ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟ

تفسير المفردات : النبي من النبأ : وهو الخبر المهم العظيم الشأن ؛ وفي لسان الشرع من أوحى الله إليه وأنبأه لما لم يكن يعلم بكسبه من خبر أو حكم به يعلم علما ضروريا أنه من الله عز وجل، والرسول : نبي أمره الله بتبليغ شرع ودعوة دين وبإقامته والعمل به ولا يشترط أن يكون كتابا يقرأ وينشر ولا شرعا جديدا يعمل به ويحكم بين الناس، بل قد يكون تابعا لشرع غيره كله كالرسل من بني إسرائيل الذين كانوا يتبعون التوراة عملا وحكما، والأمي : الذي لا يقرأ ولا يكتب نسبة إلى الأم، وأهل الكتاب يلقبون العرب بالأميين كما حكى الله عنهم : ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل [ آل عمران : ٧٥ ] والمعروف : ما تعرف العقول السليمة حسنه لموافقته للفطرة والمصلحة بحيث لا تستطيع أن ترده أو تعترض عليه إذا ورد به الشرع، والمنكر : ما تنكره القلوب وتأباه على الوجه المذكور، والطيب : ما تستطيبه الأذواق من الأطعمة وتستفيد منه التغذية النافعة، والخبيث من الأطعمة : ما تمجه الطباع السليمة كالميتة والدم المسفوح، أو تصد عنه العقول الراجحة لضرره في البدن كالخنزير الذي تتولد من أكله الدودة الوحيدة، أو لضرره في الدين كالذي يذبح للتقرب به إلى غير الله على سبيل العبادة، والخبيث من الأموال : ما يؤخذ بغير حق : كالرياء والرشوة والغلو والسرقة والغصب ونحو ذلك، والإصر : الثقل الذي يأصر صاحبه : أي يحبسه من الحركة لثقله، والأغلال واحدها غل بالضم : وهو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه ويقال لها جامعة أيضا، والتعزير : الإعانة والنصرة حتى لا يقوى عليه عدو.
الإيضاح : الذين يتبعون الرسول النبي الأمي أي إن كتابة الرحمة كتابة خاصة لمن يتصفون بالصفات الثلاث المتقدمة : وهم الذين يتبعون الرسول النبي الأمي وهو وصف خاص بمحمد صلى الله عليه وسلم لا يشاركه فيه غيره من النبيين. فالأمية آية من آيات نبوته، فهو مع أميته قد جاء بأعلى العلوم النافعة التي بها يصلح ما فسد من عقائد البشر وأخلاقهم وآدابهم وأعمالهم، فغيّر نظم البشر في تلك الحقبة الطويلة وأثر في حياة الأمم التي حوله أكبر الأثر بما شهد له المنصفون في كل الأديان.
وقد وصف الله ذلك الرسول الذي أوجب إتباعه على كل من أدركه من بني إسرائيل بصفات :
( ١ ) إنه نبي أمي.
( ٢ ) إنه هو الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل أي يجد الذين يتبعونه من بني إسرائيل وصفه مكتوبا في التوراة والإنجيل بحيث لا يشكون أنه هو، فقد جاء في الباب الثالث والثلاثين من سفر التثنية :( جاء الرب من سينا وأشرق لنا من ساعير واستعلى من جبال فاران ومعه ألوف الأطهار، في يمينه قبس من نار ) فمجيئه من سينا إعطاؤه التوراة لموسى عليه السلام، وإشراقه من ساعير : إعطاؤه الإنجيل لعيسى عليه السلام، واستعلاؤه من جبال فاران : إنزاله القرآن، لأن فاران من جبال مكة.
وجاء في الباب الخامس عشر من إنجيل يوحنا :( فأما إذا جاء الفارقليط الذي أرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذي من الأب ينبثق فهو يشهد لي وأنتم تشهدون لأنكم معي من الابتداء والفارقليط بالعبرية معناه أحمد كما قال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام : مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد [ الصف : ٦ ] وجاء في سفر التكوين :( فلا يزول القضيب من يهوذا والراسم من تحت أمره إلى أن يجيء الذي هو له وإليه تجتمع الشعوب ) وفي هذا دلالة على مجيء محمد عليه السلام بعد تمام حكم موسى وعيسى، لأن المراد من الحاكم موسى لأنه ما جاء بعد يعقوب صاحب شريعة إلا هو، والمراد من الراسم عيسى وبعدهما ما جاء صاحب شريعة إلا محمد علي الصلاة والسلام.
وعلى الجملة فأهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا يتناقلون خبر بعثته صلى الله عليه وسلم فيما بينهم ويذكرون البشارات من كتبهم، حتى إذا ما بعثه الله بالهدى ودين الحق آمن به كثيرون وكان علماؤهم يصرحون بذلك كعبد الله بن سلام وأصحابه من علماء اليهود وتميم الداري من علماء النصارى وغيرهم من الذين أسلموا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما الذين استكبروا فكانوا يكتمون البشارات به في كتبهم ويؤولون كثيرا منها ويكتمونه عمن لم يطلع عليه، وقد قيض الله عالما من علماء الهند يسمى الشيخ رحمة الله في القرن الماضي لتحقيق هذه البشارات في كتاب سماه : إظهار الحق وتناول فيه مسائل غاية في الأهمية، ويجدر بمن يريد التوسع في هذه المسائل أن يطلع عليه وهو مطبوع متداول بين أيدي الناس.
( ٣، ٤ ) إنه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر أي لا يأمر إلا بالخير ولا ينهى إلا عن الشر كما قال عبد الله بن مسعود : إذ سمعت الله يقول يا أيها الذين آمنوا فأرعها سمعك، فإنه خير تؤمر به أو شر تنتهي عنه اه.
ومن أهم ما أمر به عبادة الله وحده لا شريك له، ومن أهم ما نهى عنه عبادة ما سواه كما هو شأن جميع الرسل في ذلك كما قال : ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت [ النحل : ٣٦ ].
( ٥، ٦ ) إنه ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث أي إنه يحل لهم ما تستطيبه الأذواق من الأطعمة وفيه فائدة في التغذية، ويحرم عليهم ما تستقذره النفوس : الميتة والدم المسفوح وما يؤخذ من الأموال بغير حق كالربا والرشوة والغضب والخيانة.
( ٧ ) إنه يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم أي إنه يضع عنهم التكاليف الشاقة كاشتراط قتل الأنفس في صحة التوبة والقصاص في القتل العمد أو الخطأ من غير شرع الدية وقطع الأعضاء الخاطئة وقطع موضع النجاسة من الثوب وتحريم السبت.
وقال ابن كثير : أي إنه جاء بالتيسير والسماحة كما ورد في الحديث :( بعثت بالحنيفية السمحة ) وقال صلى الله عليه وسلم لأميريه معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن ( بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا، وتطاوعا ولا تختلفا ).
والخلاصة : إن بني إسرائيل كانوا قد أخذوا بالشدة في أحكام العبادات والمعاملات الشخصية والمدنية والعقوبات فكان مثلهم مثل من يحمل أثقالا يئط منها وهو موثق بالسلاسل والأغلال في عنقه ويديه ورجليه، وقد خفف المسيح عليه السلام عنهم بعض التخفيف في الأمور المادية، وشدد في الأحكام الروحية إلى أن جاءت الشريعة الوسطى السمحة التي بعث بها خاتم الرسل محمد صلوات الله عليه
ثم بين سبحانه وتعالى كيفية إتباعه عليه الصلاة والسلام وعلو مرتبة متبعيه واغتنامهم مغانم الرحمة في الدارين إثر بيان نعوته الجليلة فقال :
فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل مع أولئك هم المفلحون أي إن الذين آمنوا بالرسول الأمي حين بعث من قوم موسى ومن كل أمة، وعزروه بأن منعوه وحموه من كل من يعاديه من التعظيم والإجلال، لا كما يحمون بعض ملوكهم مع الكره والاشمئزاز، ونصروه باللسان والسنان، واتبعوا النور الأعظم الذي أنزل مع رسالته وهو القرآن، أولئك هم المفلحون الفائزون بالرحمة والرضوان دون سواهم من حزب الشيطان الذين خذلهم الله في الدنيا والآخرة.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير