اللام في لميقاتنا للاختصاص، أي كان مجيئه مختصاً بالميقات المذكور، بمعنى أنه جاء في الوقت الموعود وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ أي أسمعه كلامه من غير واسطة. قوله : أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ أي، أرني نفسك أنظر إليك : أي سأله النظر إليه اشتياقاً إلى رؤيته لما أسمعه كلامه. وسؤال موسى للرؤية يدلّ على أنها جائزة عنده في الجملة. ولو كانت مستحيلة عنده لما سألها. والجواب بقوله : لَن تَرَانِي يفيد أنه لا يراه هذا الوقت الذي طلب رؤيته فيه، أو أنه لا يرى ما دام الرائي حياً في دار الدنيا. وأما رؤيته في الآخرة فقد ثبتت بالأحاديث المتواترة تواتراً لا يخفى على من يعرف السنة المطهرة، والجدال في مثل هذا والمراوغة لا تأتي بفائدة، ومنهج الحق واضح. ولكن الاعتقاد لمذهب نشأ الإنسان عليه وأدرك عليه آباءه وأهل بلده، مع عدم التنبه لما هو المطلوب من العباد من هذه الشريعة المطهرة يوقع في التعصب، والمتعصب وإن كان بصره صحيحاً فبصيرته عمياء، وأذنه عن سماع الحق صماء، يدفع الحق، وهو يظنّ أنه ما دفع غير الباطل، ويحسب أن ما نشأ عليه هو الحق، غفلة منه وجهلاً بما أوجبه الله عليه من النظر الصحيح، وتلقي ما جاء به الكتاب والسنة بالإذعان والتسليم. وما أقلّ المنصفين بعد [ ظهور ] هذه المذاهب في الأصول والفروع فإنه صار بها باب الحقّ مرتجاً، وطريق الإنصاف مستوعرة، والأمر لله سبحانه، والهداية منه :
يأبى الفتى إلا اتباع الهوى *** ومنهج الحق له واضح
وجملة : قَالَ لَن تَرَانِي مستأنفة، لكونها جواباً لسؤال مقدّر، كأنه قيل : فما قال الله له ؟ والاستدراك بقوله : ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي معناه أنك لا تثبت لرؤيتي، ولا يثبت لها ما هو أعظم منك جرماً وصلابة وقوّة، وهو الجبل، فانظر إليه فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ ولم يتزلزل عند رؤيتي له فَسَوْفَ تَرَانِي وإن ضعف عن ذلك، فأنت منه أضعف. فهذا الكلام بمنزلة ضرب المثل لموسى عليه السلام بالجبل. وقيل : هو من باب التعليق بالمحال. وعلى تسليم هذا فهو في الرؤية في الدنيا لما قدّمنا.
وقد تمسك بهذه الآية كلا طائفتي المعتزلة والأشعرية. فالمعتزلة استدلوا بقوله : لَن تَرَانِي ، وبأمره بأن ينظر إلى الجبل. والأشعرية قالوا : إن تعليق الرؤية باستقرار الجبل يدلّ على أنها جائزة غير ممتنعة. ولا يخفاك أن الرؤية الأخروية هي بمعزل عن هذا كله. والخلاف بينهم هو فيها لا في الرؤية في الدنيا، فقد كان الخلاف فيها في زمن الصحابة، وكلامهم فيها معروف.
قوله : فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّا تجلى معناه : ظهر، من قولك جلوت العروس، أي أبرزتها.
وجلوت السيف : أخلصته من الصدأ، وتجلى الشيء : انكشف. والمعنى : فلما ظهر ربه للجبل جعله دكاً. وقيل المتجلي : هو أمره وقدرته، قاله قطرب وغيره. والدك مصدر بمعنى المفعول، أي جعله مدكوكاً مدقوقاً فصار تراباً، هذا على قراءة من قرأ دكاً بالمصدر. وهم أهل المدينة وأهل البصرة. وأما على قراءة أهل الكوفة جَعَلَهُ دَكَّاء على التأنيث، والجمع دكاوات، كحمراء وحمراوات، وهي اسم للرابية الناشزة من الأرض، أو للأرض المستوية. فالمعنى : أن الجبل صار صغيراً كالرابية، أو أرضاً مستوية. قال الكسائي الدك : الجبال العراض واحدها أدك. والدكاوات جمع دكاء، وهي رواب من طين ليست بالغلاظ، والدكادك : ما التبد من الأرض فلم يرتفع، وناقة دكاء : لا سنام لها.
وَخَرَّ موسى صَعِقًا أي مغشياً عليه مأخوذاً من الصاعقة. والمعنى : أنه صار حاله لما غشي عليه كحال من يغشى عليه عند إصابة الصاعقة له. يقال صعق الرجل، فهو صعق ومصعوق، إذا أصابته الصاعقة فَلَمَّا أَفَاقَ من غشيته قَالَ سبحانك أي أنزهك تنزيهاً من أن أسأل شيئاً لم تأذن لي به تُبْتُ إِلَيْكَ عن العود إلى مثل هذا السؤال. قال القرطبي : وأجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية، فإن الأنبياء معصومون. وقيل : هي توبة من قتله للقبطي، ذكره القشيري. ولا وجه له في مثل هذا المقام وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين بك قبل قومي الموجودين في هذا العصر المعترفين بعظمتك وجلالك.
وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله : قَالَ رَبّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ يقول : أعطني أنظر إليك. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، في الآية، قال : لما سمع الكلام طمع في الرؤية.
وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، قال : حين قال موسى لربه تبارك وتعالى رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ قال الله : يا موسى إنك لن تراني، قال يقول : ليس تراني ولا يكون ذلك أبداً، يا موسى إنه لن يراني أحد فيحيا، قال موسى ربّ إني أراك ثم أموت، أحبّ إليّ من أن لا أراك ثم أحيا، فقال الله لموسى : يا موسى انظر إلى الجبل العظيم الطويل الشديد فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ يقول : فإن ثبت مكانه لم يتضعضع، ولم ينهدّ لبعض ما يرى من عظمتي فَسَوْفَ تَرَانِي أنت لضعفك وذلتك، وإن الجبل انهدّ بقوّته وشدته وعظمته، فأنت أضعف وأذلّ.
وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عدي في الكامل، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في كتاب الرؤية من طرق، عن أنس بن مالك : أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّا قال :" هكذا، وأشار بأصبعيه ووضع إبهاميه على أنملة الخنصر. وفي لفظ على المفصل الأعلى من الخنصر. فساخ الجبل وَخَرَّ موسى صَعِقًا وفي لفظ، فساخ الجبل في الأرض، فهو يهوى فيها إلى يوم القيامة "، وهذا الحديث حديث صحيح على شرط مسلم. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، قال : الجبل الذي أمره الله أن ينظر إليه الطور.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في كتاب الرؤية، عن ابن عباس فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ قال : ما تجلى منه إلا قدر الخنصر جَعَلَهُ دَكّا قال : تراباً وَخَرَّ موسى صَعِقًا قال : مغشياً عليه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والديلمي، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«لما تجلى الله للجبل طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة بالمدينة : أحد وورقان ورضوى، وبمكة : حراء وثبير وثور». وأخرج الطبراني في الأوسط، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال :«لما تجلى الله لموسى، تطايرت سبعة أجبل، ففي الحجاز خمسة منها، وفي اليمن اثنان، في الحجاز : أحد وثبير وحراء وورقان، وفي اليمن : حضور وصبر» وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن عباس، أن موسى لما كلمه ربه أحبّ أن ينظر إليه فسأله فقال : لَن تَرَانِي ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ قال : فحفّ حول الجبل الملائكة، وحفّ حول الملائكة بنار، وحف حول النار بملائكة، وحفّ حولهم بنار، ثم تجلى ربه للجبل تجلى منه مثل الخنصر، فجعل الجبل دكاً وخرّ موسى صعقاً، فلم يزل صعقاً ما شاء الله، ثم أفاق فقال : سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين من بني إسرائيل.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ عن عليّ ابن أبي طالب، قال : كتب الله الألواح لموسى، وهو يسمع صريف الأقلام في لوح. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«الألواح التي أنزلت على موسى كانت من سدر الجنة، كان طول اللوح إثني عشر ذراعاً» وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد ابن جبير، قال كانوا يقولون كانت الألواح من ياقوتة. وأنا أقول : إنما كانت من زمرّد وكتابها الذهب، كتبها الله بيده، فسمع أهل السموات صريف الأقلام.
أقول : رحم الله سعيداً، ما كان أغناه عن هذا الذي قاله من جهة نفسه، فمثله لا يقال بالرأي ولا بالحدس، والذي يغلب به الظن أن كثيراً من السلف رحمهم الله كانوا يسألون اليهود عن هذه الأمور. فلهذا اختلفت واضطربت، فهذا يقول من خشب، وهذا يقول من ياقوت. وهذا يقول من زمرّد، وهذا يقول من زبرجد، وهذا يقول من برد، وهذا يقول من حجر.
وأخرج أبو الشيخ، عن السدي وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح مِن كُلّ شَيْء كل شيء أمروا به ونهوا عنه. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، مثله. وقد اختلف السلف في المكتوب في الألواح اختلافاً كثيراً. ولا مانع من حمل المكتوب على جميع ذلك لعدم التنافي.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ قال بجدّ وحزم سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين قال : دار الكفار. وأخرج ابن جرير عنه وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا قال : أمر موسى أن يأخذها بأشدّ مما أمر به قومه. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ قال : بطاعة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن السدي في قوله : فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ يعني : بجدّ واجتهاد وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا قال : بأحسن ما يجدون منها.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين قال : مصيرهم في الآخرة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن قتادة، قال : منازلهم في الدنيا. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن، قال : جهنم. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، قال : مصر.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي، في قوله : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتي قال : عن أن يتفكروا في آياتي. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج عَنْ آياتي قال : عن خلق السموات والأرض، والآيات التي فيها، سأصرفهم عن أن يتفكروا فيها أو يعتبروا. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سفيان بن عيينة في الآية قال : أنزع عنهم فهم القرآن.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني