ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟ

ثم ذكر من صفاتهم : الذين يتبعون الرسل النبي [ الأعراف : آية ١٥٧ ] للعلماء كلام كثير في الفرق بين الرسول والنبي، وأشهر الفوارق المعروفة عندهم : أن الرسول من أرسل إليه وحي وأمر بتبليغه، وأن النبي من أوحي إليه سواء أمر بتبليغه أو لم يؤمر. وهذا الفرق مشهور على ألسنة العلماء، تأباه آية من سورة الحج، وهي قوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته الآية [ الحج : آية ٥٢ ] فإنه صرح فيها بأن هناك نبيا مرسلا ورسولا مرسلا، ومع أنهما مرسلان فهما متغايران كما دل عليه العطف ؛ ومن أجل هذه الآية قال بعض العلماء : الرسول : من أنزل إليه كتاب مستقل كمحمد صلى الله عليه وسلم وموسى، والنبي : من أمر بأن يعبد بكتاب منزل على غيره كأنبياء بني إسرائيل الذين يؤمرون بالتعبد بما في التوراة، كما بينا ذلك سابقا في المائدة في الكلام على قوله : إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يمحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار [ المائدة : آية ٤٤ ] أي : يحكمون بها بأمر من الله أنهم يحكمون بما فيها، إلى غير ذلك من الفوراق. وفي حديث البراء الثابت في الصحيح أن البراء لما قال :( آمنت برسولك الذي أرسلت ) قال له النبي صلى الله عليه وسلم :( نبيك الذي أرسلت ). وذلك يدل على أنه لو قال :( رسولك الذي أرسلت ). يكون الكلام تكرارا محضا، فلما قال :( ونبيك الذي أرسلت ) صار الكلام ليس تكرارا محضا. هذا معنى قوله : يتبعون الرسول النبي الأمي [ الأعراف : آية ١٥٧ ].
الأمي : هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم لا يعرف الكتابة ولا يعرف قراءة الكتب. وقد عرفتم في السيرة والتاريخ في صلح الحديبية أنه لما كتب علي ( رضي الله عنه ) وثيقة الصلح التي وقعت بين النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية مع سهل بن عمرو العامري قال : هذا ما اتفق عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قريش. قال له : امح عنا هذا، لو كنا نقر بأنك رسول الله لما صددناك عن البيت الحرام وأنت محرم. فقال لعلي : امحها. فامتنع علي أن يمحوها، فطلب منهم أن يروه محلها – لا يعرفها- حتى محاها. هذا يذكر في الأخبار والسيرة ولكن الله نص على ما يدل على هذا في سورة العنكبوت حيث قال تعالى : وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون ٤٨ [ العنكبوت : آية ٤٨ ] وهذا معنى ( الأمي ) : الذي لا يقرأ ولا يكتب.
واختلف العلماء في منشأ النسبة إلى الأمي هذه، فقال بعض العلماء : منسوب إلى أمة العرب ؛ لأنهم أمة أميون لا يكتبون ولا يحسبون ؛ ولذا كانوا يعدون بالحصى ؛ لأنهم لا يكتبون ولا يحسبون. ( والأمي ) أي : من أمة ( منسوب إلى أمة- لا تحسب ولا تكتب ولا تقرأ.
قال بعض العلماء : منسوب إلى أم القرى وهي مكة المكرمة حرسها الله.
وجماعة من العلماء يقولون : الأمي : الذي لا يقرأ ولا يكتب، منسوب إلى امة، لأنه كأنه على الحالة التي ولدته بها أمه لم يتعلم بعدها كتابة ولا قراءة. هكذا زعمه بعضهم والله تعالى أعلم.
يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه [ الأعراف : آية ١٥٧ ].
قوله : يجدونه معناه يجدون صفته الكاشفة ونعوته الواضحة مكتوبة عندهم في التوراة والإنجيل ؛ لأن الله بين صفات هذا النبي الكريم ونعوته الكاشفة التي لا تترك في النبي لبسا، وبينها في التوراة، وهو الكتاب الذي أنزل على موسى وبينها في الإنجيل، وهو الكتاب الذي انزل على عيسى ( عليهم وعلى نبينا صلاة الله وسلامه )، فصفاته موجودة عندهم، حتى إن الله قال عنهم : يعرفونه كما يعرفون أبناءهم [ البقرة : آية ١٤٦ ] لشدة إيضاحه بالصفات الكاشفة التي لا لبس فيها بينت لهم صفاته موضحة، وأخذت عليهم المواثيق إن بعثه الله ليؤمنن به ولينصرنه، وأخذ الله ذلك الوعد على جميع الرسل، وعلى جميع أمم الرسل على ألسنة الرسل، كما أوضحه الله ( تعالى ) في سورة ( آل عمران ) وهو قوله : وإذ اخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم من كتاب وحكمة وفي القراءة الأخرى : لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم هو محمد صلى الله عليه وسلم على أصح التفسيرين، وهو الحق الذي لا شك فيه – إن شاء الله- وجزم به غير واحد. لتؤمنن به ولتنصرنه قال أقررتم وأخذتم على ذالكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ٨١ فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ٨٢ [ آل عمران : الآيتان ٨١، ٨٢ ] أخذ عليهم هذه العهود المؤكدة العظيمة بالإيمان به صلى الله عليه وسلم وبين لهم صفاته الكاشفة ونعوته الواضحة، كما قال هنا : الذي يجدونه مكتوبا أي : صفته ونعته الذي يوضحه ولا يترك فيه لبسا.
مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف [ الأعراف : آية ١٥٧ ] قرأ هذا الحرف عامة القراء غير أبي عمرو : يأمرهم بالمعروف وروي عن الدوري أنه اختلس الضمة، وقرأه أبو عمرو : يأمرهم بالمعروف بسكون الراء. وجزم الفعل المضارع بلا جازم للتخفيف لغة موجودة في كلام العرب، جاءت بها قراءات صحيحة في كتاب الله ولا لإشكال فيها، وأنشد بعض علماء العربية لجزم المضارع من غير جازم تخفيفا قول امرئ القيس :
اليوم أشرب غير مستحقب *** إثما من الله ولا واغل
ومعروف أن بعضهم كورش يبدل الهمزة ألفا، تقول : يأمرهم بالمعروف يأمرهم بالمعروف يأمرهم بالمعروف .
( المعروف ) : هو كل ما عرفه الشرع وكان منه، كعبادة الله وحده، وصلة الأرحام، ومكارم الأخلاق، وغير ذلك مما جاء به صلى الله عليه وسلم.
وينهاهم عن المنكر المنكر : اسم مفعول ( أنكره ) وهو ما أنكره الشرع ولم يكن منه، ولم يأمر به، كعبادة الأوثان، وادعاء الأولاد لله، وكالخصال السيئة، وارتكاب المعاصي.
ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث اختلف العلماء في معنى الطيب والخبيث في هذه الآية الكريمة ونحوها من الآيات في كتاب الله، واختلافهم هذا من الاختلاف الذي ينبني عليه بعض الأحكام الشرعية، فذهب جماعة من العلماء إلى أن الطيبات هنا طيبها على نوعين : طيب شرعي، وهو أن يكون الله أباحها وجعلها حلا لخلقه، فالله لا يحل إلا الطيب، ولا يبيح إلا الطيب. ومعنى هذا – أنها طيبات - أن الله أباحها لخلقه واستطابها لهم، أي : يحل لهم الأشياء التي لا تحريم فيها.
وقال بعض العلماء : الطيبات لأنها مستلذة يستطيبها من يستعملها.
وكذلك يحرم عليهم الخبائث، قال بعض العلماء : هي التي دل الشرع على خبثها بنهيه عنها، كالميتة والدم ولحم الخنزير وما جرى مجرى ذلك.
وقال بعض العلماء : كل ما استخبثه الطبع العربي الذي صاحبه ليس ببالغ من الجوع غاية تجعله يستطيب غير الطيب أنه يحرم ذلك.
فالذين قالوا : إن المراد بالطيبات هو الطيب الشرعي، وأن الله أباحها لخلقه مما يستلذه خلقه، وأن الخبائث هي ما خبث شرعا مما منعه الله ( جل وعلا ) على خلقه كمالك بن أنس – وهو ممن قال هذا القول- فإنه لا يجعل استخباث الطبع العربي علة للتحريم ؛ ولذا جاز عند مالك أكل المستخبثات التي يستخبثها الطبع العربي السليم، فإنه يجيز أكل الحيات، إذا أمن سمها، والعقارب والحشرات، وما جرى مجرى ذلك. ولا شك أن هذه الأشياء مما يستخبثه الطبع العربي السليم. وكانت جماعة من العلماء منهم الإمام الشافعي ( رحمه الله ) يقول : دل قوله : ويحرم عليهم الخبائث أن كل ما استخبثه الطبع العربي السليم الذي لم يتضرر بالجوع – لأن من آذاه الجوع جدا قد يستطيب الخبيث لشدة جوعه كما قال بعض شعراء العرب :
أكلنا الربى يا أم عمرو ومن يكن *** لديكم غريبا يأكل الحشرات
أي : لشدة جوعه، وسئل أعرابي عن جماعته من البدو : ما تأكلون ؟ قال : نأكل كل ما دب ودرج إلا أم حبين. فقال : لتهن أم حبين العافية. وأم حبين دويبة معروفة، يفر الإنسان ويستقذرها إذا رآها. فعلى هذا القول فالاستخباث الطبعي من العرب الذين لم تلجئهم ضرورة الجوع – قد يكون عنوانا للتحريم عند بعض العلماء، وهو مذهب الشافعي ( رحمه الله ) ومن وافقه. قال : دلت هذه الآية وأمثالها في القرآن على أن كل ما يستخبثه الطبع العربي السليم الذي لم يشتد جوعه أنه لا يجوز ؛ لأنه يصدق عليه اسم الخبيث في لغة العرب التي نزل بها القرآن. والخبائث حرمها الله في كتابه على لسان رسوله، وتحريم هذا النبي الكريم للخبائث من أعلام نبوته ( صلوات الله وسلامه عليه ) لأنه مكتوب في الكتب السابقة أنه إذا بعث : من صفاته أنه يحرم الخبائث، فإذا جاء محرما لها كان ذلك من معجزاته ومصدقا لنبوته صلى الله عليه وسلم.
والحاصل أن الذي يستخبثه الطبع السليم العربي كأشياء كثيرة كالخنفساء والحشرات، وما جرى مجرى ذلك، والعقارب والحيات : بعض العلماء يقول : هو حرام لهذه الآية الكريمة، كالشافعي، وأن الذين أجازوا ذلك كمالك وأصحابه قالوا : ليس المراد بالخبث استخباث الطبع، وإنما المراد به ما دل على خبثه كما هو مقرر في مذهب الأئمة، وهذا معنى قوله : ويحرم عليهم الخبائث .
ويضع عنهم إصرهم قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن عامر : ويضع عنهم إصرهم بكسر الهمزة وإسكان الصاد. وقرأه ابن عامر وحده : ويضع عنهم آصارهم والأغلال التي كانت عليهم فالآصار جمع إصر ( فعل ) مجموع على ( أفعال ) والإصر في اللغة العربية التي نزل بها القرآن : الثقل الذي كان من التكليف على من قبلهم ؛ لأن من قبلنا كانت عليهم من التكليف آصار وأغلال. الآصار : الأثقال التي تثقل صاحبها، منها ما قدمنا أن توبة الذين عبدوا العجل لم يقبلها الله إلا بتقديمهم أنفسهم للموت، فهذا ثقل عظيم ؛ لأنه لا حادث في الدنيا أعظم من الموت.
والموت أعظم حادث *** فيما يمر على الجبلة
فرفع هذا الثقل عن هذه الأمة صلى الله على نبيها فصار من ارتكب أعظم كفر وأشنع ذنب يكفيه أن يتوب إلى الله، وأن يقلع عن الذنب، ويندم على ارتكابه، وينوي ألا يعود، فيتوب عليه ربه بذلك، فهذا من رفع الآصار. والإصر : هو الثقل المعروف، ومنه قول الشاعر :
....................... *** وحامل الإصر عنهم بعدما غرقوا
وقوله : والأغلال الأغلال جمع غل، والغل هو القيد المعروف ؛ لأن التكاليف القوية الشديدة كأنها أغلال يغلون بها، مثل أن الواحد منهم كان لا يصلي إلا بالماء، ولا يصلي إلا في الكنيسة، وإذا مست النجاسة شيئا من ثوبه لزم أن يقرضه بمقراض، إلى غير ذلك من التشديدات ؛ بخلاف هذه الأمة فقد رفع عنها ذلك، فجعلت لها الأرض كلها مسجدا وطهورا، وأجيز لها إزالة النجاسة بالماء، وسهل لها كل شيء كان مصعبا على من قبلها. وهذا معنى قوله : ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم .
وهنا عبر عن التكاليف الشاقة بالأغلال ؛ لأن الأغلال كأنها تقيد صاحبها وتمنعه، وكذلك التكاليف الشاقة والأغلال التي كانت عليهم جاء النبي بوضعها كلها، وجاء بحنيفية سمحة، فالأرض فيها طهور، والأرض كلها مسجد، والماء يطهر كل شيء، وكل من استعصى عليه شيء وشق عليه رخص له فيه وما جعل عليكم في الدين من حرج [ الحج : آية ٧٨ ] أي : من ضيق يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [ الب

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير