ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟ

ثم أجاب الحق سبحانه وتعالى سؤال موسى عليه السلام في قوله : واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة فقال :
. . . قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
الذين يتبعون الرسول صلى الله عليه وسلم النبي الأميَّ وهو نبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، وكونه أُميًّا شرفٌ له، إذ الكتابة وسيلة للعلوم، وقد أُعطي منها ما لم يُعطَ أحَدٌ من العالمين، من غير تعب تعلمها، ولارتفاع الارتياب في نبوته صلى الله عليه وسلم، فهي من جملة معجزاته ؛ قال تعالى : وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ. . . [ العَنكبوت : ٤٨ ] الآية. قال بعضهم : لما قال الله تعالى : ورحمتي وسعت كل شيء طمع فيها كل أحد، حتى إبليس، فلما قال : فسأكتبها للذين يتقون يئس إبليس، وبقيت اليهود والنصارى، فلما قال : الذين يتبعون الرسول النبي الأميّ يئس اليهود والنصارى. ه.
الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل اسمًا وصفة، ونص ما في التوراة على ما في صحيح البخاري، عن عبد الله بن سلام :" يا أيُّهَا النَبِيُّ إنَّا أرسلَنَاكَ شَاهِدًا ومُبَشَّرًا ونَذِيرًا، وحِرزًا للأمِّيينَ، أنتَ عَبدِي ورَسُولِي، سَمَّيتُكَ المُتَوكلَ، لِيسَ بفظٍ ولا غليظ ولا صَخَّابِ في الأسوَاقُ، ولا يُجَازِي بالسَّيِّئةَ السَّيِّئة، ولكِن يَعَفُو ويَصفَحُ، ولَن يَقبِضَهُ الله حَتَّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوجاءَ ؛ بِأن يَقُولُوا : لا إله إلاَّ الله، فَيفَتَح بِها أعيُنًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، وقُلُوبًا غُلفًا١ ".
ومما في التوراة أيضًا، وهو مما أجمع عليه أهل الكتاب، وهو باق في أيديهم إلى الآن ؛ أن الملك قد نزل على إبراهيم، فقال له : في هذا العام يولد لك غلام اسمه إسحاق، فقال إبراهيم : يا رب ليت إسماعيل يعيش يخدمك، فقال الله لإبراهيم : ذلك لك، قد استجيب لك في إسماعيل، وأنا أباركه، وأنميه، وأكثره، وأعظمه بما ذماذ، وتفسيره : محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن ذلك مما في التوراة أيضًا : أن الرب تعالى جاء من طور سيناء، وطلع على " ساغين "، وظهر من جبل فاران، ويعني طور سيناء : موضع مناجاة موسى، وساغين موضع عيسى، وفاران هي مكة، موضع مولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي التوراة أيضًا : أن هاجر أم إسماعيل لما غضبت عليها سارة، تراءى لها ملكٌ، فقال لها : يا هاجر، أين تريدين، ومن أين أقبلتِ ؟ فقالت : أهرب من سيدتي سارة، فقال لها : يا هاجر، ارجعي إلى سارة، وستحملين وتلدين ولدًا اسمه إسماعيل، وهو يكون عَين الناس، وتكون يده فوق الجميع، وتكون يد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع. ه.
وهذا الذي وعدها الملك إنما ظهر بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وظهور دينه وعلو مكانه، ولم يكن ذلك لإسماعيل ولا لغيره من أولاده، لكن الأصل يشرف بشرف فرعه، وفي التوراة أيضًا : أن الله أوحى إلى إبراهيم عليه السلام : قد أجبت دعاءك في إسماعيل، وباركت عليه، وسيلد اثني عشر عظيمًا، وأجعله لأمة عظيمة. وفي بعض كتبهم : لقد تقطعت السماء من بهاء مُحمدٍ المحمود، وامتلأت الأرض من حمده، لأنه ظهر بخلاص أمته. ه. ونص ما في الإنجيل : أن المسيح قال للحواريين : إني ذاهب عنكم، وسيأتيكم الفارقَليط، الذي لا يتكلم من قِبل نفسه، إنما يقول كما يقال له. ه. والفارقليط بالعبرانية : اسم محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل معناه : الشافع المشفع.
وعن شَهر بن حَوشبٍ في قصة إسلام كعب الأحبار، وهو من اليمن من حمير : أن كعبًا أخبره بأمره، وكيف كان ذلك، وكان أبوه من مؤمني أهل التوراة برسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل ظهوره، قال كعب : وكان أبي من أعلم الناس بالتوراة وكُتب الأنبياء، ولم يكن يدخر عني شيئًا مما كان يعلم، فلما حضرته الوفاة دعاني فقال : يا بني، قد علمتَ أني لم أكن أدخر عنك شيئًا مما كنتُ أعلم، إلا أني حَبَستُ عنك ورقتين فيهما ذكر نبي يُبعث، وقد أطل زمانه، فكرهت أن أخبرك بذلك، فلا آمن عليك بعد وفاتي أن يخرج بعض هؤلاء الكاذبين فتتبعه، وقد قطعتهما من كتابي، وجعلتهما في هذه الكوة التي ترى، وطينت عليهما، فلا تتعرض لهما حتى يخرج هذا النبي، فإذا خرج فاتبعه وانظر فيهما، فإن الله تعالى يزيدك بهذا خيرًا، فلما مات والدي لم يكن شيء أحب إليّ من أن ينقضي المأتم حتى أنظر ما في الورقتين، فإذا فيهما :" محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاتم النبيين لا نبي بعده، مولده بمكة، ومهاجره طيبة، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يجزي بالسيئة الحسنة، ويعفو ويغفر ويصفح، أمته الحمَّادون، الذين يحمدون الله على كل شرف وعلى كل حال، وتُذلل ألسنتهم بالتكبير، وينصر الله نبيهم على كل من ناوأه، يغسلون فروجهم بالماء، ويتأزرون على أوساطهم، وأنَاجِيلُهُم في صدورهم، ويأكلون قربانهم في بطونهم، ويؤجرون عليها، وتراحمهم بينهم تراحم بني الأم والأب، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم، وهم السابقون المقربون، والشافعون المشفع فيهم " ٢. ثم أسلم على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
يقول الحقّ جلّ جلاله : في بقية أوصاف نبينا عليه الصلاة والسلام : يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويُحِلُّ لهم الطيبات مما حرم على اليهود ؛ كالشحوم وغيرها، ويُحرَّم عليهم الخبائث كالدم والحم الخنزير وسائر الخبائث، أو كالربا والرشوة وغيرهما من المحرمات. قال ابن جزي : مذهب مالك أن الطيبات هي الحلال، وأن الخبائث هي الحرام. ومذهب الشافعي : أن الطيبات هي المستلذات، إلا ما حرمه الشرع منها، كالخمر والخنزير، وأن الخبائث هي المستقذرات كالخنافس والعقارب. ه.
ويضعُ عنهم إصرَهم أي : الثقل الذي عليهم، وهو مثال لما كُلفوا به أي : بنو إسرائيل في شرعهم من المشقات ؛ كقتل الأنفس في التوبة، وقطع موضع النجاسة من الثوب، وتعيين القصاص في العمد والخطأ. والأغلال التي كانت عليهم ؛ عبارة عما منعت منه شريعتهم، كتحريم الشحوم، وتحريم العمل يوم السبت وشبه ذلك. فالذين آمنوا به وعزّرُوه أي : منعوه وحفظوه من عدوه، حتى لا يقوى عليه، أو عظموه بالتقوية حتى انتصر، وأصله : المنع، ومنه التعزير، ونصروه حتى أظهروا دينه في حياته وبعد مماته، واتبعوا النورَ الذي أُنزل معه وهو القرآن، وإنما سماه نورًا ؛ لأنه بإعجازه ظاهر أمره ومظهر غيره، أو لأنه كاشف للحقائق مظهر لها.
أولئك هم المفلحون الفائزون بالرحمة الأبدية، وهذا آخر جواب سيدنا موسى عليه السلام.
الإشارة : قوله تعالى ورحمتي وسعت كل شيء ، قال القشيري : لم يُعَلَّقها بالمشيئة يعني : كما قال في العذاب لأنها نفس المشيئة، ولأنها قديمة، والإرادة لا تتعلق بالقديم، فلمَّا كان العذاب من صفات الفعل علَّقه بالمشيئة، بعكس الرحمة لأنها من صفات الذات. ويقال في قوله تعالى : وسعت كل شيء : مجالٌ لآمال العُصَاة ؛ لأنهم، وإن لم يكونوا من جملة المطيعين العابدين والعارفين، فيهم " شيء ". ه.
قلت : وبهذا العموم تشبث إبليس في قضية له مع سهل، وذلك أنه لما تراءى له، ضحك، فقال له : كيف تضحك وقد أبلست من رحمة الله ؟ فقال له : قال تعالى : ورحمتي وسعت كل شيء وأنا شيء فسكت سهل، ثم تذكر تما الآية، فقال : قال تعالى : فسأكتبها للذين يتقون ، فهي مُقيدة لا مطلقة، فقال له : التقوى فعل العبد، والرحمة صفة الرب، ولا يتغير وصف الحق بفعل العبد، فعجز سهل.
قلت : والجواب : أن إبليس جاء من جهة الفرق، ولو نظر للجمع لوجد الرحمة وصفه، والتقوى فعله، وفعله يغير وصفه، والكل منه وإليه. والله تعالى أعلم.
وقال الورتجبي : جميع الخلائق مستغرقون في بحر الرحمة، لأن إيجاد الحق إياهم، على أي : وصف كانوا، عين رحمته، حيث دخلوا تحت نظره وسلطانه وربوبيته، ومباشرة قدرته فيهم، ثم إن الخلق بالتفاوت في الرحمة فالجمادات مستغرقة في نور فعله، وهي الرحمة الفعلية، والحيوانات مستغرفة في نور صفاته، وهي الرحمة الصفاتية، والعقلاء من الجن والإنس والملائكة مستغرقون في نور ذاته، وهي الرحمة القديمة الذاتية من جهة تعريفهم ربوبيته ووحدانيته، وهم من جهة الأجسام وما يجري عليها، في الرحمة العامة، ومن جهة الأرواح وما يجري عليها، في الرحمة الخاصة، وهم فيها بالتفاوت، فبعضهم في رؤية العظمة ذابوا، وبعضهم في رؤية القدم والبقاء تاهوا، وبعضهم في رؤية الجلال والجمال عشقوا وطاشوا، ومن خرج من مقام الرحمة إلى أصل الصفة، ومن الصفة إلى أصل الذات استغرق في الراحم، وفنى عن الرحمة، فصار رحمة للعالمين، وهذا وصف نبينا عليه الصلاة والسلام، لأنه وصل بالكل إلى الكل، فوصفه برحمة الكل بقوله :
وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إَلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [ الأنبيَاء : ١٠٧ ]، ثم خص رحمته الخاصة الصفاتية، بعد أن عم الكل برحمته العامة للمنفردين بالله عن غير الله، القانتين بعظمته في عظمة الذين بذلوا وجوههم لحق ربوبيته عليهم بقوله : فسأكتبها للذين يتقون. . . . ه.
قال في الحاشية : واعتبر قوله : فسأكتبها ، فإنه يقتضي كون الرحمة السابقة مطلقة، والتغيير طارئ، والطارئ لا ينافي الذات.
قلت : فتكون على هذا الرحمة التي وسعت كل شيء رحمة عامة، إذ لا يخلو مخلوق من رحمته في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فالخلق كلهم مرحومون إيجادًا وإمدادًا، وأما في الآخرة فما من عذاب إلا والله أشد منه في قدرته، والرحمة التي كتبت للمتقين رحمة خاصة، ويدل على هذا ما في القوت٣ على قوله : فسأكتبها للذين يتقون ، قال : معناه خصوص الرحمة وصفوها لا كلها، إذ لا نهاية للرحمة، لأنها صفة الراحم الذي لا حد له، ولأنه لم يخرج من رحمته شيء، كما لم يخرج من حكمته وقدرته شيء. ه.
وقال السيوطي : فسأكتبها في الآخرة، ووجه تخصيصها في الآخرة بالمؤمنين : تمحضها هنالك من غير شوب بضد، ولا كذلك في الدنيا، وإن كانت غالبة، والكافر عمته في الدنيا عمومًا ظاهرًا، وسلب منها في الآخرة بحسب الظاهر، وإن لم يخل عنها في الجملة، لأن عضبه تعالى لا حدّ له لولا رحمته.
وحاصله : أنه لم تفي جهنم بغضبه، لأنه لا يفي المتناهي بغير المتناهي ورحمته عمت الك

١ أخرجه البخاري في تفسير سورة ٤٨، باب ٣، وأحمد في المسند ٢/١٧٤..
٢ أخرجه الدارمي في المقدمة، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم..
٣ القوت: هو كتاب القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد" لأبي طالب محمد بن علي بن عطية العجمي ثم المكي المتوفى سنة ٣٨٦هـ(انظر كشف الظنون ٢/١٣٦١)..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير