ﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺ

وقوله تعالى: وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي. يقال: (١) خَلَفَ فلان مكان فلان يَخْلُفُ (٢) إذا كان في مكانه. قال المفسرون: (فلما أراد موسى الانطلاق إلى الجبل استخلف أخاه هارون على قومي) (٣). وقال الفراء: (يقال: خلفتك، أي: كنت خليفتك، فأنا أخلفك خلافة) (٤).
وقوله تعالى: وَأَصْلِحْ. قال ابن عباس: (يريد: الرفق بهم والإحسان إليهم) (٥)، فعلى هذا معناه: وأصلح أمرهم، وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ، (أي: طريق العاصين). قاله ابن عباس والكلبي (٦)؛ كأنه يقول: لا تطع من عصى الله ولا توافقه على أمره.
١٤٣ - قوله تعالى: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا، قال الزجاج: (أي: في الوقت الذي وقتنا له) (٧)، وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ. قال المفسرون: (خص الله

= ساعات، وقيل: فائدتها إزالة توهم العشر من الثلاثين، وقال السمين في "الدر" ٥/ ٤٤٨: (الجملة الظاهر أنها للتأكيد، وقيل: هي للتأسيس لاحتمال أن يتوهم متوهم بعشر ساعات أو غير ذلك وهو بعيد جدًّا) اهـ. ملخصًا. وانظر: "معاني النحاس" ٣/ ٧٤، و"إعراب النحاس" ١/ ٦٣٥، و"المشكل" ١/ ٣٠١، و"تفسير الماوردي" ٢/ ٢٥٦، وابن عطية ٦/ ٦٦، وابن الجوزي ٣/ ٢٥٥، الرازي ١٤/ ٢٢٦، و"الفريد" ٢/ ٣٥٥، و"البحر" ٤/ ٣٨١.
(١) في (ب): (فقال)، وهو تحريف.
(٢) الخلافة: النيابة عن الغير، وخلف فلان فلانا قام بالأمر عنه. انظر: "العين" ٤/ ٢٦٥، و"تهذيب اللغة" ١/ ١٠٨٩، و"الصحاح" ٤/ ١٣٥٤، و"مقاييس اللغة" ٢/ ٢١٠، و"المفردات" ص ٢٩٤، و"اللسان" ٢/ ١٢٣٥ (خلف).
(٣) انظر: "تفسير الطبري" ٩/ ٤٨، والسمرقندي ١/ ٥٦٧، والبغوي ٣/ ٢٧٥.
(٤) لم أقف عليه بعد طول بحث عنه.
(٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" ٢/ ٢٣٤، والبغوي ٣/ ٢٧٥، والخازن ٢/ ٢٨١.
(٦) "تنوير المقباس" ٢/ ١٢٥.
(٧) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٧٢، ونحوه قال الطبري ٩/ ٤٩، والنحاس في "معانيه" ٣/ ٧٤.

صفحة رقم 331

تعالى (١) موسى عليه السلام بأن أسمعه كلامه من غير أن يكون بينهما أحد، فلما سمع كلام الله تعالى قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) (٢).
قال الزجاج: (المعنى: أرني نفسك انظر إليك) (٣)، وهذا يقطع بأن موسى سأل رؤية الباري، ولو كانت الرؤيا لا تصح في وصفه ما سأل موسى ذلك؛ لأنه كان أعلم بالله من أن يسأله ما يستحيل في وصفه، وليس يحتمل قوله: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ إلا أنه سأله أن يريه نفسه لينظر إليه، وليس يصح أن يقال: إنه سأل أمرًا عظيما على تقدير: أرني أمرًا، أنظر إلى أمرك، ثم حذف المفعول والمضاف؛ لأن سياق الآية يدل على بطلان هذا، وهو قوله: لَنْ تَرَانِي فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ. ولا يجوز أن يحمل جميع هذا على حذف المضاف، ولأنه لو سأل آية وأمرًا لأعطاه الله تعالى ما سأل كما أعطاه سائر الآيات، وأي معنى لإحالته على استقرار الجبل ووقوعه مغشيًا عليه، وتوبته بعد ذلك، هذا كله لا يكون في سؤاله أمرًا وعلامة (٤).
قال أبو إسحاق: (ليس في الكلام دليل على أن موسى أراد أن يرى أمرًا عظيما من أمر الله عز وجل؛ لأن الله تعالى أراه من الآيات ما لا غاية بعده: العصا، واليد، وفرق البحر، فكان يستغنى بما أراه عن أن يطلب أمرًا من أمر الله عز وجل عظيما، ولكنه لما سمع كلام الله تعالى (٥) {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ

(١) لفظ: (تعالى) ساقط من (ب).
(٢) انظر: "تفسير الطبري" ٩/ ٤٩ - ٥٠، وقد أخرجه من طرف جيدة عن السدي وابن إسحاق والربيع بن أنس وانظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٣٧٣، والسمرقندي ١/ ٥٦٧.
(٣) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٧٣.
(٤) انظر: "بدائع التفسير" ٢/ ٢٦٤ - ٢٦٦.
(٥) لفظ: (تعالى) ساقط من (أ).

صفحة رقم 332

إِلَيْكَ}، أي: قد سمعت كلامك فأنا أحب أن أراك) (١)
وقوله تعالى: قَالَ لَنْ تَرَانِي. هذا (٢) أيضًا دليل على جواز الرؤية، لأنه لو كان مستحيل الرؤية لقال: لا أرى، ألا ترى أنه لو كان في يد رجل حجر فقال له إنسان: ناولني هذا لآكل، فإنه يقول: (هذا لا يؤكل)، ولا يقول: لا تأكل، ولو كان في يده بدل الحجر تفاحة لقال: لا تأكل، أي: هذا مما يؤكل ولكنك لا تأكل.
وفي قوله: لَنْ تَرَانِي إبطال قول من يقول: إن موسى سأل الرؤية لقومه؛ لأنهم (٣) قالوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء: ١٥٣]، فسأل موسى الرؤية ليتبين لهم أن ذلك لا يجوز، وذلك أنه لو كان سؤال الرؤية لقومه لقال (٤): لن يروني، ولقال موسى: أرهم (٥)، فلما قال أَرِنِي وقيل له: لَنْ تَرَانِي بطل أن يكون السؤال لقومه، وقول من قال: إن (لن) (٦) للتأبيد دعوى على أهل اللغة، وليس يشهد لذلك كتاب ولا نقل ولا إسناد ولا أصل (٧)، ولكن معنى قول: لَنْ تَرَانِي أي: في الدنيا كما قال عبد العزيز

(١) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٧٤ وزاد فيه: (وهذا خطأ لا يعرفه أهل اللغة) اهـ.
(٢) في (ب): (في هذا أيضًا دليل).
(٣) انظر: "الكشاف" ٢/ ١١٣.
(٤) في (أ): (قال)، وهو تحريف.
(٥) في (ب): (أراهم)، وهو تحريف.
(٦) لفظ: (لن) ساقط من (ب).
(٧) لن: حرف يدل على النفي في المستقبل، قال ابن هشام في "المغني" ١/ ٢٨٤: (لن حرف نفي واستقبال ولا تفيد توكيد النفي ولا تأبيده خلافا للزمخشري وكلاهما دعوى بلا دليل) اهـ. انظر: "العين" ٨/ ٣٥٠، و"الكتاب" ٤/ ٢٢٠، و"حروف المعاني" ص ٨، و"تهذيب اللغة" ٤/ ٣٣٠٣، و"معاني الحروف" ص ١٠٠، و"رصف المباني" ص ٣٥٥، و"اللسان" ٧/ ٤٠٨٢ (لن).

صفحة رقم 333

بن يحيى الكناني: قال: (قوله: لَنْ تَرَانِي جواب قول موسى أَرِنِي فلا يقع على الآخرة؛ لأن موسى لم يقل: أرني في الآخرة، إنما سأل الرؤية في الدنيا فأجيب عما سأل) (١)، والجواب يكون على وفق السؤال؛ كيف وقد نص ابن عباس في رواية عطاء في قوله: لَنْ تَرَانِي. قال: (لن تراني في الدنيا) (٢).
وقوله تعالى: وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي. قال مقاتل: (لما قال موسى: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قال له ربه: لَنْ تَرَانِي، ولكن اجعل بيني وبينك ما هو أقوى منك، وهو الجبل فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ أي: سكن وثبت فَسَوْفَ تَرَانِي، وإن لم يستقر مكانه فإنك لا تطيق رؤيتي، كما أن الجبل لا يطيق رؤيتي) (٣).
قال الكلبي (٤) وغيره (٥): (والجبل في قوله: وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ

(١) (ولا أصل) ساقط من (ب)، ونقل قول الواحدي الرازي في "تفسيره" ١٤/ ٢٣٣.
(٢) ذكره الثعلبي في "الكشف" ١٩٦ أ.
(٣) "تنوير المقباس" ٢/ ١٢٥. وذكره الواحدي في "الوسيط" ٢/ ٢٣٦، وابن الجوزي ٣/ ٢٥٦، وهذا هو الحق ومذهب أهل السنة والجماعة.
قال ابن كثير ٢/ ٢٧٢: (استدل المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة بهذه الآية وهذا أضعف الأقوال؛ لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول الله - ﷺ - بأن المؤمنين يرون ربهم في الدار الآخرة) اهـ.
وانظر: "الإبانة" للأشعري ص ١٣ - ٢١، و"تفسير الماوردي" ٢/ ٢٥٧، وابن عطية ٦/ ٦٨، وابن الجوزي ٣/ ٢٥٦، والقرطبي ٧/ ٢٧٨.
(٤) "تفسير مقاتل" ٢/ ٦١.
(٥) "تنوير المقباس" ٢/ ١٢٥، وذكره الواحدي في "الوسيط" ٢/ ٢٣٧.

صفحة رقم 334

أعظم جبل بمدين (١) يقال (٢) له: زبير (٣)) (٤).
قال أصحابنا: (علَّقَ الله تعالى جواز الرؤية على استقرار الجبل، واستقراره كان جائزًا، ولكن لم يفعل الله، كذلك الرؤية كانت جائزة، ولكن الله لم يخلقها لموسى، وضدّ هذه الآية قوله: وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف: ٤٠]. علق دخولهم الجنة بما يستحيل وجوده فلا يدخلونها قط).
وقوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ. قال الزجاج (٥) وجميع أهل اللغة (٦): (أي: ظهر وبان، ومنه يقال: جلوت العروس إذا أبرزتها، وجلوت المرآة والسيف إذا أخرجته من الصدى) (٧).

(١) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٢٥٧، عن ابن عباس، ذكره الثعلبي في "عرائس المجالس" ص ٢٠١، عن السدي، وانظر: "تفسير السمرقندي" ١/ ٥٦٧، والماوردي ٢/ ٢٥٨.
(٢) مدين: مدينة على بحر القلزم محاذية لتبوك. انظر: "معجم البلدان" ٥/ ٧٧.
(٣) في (ب): (فقال زبير)، وهو تحريف.
(٤) الزبير، بفتح الزاء وكسر الباء: اسم للجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى عليه السلام. انظر: "معجم البلدان" ٣/ ١٣٢، و"اللسان" ٣/ ١٨٠٦ (زبر).
وقد أجمع أهل التفسير على أن جبل المناجاة هو الطور، فكأن الزبير اسم آخر له أو لموضع معين من الطور والله أعلم. انظر: "تفسير مبهمات القرآن" للبلنسي ٢/ ٧٢٧ - ٧٢٨.
(٥) ذكره الثعلبي في "الكشف" ص ١٩٦ عن المتكلمين من أهل السنة، وانظر: "زاد المسير" ٣/ ٢٥٦.
(٦) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٧٣، وفي "تهذيب اللغة" ١/ ٦٢٤، قال الزجاج: (أي: ظهر وبان وهو قول أهل السنة والجماعة) اهـ.
(٧) انظر: "العين" ٦/ ١٨٠، و"الجمهرة" ١/ ٤٩٢، و"الصحاح" ٦/ ٢٣٠٣، و"المجمل" ١/ ١٩٣، و"مقاييس اللغة" ١/ ٤٦٨، و"المفردات" ص ٢٠٠، و"اللسان" ٢/ ٦٧٠ (جلا).

صفحة رقم 335

وقوله تعالى: جَعَلَهُ دَكًّا. قال أبو إسحاق: (يجوز دَكًّا بالتنوين و دَكًّاءَ بغير تنوين، أي: جعله مدقوقًا مع الأرض، يقال: دككت الشيء إذا دققته، أدكه دكا، والدكاء والدكاوات الروابي التي مع الأرض ناشزة عنها لا تبلغ أن تكون جبلًا) (١)، فعلى هذا الدك مصدر والدكاء (٢) اسم.
أخبرني العروض رحمه الله عن الأزهري قال: أخبرني المنذري عن أحمد بن يحيى أنه قال: (قال الأخفش في قوله: جَعَلَهُ دَكًّا (٣) بالتنوين، كأنه قال: دكه دكًا مصدر مؤكد (٤)، قال: ويجوز جعله ذا (٥) دك كقوله: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢].
قال: ومن قرأ (٦) دَكًّاءَ ممدودة أراد جعله مثل دكاء فحذف (مثل)، قال: والدكاء الناقة التي لاسنام لها) (٧)، فمعنى (٨) قوله: جَعَلَهُ دَكًّاءَ أي: مثل دكاء في أنه بقي أكثره.

(١) هذا قول ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص١٨٠، وانظر: "تفسير الطبري" ٩/ ٥٢، و"نزهة القلوب" ص ١٥٨، و"تفسير المشكل" ص ٨٧.
(٢) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٧٣.
(٣) الدّك - الدق وكسر الشيء وتفتيته، ومنه الناقة الدكاء وهي التي لا سنام لها. انظر: "العين" ٥/ ٢٧٤، و"الجمهرة" ١/ ١١٤، و"الصحاح" ٤/ ١٥٨٣، و"المجمل" ٢/ ٣١٨، و"مقاييس اللغة" ٢/ ٢٥٨، و"المفردات" ص ٣١٦، و"اللسان" ٣/ ١٤٠٤ (دك).
(٤) في (ب): (مؤكدة).
(٥) في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٢١٢: (ويجوز جعله أرضًا ذات دك) اهـ.
(٦) قرأ حمزة والكسائي دَكًّاءَ بالمد والهمز من غير تنوين، وقرأ الباقون: دَكًّا بالقصر والتنوين من غير مد ولا همز. انظرة "السبعة" ص ٢٩٣، و"المبسوط" ص ١٨٥، و"التذكرة" ٢/ ٤٢٥، و"التيسير" ص ١١٣، و"النشر" ٢/ ٢٧١ - ٢٧٢.
(٧) انظر: "معاني الأخفش" ٢/ ٣٠٩.
(٨) في (ب): (ومعنى).

صفحة رقم 336

قال أبو العباس: (ولا حاجة به إلى إضمار (مثل)، والمعنى: جعل الجبل أرضًا دكاء) (١).
فحصل من هذه الأقوال أن من قرأ دَكًّا بالتنوين كان الدك مصدرًا بمعنى المفعول على قول (٢) أبي إسحاق، وعلى قول الأخفش ويكون مصدرًا مؤكدًا؛ لأنه يقول معنى قوله: جَعَلَهُ دَكًّا. أي: دكه دكًا، ويجوز على قوله أيضًا أن يكون بمعنى: ذا دكٍ، أي: ذا كسر فحذف المضاف، ومن قرأ بالمدّ فعلى قول الأخفش (الدكاء) الناقة الذاهبة السنام، والمضاف محذوف، وعلى قول أبي العباس (الدكاء) الأرض غير الغليظة المرتفعة، ولا حاجة إلى تقدير المضاف (٣).
فأما التفسير فقال المفسرون (٤): (ساح في الأرض فهو يذهب حتى الآن). وهو قول الحسن (٥) وسفيان (٦)، وأبي بكر (٧) الهذلي (٨)، وهذا

(١) "تهذيب اللغة" ٢/ ١٢١٢ (دك).
(٢) لفظ: (قول) ساقط من (ب).
(٣) أكثرهم على أن من قرأ بالمد جعله صفة أي: جعل الجبل أرضًا ملساء دكاء ومن قرأ بالقصر والتنوين جعله مصدرًا.
انظر: "الحجة" لأبي علي ٤/ ٧٥، و"معاني القراءات" ١/ ٤٢٢، و"إعراب القراءات" ١/ ٢٠٥، و"الحجة" لابن خالويه ص ١٦٣، و"الكشف" ١/ ٤٧٥.
(٤) أكثرهم على أن معنى جعله: دَكًّا أي: مستويًا ألصقه بالأرض. انظر: "مجاز القرآن" ١/ ٢٢٨، و"غريب القرآن" لليزيدي ص ١٥٠، و"تفسير غريب القرآن" ص ١٨٠، و"نزهة القلوب" ص ٢٢٧، و"تفسير المشكل" ص ٨٧
(٥) ذكره الماوردي ٢/ ٢٥٨، عن الحسن وسفيان الثوري.
(٦) "تفسير سفيان الثوري" ص ١١٣، وأخرجه الطبري ٩/ ٥٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦١ من طرق جيدة عن سفيان الثوري.
(٧) أبو بكر الهذلي البصري مشهور بكنيته وهو سلمى بن عبد الله بن سلمى، وقيل اسمه: روح، روى عن الحسن البصري والشعبي وعكرمة وغيرهم، وهو علامة إخباري متروك الحديث، توفي سنة ١٦٧ هـ. انظر: "ميزان الاعتدال" ٤/ ٤٩٧، و"المغني" في الضعفاء ٢/ ٧٧٣، و"تهذيب التهذيب" ٤/ ٤٩٨.
(٨) أخرجه الطبري ٩/ ٥٣ بسند جيد.

صفحة رقم 337

على قراءة من قرأ بالمد، وقال الكلبي (١): جَعَلَهُ دَكًّا أي: كسرا جبالا صغارًا) (٢).
وروي هذا المعنى مرفوعًا عن أنس بن مالك أن النبي - ﷺ - قال في قوله جَعَلَهُ دَكًّا: (صار لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة، أحد وورقان، ورضوى (٣)، ووقع ثلاثة بمكة ثور (٤) وثبير وحراء) (٥).
وهذا التفسير يقوي قراءة من قرأ بالتنوين، والتفسير الموافق للقراءتين مما روي عن (٦) ابن عباس أنه قال: (جعله ترابًا) (٧). ونحو ذلك قول

(١) "تنوير المقباس" ٢/ ٢٢٥، وذكره الثعلبي ١٩٦ ب، والبغوي ٣/ ٢٧٨.
(٢) في (ب): أي: (كسرا جبالا لا صغار)، وهو تحريف.
(٣) أحد، بالضم: جبل أحمر بالمدينة المنورة في شمالها بينه وبينها قرابة ميل، انظر: "معجم البلدان" ١/ ١٠٩، وورقان بالفتح ثم الكسر جبل عظيم أسود على يمين المصعد من المدينة إلى مكة، انظر: "معجم البلدان" ٥/ ٣٧٢، ورضوى -بالفتح ثم السكون- جبل بالمدينة قرب ينبع، انظر: "معجم البلدان" ٣/ ٥١.
(٤) ثور، بالفتح ثم السكون: جبل مشهور بمكة خلفها على طريق اليمن، انظر: "معجم البلدان" ٢/ ٨٦، وثبير، بالفتح ثم الكسر وسكون الياء: جبل بمكة. انظر: "معجم البلدان" ٢/ ٧٢، وحراء، بالكسر والتخفيف والمد: جبل مشهور على ثلاثة أميال من مكة انظر: "معجم البلدان" ٢/ ٢٣٣.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٠، والواحدي في "الوسيط" ٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨ بسند ضعيف جدًّا، فيه، الجلد بن أيوب البصري متروك الحديث، انظر: "ميزان الاعتدال" ١/ ٤٢٠، و"المغني" في الضعفاء ١/ ١٣٥ "لسان الميزان" ٢/ ١٣٣، وذكر الحديث ابن كثير في "تفسيره" ٢/ ٢٧٢، وقال: (هذا حديث غريب بل منكر) وذكر الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٧/ ٢٤، نحوه عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - وقال: (وراه الطبراني في "الأوسط" وفيه طلحة بن عمرو المكي وهو متروك) اهـ. وذكره الشوكاني في "فتح القدير" ٢/ ٣٥٨، وزاد نسبته إلى (أبي الشيخ وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية والديلمي) وانظر: "الدر المنثور" ٣/ ٢٢١ - ٢٢٢.
(٦) في (ب): (ما روي عن أنس عن ابن عباس)، وهو تحريف.
(٧) أخرجه الطبري ٩/ ٥٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٠ بسند جيد.

صفحة رقم 338

مسروق: (صار صحراء (١) ترابًا) (٢).
وقوله تعالى: وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا. قال الليث: (الصعق مثل الغشي يأخذ الإنسان) (٣).
والصعقة الغشية، يقال: صعِق الرجل وصعَق، فمن قال: صعِق، قال: فهو صعِق، ومن قال: صعَق قال: فهو مصعوق، ويقال أيضا: صعق إذا مات، ومنه قال: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [الزمر: ٦٨] فسروه الموت، ومنه قوله: يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ [الطور: ٤٥] أي: يموتون، ويقال: أصعقته الصيحة أي: قتلته.
وأنشد الفراء:
أُحَادَ وَمَثْنَى أَصْعَقتها صوَاهِلُهْ (٤)
أي: قتلها صوته (٥).

(١) في: (ب): (صر صخرا ترابا) وهو تحريف.
(٢) ذكره الثعلبي في "الكشف" ١٩٦ ب.
(٣) "تهذيب اللغة" ٢/ ٢٠١٨، وانظر: "العين" ١/ ١٢٨، و"تأويل مشكل القرآن" ص ٥٠١.
(٤) الشاهد لابن مقبل في "ديوانه" ص ٢٥٢ وصدره:
ترى النُّعَرات الزرق تحت لَبَانه
وهو في: "إصلاح المنطق" ص ٢٠٥، و"المعاني الكبير" ص/ ٦٠٦، و"الأضداد" لابن الأنباري ص ٣٠٢، و"الصحاح" ٤/ ١٥٠٧ (صعق)، و"المخصص" ٨/ ١٨٤، و"اللسان" ٤/ ٢٤٥٠ (صعق)، وبلا نسبة في "معاني الفراء" ١/ ٢٥٥، ٣٤٥، و"مجالس ثعلب" ص ١٢٨، و"التكملة" لأبي علي ص ٤٢٥، والنُّعَرَات جمع نُعَرَة؛ ذباب يسقط على الدواب، واللبان الصدر، وصواهلة جمع صاهلة، وهو الصهيل والشاعر يصف فرسا بشدة صهيله وأنه يقتل الذباب.
(٥) النص كله من "تهذيب اللغة" ٨/ ٢٠١٢ - ٢٠١٩، وانظر: "الجمهرة" ٢/ ٨٨٥، و"المجمل" ٢/ ٥٣٣؛ و"مقاييس اللغة" ٣/ ٢٨٥، و"المفردات" ص ٤٨٤ (صعق).

صفحة رقم 339

فأما التفسير: فقال ابن عباس (١)، والحسن (٢)، وابن زيد (٣): (مغشيًّا عليه). وقال قتادة: (ميتًا) (٤).
والذي يدل على صحة قول ابن عباس قوله: فَلَمَّا أَفَاقَ.
قال الزجاج: (ولا يكاد يقال للميت: قد أفاق من موته، ولكن يقال للذي يغشى عليه والذي قد ذهب عقله: قد أفاق من علته؛ لأن الله عز وجل قال في الذين ماتوا: ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ (٥) [البقرة: ٥٦].
وقوله تعالى: سُبْحَانَكَ. أي: تنزيهًا لك (٦) من السوء. تُبْتُ إِلَيْكَ. أي: من مسألتي الرؤية. قاله (٧) الكلبي (٨) ومجاهد (٩)، والمعنى: من مسألتي الرؤية في الدنيا؛ لأن هذه القصة وقعت من مسألته الرؤية في

(١) أخرجه الطبري ٩/ ٥٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦١ من طرق جيدة.
(٢) ذكره الماوردي ٢/ ٢٥٨، وابن الجوزي ٣/ ٢٥٧ عن ابن عباس والحسن وابن زيد، وذكره البغوي ٣/ ٢٧٨ عن ابن عباس والحسن.
(٣) أخرجه الطبري ٩/ ٥٣ بسند جيد.
(٤) أخرجه الطبري ٩/ ٥٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦١ بسند جيد، وذكر النحاس في "معانيه" ٣/ ٧٥ عن قتادة أنه قال: (أي: مغشيًا عليه) اهـ.
(٥) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٧٣ ومثله ذكر الأزهري في "تهذيب اللغة" ٢/ ٢٠١٨ (صعق)، وهذا القول أظهر وهو اختيار الجمهور، قال ابن الأنباري في "الزاهر" ٢/ ١٢١: (فيه قولان: أحدهما: قد غُشي عليه، والقول الآخر قد مات. والأول هو الكثير المشهور) اهـ. وانظر: "تفسير غريب القرآن" ص ١٨٠، والطبري ٩/ ٥٣، وابن عطية ٦/ ٧١، وابن الجوزي ٣/ ٢٥٧، والرازي ١٤/ ٢٣٥.
(٦) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٣٧٤.
(٧) في (ب): (قال)، وهو تحريف.
(٨) "تنوير المقباس" ٢/ ١٢٥.
(٩) أخرجه سفيان الثوري في "تفسيره" ص ١١٣، عبد الرزاق ١/ ٢/٢٣٨، والطبري ٩/ ٥٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٢ من طرق جيدة.

صفحة رقم 340

الدنيا.
وقال أهل العلم: (إن الرؤية وإن كانت جائزة فإن موسى سألها من غير استئذان من الله تعالى، فلذلك (١) تاب لأنه كان بغير إذن، وهذا إجماع من الأمة أن توبته لم تكن عن معصية؛ لأن عندنا سأل الرؤية لنفسه، ولا يكون هذا (٢) السؤال عندنا معصية (٣)، وعند من خالفنا (٤): سأل الرؤية لقومه مع علمه أن ذلك لا يكون، أو سأل أمرًا عظيمًا، وكل واحد من هذين لا يكون معصية) (٥).
وقوله تعالى: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ. قال مجاهد: (وأنا أول قومي إيماناً) (٦)، وقاله السدي أيضًا (٧).

(١) في (ب): (فكذلك)، وهو تحريف.
(٢) في (ب): (لهذا)، وهو تحريف.
(٣) انظر: "تفسير الطبري" ٩/ ٥٥، وابن عطية ٦/ ٧١.
(٤) انظر: "الكشاف" ٢/ ١١٢ - ١١٦.
(٥) انظر: "تفسير الماوردي" ٢/ ٢٥٩، وابن الجوزي ٣/ ٢٥٧، وقال القرطبي ٧/ ٢٧٩: (أجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية، فإن الأنبياء معصومون، وأيضًا عند أهل السنة والجماعة الرؤية جائزة، وعند المبتدعة سأل لأجل القوم ليبين لهم أنها غير جائزة وهذا لا يقتضى التوبة، فقيل: أي تبت إليك من قتل القبطي، وقيل: قالها على جهة الإنابة إلى الله والخشوع له عند ظهور الآيات) اهـ.
(٦) أخرجه الطبري ٩/ ٥٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٢، من طرق جيدة.
(٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١٩٧ أ، والواحدي في "الوسيط" ٢/ ٢٣٨، والبغوي ٣/ ٢٧٩، عن مجاهد والسدي، وأخرجه الطبري ٩/ ٥٦، من طرق جيدة عن السدي عن عكرمة عن ابن عباس، وأخرج الطبري ٩/ ٥٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٢، من طرق جيدة عن ابن عباس قال: (أنا أول من آمن أنه لا يراك أحد من خلقك في الدنيا) اهـ.

صفحة رقم 341

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية