم لجب «٣» بالتسبيح والتقديس ففزع العبد الضعيف ابن عمران مما راى وسمع واقشعرت كل شعرة فى راسه وجسده ثم قال لقد ندمت على مسألتى فهل يجنبنى من مكانى الذي انا فيه شىء فقال خير الملئكة وراسهم يا موسى اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت ثم امر الله تعالى ملئكة السماء الثالثة ان اهبطوا على موسى واعترضوا عليه فهبطوا أمثال الأسود لهم قصف «٤»
(٢) كثيران جمع ثور اى الذكر من البقر ١٢
(٣) لجب الصياح واضطراب موج البحر ١٢ قاموس
(٤) قصف اى كسر وقصف الرعد اى صار صوته شديدا ١٢ [.....]
ورجف ولجب شديد وأفواههم تتبع بالتسبيح والتقديس كجلب «١» الجيش العظيم ألوانهم كلهب النار ففزع موسى واشتد نفسه وايس من الحيوة فقال له خير الملئكة يا ابن عمران مكانك حتى ترى ما لا تصبر عليه ثم امر الله تعالى ملئكة السماء الرابعة ان اهبطوا واعترضوا على موسى ابن عمران وكان لا يشبههم شىء من الذين مروا به قبلهم ألوانهم كلهب النار وسائر خلقهم كالثلج الأبيض أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس لا يقاربهم شىء من أصوات الذين مروا به قبلهم فاصطكت «٢» ركبتاه وارعد «٣» قلبه واشتد بكاؤه فقال له خير الملئكة وراسهم يا ابن عمران اصبر لما سالت فقليل من كثير ما رايت ثم امر الله تعالى ملئكة السماء الخامسة ان اهبطوا واعترضوا على موسى فهبطوا عليه لهم سبعة ألوان فلم يستطع موسى ان يتبعهم بصره لما لم ير مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم فامتلأ جوفه واشتد حزنه وكثر بكاؤه فقال له خير الملئكة يا ابن عمران مكانك حتّى ترى ما لا تصبر عليه ثم امر الله ملئكة السماء السادسة ان اهبطوا على عبدى الذي طلب ليرانى فاعترضوا عليه وفى يد كل ملك مثل النخلة الطويلة نار أشد ضوء من الشمس ولباسهم كلهب النار إذا سبحوا وقدسوا جاءوا بهم من كان قبلهم من ملئكة السموات كلهم يقولون لشدة أصواتهم سبوح قدوس رب الملئكة والروح رب العزة ابدا لا يموت فى راس كل ملك منهم اربعة أوجه فلما راهم موسى رفع صوته ليسبح حين سبحوا وهو يبكى ويقول رب اذكرني ولا تنس عبدك لا أدرى انفلت مما انا فيه أم لا ان خرجت احترقت وان مكثت مت فقال له كبير الملئكة وراسهم قد اوشكت يا ابن عمران ان يشتد خوفك وينخلع قلبك فاصبر للذى سألت ثم امر الله ان يحمل عرشه فى ملئكة السماء السابعة فلما بدأ نور العرش انفرج الجبل من عظمة الرب جل جلاله فرفعت ملئكة السماء أصواتهم جميعا يقولون سبحان الملك القدوس رب العزة ابدا لا يموت فارتج الجبل بشدة أصواتهم واندكت كل شجرة كانت فيه وخر العبد الضعيف موسى صعقا على وجهه ليس معه روحه فارسل الله برحمته الروح فتغشاه وقلب عليه الحجر الذي كان عليه موسى وجعل كهيئة القبة لئلا يحترق موسى فاقامه الروح مثل الام فقام موسى يسبح الله ويقول امنت بك ربى وصدقت انه لا يراك أحد فيحيى من نظر الى ملئكتك انخلع قلبه فما أعظم ملئكتك أنت رب الأرباب واله الالهة وملك الملوك ولا يعدلك شىء ولا يقوم لك شىء رب تبت إليك الحمد لك لا شريك لك ما أعظمك
(٢) فاصطكت اى اضطربت ١٢
(٣) ارعد اى اضطرب ١٢
ما أجلك رب العالمين فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ اى ظهر وانكشف بعض أنواره قال السيوطي اظهر من نوره قدر نصف انملة الخنصر كذا فى حديث صححه الحاكم لِلْجَبَلِ قالت الصوفية التجلي ظهور الشيء فى المرتبة الثانية كظهور زيد فى المرآة وليس هو روية الذات فان الله سبحانه لما نفى الروية لموسى بالتاكيد مع كونه أقوى استعدادا من الجبل لا يتصور حصوله للجبل قال الله تعالى انا عرضنا الامانة على السموات والأرض والجبال فابين ان يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان قال ابن عباس ظهر نوره للجبل وقال الضحاك اظهر الله من نوره الحجب مثل منخر ثور وقال عبد الله ابن سلام وكعب الأحبار ما تجلى من عظمة الله للجبل الأمثل سم الخياط حتى صار دكا وقال السدى ما تجلى الا قدر الخنصر يدل عليه ما روى احمد والترمذي والحاكم وصححاه عن ثابت عن انس ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قرأ هذه الاية وقال هكذا ووضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ «١» الجبل وخر موسى صعقا واخرج ابو الشيخ بلفظ وأشار بالخنصر فمن نورها جعله دكا وحكى عن سهل بن سعد الساعدي ان الله اظهر من سبعين الف حجاب من نور قدر الدرهم فجعل الدرهم للجبل دكا جَعَلَهُ دَكًّا قرأ حمزة والكسائي دكاء بالمد والهمز بغير تنوين اى أرضا مستوية ومنه ناقة دكاء التي لاسنام لها وقرأ الباقون دكا بالتنوين بغير همز اى مدكوكا مفتتا والدك والدق اخوان قال فى القاموس الدك والدق والهدم ما استوى من الرمل قال ابن عباس جعله ترابا قال ساخ الجبل فى الأرض حتّى وقع فى البحر فهو يذهب فيه وقال عطية العوفى صار رملا هائلا وقال الكلبي جعله دكا اى كسر اجبالا صغارا قال البغوي وقع فى التفاسير صارت لعظمته ستة اجبل وقعت ثلثة بالمدينة أحد وورقان ورضوى ووقعت ثلثة بمكة ثور وثبير وحراء قال السعاف فى تخريج البيضاوي اخرج ابن مردوية عن على بن ابى طالب رضى الله عنه فى قوله تعالى فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا قال اسمع موسى قال له اننى انا الله قال وذاك عشية عرفة وكان الجبل بالموقف فانقطع على سبع قطع قطعة أسقطت بين يديه وهو الذي يقوم الامام عنده فى الموقف وبالمدينة ثلثة طيبة واحد ورضوى وطور سيناء بالشام وانما سمى الطور لانه طار فى الهواء الى الشام قلت هذه الرواية غريبة جدا فان تكلم الله تعالى بموسى عليه السلام وإعطائه التورية كان بالشام على طور سينا دون مكة والله اعلم وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً قال ابن عباس والحسن مغشيا عليه
التفسير المظهري
القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري
غلام نبي تونسي