يقول الله جل وعلا : ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني انظر إليك قال لن تراني ولاكن انظر الى الجبال فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ١٤٣ [ الأعراف : آية ١٤٣ ].
( لما ) هذه هي التي تربط شرطا بجزاء، وقد قدمنا أن علماء العربية اختلفوا فيها : هل هي حرف أو اسم ؟.
ولما جاء موسى نبي الله موسى بن عمران لميقاتنا أي : جاء للوقت الذي حددناه له للميعاد للمناجاة وإعطاء التوراة بعد انتهاء الأربعين يوما كما تقدم إيضاحه، كما تقول : جاءني فلان لستة خلون من شهر كذا، لما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه وسمع كلام الله ( جل وعلا ) اشتاق موسى إلى رؤية الله لما كلمه الله، قال موسى لربه : رب أرني أنظر إليك ( رب ) أصله : يا ربي. حذفت أداة النداء، وحذفت ياء المتكلم اكتفاء عنها بالكسرة. وحذف ياء المتكلم إحدى اللغات الخمس المشهورة في المنادى إن كان صحيح الآخر، مضافا إلى ياء المتكلم كما هو معروف في محله.
وقوله : أرني قرأ هذا الحرف جماهير القراء منهم السبعة غير ابن كثير وأبي عمرو أرني بكسر الراء كسرة تامة. وقرأ هذا الحرف ابن كثير والسوسي عن أبي عمرو : أرني أنظر إليك بسكون الراء. وقرأه الدوري عن أبي عمرو بكسرة مختلسة. فتحصل أن جميع القراء غير ابن كثير، وأبي عمرو قرؤوا : أرني بكسرة تامة، وأن ابن كثير قرأ بسكون الراء، وكذلك قرأه السوسي عن أبي عمرو، وقرأ الدوري عن أبي عمرو بكسرة مختلسة -وقد قدمنا- بأن هذه القراءات في : أرني أنظر إليك هي بعينها في قوله : وأرنا مناسكنا [ البقرة : آية ١٢٨ ].
وفي إسكان الراء في القراءة السبعية إشكال، فلطالب العلم أن يقول : ما وجه إسكان الراء أرني أنظر إليك في قراءة ابن كثير والسوسي عن أبي عمرو ؟
والجواب عن هذا السؤال : أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن أنها ربما اعتبرت العين كأنها لام، وكانت العين وراءها حرف لين محذوف لأمر أو لجزم –مثلا- فتتخيل العرب العين كأنها اللام وتنزلها منزلة الحرف الأخير فتسكنها، ونظير هذا في القراءات : قراءة حفص في سورة النور : وقوله تعالى : ومن يطيع الله ورسوله ويخش الله ويتقه [ النور : آية ٥٢ ] بسكون القاف، قوله : ويتقه كقوله هنا : أرني في قراءة ابن كثير والسوسي، وهذا معروف في كلام العرب، ومن أساليب اللغة أن العين المتحركة إذا كانت بعدها لام محذوفة حرف علة أنهم ربما اعتدوا بالعين فتخيلوا أنها اللام فسكنوها للأمر، وعليه قراءة : ويخش الله ويتقه وقوله : أرنا مناسكنا [ البقرة : آية ١٢٨ ] أرني أنظر إليك ونظيره من كلام العرب قول الشاعر :
| أرنا إداوة عبد الله نملؤها | من ماء زمزم إن القوم قد ظمئوا |
| ومن يتق فإن الله معه | فرزق الله مؤتاب وغاد |
| قالت سليمي اشتر لنا سويقا | وهات خبز البر أو دقيقا |
| لو كنت يا سلمى لذا مطيقا | ما كان عيشي عندكم طميقا |
قال بعض العلماء : مفعول ( أرني ) الثاني محذوف. أي : أرني نفسك أنظر إليك، والفعل المضارع مجزوم بجواب الطلب، فقد قدمنا أن علماء العربية يقول جماعة منهم : إن المضارع المجزوم في جواب الطلب إنه مجزوم بشرط محذوف. أي : إن ترني أنظر إليك.
ولما قال موسى هذا وسأل ربه أن يريه ينظر إليه، طلب الله النظر إليه ( جل وعلا )، قال الله مجيبا لموسى : لن تراني [ الأعراف : آية ١٤٣ ] ( لن ) هنا حرف نفي لن تراني يعني : لن تراني في هذه الدار الدنيا كما سنوضحه قريبا إن شاء الله، والمعنى : أنت أضعف يا موسى من أن تقدر على رؤية خالق السموات والأرض، لأن شأنه أعظم وأمره أكبر وأجل من أن يقدر على رؤيته أحد في الدنيا ؛ لأن الناس في الدنيا مركبون تركيبا لا يبلغ غاية القوة، معرضون للموت والهلاك، فأنت بهذه الدار لا تقدر أن ترى رب السموات والأرض، وهذا هو التحقيق في الآية كما سنوضحه إن شاء الله. ثم إن الله كأنه يقول له : هذا الجبل لا شك أنه أقوى منك وأصلب، فهو إذن سأتجلى له، فإن تحمل الجبل رؤيتي وتجلي له فأنت يمكن أن تقدر وستراني، وإن عجز الجبل عند ذلك –صار دكا وصار فتاتا ترابا- علمت أن الشيء الذي يدك الجبال لا يقدر عليه الدم واللحم منك يا موسى، وهذا معنى قوله : لن تراني ولاكن انظر إلى الجبل مع قوته وصلابته فإن استقر مكانه وتحمل تجلي له فيمكن أن تراني، وإن صار الجبل فتاتا فالذي يدك الجبال لا تقدر عليه أنت يا موسى، فأنت أضعف من أن تتحمل ذلك، وهذا معنى قوله : فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جاء في حديث عند الحاكم أن الله كشف من نوره شيئا قليلا بقدر بعض الخنصر، فلما كشفه وظهر للجبل صار الجبل دكا، اندك الجبل حتى استوى بالتراب، وصار ترابا.
وخر موسى صعقا الصحيح أن معنى قوله : صعقا : مغشيا عليه، خلافا لقتادة القائل :( خر صعقا ) أي : ميتا. وفي الآية الكريمة قرينة تدل على أن معنى ( صعقا ) : مغشيا عليه، وهي قوله : فلما أفاق لأن الإفاقة من الغشية والموت يقال : بعثه بعد الموت. لا أفاق بعد غشيته منها. وهذا معنى قوله : فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا .
قرأ هذا الحرف عامة القراء غير حمزة والكسائي جعله دكا مصدر بمعنى اسم المفعول، وقراه حمزة والكسائي : فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاء وخر موسى صعقا .
أما على القراءة الجمهور : صار الجبل دكا، أي : مدكوكا، والدك : أصله طحن الجبال، فطحنه الله. قال بعضهم : حتى استوى بالتراب وصار فتاتا ترابا لعظمة رب العالمين ( جل وعلا ). فتبين لموسى أن الله لو تجلى له –يعني- لما أطاق ذلك ؛ ولأن ما فتت الجبال لا يقدر على حمله موسى، وهذا معنى الآية.
ومعلوم أن المعتزلة والخوارج وبعض الضلال يستدلون بهذه الآية من سورة الأعراف على أن رؤية الله مستحيلة بتاتا في الدنيا والآخرة، ويزعمون أن ( لن ) في قوله : لن تراني أنها للنفي المؤبد في المستقبل وأنها تنفي الرؤية مستقبلا بتاتا في الدنيا والآخرة، وأن موسى تاب إلى الله من هذا الطلب، حيث قال : تبت إليك .
والتحقيق الذي لا شك فيه الذي يجب على كل مسلم اعتقاده في شأن رؤية الله ( جل وعلا ) أنها بدار الدنيا جائزة عقلا غير واقعة شرعا. أما جوازها عقلا فمن أعظم الأدلة عليه : أن نبي الله موسى طلبها من ربه، ولا يخفى على موسى الجائز عقلا من المستحيل عقلا، فمن المحال الباطل أن يكون نبي الله موسى يجهل المستحيل بحق الله ويعلمه أشياخ القدرية الجهلة الضلال ! ! أشياخ المعتزلة الجهلة الضلال ! ! هذا مما لا يكون ولا يقع ! ! فقول موسى : رب أرني أنظر إليك يدل على أن رؤية الله في دار الدنيا جائزة عقلا، والذي منع منها عجز الآدميين عن تحملها ؛ لأن الله لما تجلى للجبل اندك الجبل، فما بالك باللحم والدم ؟ ! فهي في دار الدنيا جائزة عقلا، وأما في الآخرة فلا شك أنها واقعة، ومن أنكرها فهو ملحد في دين الله، ضال مضل منابذ للسنة المتواترة والقرآن العظيم. فلا شك أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم، وقد جاءت آيات تدل على ذلك كقوله : وجوه يومئذ ناضرة ٢٢ إلى ربها ناظرة ١٣ [ القيامة : الآيتان ٢٢، ٢٣ ] وقوله : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ١٥ [ المطففين : آية ١٥ ] يفهم من دليل خطابه –أعني مفهوم مخالفته- أن المؤمنين ليسوا يومئذ محجوبون عند ربهم، وقد استحسن العلماء استدلال الإمام الشافعي ( رحمه الله ) بهذه الآية على رؤية الله يوم القيامة، أما الأحاديث فحدث ولا حرج، فقد تواترت الأحاديث الصحاح في الصحيحين وغيرهما من السنن والمسانيد والأجزاء عن نحو من عشرين صحابيا كراما فضلا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، ولا يكاد ينازع من له إنصاف، في تواتر أحاديث رؤية الله يوم القيامة.
وجاء في الصحيحين وغيرهما [ أحاديث كثيرة تدل على ذلك، وقد ] ( في هذا الموضوع كلام غير واضح، وما بين المعقوفين [ ] زيادة يتم بها الكلام ) روى رؤية الله يوم القيامة عن النبي نحو من عشرين صحابيا والأحاديث في ذلك متواترة مشهورة منها :( إنكم ترون ربكم عيانا هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها حجاب ؟ هل تضارون في رؤية القمر ليس دونه حجاب ؟ إنكم ترون ربكم كذلك ) ( إنكم ترون الله كما ترون القمر ) وأحاديث الرؤية صحيحة متواترة لا يطعن فيها إلا ملحد، والمعتزلة يحاولون دفعها، وهي لا تدفع بالتأويلات الباطلة، والكلام الذي لا طائل تحته، فتحصل أن التحقيق أن رؤية المؤمنين لربهم أنها في دار الدنيا جائزة عقلا، وأنها في الآخرة واقعة شرعا، فهي في دار الدنيا جائزة عقلا غير واقعة شرعا، وفي الآخرة واقعة شرعا بلا نزاع ممن يعتد به لتصريح النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في الأحاديث المتواترة.
وما استدل به المعتزلة على استحالة رؤية الله : أما الأدلة العقلية التي يزعمون فكلها فلسفات باطلة لا طائل تحتها، كزعمهم أن رؤية الله تستلزم الجهة، وأن ذلك محال، وتستلزم أنواعا من المقابلات، وأن كل ذلك محال، وأنهم يقولون : لو خيلنا أن بين العبد وربه حين يراه شكلا مثلثا، فشعاع العين الذي يمشي مع المستقيم يسبق إليه ( جل وعلا ) قبل الذي يمشي مع الزاوية المنفرجة فيسبق هذا هذا، وهذا محال. وهو كلام كله باطل وضلال لا طائل تحته ! !
وما استدلوا به من قوله : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار فقد أجاب العلماء عنه بأن المنفي بقوله : لا تدركه الأبصار [ الأنعام : آية ١٠٣ ] الإدراك المشعر بالإحاطة، وأما مطلق الرؤية فليس هو المنفي في ذلك بدليل قوله : وجوه يومئذ ناضرة ٢٢ إلى ربها ناظرة ٢٣ [ القيامة : الآيتان ٢٢، ٢٣ ] فما يدعونه من الاستحالات العقلية لا طائل تحته.
وما تمسكوا به من النقل لا حجة لهم فيه، والتحقيق الذي لا شك فيه أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة لا يضارون في ذلك، كما صرح به الصادق المصدوق ورواه عنه نحو عشرين صحابيا من أصحابه ( رضي الله عنهم ). هذا هو التحقيق في هذا المقام.
وقول المعتزلة :( إن ( لن ) حرف نفي يدل على نفي الشيء للمستقبل نفيا باتا ) هو كذب أيضا، وتقول على اللغة العربية بما ليس منها ! ! والذي دلت عليه أدلة العربية الواردة في القرآن الذي هو في الطرف الأعلى من الفصاحة والإعجاز دل على أن قول المعتزلة هذا بأن ( لن ) إنها للنفي في المستقبل نفيا أبديا باتا هذا باطل كذب.
وقد دلت ثلاث آيات من كتاب الله على كذب هذا القول، وأنه ليس بصحيح :
إحداها : أن ( لن ) لو كانت نصا صريحا في النفي المستقبل البات الأبدي لما جاز تقييد نفيها في يوم ولا ظرف معين، وقد جاء بالقرآن تقييد نفيها بيوم معين، في قوله : فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا [ مريم : آية ٢٦ ] لو كان نفي ( لن ) للكلام نفيا مؤبدا إلى يوم القيامة لكان قول مريم مناقضا لذلك التأبيد كما ترى.
الموضوع الثاني : أن ( لن ) لو كانت تقتضي التأبيد الأبدي
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير