ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟ

( ١٨ ) الأمي : نسبة إلى أمة في قول، وإلى أم في قول على ما جاء في كتب التفسير واللغة. وقد استعمل جمعها [ الأميين ] في القرآن حكاية بني إسرائيل في معنى غيرهم من الأمم كما جاء في آية سورة آل عمران هذه : ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل [ ٧٥ ] واستعمل جمعها في معنى غير أهل الكتاب كما جاء في آية سورة آل عمران هذه : فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم [ ٢٠ ] واستعمل جمعها للدلالة على عدم إحسان الكتابة والقراءة كما جاء في آية سورة البقرة هذه : ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون [ ٧٨ ] واستعمل جمعها للدلالة على العرب كما جاء في آية سورة الجمعة هذه : هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [ ٢ ] والمتبادر أن الكلمة هنا هي من هذا المعنى الأخير. وربما أطلق هذا المعنى على العرب لأنهم غير أهل الكتاب.
( ١٩ ) الخبائث : ضد كل ما هو طيب حلال.
( ٢٠ ) إصرهم : الشدة التي تثقلهم.
( ٢١ ) الأغلال : القيود.
( ٢٢ ) عزروه : وقروه وأيدوه.
وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون١ على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون( ١٣٨ )٢ إن هؤلاء متبر٣ ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون( ١٣٩ ) قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين( ١٤٠ ) وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم٤ سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم٥ وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم( ١٤١ ) وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين( ١٤٢ ) ولما جاء موسى لميقاتنا٦ وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا٧ فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين( ١٤٣ ) قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين( ١٤٤ ) وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفاسقين( ١٤٥ ) سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي٨ يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين( ١٤٦ ) والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت٩ أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون( ١٤٧ ) واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار١٠ ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين( ١٤٨ ) ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين( ١٤٩ ) ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا١٢ قال بئسما خلقتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني لا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين( ١٥٠ )قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين( ١٥١ ) إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين( ١٥٢ ) والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم( ١٥٣ ) ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لبرهم يرهبون( ١٥٤ )١٣ واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا١٤ فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء١٥ منا إن هي إلا فتنتك١٦ تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين( ١٥٥ ) واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك١٧ قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون( ١٥٦ ) الذين يتبعون الرسول النبي الأمي١٨ الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث١٩ ويضع عنهم إصرهم٢٠ والأغلال٢١ التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه٢٢ ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون( ١٥٧ ) قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون( ١٥٨ ) ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون( ١٥٩ )٢٣ وقطعناهم٢٤ اثنتي عشرة أسباطا٢٥ أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه٢٦ قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست٢٧ منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى٢٨ كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون( ١٦٠ )٢٩ وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة٣٠ وادخلوا الباب سجدا٣١ نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين( ١٦١ ) فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون( ١٦٢ ) [ ١٣٨-١٦٢ ].
تعليق على محتويات الحلقة الثانية
من السلسلة وما فيها من تلقينات
وهذه حلقة ثانية من السلسلة. احتوت ما كان بين موسى عليه السلام وبني إسرائيل من مواقف وأحداث وما كان من مناجاة موسى عليه السلام مع ربه وتنزيل الألواح عليه وتجليه له في الجبل، وما كان من معجزات له ولإسرائيل وما كان من هؤلاء في حياته من انحراف وتعجيز وتبديل لكلام الله وما كان من نقمة الله وغضبه عليهم.
وقصد العظة والتذكير وضرب المثل واضح في هذه الحلقة وضوحها في سابقتها وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. ومعظم ما جاء فيها متسق إجمالا مع ما ترويه أسفار الخروج والعدد والتثنية من أسفار العهد القديم التي تؤرخ حقبة موسى وما بلغه موسى عن ربه لبني إسرائيل وسيرة بني إسرائيل في عهده. بما في ذلك ما ورد إجمالا في الآيات من ميقات موسى أربعين يوما وطلب موسى من ربه أن يراه وقول الله له إنه لا يستطيع رؤيته وتجلي الله على جبل سيناء وارتجافه ارتجافا شديدا وإنزال الله على موسى الألواح والشرائع والوصايا واتخاذ قوم موسى العجل وغضب موسى وإلقائه الألواح حتى انكسرت ومعاتبة موسى لهارون وضرب الله الشعب لاتخاذهم العجل وتظليل الغمام عليهم في النهار لوقايتهم من الشمس. وإنزال المن والسلوى والأول : مثل بزر الكزبرة ولونه كلون المقل وطعمه بعد الطبخ كطعم قطائف بزيت، والثاني : نوع من الطير لأنهم تذمروا من المن وحده وطلبوا لحما. وتفجير عيون الماء بضرب العصا ومحاولتهم رؤية الله ونهيه لهم عن ذلك واختيار موسى سبعين رجلا وأخذهم معه إلى الجبل وإنزال الله على طائفة من بني إسرائيل عذابا من السماء...
والمتبادر أن سامعي القرآن كانوا أو كان منهم من يعرف أشياء كثيرة مما احتوته الأسفار في صدد هذه الحلقة أيضا فكان مما دعم هذا القصد أيضا. وكما فعل المفسرون في سياق الحلقة السابقة فعلوا في سياق هذه الحلقة حيث أوردوا روايات فيها تفصيلات كثيرة في صدد ما جاء فيها من أحداث ومعجزات وصور ومواقف، معزوة إلى بعض أصحاب رسول الله وتابعيهم وعلماء الأخبار من عرب ويهود مسلمين. منها ما هو متطابق ومتسق مع ما ورد في أسفار العهد القديم ومنها ما ليس كذلك وفي بعضها ما فيه مبالغة وإغراب. وتدل على كل حال على أن محتويات هذه الحلقة أيضا مما كان متداولا في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم مع الحواشي والشروح. ولم نر ضرورة إلى إيراد شيء مما ذكروه أو التعليق على ما في الحلقة من أحداث لذاتها، لأن ذلك لا يتصل بهدف القصة القرآنية الذي هو التذكير والتمثيل بما يعرفه السامعون. وهو ما فعلناه في سياق الحلقة السابقة حيث رأينا ذلك هو الأولى والأصوب.
وقد يكون مباينة بين ما جاء في آيات هذه الحلقة، وما جاء في الأسفار المتداولة، وقد يكون بعض ما جاء في الآيات لم يرد فيها مثل المحاورة المحكية بين موسى وقومه حين ما أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ومثل القرية التي أمروا بسكناها ودخول بابها ساجدين وقولهم حطة. وما قلناه في هذا الصدد في سياق الحلقة السابقة يصح قوله هنا. وكذلك ما قلناه في سياق تلك الحلقة في صدد المعجزات التي ذكرت فيها يصح قوله هنا أيضا فلا حاجة إلى التكرار.
وبعض المفسرين رووا في سياق الآيتين [ ٥٨-٥٩ ] في سورة البقرة المشابهتين تقريبا للآيتين [ ١٦١-١٦٢ ] : أن القرية التي أمر بنو إسرائيل بسكناها هي أريحا أو قرية في جانب بيت المقدس. وأن الباب الذي أمروا أن يدخلوه سجدا وأن يقولوا حطة عند دخوله هو الباب المسمى اليوم بباب حطة من أبواب حرم المسجد الأقصى. وليس لهذا سند وثيق. وليس من ضرورة للتكلف. ولا بد من أن ذلك كان مفهوما واضحا في أذهان بني إسرائيل الذين يسمعون القرآن وواردا في أسفار كانت عندهم.
ولقد أورد المفسرون في سياق آيات سورة البقرة التي تأتي في كتبهم مقدمة على سورة الأعراف أحاديث وروايات في مدى ما كان من تبديل بني إسرائيل لأوامر الله ومدى الرجز الذي أنزله الله عليهم. منها المعزو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها المعزو إلى بعض أصحابه وتابعيهم. منها حديث في مدى التبديل رواه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فيه :( قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فدخلوا يزحفون على أستاههم فبدلوا وقالوا حطة حبة في شعرة )١.
ومنها حديث عن ابن مسعود بدون عزو إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا :( هطا سمعاتا أزبة مزبا )٢ وترجمتها بالعربية حبة حنطة حمراء مثقوبة فيها شعرة سوداء. ومنها قول آخر عن ابن مسعود أنهم قيل لهم : قولوا حطة، فقالوا : حنطة حبة حمراء فيها شعيرة٣. وقد روى المفسرون ما رواه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة وعن النبي عن بعض التابعين بدون عزو إلى النبي مع زيادة في البيان، وهو أنهم قالوا ذلك من قبيل التمرد والاستهزاء. ورووا عن بعض التابعين أن الرجز هو طاعون سلطه الله عليهم فأهلك منهم خلقا عظيما.
ولقد أورد رشيد رضا هذه الروايات وتوقف في الحديث الذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الأحاديث التي تروى في البيان والتفسير عن رسول الله وبخاصة في الأمور المغيبة هي التي يصح أن تكون المعتمدة في هذه الأمور دون غيرها. ومما قاله فيه : إن أبا هريرة لم يصرح أنه سمع الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك يعد مرفوعا وإن من رواته همام بن منبه وهو مثل أخيه وهب من أصحاب الغرائب في الإسرائيليات. والحق إن في الحديث شيئا غريبا وبخاصة هذا التوافق في الألفاظ العربية وهو قولهم حنطة مقابل أمرهم بأن يقولوا حطة. وبنو إسرائيل إنما كانوا يتكلمون العبرانية في زمن موسى الذي يحكي عنهم هذه المخالفة.
وعلى كل حال فالآيات صريحة الدلالة على أن الله أمرهم أمرا ففعلوا خلافه، فأنزل عليهم رجزه جزاء على مخالفتهم وتمردهم.
ولا نشك في أن ماهية الأمر والمخالفة والرجز مما كان متداولا بين بني إسرائيل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وواردا في بعض قراطيسهم وأن هذا مما تسرب منهم إلى أهل بيئة النبي صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم.
ومن مواضع العبرة في هذه الحلقة ما كان من انحراف بني إسرائيل منذ أوائل خروجهم من مصر مع موسى عليه السلام عن التوحيد إلى عبادة الأصنام والعجل وما كان من تعجيزهم له ونكثهم لعهد الله ومخالفتهم لوصاياه وتبديلهم أوامره بعكسها استهزاء، وما كان من غضب الله عليهم وإنزاله عليهم الرجز ؛ حيث ينطوي في هذا تقرير كون الله تعالى قد تفضل عليهم لما صبروا وغضب عليهم لما انحرفوا وبدلوا ودعوة للمسلمين إلى الاعتبار بهم.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وخطورة ما احتوته الآية الأولى من مهام الرسالة المحمدية
العظمى وبخاصة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
يستحق أن يكون موضوع تعليق خاص.
ولقد تكرر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في القرآن المكي والمدني بأساليب متنوعة. منها ما هو في صيغة الأمر من الله عز وجل للمؤمنين كما جاء في آية سورة آل عمران هذه : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون١٠٤ ومنها ما هو في صيغة التنويه بال
تعليق على الآية
{ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا
عندهم في التوراة والإنجيل }
والآية التالية لها وما
فيهما من خطورة ودلالة في صدد الرسالة المحمدية
وفي هذه الحلقة آيتان في صدد الدعوة إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه وشمول دعوته وتنويه بالذين اتبعوه وهما الآيتان [ ١٥٧-١٥٨ ].
ولقد روى الطبري عن قتادة والهذلي من علماء التابعين أنه لما نزلت عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء وهي الآية السابقة للآيتين، قال إبليس : أنا من ذلك الشيء، فأنزل الله : فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون فقال النصارى واليهود : نحن نتقي ونؤتي الزكاة ونؤمن بآيات الله وتمنوا أن تكون الآية فيهم، فأنزل الله : الذين يتبعون الرسول النبي الأمي إلخ الآية. وروى كذلك عن نوف البكالي وهو يهودي الأصل : أن موسى لما انطلق بوفد بني إسرائيل كلمه الله فقال : إني بسطت لهم الأرض طهورا ومساجد يصلون فيها حيث أدركتهم الصلاة إلا عند مرحاض أو قبر أو حمام. وجعلت السكينة في قلوبهم، وجعلتهم يقرأون التوراة عن ظهر ألسنتهم. فذكر موسى ذلك لبني إسرائيل فقالوا : لا نستطيع أن نحمل السكينة في قلوبنا فاجعلها لنا في التابوت، ولا نستطيع أن نقرأ التوراة إلا نظرا، ولا نصلي إلا في الكنيسة فقال الله : فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة حتى بلغ أولئك هم المفلحون. فقال موسى عليه السلام : يا رب اجعلني نبيهم، قال : نبيهم منهم. قال : اجعلني منهم، قال : لن تدركهم.
والتفكك والغرابة باديتان على الروايتين. وينقض الأخيرة منها نص الآية الثانية التي تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالهتاف بالناس بأنه رسول الله إليهم جميعا. وليس شيء منها واردا في كتب الأحاديث المعتبرة.
والذي يتبادر لنا أن الآيتين قد جاءتا استطرادا بعد الآية السابقة لتبين الأولى منهما هوية الذين وعدتهم الآية السابقة برحمة الله الواسعة أو لتكون بدلا بيانيا عنها، وهم اليهود والنصارى الذين يتبعون الرسول النبي الذي يجدون صفاته في التوراة والإنجيل الذي من صفاته ورسالته أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وإباحة الطيبات لهم وتحريم الخبائث عنهم وتحريرهم من القيود والتكاليف الشديدة التي كانت مفروضة عليهم ولم تعد حكمة الله تقتضي دوامها في عهد هذا النبي. ولتأمر الثانية النبي صلى الله عليه وسلم بالهتاف بأنه رسول الله إلى الناس جميعا، وأنه مؤمن بالله وبكلماته أي كتبه المنزلة السابقة، وأنه يدعوهم إلى اتباعه، كأنما أريده بهذا توجيه الخطاب لأهل التوراة والإنجيل بخاصة وإعلانهم بأن رسالته ليست خاصة بالعرب الأميين [ غير الكتابيين ] الذين هو منهم، وإنما هي شاملة لهم ولغيرهم من جميع الأجناس والألوان والأديان.
وتعد الآيتان بما احتوتاه من أهم جوامع الكلم القرآنية كما تعد الأهداف التي تقررانها جماع أهداف الدين الإسلامي ومبادئه، وخير ما يمكن أن تستهدفه الشرائع والأديان لتحقيق السعادة والفوز والنجاح في الدنيا والآخرة. وقد جاءتا في ذات الوقت لتمهد السبيل لإقبال اليهود والنصارى على الإيمان بالرسالة المحمدية ولفتح الباب على مصراعيه لتكوين وحدة أخوية إنسانية عامة في دين واحد يحتوي أسس الأديان السماوية ويعترف بكتبها وأنبيائها ويرفع الإصر والأغلال عن الناس ويزيل من بينهم المبهمات والمشكلات والخلافات، ويقوم على أساس الأمر بكل ما عرف أنه خير وصلاح والنهي عن كل ما عرف أنه منكر وفساد وإباحة كل ما عرف أنه طيب وتحريم كل ما عرف أنه خبيث.
ولما كانت هذه الآيات مكية ومبكرة في النزول، فإن فيها دلالة على أن الرسالة المحمدية حملت منذ بدئها المهام العظمى التي ذكرتها الآية الأولى، وعلى أن صفات النبي صلى الله عليه وسلم كانت موجودة في التوراة والإنجيل يجدها اليهود والنصارى فيهما، وعلى أن فريقا منهم اعترفوا بمطابقة صفاته على ما في أيديهم من الكتب وآمنوا به في وقت مبكر من العهد المكي. وعلى أن هذه الرسالة كانت منذ البدء رسالة عامة لجميع الناس والملل، وردا على الذين يزعمون غير ذلك استدلالا من بعض آيات وجهت للعرب خاصة، وغير مدركين ما يمكن أن يكون في ذلك من حكمة وخصوصية اقتضتها ظروف الخطاب والدعوة والأساليب مما سوف نشرحه في مناسباته. وهذا التعميم قد أكدته إشارات وآيات عديدة منها ما سبق ونبهنا عليه فضلا عما في القرآن المدني من مؤيداته الكثيرة.
ولقد كان ما احتوته الآية [ ١٥٧ ] من إشارة إلى أن اليهود والنصارى يجدون صفات النبي صلى الله عليه وسلم وأهداف دعوته فيما بين أيديهم من التوراة والإنجيل موضوع جدل وتشاد في مجال الإنكار والإثبات بين المسلمين وأهل الكتاب.
ونقول : إن الآية تقول هذا بصراحة، وتوجه الخطاب بخاصة إلى اليهود والنصارى، ومنهم من كان يسمعه وجاها ومنهم من آمن به نتيجة لذلك. فليس مما يعقل- ونقول هذا من باب المساجلة- أن يكون ما تقوله الآية جزافا لا يستند إلى حقيقة ما أو أساس ما فيها كان في أيدي اليهود والنصارى من أسفار في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. ولا يستطيع أحد أن ينفي ذلك أو يجزم بأن ما كان في أيديهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم هو نفسه الذي يتداولونه اليوم بدون نقص أو زيادة في النصوص وأسماء الأسفار.
والتوراة والإنجيل اللذان تذكرهما الآية هما كتابان منزلان من الله عز وجل على موسى وعيسى عليهما السلام. وهذا هو المقصود بهما على ما تفيده آيات كثيرة سيأتي إيرادها في تعليق آخر يأتي بعد هذا على التوراة والإنجيل. والمتداول في أيدي اليهود والنصارى اليوم أسفار كثيرة العدد كتبت بعد موسى وعيسى بأقلام بشرية شابها كثير من المبالغة والمناقضة والإغراب. وفي القرآن دلائل تفيد أنه كان في أيدي اليهود والنصارى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم توراة وإنجيل يصح عليهما وصف القرآن على ما سوف نورده في التعليق الآتي. وفي أسفار العدد والخروج والتثنية والملوك وعزرا من أسفار العهد القديم ما يفيد : أن كتابا باسم التوراة كتبه موسى بيده، وفيه ما تلقاه عن الله من وصايا وتعاليم وشرائع. والمتبادر من العبارة القرآنية أن هذا هو الذي كان فيه صفة النبي صلى الله عليه وسلم. وهو مفقود. وهناك إنجيل معروف باسم إنجيل برنابا أحد الرسل الذين حملوا راية التبشير عقب وفاة عيسى عليه السلام١ فيه نصوص متفقة مع نصوص القرآن عن عيسى عليه السلام وولادته وحياته ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصفاته. ومهما تكن المآخذ التي يوجهها رجال الدين النصراني إلى هذا الإنجيل، فإن نصوص القرآن الذي لا يشك أحد في أنه يرجع تاريخيا إلى أربعة عشر قرنا دليل قاطع على أن في ما كان متداولا في أيدي اليهود والنصارى من أسفار إشارات إلى صفة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته. فقد جاء في سورة الصف مثلا : وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد [ ٦ ] وهناك آيات تذكر : أن أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ويعرفون أن الكتاب المنزل عليه هو حق من الله، وأن ما أنزل إليه هو حق كما يعرفون أبناءهم مثل آية سورة البقرة هذه الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون١٤٦ وآية سورة الأنعام هذه : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون٢٠ وهذه أفغير الله أبتغي حكما وهو الذين أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين١١٤ مما لا يمكن أن يكون إلا بسبب ما رأوه من مطابقة تامة بين صفاته وبين ما في أيديهم من كتب.
على أن في أسفار العهد القديم والعهد الجديد المتداولة اليوم إشارات عديدة يمكن أن تكون من جملة ما يدل على بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته. ومن ذلك مثلا عبارة مجيء المعزى بعد انطلاق عيسى عليه السلام حيث جاء في الإصحاح الخامس عشر من إنجيل يوحنا هذه العبارة :[ ومتى جاء المعزى٢ الذي أرسله إليكم من عند الآب روح الحق الذي من الآب ينبثق فهو يشهد لي ]. وفي الإصحاح السادس عشر هذه العبارة :[ إن في انطلاقي خيرا لكم لأني إن لم أنطلق لم يأتكم المعزى ولكني إذا مضيت أرسلته إليكم. ومتى جاء يبكت العالم على الخطيئة وعلى البر وعلى الدينونة ]. وقد أوردنا العبارة على علاتها ونعتقد أن السيد المسيح الذي ورد في القرآن عن لسانه أنه عبد الله ورسوله، لا يمكن أن يقول قولا يشتم منه أنه غير ذلك. وفي إنجيل برنابا نصوص كثيرة تماثل ما ذكره القرآن عن عيسى وأقواله عن بعثة النبي ومن جملتها : ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد . وإنكار النصارى له لا يقدم ولا يؤخر ؛ لأن هذه الحقائق قد ذكرت في القرآن الذي ذكر أن من أهل الكتاب اليهود والنصارى من آمن بالنبي وصدق بالقرآن، وأعلن أنه مطابق لما عندهم من الحق. مما سوف نورد نصوصه بعد.
وبعض المبشرين يقولون : إن البارقليط أو المعزى هو روح القدس. وروح القدس هو جزء من الله في عقائدهم والعبارة الإنجيلية تفيد أن الذي سيأتي هو شخص مرسل من الله لينذر ويبكت ويأمر بالبر والتقوى. وكل هذا صفات رسول إلهي وليست صفات الله...
ولقد عقد رشيد رضا في الجزء التاسع من تفسيره في سياق تفسير سورة الأعراف وهذه الآيات فصلا طويلا على هذا الأمر نبّه فيه إلى أمور عديدة ليثبت أنه لا يمكن إلا أن يكون الأنبياء السابقون للنبي صلى الله عليه وسلم قد نبهوا إلى رسالته وظهوره وأن يكون ذلك مذكورا في ما نزل عليهم من كتب الله وعلى أن عدم ذكر ذلك بصراحة لا ينفي هذا وإنما يثبت التحريف والإخفاء، ثم أورد بعد ذلك ثاني عشرة بشارة مستمدة من نصوص أسفار العهد القديم والأناجيل، وناقش الشبهات التي يوردها بخاصة المبشرون. وأورد من الحجج والأقو

١ اقرأ سفر أعمال الرسل حيث يذكر برنابا ونشاطه في الدعوة والتبشير..
٢ - هذه العبارة مأخوذة من النسخة الكاثوليكية وقد جاء بدلها في النسخة البروتستانية [كلمة البارقليط]..

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير