ﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺ

ولما جاء موسى إلى طور سيناء لميقاتنا اللام للاختصاص أي اختص مجيئه لميقاتنا أي وقتنا الذي وقّتنا له أن أكلمه فيه، قال : أهل التفسير إن موسى عليه السلام تطهر وطهر ثيابه لميعاد ربه وكلمه ربه في القصة أن الله أنزل ظلمة على سبعة فراسخ وطرد عنه الشياطين وطوّر هوام الأرض ونحى عنه الملكين وكشط له السماء فرأى الملائكة قياما في الهواء ورأى العرش بارزا فكلمه الله ونجاه حتى أسمعه وكان جبرئيل معه فلم يسمع ما كلمه ربه حتى سمع صرير القلم، قال البيضاوي : روي أن موسى كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة، قلت : معناه أنه لا يسمع من جهة وكان كلما يتوجه إلى جهة من الجهات يسمع ذلك الكلام بلا جهة من غير تفاوت فاستحلى موسى كلام ربه واشتاق إلى رؤيته و قال ربي أرني نفسك أنظر إليك قال : الحسن هاج به الشوق قال : الرؤية ظنا منه أنه يجوز أن يرى في الدنيا يعني قياسا على الرؤية في الآخرة.
قال الله تعالى : لن ترني ليس لبشر أن يطيق النظر إلي في الدنيا من نظر إلي في الدنيا مات فقال : إلهي سمعت كلامك فاشتقت إلى النظر إليك ولأن أنظر إليك ثم أموت أحب إلي من أن أعيش، ولا أراك، قال : السيوطي التعبير بلن تراني دون لا أرى يفيد إمكان الرؤية فقال الله تعالى : ولكن انظر إلى الجبل الآية وهو أعظم جبل بمدين يقال له زبير، قال السدي : لما كلم الله تعالى موسى غاص الخبيث إبليس في الأرض حتى خرج بين قدمي موسى فوسوس إليه وقال : إن من كلمك شيطان فعند ذلك سأل الرؤية، وفي هذه الآية دليل على إمكان الرؤية في الدنيا لأن طلب المستحيل من الأنبياء محال خصوصا ما يقتضي الجهل بالله تعالى وقوله لن تراني فيه دليل على عدم الوقوع له ما دامت الدنيا لا على عدم الوقوع له ولغيره فضلا من عدم الإمكان، والظاهر أن موسى من قبل نزول قوله لن تراني كان لا يعرف عدم الوقوع في الدنيا وليس هذا جهلا بالله تعالى بل ببعض أحكامه كما أن نوحا عليه السلام سأل ربه نجاة ابنه وإبراهيم عليه السلام مغفرة لأبيه ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم سأل مغفرة أبي طالب حتى نزل قوله تعالى : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى (١) الآية، وسأل مغفرة بعض المنافقين حتى نزل : استغفر لهم أو لا تستغفر إن تستغفر لهم سبعين مرة (٢) وحتى نزل : ولا تصلي على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره (٣) كل ذلك لعدم اطلاعهم على عدم وقوع الاستجابة مع كفر المدعو لهم. واستدل نفاة الرؤية بقوله تعالى لن ترني قالوا لن للتأكيد، قلنا ليس كذلك بل هي لتأكيد نفي الرؤية المسؤولة في الدنيا ألا ترى أن قوله تعالى ولن يتمنوه أبدا (٤) إخبار عن اليهود وقد أخبر عن الكفرة بتمنيهم الموت في الآخرة حيث قال : ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك (٥) وقال : يا ليتها كانت القاضية ( ٢٧ ) (٦) ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا (٧) والقول بأن سؤال موسى عليه السلام الرؤية كان لتبكيت قومه حين قالوا : أرنا الله جهة (٨)خطأ فاحش فإن ذلك وقعة أخرى وقد عذبهم الله تعالى على ذلك القول فأخذتهم الصاعقة بظلمهم حيث لم يكونوا مستحقين لها ولم يكن أحد من قوم موسى معه حين كلمه الله تعالى وأعطاه التوراة وسأل ربه الرؤية ولم يعاتب على موسى على ذلك السؤال لاستحقاقه وإنما نفى الرؤية لعدم احتمالها للنية الدنيوية وقال : ولكن انظر إلى الجبل الآية، وأيضا لو كانت الرؤية ممتنعة وكان هذا السؤال لتبكيت قومه لوجب على موسى أن يجهلهم ويزيح شبهتهم كما فعل بهم حين قالوا اجعل لنا إلها وكيف يتبع موسى سبيلهم لو كان ممتنعا وقد قال : لأخيه ولا تتبع سبيل المفسدين وقوله تعالى : ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني استدراك يريد أن يبين به أنه لا يطيقه كما لا يطيق الجبل، وفي تعليق الرؤية بالاستقرار أيضا دليل على الجواز ضرورة أن المعلق على الممكن ممكن، قال : وهب وابن إسحاق : لما سأل موسى ربه الرؤية أرسل الله الضباب والصواعق والظلمة والرعد والبرق وأحاطت بالجبل الذي عليه موسى إلى أربعة فراسخ من كل جانب وأمر الله تعالى ملائكة السماوات أن يعترضوا على موسى فمرت به ملائكة السماء الدنيا كثيران البقر تنبع أفواههم بالتسبيح والتقديس بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد، ثم أمر الله ملائكة السماء الثانية أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه فهبطوا عليه أمثال الأسود لهم لجب بالتسبيح والتقديس ففزع العبد الضيف ابن عمران مما رأى وسمع واقشعرت كل شعره في رأسه وجسده، ثم قال : لق د ندمت على مسألتي فهل يجنبني من مكاني الذي أنا فيه شيء، فقال خير الملائكة ورأسهم يا موسى اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت، ثم أمر الله الملائكة السماء الثالثة أن اهبطوا على موسى اعترضوا عليه فهبطوا أمثال الأسود ولهم قصف ورجف ولجب شديد وأفواههم تتبع بالتسبيح والتقديس كجلب الجيش العظيم ألوانهم كلهب النار ففزع موسى واشتد نفسه وأيس من الحياة، فقال له خير الملائكة يا ابن عمران مكانك حتى ترى ما لا تصبر عليه، ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء الرابعة أن اهبطوا واعترضوا على موسى ابن عمران وكان لا يشبههم شيء من الذين مروا به قبلهم ألوانهم كلهب النار وسائر خلقهم كالثلج الأبيض أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مروا به قبلهم فاصطكت ركبتاه وأرعد قلبه واشتد بكاؤه، فقال له خير الملائكة ورأسهم يا ابن عمران اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيته، ثم أمر الله ملائكة السماء الخامسة أن اهبطوا واعترضوا على موسى فهبطوا عليه سبعة ألوان فلم يستطيع موسى أن يتبعهم بصره لما لم ير مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم فامتلأ جوفه واشتد حزنه وكثر بكاؤه، فقال له الملائكة يا ابن عمران مكانك حتى ترى ما لا تصبر عليه، ثم أمر الله ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على عبدي الذي طلب ليراني فاعترضوا عليه، وفي يد كل ملك مثل النخلة الطويلة نار أشد ضوءا من الشمس ولباسهم كلهب النار إذا سبحوا وقدسوا جاؤا بهم من كان قبلهم من ملائكة السماوات كلهم يقولون لشدة أصواتهم سبوح قدوس رب الملائكة والروح رب العزة أبدا لا يموت في رأس كل ملك منهم أربعة أوجه، فلما رآهم موسى رفع صوته يسبح حين سبحوا وهو يبكي ويقول رب اذكرني ولا تنس عبدك لا أدري أنفلت مما أنا فيه أم لا إن خرجت احترقت وإن مكثت مت، فقال له كبير الملائكة ورأسهم قد أوشكت يا ابن عمران أن يشتد خوفك وينخلع قلبك فاصبر للذي سألت، ثم أمر الله أن يحمل عرشه في ملائكة السماء السابعة فلما بدأ نور العرش انفرج الجبل من عظمة الرب جل جلاله فرفعت ملائكة السماء أصواتهم جميعا يقولون سبحان الملك القدوس رب العزة أبدا لا يموت فارتج الجبل بشدة أصواتهم واندكت كل شجرة كانت فيه وخر العبد الضعيف موسى صعقا على وجهه ليس معه روحه فأرسل الله برحمته الروح فتعشاه وقلب عليه الحجر الذي كان عليه موسى وجعل كهيئة القبة لئلا يحترق موسى فأقامه الروح مثل الأم فقال موسى آمنت بك ربي وصدقت أنه لا يراك أحد فيحي من نظر إلىّ لا يعد لك شيء ولا يقوم لك شيء رب تبت إليك الحمد لك لا شريك لك ما أعظمك وما أجلك رب العالمين فلما تجلى ربه أي ظهر وانكشف بعض أنواره، قال : السيوطي أظهر من نوره قدر نصف أنملة الخنصر كذا في حديث صححه الحاكم للجبل قالت الصوفية التجلي ظهور الشيء في المرتبة الثانية كظهور زيد في المرآة وليس هو رؤية الذات فإن الله سبحانه لما نفى الرؤية لموسى بالتأكيد مع كونه أقوى استعدادا من الجبل لا يتصور حصوله للجبل، قال : الله تعالى : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنس (٩) قال : ابن عباس ظهر نوره للجبل، وقال : الضحاك أظهر الله من نوره الحجب مثل منخر ثور، وقال : عبد الله ابن سلام وكعب الأحبار ما تجلى من عظمة الله للجبل الأمثل سم الخياط حتى صار دكا، وقال : السدي ما تجلى إلا قدر الخنصر يدل عليه ما روى أحمد والترمذي والحاكم وصححاه عن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ هذه الآية وقال هكذا ووضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل وخر موسى صعقا )(١٠) وأخرج أبو الشيخ بلفظ وأشار بالخنصر فمن نورها جعله دكا، وحكي عن سهل بن سعد الساعدي أن الله أظهر من سبعين ألف حجاب من نور قدر الدرهم فجعل الدرهم للجبل دكا جعله دكا قرأ حمزة والكسائي دكاء بالمد والهمز بغير تنوين أي أيضا مستوية ومنه ناقة دكاء التي لا سنام لها، وقرأ الباقون دكّا بالتنوين بغير همز أي مدكوكا مفتتا والدك والدق أخوان، قال : في القاموس الدك والدق والهدم ما استوى من الرمل، قال : ابن عباس جعله ترابا قال : ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر فهو يذهب فيه، وقال عطية العوفي صار رملا هائلا، وقال : الكلبي : جعله دكا أي كسرا جبالا صغارا، قال : البغوي : وقع في التفاسير صارت لعظمته ستة أجبل وقعت ثلاثة بالمدينة أحد وورقان ورضوى ووقعت ثلاثة بمكة ثور وثبير وحراء، قال : السعاف في تخريج البيضاوي أخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله تعالى : فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا قال : أسمع موسى قال : له إنني أنا الله قال : وذاك عشية عرفة وكان الجبل بالموقف فانقطع على سبع قطع قطعة أسقطت بين يديه وهو الذي يقوم الإمام عنده في الموقف وبالمدينة ثلاثة طيبة وأحد ورضوى وطور سيناء بالشام وإنما سمي الطور لأنه طار في الهواء إلى الشام، قلت : الرواية غريبة جدا فإن تكلم الله تعالى بموسى عليه السلام وإعطائه التوراة كان بالشام على طور سيناء دون مكة والله أعلم وخر موسى صعقا قال : ابن عباس والحسن مغشيا عليه وقال : قتادة ميتا، قال : الكلبي : خر موسى صعقا يوم الخميس يوم عرفة فأعطي التوراة يوم الجمعة يوم النحر، قال : الواقدي لما خر موسى صعقا قال : ملائكة السماوات ما لابن عمران وسؤال الرؤية فلما أفاق موسى من صعقته قال تعظيما لما رأى سبحانك تبت إليك من الجرأة والإقدام على السؤال بغير إذن وأنا أول المؤمنين لأن إيمان كل نبي مقدم إيمان أمته

١ سورة التوبة، الآية: ١١٣..
٢ سورة التوبة، الآية ٨٠..
٣ سورة التوبة، الآية: ٨٤.
٤ سورة البقرة: الآية ٩٥..
٥ سورة الزخرف، الآية: ٧٧..
٦ سورة الحاقة، الآية: ٢٧..
٧ سورة النبأ، الآية: ٤٠..
٨ سورة النساء، الآية: ١٣.
.

٩ سورة الأحزاب، الآية: ٧٢..
١٠ أخرجه الترمذي في كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الأعراف (٣٠٧٣)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير