ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟ

فهذه تسع صفات لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي أن الله أوحى إليه كتابا مختصا به وهو القرآن، وأنه صاحب المعجزات، وأنه بلغ ونبأ بأفضل وأتم العقائد والعبادات والأخلاق وهو عليه الصلاة والسلام الأمي الذي لم يمارس القراءة والكتابة ولم يجلس إلى معلم، فهو عليه السلام باق على الحالة التي ولد عليها، وقد ذكره ربّه جل وعلا باسمه وصفاته ونعوته عند اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل وقد كتمها الكافرون منهم أو أساءوا تأويلها، كما وصفه ربه بأن يأمرهم بالمعروف ويكلفهم بفعل كل ما تدعوا إليه الطبائع المستقيمة والفطر السليمة ؛ لأن في ذلك النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة، وأنه صلى الله عليه وسلم يزجرهم وينهاهم عن كل منكر مستهجن تستقبحه الجبلة القويمة، والخلقة السوية، ويحل لهم ما حرم عليهم من الطيبات التي منعوا منها وحظرها الله عليهم جزاء طغيانهم وضلالهم، ويحرم عليهم كل ضار وخبيث : كأكل الميتة والمال الحرام من الربا والرشوة والغش، ويخفف عنهم ما شق عليهم وثقل من التكاليف التي كانت في شريعة موسى عليه السلام كقطع الأعضاء الخاطئة وتحريم الغنائم عليهم ووجوب إحراقها، وكذلك يخفف الله ويحط عنهم المواثيق الشديدة التي فرضت عليهم عقابا لهم على فسوقهم وظلمهم.
يقول جل شأنه : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ( ١٦٠ ) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ( ١٦١ ) ( سورة النساء ).
وهكذا أعلم الله الرسل السابقين على سيدنا رسول الله أن يبلغوا أقوامهم بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يؤمن الأقوام التي يشهدون ويعاصرون رسالته صلى الله عليه وسلم، صحيح أن رسول الله لم يكن معاصرا لأحد من الرسل، ولكن البشارة به قد جاءت بها أنبياؤهم وسجلت في الكتب المنزلة عليهم، وكل رسول سبق سيدنا محمدا صلوات الله وسلامه عليه، قد أمره الله أن يبلغ الذين أرسل إليهم أن يتبعوا الرسول محمدا ويؤمنوا به ولا يتمسكوا بسلطة زمنية ويخافوا أن تنزع منهم. وما دام الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء ومعه معجزة وبينة فلابد أن يؤمنوا به.
وإذا أخذ الله ميثاق النبيين ( من الآية ٨١ سورة آل عمران ).
إذن فقد صنع الله سبحانه وتعالى خميرة إيمانية حتى لا يتعارض أتباع الأديان. ولا يفهم أصحاب دين موجود أن دينا آخر جاء لينسخه ويأخذ منه السلطة الزمنية ؛ لأن رسالة الإيمان موصولة وتحدث الأقضية للناس بامتداد الزمان. فكل الرسل يحرصون على أن تكون الحياة آمنة سعيدة تتساند فيها المواهب ولا تتعاند فيها الحركات. وقد طلب الحق من الرسل ذلك وأخذ عليهم العهد وبعد ذلك أكده فقال : أأقررتم واستوحى منهم الكلام الذي يؤيد هذا المنهج. ولذلك لا يصح لتابع نبي أن يصادم رسالة جديدة مؤيدة بمعجزة ومؤيدة بمنهج يضمن للإنسان الحياة وسلامتها وسعادتها.
ولم يكتف الحق بأن يجعل الإيمان برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم مجرد خبر، بل وضع لمحمد وحده سمة في الكتب التي سبقته، ووصفه لهم مشخصا، وحين يصفه مشخصا فهذا أوضح من الخبر عنه بكلام. ولذلك قال عبد الله بن سلام عندما سأله عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أنا أعلم به مني بابني. قال : وَلِمَ ؟ قال : لأني لست أشك في محمد أنه نبيّ، فأما ولدي فلعل ولدي فلعل والدته قد خانت، فقبّل عمر رأسه. ولذلك يقول الحق سبحانه : يعرفون كما يعرفون أبناءهم .
ولا شك أن الإنسان يعرف ابنه معرفة دقيقة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له سمات خاصة وهي التي تثبت شخصيته صلى الله عليه وسلم المادية، وليس الأمر في رحلة الإسراء والمعراج مجرد كلام، بل إنه حينما سئل عن هذه الرحلة قال : " رأيت موسى وإذا رجل ضَرْب، رَجُل١ كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى فإذا هو رَبعة أحمر كأنه خرج من ديماس الحمّام وأنا أشبه ولد إبراهيم به " ٢، وكذلك أعطى الله في التوراة والإنجيل لا الخبر عن محمد صلى الله عليه وسلم فقط، بل أعطى تفاصيل صورته بحيث تتشخص لهم، فلا يلتبس به عند مجيئه مع التشخيص شريك، فيقول سبحانه : يعرفونه كما يعرفون أبناءهم . ولكن فريقا منهم كتموا الحق ليحتفظوا بالسلطة الزمنية، لأنهم كانوا يظنون أنه حين يأتي دين جديد سيأخذ منهم هذه السلطة الزمنية ويقود الأمم والشعوب. لقد أراد الحق سبحانه وتعالى أن يجعل رسل السماء إلى الأرض متعاونين لا متعاندين، ينصر بعضهم بعضا. كما جاء في سورة الفتح : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ( ٢٩ ) . ( من الآية ٢٩ سورة الفتح ).
لقد جاء الحق بصورة المؤمنين برسالة رسول الله في التوراة والإنجيل، لأن الدين الإسلامي الذي نزل على محمد لن يأتي دين بعده ؛ لذلك جاء بسيرة رسول الله وصفاته وصفات أتباعه في التوراة والإنجيل، وفي هذا الدين ما تفتقده اليهودية التي انجرفت إلى مادية صرفة وتركت الروحانيات ؛ لذلك تأتي سيرة أتباع محمد في التوراة : سيماهم في وجوههم من أثر السجود .
حين أسرف اليهود في المادية أراد الله أن يأتي برسول يجنح ويميل إلى
الروحانية وهو سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام.. ليحصل الاعتدال في تناول الحياة دون إفراط أو تفريط. إذن فالحق سبحانه وتعالى مهد لكل رسول بأن يبشر به الرسول السابق لأنه لا معاندات في الرسالات. ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خاتم الموكب الرسالي، كان ولابد أن يصفه الله سبحانه وصفا ليس بالكلام، بل يصفه كصورة، بحيث إذا رأوه يعرفونه، ولذلك نجد سيدنا سليمان الفارسي حين رأى رسول الله في المدينة ورأى منه علامات كثيرة أحب أن يرى فيه علامة مادية فرأى في كتف الرسول خاتم النبوة.
ولكن هل نفع ذلك ؟ نعم، فكثير من الناس آمن به. وقد أقام رسول الله مناظرة بينه وبين اليهود بواسطة عبد الله بن سلام، الذي قال بعد أن أسلم بين يدي رسول الله : " يا رسول الله إن اليهود قوم بهت إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني٣ عندك، فجاءت اليهود ودخل عبد الله البيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي رجل فيكم عبد الله بن سَلَام ؟ قالوا : أعلمنا وابن أعلمنا وأخيرنا ابن أخيرنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفرأيتم إن أسلم عبد الله ؟ قالوا : أعاذه الله من ذلك ؟ فخرج عبد الله إليهم، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. فقالوا : شرنا وابن شرنا ووقعوا فيه " ٤.
إذن فالأوصاف الكلامية والأوصاف الشخصية المشخصة جاءت حتى لا يقال : إن أديان السماء تتعاند، إنها كلها متكاثفة في أن تصل الأرض بالسماء على ما تقتضيه حالة العصر زمانا ومكانا. وقديما كان العالم معزولا عن بعضه، وكل بيئة لها أجواؤها وداءاتها ؛ فيأتي الرسول ليعالج في مكان خاص داءات خاصة، لكن الله جاء برسوله صلى الله عليه وسلم بعد أن توحدت هذه الداءات في الدنيا ؛ جاء رسولنا الكريم ليعالج هذه الداءات العالمية، وجاء رسول الله مؤيدا بأوصافه ومؤيدا بتعاليمه التي تخفف عنهم إصرهم وأغلالهم، والإصر هو الحِمْل الثقيل، والأغلال جمع غُلّ وهو الحديدة التي تجمع اليدين إلى العنق لتقييد الحركة.

١ الضرب: الخفيف اللحم، والرَّجل هو من شعره بين البسوطة والجعودة، وقوله: من رجال شنوءة أي طويل؛ لأن هذه القبيلة كانت مشهورة بطول قامة رجالها، ورَبْعة أي مربوع الخلق لا طويل ولا قصير..
٢ متفق عليه..
٣ بهتوني: قالوا عليّ ما لم أفعل، من البهت والبهتان وهو الباطل والكذب والافتراء..
٤ من حديث أخرجه البخاري في صحيحه ـ كتاب بدء الخلق ـ عن أنس ـ رضي الله عنه ـ.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير