ﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺ

تفسير المفردات : جلا الشيء والأمر وانجلى وتجلى وجلاه فتجلى : إذا انكشف ووضح بعد خفاء في نفسه أو على مجتليه وطالبه، والدك : الدق، والخر والخرور : السقوط من علو، والانكباب على الأرض كما قال : يخرون للأذقان سجدا [ الإسراء : ١٠٧ ] وصعقا : أي صاعقا صائحا مغشيا عليه، وأفاق : أي رجع إليه عقله وفهمه بعد ذهابهما بالغشيان.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه ما أنعم به على بني إسرائيل من النجاة من العبودية ومن جعلهم أمة حرة مستقلة قادرة على القيام بما شرعه الله لها من العبادات والأحكام ـ ذكر هنا بدء وحي الشريعة لموسى عليه السلام ممتنا عليهم بما حصل لهم من الهداية بتكليم موسى وإعطائه التوراة، وفيها تفاصيل شرعهم وبيان ما يقربهم من ربهم من الأحكام، وقد روي أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهو بمصر، إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب، فبينت هذه الآية كيفية نزول هذا الكتاب وهو التوراة.
الإيضاح : ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك أي ولما جاء موسى للميقات الذي وقت له للكلام وإعطاء الشريعة وكلمه ربه من وراء حجاب بغير واسطة ملك استشرفت نفسه للجمع بين فضيلتي الكلام والرؤية فقال : رب أرني ذاتك المقدسة واجعل لي من القوة على حمل تجليك ما أقدر به على النظر إليك وكمال المعرفة بك.
قال لن تراني أي قال له : إنك لا تراني الآن ولا فيما يستقبل من الزمان، إذ ليس لبشر أن يطيق النظر إليّ في الدنيا.
ثم أتى بما هو كالعلة لذلك ( ليخفف عن موسى شدة وطأة الرد بإعلامه ما لم يكن يعلم من سننه ) وهو أن شيئا في الكون لا يقوى على رؤيته كما جاء في حديث أبي موسى الذي رواه مسلم وهو قوله صلى الله عليه وسلم :( حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه أنواره ما انتهى إليه بصره من خلقه )
فقال :
ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني أي فإن ثبت لدي التجلي وبقي مستقرا في مكان فسوف تراني إذ هو مشارك لك في مادة العالم الفاني، وإذا كان الجبل في قوته وثباته لا يستطيع أن يثبت ويستقر لأن مادته غير مستعدة لقوة تجلي خالقه وخالق كل شيء فاعلم أنك لن تراني أيضا وأنت مشارك في كونك مخلوقا من هذه المادة وخاضعا للسنن الربانية في ضعف استعدادها وقبولها للفناء.
وروي عن ابن عباس أنه قال حين قال موسى لربه تبارك وتعالى : أرني أنظر إليك قال له يا موسى إنك لن تراني يقول : ليس تراني، لا يكون ذلك أبدا، يا موسى إنه لن يراني أحد فيحيا، قال موسى : رب أن أراك ثم أموت أحب إلي من ألا أراك ثم أحيا، فقال الله : يا موسى انظر إلى الجبل الطويل العظيم الشديد فإن استقر مكانه يقول فإن ثبت مكانه لم يتضعضع ولم ينهد لبعض ما يرى من عظمي فسوف تراني أنت لضعفك وذلتك، وإن الجبل تضعضع وانهد بقوته وشدته وعظمته فأنت أضعف وأذل.
فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صاعقا أي فلما تجلى ربه للجبل أقل التجلي وأدناه انهد وهبط وصار كالأرض المدكوكة أو الناقة الدكاء، وسقط موسى على وجهه مغشيا عليه كمن أخذته الصاعقة، والتجلي إنما كان للجبل دونه فما بالك لو كان له.
روي أنه ساخ : أي أنه رج بالتجلي رجا، بست به حجارته بسا، وساخ في الأرض كله أو بعضه في أثناء ذلك حين صار ربوة دكاء وكان كالرمل المتلبد.
فلما أفاق قال سبحانه تبت إليك وأنا أول المؤمنين أي فلما أفاق من غشيه قال سبحانك : أي تنزيها لك وتقديسا عما لا ينبغي في شأنك مما سألت.
وأكثر المفسرين يجعلون وجه التنزيه والتوبة بأنه سأل الرؤية بغير إذن من الله تعالى فتاب ورجع عما طلب.
قال مجاهد : تبت إليك أن أسألك الرؤية : وأنا أول المؤمنين أي من بني إسرائيل، وفي رواية عن ابن عباس : وأنا أول المؤمنين أنه لا يراك أحد.
والخلاصة : إن موسى لما نال فضيلة التكليم بلا واسطة فسمع من عالم الغيب ما لم يسمع من قبل تاقت نفسه أن يمنحه الرب شرف رؤيته فطلب ذلك منه وهو يعلم أنه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته التي منها كلامه، ولكن الله تبارك وتعالى قال له : لن تراني ولكي يخفف عليه ألم الرد أراه بعينه من تجليه للجبل ما فهم منه أن المانع من جهته لا من جانب الفيض الإلهي، حينئذ نزه الله وسحبه وتاب إليه من هذا الطلب، فبشره بأنه اصطفاه على الناس برسالته وبكلامه وأمره أن يأخذ ما أعطاه ويكون من الشاكرين له كما قال : قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي .

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير