وقال ابن جبير: فِتْنَتُكَ: بليتك.
وقال ابن عباس: عذابك.
أَنتَ وَلِيُّنَا.
أي: ناصرنا.
فاغفر لَنَا.
أي: استر ذنوبنا.
وارحمنا.
أي: تَعَطَّفْ عَلَيْنَا.
قوله: واكتب لَنَا فِي هذه الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة إِنَّا هُدْنَآ/ إِلَيْكَ، الآية.
[والمعنى: إن الله أعلمنا أن موسى دعاه فقال: واكتب لَنَا فِي هذه الدنيا حَسَنَةً،
وهي الصالحات من الأعمال، وَفِي الآخرة، أي: المغفرة.
قال ابن جريج: حَسَنَةً، مغفرة.
إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ.
أي: تبنا.
وقال علي: إنما سميت اليهود يهوداً؛ لأنهم قالوا: هُدْنَآ إِلَيْكَ.
قال الله، ( تعالى) : عذابي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ.
أي: كما أصبت هؤلاء أصيب من أشاء من خلقي بعذابي.
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ.
أي: عمت خلقي كلهم.
وقيل المعنى: إنَّه خُصُوصٌ، والمعنى: ورحمتي وسعت المؤمنين من أمة
محمد ﷺ، فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ.
قال ابن عباس: جعل الله، ( تعالى)، الرحمة لهذه الأمة.
وروى سفيان: أن إبليس لما سمع: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، قال: أنا من " الشيء " فنزعها الله ( تعالى) من إبليسن قال: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزكاة والذين هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ، فقالت اليهود: نحن نتقي ونؤتي الزكاة، وتؤمن بآيات ربنا أفنزعها الله من اليهود، فقال: الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي، الآيات كلها. فجعلها في هذه الآمة.
قال الحسن: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، (وسعت) البَرَّ والفاجر في الدنيا، وهي للمتقين في الآخرة، وكذلك قال قتادة.
وروى أبو هريرة، أن النبي ﷺ، قال: " إن لله، ( تعالى)، مائة رحمة، أنزل منها
رحمةً واحدةً بَيْنَ الخَلْقِ، الجِنَِّ، والإِنْسِ والبَهَائِمِ والهَوَامَ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَأ يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَتَعَاطَفُ الوُحُوشَ عَلَى أَوْلاَدِهَا، وَأَخَّرَ تِسْعاً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ".
وقال عطاء: خلق الله ( تعالى)، مائة رحمة، فجعل رحمة واحدة بين خلقه، بما يتراحم الناس والبهائم والطير على أولادها، حتى إن الطير ليؤخذ على فراخه، وأخر تسعاً وتسعين رحمة لنفسه، فإذا كان يوم القيامة جمع هذه الرحمة إلى التسع والتسعين فوسعت رحمته كل شيء.
وعن كعب أنه قال: ينظر الله، ( تعالى)، إلى عبده يوم القيامة، فيقول: خذوه، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟ فيقولون: وكيف نرحمك؟ ولم يرحمك أرحم الراحمين. روى جميعه نُعَيْم بن حماد.
قال ابن زيد: معنى: اكْتُبْ "، أي: أكتب في اللوح الذي كتب فيه التوراة.
قال ابن عباس: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، أي: يتقون الشرك.
وقيل المعنى: يتقون المعاصي.
قال ابن عباس: وَيُؤْتُونَ الزكاة، أي: يعملون بما يُزَكُّونَ به أنفسهم من صالحات الأعمال.
وروى زيد بن أسلم: أن عيسى، عليه السلام، قال: يا رب، نبئني عن هذه الأمة
المرحومة، التي جعلت فيها من الخير ما جعلت، قال: هم يا عيسى علماء حكماء، كأنهم أبنياء.
وذكر زيد أيضاً: أن موسى، عليه السلام، قال: يا رب، نبئني عن هذه الأمة المرحومة، قال: أمة محمد، (عليه السلام)، قال: نعم، قال: (هم) يا موسى يرضون منّي بالقليل من العطاء إذا أعطيتهم، وأرضى منهم بالقليل من العمل، أدخل أحدهم الجنة، أن يقول: لا إله إلا الله.
قال النحاس في معنى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، أي: من دخل فيها، لَمْ تعْجِز عنه.
وقال ابن عباس: ومجاهد، وغيرهما: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، يعني أمة محمد، عليه السلام.
قال ابن جبير: لما قال الله، ( تعالى)، لموسى: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، قال
موسى: يا رب، أتيتك بِوَفْدِ بني إسرائيل فجعلت وفادتنا لغيرنا! فأنزل الله ( تعالى)، وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ.
قال قتادة: يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل، أي: يجدون نَعْتَهُ وَصِفَتَهُ.
يَأْمُرُهُم بالمعروف.
أي: يأمر أتباعه بالمعروف.
وَ/يَنْهَاهُمْ عَنِ المنكر وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات.
وهو ما حرمته العرب من: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث.
" الخبائث " عند مالك في هذه الآية: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، والزنا، والخمر، وشبه ذلك.
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ.
أي: عهدهم الذي كان أخذ على بني إسرائيل أن يعلموا بما في التوراة، قاله ابن عباس: والحسن، وغيرهما.
وقيل: هو ما أُلْزِمُوه مِن قَطْع ما أصابه البول.
وقوله: والأغلال التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ.
هو قول الله، ( تعالى) : غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [المائدة: ٦٤]، من آمن بمحمد ( ﷺ)، لم تُغَلَّ يده.
وقيل: الأغلال إنما هو تمثيل، وهي أشياء كُلِّفوها فصارت إلى أعناقهم لازمة بمنزلة الأغلال.
وَعَزَّرُوهُ.
أي: وقَّروه، وحَمَوْه من النَّاس.
واتبعوا النور الذي أُنزِلَ مَعَهُ.
أي: القرآن سمي نوراً؛ لأنه في البيان والاهتداء به، بمنزلة النُّور الذي يُهْتَدَى به.
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي