تفسير سورة النحل

زهرة التفاسير
تفسير سورة سورة النحل من كتاب زهرة التفاسير .
لمؤلفه أبو زهرة . المتوفي سنة 1394 هـ
تمهيد :
سورة النحل مكية، وعدد آياتها ١٢٨ ثمان وعشرون ومائة، وسميت النحل لذكر النحل فيها في قوله تعالى :﴿ وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ( ٦٧ ) ﴾.
وهي كالسور المكية تتجه إلى إثبات التوحيد مما خلق من أرض وسماء وأحياء، وتأكيد للبعث والنشور، وإبطال عبادة الأوثان، وما اقترن بعبادة الأوثان من وأد البنات.
وابتدأت بتأكيد عذاب الله لمن يشرك وأنه نازل به لا محالة، وأنه سبحانه ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده، وإن في ذلك إثبات الرسالة الإلهية تجئ على لسان البشر.
وقد أثبت من بعد ذلك قدرته سبحانه في خلق السموات والأرض وخلق الإنسان من نطفة، فإذا هو خصيم مبين مشيرا إلى مدرجه في التكوين، حتى يصير ذا لسان يجادل به، وعقل يفكر به.
وذكر نعمة الله تعالى على الإنسان بخلق الأنعام يتخذ منها أسباب الدفء من ملابس ومساكن، ومنافع في ركوبها، الانتقال بها من أرض إلى أرض، ومنها تأكلون، ﴿ ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ( ٦ ) وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم ( ٧ ) ﴾.
﴿ والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون ( ٨ ) ﴾.
وبعد ذلك بين نعمته سبحانه وتعالى في الماء ينزل من السماء بأمره يكون منه حياتكم، ويكون منكم الشجر، و﴿ الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ﴾، وذكر سبحانه تسخير الشمس والقمر والنجوم سخرها بأمر ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ﴾، وسخر سبحانه ما خلق في الأرض من فلزات ومعادن يتخذ منها الحلي وتقام بها المصانع وألوانها مختلفة.
ووجه سبحانه وتعالى الأنظار إلى البحر وما فيه ﴿ وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ﴾ من جواهر، وهو مع ذلك تجري فيه الفلك التي تمخر عبابهها به وجعل لكم ﴿ أنهارا وسبلا لعلكم تهتدون ( ١٥ ) وعلامات وبالنجم هم يهتدون ( ١٦ ) ﴾.
ذكر هذا لبيان خل الله العظيم ومع ذلك يشركون في عبادته من لا ينفع ولا يضر ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا يتذكرون ( ١٧ ) وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم ( ١٨ ) والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ( ١٩ ) والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ( ٢٠ ) أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون ( ٢١ ) ﴾، أي لا حياة فيها.
وقد قرر الله سبحانه وتعالى الحق فقال :﴿ إلهكم إله واحد ﴾ ولا ينكر حقيق الألوهية ويضل في معرفتها إلا الذين يكفرون بالبعث، فقال سبحانه :﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون ( ٢٢ ) لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾.
وقد أنكروا الوحدانية وأنكروا القرآن ﴿ وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين ( ٢٤ ) ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون ( ٢٥ ) ﴾.
وقد ذكر سبحانه العظات فيمن مضوا، فقد مكروا مكرهم، ودبروا تدبيرهم، وبنوا على ما دبروا أوهامهم، ﴿ فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وآتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ( ٢٦ ) ﴾، وبعد ذلك يجئ إليهم عذاب يوم القيامة يخزيهم، ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فاتقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ( ٢٨ ) ﴾.
هذا شأن الكفار الذين أنكرت قلوبهم، أما المتقون يوم القيامة، فإنهم يذكرون الحق يوم القيامة، ﴿ وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين ( ٣٠ ) جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين ( ٣١ ) الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ( ٣٢ ) ﴾.
ولقد بين الله تعالى بعد ذلك تفكير المشركين في عدم تدبرهم وعدم تفكيرهم، وإهمالهم الإنذار بعد الإنذار حتى ينزل بهم ما لم يتوقعوا، وهم في غفلة، فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، والمشركون يحملون آثامهم على الله ﴿ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ( ٣٥ ) ﴾.
﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة ﴾.
وقد أشار سبحانه إلى ما نزل بالسابقين من المنكرين، ولكنهم يصرون على إنكار التوحيد وإنكار البعث ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ( ٣٨ ) ﴾، وإن البعث أمر ليس بعسير على الله، ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ( ٤٠ ) ﴾.
وقد ذكر بعد ذلك سبحانه ثواب المؤمنين :﴿ والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبئنهم في الدنيا ولأجر أكبر لو كانوا يعملون ( ٤١ ) ﴾، وقد ذكر سبحانه وتعالى أوصاف الإيمان، وأولها الصبر، ﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾، ولقد كانوا يقولون لم بعث رسولا من البشر ؟ ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ؟ فقال تعالى :﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ( ٤٣ ) بالبينات والزبر وأنزلنا الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ( ٤٤ ) ﴾. ولقد أشار سبحانه أن المشركين في غفلة إذ يعاندون الله :﴿ أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيت لا يشعرون ( ٤٥ ) أو يأخذهم في تقلبهم بما هم بمعجزين ( ٤٦ ) أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم ( ٤٧ ) ﴾.
وينبئهم سبحانه إلى خلقه سبحانه الذي ﴿ يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ( ٤٨ ) ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون ( ٤٩ ) يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ( ٥٠ ) ﴾.
وقد أمرهم سبحانه بالحقيقة الخالدة وهي الوحدانية ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون ( ٥١ ) وله ما في السموات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون ( ٥٢ ) ﴾.
وقد بين سبحانه وتعالى نعمه مجملة :﴿ ما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ( ٥٣ ) ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ( ٥٤ ) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون ( ٥٥ ) ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون ( ٥٦ ) ﴾.
ولقد ذكر عادة جاهلية، وهي كراهية البنات، ووأدهم أحياء، فقال :﴿ ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون ( ٥٧ ) وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ( ٥٨ ) يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب لا ساء ما يحكمون ( ٥٩ ) ﴾.
ولقد حكم الله تعالى على المشرك أنه أسوأ ما يكون عقلا، فقال :﴿ للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ( ٦٠ ) ﴾.
وإن الله لا يؤاخذ الناس بأعمالهم فور وقوعها، ﴿ ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ﴾، ومع إشراكهم ﴿ تصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون ﴾.
وقد أكد الله تعالى لنبيه أنه سبحانه أرسل ﴿ إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم ﴾، وقد ساق ذلك وأكده ليتأسى النبي بالرسل قبله، وأنه يجب أن يسير في بيان الشريعة، ﴿ وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ( ٦٤ ) ﴾.
ثم ذكر سبحانه ﴿ والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ( ٦٥ ) ﴾، ثم بين سبحانه عجائب الخلق في الأنعام، ﴿ ونسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ﴾ وذكر سبحانه ثمرات النخيل والأعناب قد مكن الناس منها، فاتخذوا منها رزقا حلالا، واتخذوا مسكرا حراما، ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يعقلون ﴾، وذكر النحل، وما ألهمه سبحانه، والذي يخرجه من بكونها ﴿ فيه شفاء للناس ﴾، ثم بين خلق الإنسان ﴿ والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير ( ٧٠ ) ﴾، ثم بين سبحانه اختلاف الناس فقرا وغنى، ﴿ والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء ﴾.
وذكر سبحانه نعمه بأن جعل لنا من أنفسنا أزواجا وذرية بنين وحفدة، ورزقنا من الطيبات، ومع هذه النعم المتضافرة ﴿ يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا ولا يستطيعون ( ٧٣ ) ﴾.
وقد ضرب الله تعالى المثل لضلالهم، ﴿ ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ( ٧٥ ) وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ( ٧٦ ) ﴾، وهكذا الأمثال تحوي في ذاتها حكما وأخلاقا وتوجيها للأنظار مع دلالتها على معنى التوحيد والموازنة الحكيمة بين الخالق والمخلوق.
وقد وجه سبحانه الأنظار إلى خلق الإنسان لا يعلم ثم جعل له السمع والأبصار والأفئدة رجاء أن يشكروا فكفروا، ثم وجه سبحانه الأنظار إلى خلق الطير صافات، كما وجه إلى خلق السموات والأرض والأنعام والخيل والبغال وقال :﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ﴾.
ووجه الأنظار إلى البيوت التي يسكن إليها، ﴿ وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ﴾ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم وكل هذه نعم ليشكروها فكفروها، وينبه النبي صلى الله عليه وسلم أن عليه البلاغ فقط، ﴿ فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين ( ٨٢ ) يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون ( ٨٣ ) ﴾، وقد أنذرهم سبحانه وتعالى :﴿ ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون ( ٨٤ ) ﴾ وذكر سبحانه بعد ذلك حال المشركين مع الأوثان يوم القيامة ثم أسلموا أنفسه لله ﴿ وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون ( ٨٧ ) ﴾ وبين سبحانه وتعالى مقام النبوة المحمدية يوم القيامة، فيقول :﴿ ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ( ٨٩ ) ﴾.
ويبين الله تعالى لب الإسلام وغايته، فيقول :﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ( ٩٠ ) ﴾.
ويدعو الله إلى الوفاء بالعهد، وينهى عن نكث العهد، ويبين أن العهد قوة، ونكث العهد نكث للقوة، وجعلها أنكاثا، وأنه لا يصح أن يكون الرغبة في الكثرة في الأرض، والقوة سببا للنقص، ولا تتخذوا ﴿ أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ﴾، ويبين أن الله تعالى قدر اختلاف الأمم ﴿ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ﴾.
ونهى عن نقض العهد نهيا قاطعا، فقال :{ ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون ( ٩٥ ) ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأح

كان المشركون يتلقون وعد النبي صلى الله عليه وسلم لهم بالغلب في الدنيا أو العذاب الأليم في الآخرة بالاستهزاء، والسخرية مبالغة في الإنكار، ويتحدون النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل بهم ما ينذرهم به، ولقد قال تعالى في ذلك :﴿ ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون ( ٥٣ ) ﴾ [ العنكبوت ] وقال تعالى :﴿ يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ( ٥٤ ) ﴾ [ العنكبوت ]، أي أن أسبابها محيطة بهم، وهي قريبة منهم، وقد نزل قوله تعالى :﴿ اقترب للناس حسابهم...( ١ ) ﴾ [ الأنبياء ]، وقوله تعالى :﴿ اقتربت الساعة وانشق القمر ( ١ ) ﴾ [ القمر ] فاستعجلوه، وقوله تعالى :﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ﴾، قال فيه النحويون : إنه ماض بمعنى المضارع، وعبر بالماضي بتأكد وقوعه.
وفي الحق : إن الأزمان بالنسبة لله تعالى لا تختلف بين ماض ومستقبل بل إن ذلك بالنسبة لنا ؛ إذ يختلف الماضي الذي نعلمه واقعا عن المستقبل الذي لا نعلمه بل في الغيب المكنون المستور عنا.
على أن قوله تعالى :﴿ أتى أمر الله ﴾، أي تقرر أمر الله تعالى وما يقرر الله تعالى قد أتى فيه قراره، وتعلقت به إرادته، وإذا كان قد أتى فلا تستعجلوه ؛ لأنه قد قرر فهو واقع لا محالة، واستعجالكم لا يعجله، وسكوتكم لا يؤجله، و ( الفاء ) في قوله تعالى :﴿ فلا تستعجلوه ﴾، تدل على أن ما قبلها سبب لما بعدها، فسبب النهي عن الاستعجال أنه تقرر بالفعل، وقوله تعالى :﴿ سبحانه وتعالى عما يشركون ﴾، أي تنزه وتقدس وتبرأ، وتعالى أي تسامى عما يشركون، و ( ما ) مصدر حرفي أو إسمى، وفي الجملة معنى النص السامي : تقدس سبحانه وتسامى في علوه عن أن يكون له شريك في السموات والأرض.
وهذه العبارة السامية فيها تقرير أن الله واحد لا شريك له، ولا يمكن أن يكون له شريك في قدسيته، وكبريائه
وقد بين الله سبحانه وتعالى بعد ذلك أنه أرسل الرسل بهذه الحقيقة لينذر المشركين بإرسالهم، فقال تعالى :﴿ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ( ٢ ) ﴾.
( الروح ) فسره ابن كثير بأنه الوحي، كما قال تعالى :﴿ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ( ٥٢ ) ﴾ [ الشورى ].
وتسمية الوحي روحا ؛ لأنه يجئ بما فيه حياة الناس، فهو كالحياة لهم، أو لهم مقام الروح في الأجساد. وقوله تعالى :﴿ على من يشاء من عباده ﴾، أي من اختارهم لرسالته ويصطفيهم، الله يختبر من يشاء من عباده وهو أعلم حيث يجعل رسالته.
وقوله تعالى :﴿ من أمره ﴾، أي أنها مقبلة بأمره سبحانه، أو من أجل أمره، وتنفيذ ما قدر ونقرر، وأمره بينه سبحانه بقوله تعالى :﴿ أنه لا إله إلا أنا فاتقون ﴾.
فهو تقرير للوحدانية جاء على لسان الحق جل جلاله ﴿ أنه لا إله إلا أنا ﴾ داخل عليها حرف جر، وهو الباء و ( أن ) هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، أي أنه الحال والشأن ﴿ لا إله إلا أنا ﴾ وقد ذكر ضمير المتكلم لتربية المهابة، ولفيض جلاله سبحانه وتعالى، والجملة دالة على القصر، فالألوهية مقصورة على الذات العلية، وما ينحلونها بالألوهية من أوثان باطل في أصله، وإنما هي أوهامهم التي أعطتها صبغة الألوهية، وإذا كان الله تعالى جل جلاله هو وحده الإله فإن الوقاية من عذابه، وخوف عقابه أمران لازمان ؛ ولذا رتب سبحانه على وصفه وحده بالألوهية قوله :﴿ فاتقون ﴾ فالفاء فلترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإنه إذا كان هو الإله لا شريك له، فلا يتقى غيره، وجاء على لسان الأمر، لكي يجتنبوا ما يعرضهم للعذاب، ومعنى ( اتقوا ) اجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية، واملأوا قلوبكم بتقواه، كما قال تعالى :﴿... اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ( ١٠٢ ) ﴾ [ آل عمران ].
وإن أسباب انحصار الألوهية في ذاته العلية هو أنه وحده خالق السموات والأرض ومانح النعم ؛ ولذا قال تعالى :﴿ خلق السموات والأرض بالحق تعالى عما يشركون ( ٣ ) ﴾.
أنشأ الله السموات والأرض بالحق أي بالأمر الثابت، والنظام المحكم، ربط بين أجزاء السماء بسر الوجود فكل نجم في مداره، وبروجها ثابتة لا تتغير وتسير إلى مستقرها وتتحرك في مدارها وكل شيء يجري بحسبان في السماء والأرض بطبقاتها، وما أودع باطنها من فلزات وأحجار، وعروق المعادن، والجبال الراسيات، والبحار التي تجري الفلك فيها ماخرات عبابها، والأنهار والأمطار تنبت الزرع، وتأتي بالثمار، هذا ما يشير إليه ؛ لذا كان سبحانه وتعالى قد خلقها بذلك الإحكام وبذلك النظام الثابت الذي لا يتخلف، وأنه سبحانه وتعالى هو الذي يمسك السموات والأرض، فهو سبحانه وتعالى المتعالي عن الشركاء ؛ ولذلك قال الله تعالى :﴿ عما يشركون ﴾ تسامى في ذاته عن أن يكون له شريك ؛ لأنه ليس كمثله شيء قط، فهو المنفرد بالخلق والتكوين والإنشاء.
وقوله سبحانه :﴿ تعالى عما يشركون ﴾ كانت هذه الجملة مفصولة عما قبلها، لتمام الاتصال فإن تمام الاتصال يوجب فصل الجملتين، كما يوجبه كمال الانفصال، إذ الجملة الأولى سببا للثانية، فإن الخلق للسموات والأرض سبب لكمال العلو عن المثل والشريك.
هذا هو الخلق العام، والإنسان نفسه فيه إثبات قدرة الله بديع السموات والأرض ومبدع الإنسان ؛ ولذا قال تعالى :﴿ خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين ( ٤ ) ﴾.
وهو الماء الذي يخرج من بين الصلب الذي قالت آية أخرى :﴿... من ماء مهين ( ٨ ) ﴾ [ السجدة ]، وقوله تعالى :﴿ فإذا هو خصيم مبين ﴾ يشير إلى الأدوار التي مر بها من طين فنطفة، فعلقة، فمضغة، كما قال تعالى :﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ( ١٢ ) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ( ١٣ ) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ( ١٤ ) ﴾ [ المؤمنون ] هذه أدوار الإنسان، وهو جنين لم يحرج إلى ظاهر الوجود، وإذا خرج إلى ظاهر الوجود كان معه السمع والأبصار والأفئدة، حتى تكون فيه كل قوى الإنسان من لسان وعينين وأذنين.
هذه الأدوار كلها يشير إليها قوله تعالى :﴿ فإذا هو خصيم مبين ﴾، الخصيم الناطق المجادل الذي يحسن إدارة القول وتحويره وتحويله كعمرو بن العاص الذي كان معروفا بالحيلة في القول، حتى إن عمر الفاروق رأى رجلا لا يكاد يبين، فقال سبحان الله خالق لسان هذا هو خالق لسان عمرو بن العاص.
و ( الفاء ) و ( إذا ) يدلان على المفاجأة، والمفاجأة مع هذه الأدوار المتدرجة بأمر الله وتقديره للدلالة على التفاوت البين بين ماء مهين، وخصيم مبين، سبحان من كون وأنشأ، وهدى وعلم.
بعد هذا أخذ سبحانه يبين النعم التي أنعمها على الإنسان فقال تعالى :﴿ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ( ٥ ) ﴾.
الأنعام جمع نعم، وهي الإبل والبقر والغنم، وما يشبهها من غزال أو نحوه، وقد ذكر سبحانه وتعالى في هذه الآية نعما على الإنسان، فقال تعالى :﴿ لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ﴾.
النعمة الأولى منها الدفء، وهي دفع البرد، وذلك بإلباس من وبرها وصوفها، ومن النفع اتخاذها أثاثا وبيوتا من الخيام، كما قال تعالى :﴿... ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين ( ٨٠ ) ﴾، والمنافع كما قال ابن عباس : النسل والركوب واتخاذها في الحرب لحمل المجاهدين، والثالث منها تأكلون أي من لحومها وألبانها.
وذكر سبحانه نعما للإنسان أخرى فيها، وهي قوله تعالى :﴿ ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تستريحون ( ٦ ) ﴾.
ترى الراعي للإبل أو القطيع ساقها إلى الرواح قد ذهب عنها الجوع وامتلأت شبعا من الكلأ والنبات، ويخرج بالنعم سارحا إلى حيث المرعى والمسقى، وحيث يرعاها ويشرف عليها في حركاتها وملاعبها ذلك هو معنى ﴿ تريحون ﴾ و ﴿ تسرحون ﴾.
و ( الجمال ) هو الصورة التي تكون متنافسة وتؤثر في النفس، وهو يكون في الخلق والتكوين، كما ترى في جمال الأشخاص والصور والمناظر وتنفعل به النفس في إحساس بالسرور والارتياح، ويكون في جمال الطبائع السليمة الطيبة، ويكون في المعاني والصور النفسية.
وإن في منظر قطعان الإبل والغنم والبقر وهي سارحة متجهة إلى مراعيها، ما يشرح النفس ؛ لأن منظر الحياة في الأحياء يفرح النفس، ويلقى فيها بهجة، ومنظرها وهي عائدة ريانة بالشبع والسقي يعطي ارتياحا أشد.
وقد ذكر رواحها، قبل سراحها مع أن الرواح خاتمة اليوم والسراح ابتداؤه ؛ لأن الإحساس بالجمال في الرواح أشد ؛ إذ تكون مزدهرة مملوءة بالشبع، ورواحها يكون أشد، وجمالها أوقع في نفس صاحبها ؛ لأنه يكون بعد تعب رعيها والإشراف عليها، ولأنه يكون بعد انتصارها على مطامعها، وإشباع حاجتها.
وقد قال الزمخشري : من الله بالتجمل بها، كما من بالانتفاع بها ؛ لأن من أغراض أصحاب المواشي، بل هو من معاظمها ؛ لأن الرعيان إذا روحوها بالعشي وسرحوها الغداة، فزينت بتسريحها الأفنية، وتجاوب فيها الثغاء والرغاء أنس أهلها وفرح أربابها وأجملها في عيون الناظرين إليها وأكسبتهم الجاه والحرمة ونحوه.
وقد يسأل سائل لماذا ذكر جمال النعم في غدوها ورواحها وجمال الدنيا كثير ؟ والجواب أن ذلك أن الله تعالى ذكر زينة الأرض بنباتها، وزخرفها، وذكر أنها زينت بذلك للناظرين، وإن ذكر جمال النعم في تلك الأوقات ترغيبا في تربيتها والعناية بها ؛ لأن فيها نفعا وغذاء.
وذكر الله تعالى مع ما ذكر من منافع للنعم حمل الأثقال تعالت كلماته :﴿ وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم ( ٧ ) ﴾.
الأثقال : جمع ثقل، وهو ما يثقل حمله، ويشق بكسر الشين، وتفتح وهي قراءة بمعنى المشقة، وإن البلاد العربية كان الحمل فيها بالجمال حتى قيل : إن الجمال هي سفن الصحراء، أي أنها تنقل الأمتعة والأثقال في الصحراء، كما تنقل السفينة على سطح الماء.
فالضمير وإن كان يعود إلى الأنعام كلها، إلا أن حمل الأثقال عند العرب للجمال فقط، وفي الحق إن حمل الأثقال ظاهره حملها على الظهر، ولكنه يشمل بالتضمن جرها على العربات، وأن من البقر ما تجر العربات المحملة، كما يرى في مصر، وكما يرى في غيره من البلاد، وقد رأينا في باكستان الإبل تجر العربات.
وجملة معنى النص، وتحمل أثقالكم أو تجر ما يحملها إلى بلد نائية عن مقركم لم تكونوا بالغي هذا البلد لنأيه وبعد المسافة إلا بمشقة شديدة.
وإن ذلك من رحمة الله تعالى بعباده ورأفته بهم ؛ ولذلك قال تعالى في ختام الآية الكريمة :﴿ إن ربكم لرءوف رحيم ﴾، أي أنه سبحانه يرأف بكم في خاصة أموركم ويرحمكم في عامة أحوالكم، وفي وجودكم، وهنا بعض إشارات نذكرها :
أولها – أن الله تعالى عبر ب ﴿ ربكم ﴾ للإشارة إلى أن ذلك التمكين من مقتضيات الربوبية والقيام على شئونكم وهو سبحانه وتعالى : الحي القيوم الذي يحيط بكل شيء علما.
الثانية – أنه قال :﴿ لرءوف رحيم ﴾، والفرق بين الرأفة والرحمة فيما نحسب أن الرأفة فيما يكون في الإنسان في خاصة أمره من حيث الرفق والتسهيل والتيسير، والرحمة ما يكون بالإنسانية في عامة أمورها، وقد تكون الشدة في بعض الأحوال من مقتضيات الرحمة ؛ لأن رحمة الكافة قد تقتضي شدة على الظالمين.
الثالثة – أن الله تعالى أكد وصفه بالرأفة والرحمة ب ﴿ إن ﴾، وصيغ المبالغة، وبالجملة الاسمية، وباللام.
ولقد قال تعالى في نعمة النعم :﴿ والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون ( ٨ ) ﴾.
بعد أن ذكر سبحانه نعمته في الأنعام، وما تتخذ منها من منافع، وما يكون فيها ذكر نعمة في غيرها مما لا يشمله اسمها وكان العرب يجدون فيها متاعا، وهي الخيل والبغال والحمير، فإن، فيها نعمة التمكين من ركوبها أو نعمة أنها تتخذ زينة لهم في غدوهم ورواحهم، وقد قال تعالى :﴿ زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل والمسومة والأنعام والحرث...( ١٤ ) ﴾ [ آل عمران ].
فالخيل المسومة من زينة الحياة، فالخيل ومثلها البغال والحمير تتخذ زينة، وقد قال العلماء في الخيل ومثلها البغال، وكلمة الخيل قد يدخل في عمومها البغال ؛ ولذا يكون سهمها في الغزو عند كثير من الفقهاء وعلى رأسهم أبو يوسف صاحب أبى حنيفة رضي الله عنها. إن الخيل تتخذ لأغراض ثلاثة :
الغرض الأول : القنية، لإنتاج وهذه حسنة في ذاتها ؛ لأن إنتاج في الحيوان كالإنتاج في النبات مستحسن بل مطلوب.
الغرض الثاني : للجهاد، فإن في نواصيها الخير وذلك مطلوب.
الغرض الثالث : للخيلاء والتفاخر، والخيلاء منهى عنه.
و الزينة هي ما يكون الخيل من راحة للنفس، وفرق بين اتخاذها زينة والخيلاء بها، فإن الخيلاء تفسد القلب، أما التزين، أو طلب ما يكون فيه زينة فإنه لا شيء يمس القلب ليفسده.
ولقد قال تعالى بعد ذلك :﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾، أي يخلق ما نعلم وما لا نعلم، وما كان يعلمه العرب، وما لا يعلمونه، ولو أن المتأمل المستبصر تعرف إعجاز القرآن في إخباره بما كان مغيبا في زمان نزوله لوجده في مثل هذه الآية، فإن مما خلقه الله تعالى مما كان العرب لا يعلمونه، ولم يكن قط في عصر نزول القرآن – السيارات التي تنهب الأرض نهبا، والطائرات التي تقطع أجواء الفضاء قطعا، ومما يجري الآن في عصر الفضاء فإن ذلك كله خلقه الله تعالى، ومكن الإنسان في عصره ما لم يكن يعلمه، وسنرى مما يخلق الله، ويعلمه من بعدنا، ولا نعلمه نحن.
نعم الله تعالى في المطر والشمس والقمر والبحار
يقول الله تعالى الأمور الحسية بالمعنوية، فيذكر الحسي أولا، ثم يتجاوزه إلى المعنوي، وقد يكون ذلك في جملتين متصلتين سببية أو وصفية، كما قال تعالى :﴿... وتزودوا فإن خير الزاد التقوى...( ١٩٨ ) ﴾ [ البقرة ]، فصدر القول التزود في الحج بزاد الدنيا، وجاء في التعليل الزاد المعنوي، وذلك ليجمع بينهما، وكما قال تعالى :﴿ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير...( ٢٦ ) ﴾ [ الأعراف ].
وقد ذكر سبحانه في الآيات السابقة ركوب الخيل والبغال والحمير وزينتها وأن الله يخلق ما لا نعلم من نزل فيهم القرآن، وقد خلق السيارة والطيارة، وقد أخرج روائع الأرض إلى السماء، حتى يصل الإنسان إلى الأفلاك ومواقع النجوم.
ذكر سبحانه تلك النعم المادية، وذكر بعدها المسالك المعنوية الهداية، والشقوة، فقال تعالى :﴿ وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ﴾.
القصد مصدر بمعنى اسم الفاعل، والقصد والقاصد معناهما مستقيم لا انحراف فيه، وطيب لا سوء فيه ثم إنه كما قال تعالى :﴿ لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لأتبعوك...( ٤٢ ) ﴾ [ التوبة ].
ومعنى ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾، أي على الله بيان السبيل المستقيم الموصل إلى الحق، ومعنى بيانها إقامة البنيان والأعلام الدالة على الطرق وإرسال الرسل للهداية وقد وهب إليهم القلوب المدركة للحق بفطرتها.
وحذفت ( بيان )، وبقيت كلمة ( قصد ) نظرا إلى المضاف، للإشارة إلى أن الطريق القاصد هو بنفسه هاد، ذلك لأن النفوس المفطورة على فطرة الله تعالى الحق وحده يهديها ويرشدها.
وليس معنى أن قصد الطريق على الله أنه لازم عليه، بمعنى أنه واجب عليه، فالله تعالى لا يجب عليه شيء وليس في الوجود من يوجب عليه شيئا، سبحانه وتعالى، وإنما كتب الله تعالى على نفسه أن يضع لهم أسباب العلم والهداية ودراية الحق ليسلكوا مختارين، فليس فيه إلزام على الله، كما أنه ليس فيه جبر للعباد.
﴿ ومنها جائر ﴾، ( جائر ) أي مائل منحرف حاشد، ليس بمستقيم، والضمير في ( منها ) يعود إلى السبيل وهي الطريق، وتؤنث. وذكر هذه الجملة بعد الأولى يدل على أن الأصل هو الاستقامة ؛ لأن الفطرة مستقيمة بذاتها، والانحراف من تسلط الشياطين بتسليط الأهواء، والشهوات.
وإن هذين الخبرين يدلان على أن الناس فيهم المستقيم، والمنحرف الجائر الحائد عن الطريق، وإن الله تعالى قد وضع للفريقين أسباب الهداية والصواب لعلمنه القصد، فمنهم سلك القاصد ومنهم من انحرف عن الطريق السوي :﴿ ولو شاء لهداكم أجمعين ﴾، أي لو شاء أن تكونوا جميعا على سواء في الرشاد، لهداكم أجمعين بأن جعلكم جميعا تسلكون سبل الهداية، وأنتم مختارون غير مجبورين كما قال تعالى :﴿ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها...( ١٣ ) ﴾ [ السجدة ].
عاد سبحانه وتعالى من بعد أن بين أن الله سن طريق الهداية وهو طريق الفطرة، وأن الناس يجورون بالطريق فيرتكبون ما لا يجوز، بعد ذلك بين النعم العادية الداعية إلى الشكر لمن أراد الحق وسلك سبيله، فقال تعالى :﴿ هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ( ١٠ ) ﴾.
الضمير يعود إلى الله جل جلاله ؛ لأنه حاضر دائما، ولأنه المتحدث عنه القرآن دائما، ولأن القرآن كتابه، فهو منه والقرآن هو الذكر الحكيم.
الماء هو الصلة التي تصل السماء بالأرض فمنها ينزل المطر إلى الأرض، وقد ذكر سبحانه وتعالى نعمتين جليلتين فيه :
أولاهما – أن منه الشرب، ورى الأبدان، وقد عبر سبحانه بقوله تعالى :﴿ لكم منه شراب ﴾، وقال سبحانه :﴿ لكم منه شراب ﴾، أي أن الماء لكم منه شراب، تشربونه وتدفعون به العطش، وعبر سبحانه بقوله تعالى لكم منه شراب ليشمل شربه ريا وسقيا، ويشمل اتخاذه محلى بمادة من مواد الحلوى، وليشمل الشراب الذي يكون من النبات والكروم غير المتخمر، فإن الماء أصل ذلك كله.
وثانيتهما – أن ﴿ ومنه شجر فيه تسيمون ﴾، والشجر يطلق على كل نبات سواء أكان زرا ينتج حبا متراكما، أم كان غرسا لكل ذلك يسمى، وقد ذكر البيضاوي شعرا في ذلك، وهو :
يعلفها اللحم إذا عز الشجر والخيل في إطعامها اللحم ضرر
فالشجر الذي يعز في علف الخيل هو الزرع لا الغراس.
ومعنى قوله تعالى :﴿ تسيمون ﴾ من أسام الماشية إذا رعاها، وجعلها تطلب أماكن الكلأ والرعي، وأصلها من المسومة، وهي العلامة التي تكون قطع الكلأ، ورعى النعم له.
وإن هذه بلا ريب نعم تستحق الشكر، فهل تشكرون.
وقد فصل سبحانه وتعالى القول فيما تكون من ماء السماء، فقال تعالى :﴿ ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ( ١١ ) ﴾.
الضمير في ( به )يعود إلى الماء، أي ينبت الله تعالى لكم بهذا الماء الزر وهو الحب المتراكب والكلأ، ونحوه من أنواع الزيتون، والنخيل والأعناب، ومن كل الثمرات.
والزيتون اسم جنس جمعى لزيتونة، والنخيل معروف، والأعناب جمع عنب، ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ ( من ) فيها تظن أنها بيانية، أي كل الثمرات، ك ( من ) في قوله تعالى :﴿ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ( ١٠٤ ) ﴾ [ آل عمران ] ويقول الزمخشري إن من تبعيضية، هنا لأن ثمرات الدنيا مهما كبرت وكثرت هي بعض الثمرات، وفي الجنة كلها.
وإن الإثبات في ذاته نعمة ؛ لأن الله تعالى فالق الحب والنوى، تنشق من الحبة أو النواة بأمر الله فتخرج بالري عودا، تجري إلى أعلى فيكون منه سيقان الزرع والشجر، وينشق إلى أسفل فتكون منه العروق والجذور التي تجري في باطن الأرض على امتداد قصير أو طويل على حسب نوع النبات والشجر، والضوء والحرارة يعاونان في تكوين الغصون والأوراق، وإن الزيتون إما أن يراد به الثمرة، أو يراد به الشجرة، وفي كل آيات، ويدرس العلماء إدام الزيتونة فيحسب بعض الباحثين أن فيها دواء للسرطان، ولا تزال آيات الله تعالى قائمة في كل خلق، سبحانه وتعالى عما يصفون، وهو الخلاق العليم.
ولقد ختم الله تعالى الآية بقوله :﴿ إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ﴾، أي إن في ذلك الخلق العظيم الدقيق الحكيم لآيات دالات بينات على عظيم الخلق، وإحكام الأسباب التي سيرها بأمره، وهو العليم الخبير، سبحانه وتعالى، ﴿ لقوم يتفكرون ﴾، أي لأناس متجمعين يتفكرون تفكر المتدبرين في أحكام صنيعه، وكريم نعمه، وعظم المن في خلقه، سبحانه وتعالى.
هذه نعم الله تعالى التي خلقها في الأرض أو بعضها، وقد عدد نعمه في الأرض ثم اتجه إلى نعمه على الإنسان في السماء، فقال عز من قائل :
﴿ وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ( ١٢ ) ﴾.
فالله تعالى سخر لنا الليل والنهار، أي ذلل الليل والنهار لنا، فجعلهما بذاتهما نعمة، ففي الليل يكون الهدوء الساتر ؛ ولذلك سمى الليل لباسا، وفي النهار يكون العمل والكسب ولكدح، وفي الليل يكون الاستجمام لعمل النهار، وفي النهار يكون العمل المنتج المثمر.
ثم هناك أمر آخر في الليل والنهار، ففي الليل يكون الكربون الذي تنمو منه عروق الأشجار والأوراق وتنفث الزائد منه عن حاجتها.
وفي النهار تكون الحرارة، وتنفث الأشجار ما يكون عناصر تدخل في تكوين الأحياء، وهكذا كان في الليل والنهار نعمة أو نعم نذكر منها ما أدركنا، وهو بعض قليل من نعم كثيرة من بها علينا الله سبحانه وتعالى، وهو الحكيم العليم.
وبعد ذلك ذكر سبحانه ما يكون في النهار من شمس مشرقة وهي ضياء تمد بكل العناصر التي يتغذى منها النبات، والنخيل والكروم والزيتون، وغيرها من الدوحات العظام والباسقات، ثم القمر وما يكون منه من نور، وإن لم يكن ذاتيا، فهو في ذاته نعمة، وثبت بالواقع أن له تأثيرا في الأجنة في بطون أمهاتها، وفي حياة المرأة، وفي طمثها وطهورها، وحملها وولادتها وسر ذلك عند العليم الحكيم، والعلماء دائبون في البحث والتعرف.
ولذا قال تعالى وقد علق فكر ابن آدم بالسماء :﴿ وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ﴾.
ومعنى التسخير تذليلها لمنافع الناس، فليست مذللة بذاتها للناس، ولا سلطان لهم عليهم ولكنه سبحانه وتعالى جعلها مذللة لمنافعهم، فالشمس والقمر يكون منهما الليل والنهار، ويكون ما ذكرنا وهو بعض مكمل، ويعلم بهما الحساب ﴿... والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب...( ٥ ) ﴾ [ يونس ].
وسخر الله تعالى النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر.
وقد ختم الله سبحانه وتعالى الآية بقوله :﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ﴾، أي في ذلك ذكره سبحانه من خلق السموات والأرض، وتسخير الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم، لآيات بينات دالة على وحدة الخالق، وأنه وحده المستحق للعبادة، لقوم يعملون عقولهم في خلق السموات، وإدراك حقيقة الوجود، ولا يقولون في عبادتهم :﴿... بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا...( ١٧٠ ) ﴾ [ البقرة ].
ولقد قال في ذكر بديع خلقه :
﴿ وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون ( ١٣ ) ﴾.
الواو عاطفة على الليل والنهار، والعطف على نية تكرار الفاعل، والمعنى "سخر لكم ما ذرأ"، وذرأ : خلق وأبدع، وقوله تعالى :﴿ مختلفا ألوانه ﴾ حال، فالبذر في أرض واحدة، أو قطع من الأرض متجاورات، وتسقى بماء واحد، وتسمد بسماد واحد ومع ذلك يخرج الزرع مختلفا ألوانه، والحيوان مختلف الألوان، والإنسان مع أن النطفة واحدة يكون مختلف الألوان، كما قال تعالى :﴿ ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم...( ٢ ) ﴾ [ الروم ].
وإن تسخير الله ما ذرأ مختلفا ألوانه، فيه نعمتان جليلتان أنعم الله تعالى بهما على عباده :
النعمة الأولى – أن اختلاف الألوان يومئ إلى اختلاف الأنواع والأصناف، وكل يؤدى للإنسان غرضا فهذا يكون منه لباسه، وذاك يكون منه طعامه، وذلك منه أثاثه ما يكون أداة حربه وجهاده.
النعمة الثانية – أن اختلاف الألوان يكون فيه بهجة للناظرين، ويجعل الأرض ذات منظر بهيج. وإن المعادن التي ذرأها الله تعالى في الأرض من حديد ونحاس وذهب وفضة وغيرها من فلزات، هي مختلفة الألوان، وفيها بهجة وزينة، وفيها منافع الناس، والحديد فيه بأس شديد، والأحجار من فحم وماس، وغيرهما ذرأهما الله للناس لمنافعهم وهي مختلفة الألوان، وقد ختم الله سبحانه وتعالى الآية بقوله :﴿ إن في ذلك لآية لقوم يذكرون ﴾، أي إن في ذلك الذي ذكره من ذرء، وخلق مختلف الألوان في باطن الأرض، وما على ظاهر الأرض من زروع وثمار كل ذلك فيه آيات دلائل بينات على وحدة الخالق ﴿ لقوم يذكرون ﴾، أي يتذكرون الأشياء والأمور ويربطونها بعضها ببعض.
ويلاحظ أن الله سبحانه وتعالى في بديع نظم القرآن وإحكامه، قال في الآية الأولى ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ﴾ ليدعوهم إلى التفكير، وفي الثانية ﴿ لآيات لقوم يعقلون ﴾ ليدعوهم إلى أن يكون التفكير بعقولهم لا بأهوائهم، وفي الثالثة :﴿ لآية لقوم يذكرون ﴾ ليكون دعوة إلى اعتبارهم، وربط الأمور بعضها ببعض.
كانت الآيات السابقات تدعو إلى النظر في نعم الله التي احتوتها الأرض من أشجار وزروع وثمار وإلى ما في السماء من شمس وقمر، ونجوم مسخرات بأمره، وما في اتصال الأرض بالسماء، وفي الآية التالية دعوة إلى النظر في البحر وما فيه من نعم فقال تعالت كلماته :
﴿ وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ( ١٤ ) ﴾.
الضمير ( هو ) يعود إلى الله تعالى، وذكر الموصول لبيان سلطان الله تعالى، وللإشارة إلى أنه سبحانه هو الذي ذلل البحر لمنافعهم، وتمكنهم مما فيه، وليس صيدهم هو الذي مكنهم، بل تسخير الله البحر لهم كان نعمة لهم وتمكينا من نفعهم، وقوله :﴿ لتأكلوا منه لحما طريا ﴾، ووجه الأكل إلى لحمه مباشرة وفيه إشارة إلى أنه لا يزكى، بل يؤكل ميتا، ولذا روى في الأثر "أحل لنا ميتتان حلالان السمك والجراد"١ وعبر سبحانه وتعالى أيضا بقوله :﴿ لحما طريا ﴾، ولم يقل سمكا ؛ لأن في البحر ما ليس بسمك، حيوانات تشبه البحر، والظاهر أنها حلال وفيها ضخم يكفى الألوف، كالحيوان البحري المسمى الترسة، وكالحوت وفرس البحر، وغير ذلك، وكلها لحم طري.
وقد وصف القرآن اللحم الذين يؤخذ من البحر بأنه لحم طري ؛ لأنه فعلا طري، وعظمه قليل، ولا يتخلل أجزاء جسمه، بل هو في موضع معين والذي يتخلل جسمه شيء صغير يسميه العامة "سفا"، ويقول الزمخشري في وصفه بأنه طرى للإشارة إلى أنه سريع العفن، وأنه ضار إذا تعفن، وفي ذلك نظر، فإنه إذا وضع الملح عليه لم يكن ضارا في تعفنه، وهو المتفسخ منه، وقد أنكره أطباء عصرنا وزماننا ثم أباحوه بل استحسنوه، وقرروا أن فيه سرا طبيا، وإن لم يعرفوه.
وحرم التفسخ الحنفية ؛ لأنه ضار، وقد علمت ما فيه.
و ﴿ اللام ﴾ في قوله تعالى :﴿ لتأكلوا ﴾ هي لام الغاية أي ذلله وسخره لتأكلوا منه لحما بعد صيده، وإنضاجه، وفيه مواد غذائية كبيرة، مملوءة بالقشور، وغيرها.
وإذا كان ذلك الطعام فيه منفعة مرئية طيبة فالبحر وعاء للجواهر المختلفة، ولذا قال :﴿ وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ﴾ وهي ما يسمونه بالأحجار الكريمة ومن لآلئ، وزمرد، وغيرهما مما يتحلى به النساء وبعض المرفهين من الرجال، وإن لم يتشبهوا بالنساء.
وتوهم بعض المفسرين أن التحلي بالجواهر حرام، وقاسوه على التحلي بالذهب، ولكن الثابت في الآثار أن التحريم مقصور على الذهب على أنه روى أن بعض الصحابة قال : إنه لا تحريم، ولكن قالوا : إن ذلك من شواذ الأقوال ولقد ذكر الشوكاني في "نيل الأطوار" أن هناك عشرين من الصحابة لم يحرموا الذهب على الرجال، ولكن لم يذكر من هم ولم يذكر من أسند هذا القول إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ومهما يكن فإن الجواهر والآلئ والزمرد والياقوت، وغيرها من الأحجار الكريمة، كالماس والكهرمان ونحوها لم يثبت تحريمها إلا أن يتخذها عقدا كما يتخذها النساء فإن ذلك يكره للتشبه بالنساء.
والنفع الثالث الذي ذكره القرآن الكريم من المنافع التي سخرها الله تعالى : الفلك، فقال تعالى :﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾، ﴿ مواخر ﴾ جمع ماخرة، وهي السفينة التي تشق الماء حتى يكون لها صوت يسمع، ولا يكون إلا للمراكب الكبيرة التي تحمل الأمتعة والأشياء، ولو كانت شراعية، وإنك لترى المراكب الشراعية ذوات الشراع المختلفة المتعددة وفي ذلك إشارة إلى نعمة التنقل في البحار، وقد كانت من بعد عصر القرآن الأساس في نقل البضائع والرجال من بلد إلى بلد، حتى إنه ليقاس عمران البلاد بمقدار شواطئها على البحار وتمكنها من الانتقال في الأقطار، وقد عمم الله سبحانه بيان انتفاع الإنسان بالبحار، ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ سبحانه وتعالى، و ( الواو ) في قوله :﴿ ولتبتغوا ﴾ عاطفة على فعل محذوف هو ثمرة لقوله تعالى :﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ لتنقلهم من أرض إلى أرض وبلد إلى بلد، وإقليم إلى إقليم، ولترتبطوا بأقطار الأرض، ولتبتغوا من فضله، أي لتطلبوا فضل الله الذي أفاض به أقطار الأرض، فيتقل كل إقليم ما يفيض من فضل الله إلى الإقليم الآخر، والابتغاء : الطلب بالشدة.
وقوله في منفعة الفلك :﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾، أي أن رؤيتها ذات متعة للأنظار، كما أن النعم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون، كما قال تعالى :﴿ ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام ( ٣٢ ) ﴾ [ الشورى ] فالجواري تربط الأرض بعضها ببعض، وتربط الإنسان بأخيه الإنسان حيثما كان وأنى سيكون.
وقال تعالى :﴿ ولعلكم تشكرون ﴾، أي أسبغ عليكم هذه النعم الظاهرة والباطنة لترجو شكر الله على ما أنعم لا ليكفروا بها، وكما قال تعالى :﴿... لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ( ٧ ) ﴾ [ إبراهيم ].
١ سبق تخريجه..
ينقل القرآن عجائب نعم الله تعالى على خلقه من نعمة إلى أخرى وهذا أيضا فيه عجائب التكوين فمن ذكر للأنعام وذكر النبات والزيتون والنخيل والانتقال إلى ذكر البحار وخيراتها والفلك المشحون يجري فيها، وانتقل سبحانه من البحار وماء الأرض إلى يابسها، وهو يشغل ربعها، فقال عز من قائل :
﴿ وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون ( ١٥ ) ﴾.
قلنا إن الجزء اليابس من الأرض هو ربعها والبحار ثلاثة أرباعها، وكانت على هذا الاتساع لتصل أجزاءها، فالبحار يجري فيها الفلك المشحون ناقلة من الشرق إلى الغرب، والشمال إلى الجنوب، وكأن جزءا من الأرض مجهولا لجزئها الآخر، وكلاهما يابس فكشفته جارية في البحر، جرت فاتصلت الأجزاء، والماء سبيل الاتصال.
وبعد أن تكلم سبحانه عما في الماء من خيرات ومنافع يبتغي ويطلب من فضل الله ذكر الأرض اليابسة في مقابل الماء، وذكر الجبال التي جعلها الله سبحانه وتعالى أوتادا فقال سبحانه :﴿ وألقى في الأرض رواسي ﴾، ﴿ رواسي ﴾ جمع راس، وفواعل يكون لفاعل إذا كان وصفا مما لا يفعل كشوامخ جمع شامخ، والرواسي هي الجبال، وقد قال تعالى :﴿ وألقى ﴾ ومعناها بخلق وأنشأ وجعل، ولكن عبر بألقى، للإشارة إلى أنها ليست من جنس التراب الذي يكون في السفح من حيث قوتها وكونها في أكثر أحوالها حجارة، ولما لها من هذه القوة ولما يبدو أنها ثقيلة كانت كأنها رواسي ؛ لأن الراسي هو الثابت المثبت، فكأنها ثبتت الأرض من أن تميد وتضطرب، والمعنى ألقى الله الجبال الراسيات لئلا تميد الأرض وتضطرب، أو خوف أن تضطرب، والمعنى على الحالين أن الرواسي أرسلتها وثبتتها وقال تعالى :﴿ وأنهارا وسبلا ﴾، فالأنهار جزء من اليابس، وكذلك السبل في الأرض والصحارى، والمعنى أن الله تعالى جعل في الجزء اليابس من الأرض أنهارا تجري بالماء من مكان إلى مكان رزقا للعباد، ويقول في ذلك ابن كثير :"ينبع في موضع وهو رزق لأهله موضع آخر، فيقطع البقاع والبراري والقفار ويخترق الجبال والآكام فيصل إلى البلد الذي سخر لأهله".
وفي ذكر الأنهار بعد الجبال إشارة إلى أن الجبال كما أنها أوتاد الأرض تنزل من فوقها الأمطار، فتجري في الوديان والأنهار، كما ترى في نهر النيل ودجلة والفرات وغيرها.
﴿ وسبلا ﴾، أي طرقا يسير فيها السائرون كما قال تعالى :﴿... وجعلنا فيها فجاجا سبلا...( ٣١ ) ﴾ [ الأنبياء ] وختم الله تعالى الآية بقوله :﴿ لعلكم تهتدون ﴾، أي رجاء أن تهتدوا وتدركوا الحق وتركوا الباطل وتؤمنوا بمانح النعم، ومجريها وخالق الكون وكالئه، وحافظه.
ثم قال سبحانه :
﴿ وعلامات وبالنجم هم يهتدون ( ١٦ ) ﴾.
أي أن الجبال والسبل والأنهار تكون علامات للأماكن وحدودا، وتعريفا بأماكن البلاد، وحدودها شرقا وغربا، وقوله :﴿ وعلامات ﴾، معطوفة على جبال، أي جعل الجبال والأنهار علامات.
﴿ وبالنجم هم يهتدون ﴾، أي أن النجوم ومواقعها في السماء، وتنقلاتها في مداراتها علامات للسائر فعلا، وكان العرب على علم واقعي بمواقع النجوم ينتفعون بها في أسفارهم، وقد أكد سبحانه اهتداءهم بالنجم بتقديم النجم، وإن ذلاك أصل لعلم الفلك هدى الله تعالى إليه.
التفت سبحانه وتعالى من الخطاب إلى الغيبة ؛ لأن الله يخاطب الناس بالنعم عليهم، وقد ذكر هذه النعم، وهي تعم الجميع، وتثبت للجميع، أما النجوم فمع عموم نفعها وهديها لا يهتدي بها إلا السائرون في ظلمة الليل البهيم.
وفي الخطاب تذكير بالإنعام الدائم المثمر، وفي الحديث بالغيبة تقرير للحقائق الثابتة المستقرة ولو كان النفع الحسي فيها لبعض دون بعض.
لا تشابه بين الخلق والخالق
ذكر سبحانه وتعالى خلقه، وأن الوجود كله يتمتع بنعمة خلقه، ومع هذه النعمة، خلق نعما للإنسان إذ سخر له الشمس والقمر والليل والنهار، وأتى بنى الإنسان من كل ما سألوه، فالنبات والزيتون، وغيره من الثمرات والبحر، والفلك، وما فيه من لحم طري إلى آخره.
كل هذا، ومع ذلك يشركون بالله في عبادته سبحانه ما لا يملك شيئا، ولذلك نبه سبحانه وتعالى إلى ضلال العقل في هذا الأمر، ويذكرهم بذلك ؛ لأن فطرتهم تنفر منه ؛ ولذا يستشير سبحانه هذه الفطرة بحمل الإنسان على التذكر فيقول سبحانه :
﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا يتذكرون ( ١٧ ) ﴾.
الاستفهام إنكاري بمعنى إنكار الواقع ؛ لأنهم فلا عبدوا الأحجار فجعلوا من خلق الوجود كمن لا يخلق شيئا، وهو ذاته مخلوق ميت لا حياة فيه إذ هو جماد من الجمادات وحجر من الأحجار، وإنكار الواقع توبيخ ؛ لأنه يكون استفهاما عن واقع غير معقول، فيكون الجواب منهم إقرارا بأنهم يفعلون أمرا غير معقول.
و ( الفاء ) في قوله :﴿ أفمن يخلق ﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإنه يترتب على أن الله تعالى خالق الأشياء والنعم والأنفس، وبذلك يكون هو المعبود وحده، وإلا كان الأمر المستنكر عقلا، وواقعا، وهو أن يكون الخالق كالمخلوق، بل إن يكون الخالق كأصغر ما خلق، والفاء مؤخرة عن تقديم، فحق القول بيانيا أن يكون فأمن يخلق كمن لا يخلق، ولكن الاستفهام له الصدارة في الجمل فأخرت الفاء، وكذلك في القرآن كل فاء جاءت بعد حرف الاستفهام، والواو العاطفة كذلك.
ويلاحظ في النص السامي ما يأتي :
أولا : أن الله تعالى عبر عن الأحجار التي كانوا يعبدونها ب ( من ) الدالة على العقلاء، فقال سبحانه :﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق ﴾ وكان ذلك لأنهم عدوها معبودة، فكأنهم يعاملونها معاملة العقلاء، فكان التعبير مساوقة لزعمهم، ولأن بعض الذين يعبدون غير الله يعبدون عقلاء، كالثالوت المسيحي ففيه العقلاء، وقد أشركوا، وقد يكون ذلك للمشاكلة، والتسوية التي أرادوها بين الخالق والمخلوق، وذلك مثل قوله تعالى :﴿... فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء... ( ٤٥ ) ﴾. [ النور ] وإن الله سبحانه في أكثر من آية يعيد الضمير عليها كالعقلاء، كقوله تعالى :﴿ ألهم أرجل يمشون بها أن لهم أيد يبطشون بها...( ١٩٥ ) ﴾ [ الأعراف ]، فهو نوع من مجاراتهم حتى تكون النتيجة بالموازنة أنهم ليسوا كمن خلق فقط، بل هم دون من خلق أو بالأحرى دون من يعبدونهم.
ولقد ذكر الزمخشري أن سياق البيان كان أن يشبهوا هم بالخالق لا أن يشبه الخالق بهم، فكان يقال أفمن لا يخلق كمن يخلق، وقد أجاب عن ذلك، أن الاستنكار موجه إلى المساواة بين الخلق والمخلوق، فكأنهم جعلوه في ضمن المخلوقات، وقد يجاب عن ذلك أيضا بأن سياق القول في بيان الخلق، فكان موجبه أن يذكر الخالق أولا، وكأنهم ينزلون من مرتبته التي لا تناهد إلى منزلة المخلوق، وهذا في ذاته موضع استنكار.
ويختم الله سبحانه الآية بقوله :﴿ أفلا تذكرون ﴾ يقال في ( الفاء ) هنا ما قيل في ( الفاء ) في قوله تعالى :﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق ﴾ والاستفهام لإنكار الوقوع مع التوبيخ، والتعبير ﴿ أفلا يتذكرون ﴾ فيه إشارة إلى أن عبادة الأحجار من غفلة العقول، وإنها تتذكر وتذهب الغفلة، حتى تتنبه إلى حكم العقل وهو الوحدانية، وذلك حق ؛ لأن عبادة الأوثان من سيطرة الأوهام التي تجعل العقل في غفلة تامة، كما ترى في هذه العصور عند بعض النصارى.
﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم ( ١٨ ) ﴾.
بين الله سبحانه وتعالى كيف سوى عبدة الأوثان بين المنعم والأوثان، وبين الخلق والمخلوق، وأنهم قد تجاوزوا المعقول وغفلوا عن الفطرة، فبدل أن يشكروا النعمة كفروها.
وقد ذكر سبحانه وتعالى بعد ذلك أن نعم الله تعالى أكثر من يضبطها العد والإحصاء، وإنها واجبة الشكر على قدر الطاقة فإن ما لا يحصى لا يعلم للإنسان، ولا يستطيع الشكر إلا من يعلم، ويقدر ما يعلم.
﴿ وإن تعدوا ﴾، أي إذا أردتم أن تعرفوا نعم الله بالعدد لا تحصوها، ولا تضبطوها، ففي كونك في بطن أمك في نعمة، وفي غذائك وأنت في الغيب المكنون في نعمة، وفي تنقلك في بطن أمك من نطفة إلى علقة، فمضغة مخلقة وغير مخلقة في نعمة، وإذا خرجت إلى الوجود وجعل لك السمع والأبصار والأفئدة في نعم، وإذا سخر لك الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم فأنت مغمور في نعم، وهكذا في كل حياتك أنت في نعم الله تعالى، وهو القيوم عليك.
وإذا كانت معرفة هذه النعم لا تبلغها طاقتكم، فأنتم أحرى بألا تبلغ طاقتكم شكرها ؛ ولذا قال تعالى بعد بيان أن الناس لا يستطيعون إحصاء نعمه عليهم :﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ أكد سبحانه مغفرته ورحمته، فكانت المغفرة من الرحمة، إذ إنه سبحانه لا يطالبكم بالشكر إلا فيما تعرفون وما تطيقون وفيما تعرفون يعفو عن كثير سبحانه وتعالى، وقد أكد سبحانه هذين الوصفين الجليلين ألا ب ( إن ) المؤكدة، وبصيغة المبالغة، وباللام، والله على كل شيء قدير.
وإن الله تعالى يحاسب القلوب في خيرها لحبه المغفرة، ولإرادته الرحمة، ولعدله، ولكيلا يتساوى المحسن والمسئ ؛ ولذا قال عز من قائل :
﴿ والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ( ١٩ ) ﴾.
هذه العبارة فيها تهديد لأهل الشرك، وتقريب لأهل الإيمان، فهو يحاسبكم سبحانه على ما تعلنون من أعمال، وما تسرون من عقائد ونيات يصحبها عمل، فإن اتجهتم إلى شكر الخالق بعد الإشراك به والإحساس بنعمه فإنه غافر لكم ما ترتكبون و تتوبون عنه إذا تبتم عن قريب، وإن أسررتم الخير ونويتموه، وهممتم أن تفعلوه فإنه غافر لكم، لأن الحسنات يذهبن السيئات، وبالنسبة للشر لا تحاسبون إلا بما تفعلون، وما تعتقدونه من شرك وعبادة غيره، كما قال تعالى :﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء...( ١١٦ ) ﴾ [ النساء ] ؛ لأن الغفران لا يكون إلا في دائرة الإيمان بألوهية الله تعالى وحده، فمن آمن بالله وحده، كان جديرا بنعمة الغفران، ومن أشرك بالله غيره، فإنه ليس بجدير، والله بكل شيء محيط.
وقد صرح الله تعالى ببعض الحقائق في معبوداتهم، فقال :
﴿ والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ( ٢٠ ) ﴾.
ذكر سبحانه وتعالى فضل خلقه ونعمه، وإن الخالق المنعم، وبين المقايسة العادلة التي تفرق بين من يخلق ومن لا يخلق، ويعد ذلك ذكر أن المعبودات التي يعبدونها لا يمكن أن تخلق شيئا ؛ ولذا قال :﴿ والذين يدعون ﴾، فالواو عاطفة على قوله تعالى :﴿ والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ( ١٩ ) ﴾ وعبر سبحانه وتعالى عن الأوثان بالذين التي هي للعقلاء مجاراة لهم في تفكيرهم إذ يعطونها بأوهامهم من الصفات ما هو أعلى من العقلاء، و ﴿ شيئا ﴾ التنكير فيه للعموم، أي لا تخلقون أي شيء مهما صغر وهان، ولقد قال تعالى في تصويرهم عجزهم المطلق :﴿ يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ( ٧٣ ) ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز ( ٧٤ ) ﴾ [ الحج ] إنها أحجار تنحت من صخورا الجبال، ولذا قال تعالى :﴿ قال أتعبدون ما تنحتون ( ٩٥ ) والله خلقكم وما تعملون ( ٩٦ ) ﴾ [ الصافات ].
ولقد بين سبحانه أن المشركين أحسن خلقا من أوثانهم، فقال عز من قائل :﴿ أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون ( ٢١ ) ﴾.
هذه الحجارة جماد لا تجري فيه الحياة، وهؤلاء الجهلاء يدعونها وهي أحجار، ومعنى يدعونها يعبدونها، ﴿ أموات غير أحياء ﴾، أي وكانت موصوفة بالموت ؛ لأنها فاقدة الحياة ليس لها روح تسري فيها، كما تسرى في الأحباء، والتعبير عنها بأموات لا يخلوا من مجاز ؛ لأن الموت يكون للحي الذي فقد الحياة ولو كان نباتا، فكيف يقال عما لا تدخله ابتداء ميتا، ولكن لأنها جماد لا يتحرك بالإرادة، ولا تجرى فيه حركة عبر عنه بميت، وقوله :﴿ غير أحياء ﴾ يشير إلى هذا المعنى، أي أنه جماد لا تجرى فيه الحياة قط.
وقوله تعالى :﴿ وما يشعرون أيان يبعثون ﴾ الضمير عائد إلى الأوثان، وأعيد الضمير المذكر العاقل، جريا على عدها آلهة تدرك وتعقل في زعمهم، ويزدلفون إليها، ويتقربون ويدعون.
والمعنى على هذا أن هذه الأوثان يعبدونها، رجاء خير منها، وهي لا تشعر متى تبعث أو في أي مكان تبعث.
وهذا يقتضي أن ما يعبد يكون عنده قدرة على الجزاء بالثواب على العبادة، والعقاب على تركها، وهذه لا تشعر متى تبعث وتجازى بالخير أو الشر.
ويصح أن يكون الضمير عائدا على الذين يدعونها أي يعبدونها، أي ما يشعر أولئك العباد أين يبعثون، مع أن البعث آت لا محالة، وهم ينكرون البعث، ولذلك دعوا الحجارة وآمنوا بها، فالكفر بالبعث هو الضلال المبين وهو الذي أدى إلى هذه الأنواع المتكاثرة من أنواع الضلالة المختلفة.
ويجب أن نذكر تفسيرا آخر له وجاهته، وهو أن الموت ليس في هذه الآية وصفا للأحجار إنما هو وصف لمنة يدعونها ويعبدونها، فالمشرك ميت غير حي ؛ إذ إن حياته لا نفع فيها له، فهو كالميت ؛ ولذا كان التصريح بأنه غير حي، وقد عبر القرآن عن المشرك بأنه ميت وعمن يخرج من الشرك إلى الإيمان بأنه حي، كما قال تعالى :﴿ أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ( ١٢٢ ) ﴾ [ الأنعام ].
فسمى الله تعالى المشرك ميتا، وبذلك يكون المشرك موتا والمشركون أمواتا غير أحياء، ويكون قوله :﴿ وما يشعرون أيان يبعثون ﴾ ظاهرا في العودة على المشركين، والله أعلم.
بعد هذه البراهين القاطعة، والآيات البينة تقرر النتيجة التي لا ريب فيها، وهو الوحدانية :
﴿ إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون ( ٢٢ ) ﴾.
هذه الجملة منفصلة عما قبلها غير موصولة بها ؛ لأنها بمنزلة النتيجة لما سبقها، فهي مقدمات، وتلك نتيجتها وهي بمنزلة السبب، وتلك بمنزلة المسبب، وإضافة الإله إلى المخاطبين معناه معبودكم أيها المؤمنون هو إله واحد لا شريك له في حقيقة معنى الألوهية، لأنه وحده الخالق، فلا خالق سواه، وهو الواحد في ذاته وصفاته، ليس كمثله شيء، وإنه بذلك يجب أن يكون واحدا في عبادته لا يعبد سواه، ولا يلجأ إلا إليه.
وقد قال سبحانه بعد ذلك :﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ﴾ هذا النص السامي سبق لبيان كفر من كفر، أو شرك من أشرك، فذكر أن سبب ذلك لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، فذكر سبحانه أن عدم الإيمان بالآخرة يؤدى إلى وصفين :
الوصف الأول- أن تكون القلوب منكرة.
والوصف الثاني – أنهم مستكبرون، وذلك لأن عدم الإيمان بالآخرة، وأنه لا بعث ولا نشور ولا حساب ولا عقاب يجعل الشخص يحسب أن الإنسان خلق عبثا، وأن الحياة الدنيا هي الحياة، وهي المتاع ولا متاع سواه، فيكون قالبا للحقائق، وجاحدا دائما، إذ الدنيا وما فيها من حسيات قد استغرقته وملأته، ولا موضع لغيرها في نفسه فقلبه منكر إلا للمحسوس، فلا يؤمن بالله، ولا بالرسالة الإلهية.
وأما أنهم مستكبرون، فلأن الدنيا تدليهم بغرور، ومن اعتر بهذه الحياة، وأوتى منها حظا طغى واستكبر وتجبر، كما قال تعالى :﴿ كلا إن الإنسان ليطغى ( ٦ ) أن رآه استغنى ( ٧ ) ﴾ [ العلق ].
ومن كان من طبيعته الإنكار والاستكبار، فإنه تنغلق في قلبه مفاتيح الهداية.
و ( الفاء ) في قوله :﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾، فاء الإفصاح، والمعنى إذا كان الله واحدا فلماذا يكفرون ؟ فأجيب بأنهم يكفرون بالآخرة.
وأساس الإيمان هو الإيمان بالغيب، فالذين لا يؤمنون إلا بالمحسوس، لا يؤمون بالله ولا بالملائكة ولا بالرسالة الإلهية، ولذا ذكر سبحانه أن أولى صفات المؤمنين بالغيب، فقال تعالى :﴿ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ( ٣ ) ﴾ [ البقرة ].
ولقد ذكر سبحانه وتعالى سعة علمه سبحانه فقال :
﴿ لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين ( ٢٣ ) ﴾.
في الآية السابقة بين سبحانه أن الذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة، وهم مستكبرون فمظهرهم إثم ومخبرهم نكران وجحود، وهنا يبين سبحانه وتعالى أنه يعلم باطنهم الذي تنبعث منه أعمالهم ومظاهرهم :﴿ لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ فلا تخفى عليه خافية من أمورهم، وهو مجازيهم بها يوم القيامة الذي أنكروه، وكاشف عليه خافية من أمورهم، وهو مجازيهم بها يوم القيامة الذي أنكروه، وكاشف أمرهم الذي ستروه، ﴿ لا جرم ﴾ ذكر الزمخشري أن معناها "حقا" فهي لتأكيد علم الله تعالى بما يسرون وما يعلنون أي ما يخفونه، ولا ينطقون به، وما يظهرون ويجهرون به من معاص تدل على مقدار عنتهم، ومجابهتهم الحق.
ونقول : إن لا جرم فيها معنى "حقا" فيها رد لهم ؛ لأن معنى جرم كسب و ( اللام ) تدل على النفي، فالمعنى لا كسب لهم، ولا ثمرة لأعمالهم المكتومة والظاهرة، ويكون المعنى لا كسب لهم فيما يفعلون من إنكار القلوب، واستكبار النفوس، لأن الله تعالى يعاقبهم بما أسروا وبما أعلنوا، ﴿... وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء...( ٦١ ) ﴾ [ يونس ]، والله أعلم.
وإن ﴿ ما يسرون ﴾ لا يقتصر على إنكار القلوب بل يشمل ذلك وكل ما يبيتون وما يدبرون من شر، وما يمكرون من مكر يقصدون به إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ وما يعلنون ﴾ يشمل قتال المؤمنين وإرادة الذلة لهم، والله يريد العزة للمؤمنين.
وختم الله تعالى الآية بقوله :﴿ إنه لا يحب المستكبرين ﴾، وهي يشير إلى عذاب الله تعالى لهم، وأن هذا الإنكار من الاستكبار، وذلك لأن النفس المستكبرة متعالية عن الناس وعن الحق، ومع الخضوع والتواضع يكون الإيمان ؛ لأن التواضع من غير صفة يكون معه اتساع القلب للحق فيدخله، ومعنى عدم حب الله تعالى أنه يكومن دنيا منه قريبا إليه، بل لأنه استكبر بعيد عن الله تعالى، وكلما بعد عن الله تعالى لم يشعر بجلاله ولا بذكره، ولا يطمئن قلبه.
وإنه يترتب على عدم حب الله تعالى للمستكبرين، ألا يغفر لهم ؛ لأنهم لا يتوبون، والتوبة باب المغفرة ؛ لأن التوبة تدلل على الرجوع إليه سبحانه، والضراعة إلى الله تعالى، والتوسل إليه سبحانه وتعالى، والكبر والتوبة نقيضان لا يجتمعان في قلب مؤمن.
ولأنهم يستكبرون عن الحق لا يدركونه، ولا يريدونه ؛ ولذا قال الله تعالى فيهم :
﴿ وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين ( ٢٤ ) ﴾.
أي أنهم لا يرون في القرآن إلا قصصا، ولا في قصصه إلا أنه أسطورة من أساطير الأولين، وذلك لاستكبارهم عن أن يفتحوا صدورهم وعقولهم لإدراك ما اشتمل عليه من أحكام، وما فيه أن أساليب البيان التي يعجزون عن أن يأتوا بمثلها، إن استكبارهم يمنعهم من الاتجاه إلى الحقائق ليدركوها، وإذا أدركوها خضعوا لها.
والأساطير جمع أسطورة كما قال المبرد، والأسطورة هي الأحاديث التي لا يربطها فكر، ولا أصل لها وتقال للتسلية، أو هو الأخبار التي تجئ على ألسنة الحيوان، وقالوا في السيرة : إن النضر بن الحارث كان في فارس، فعلم ما في كتاب كليلة ودمنة، فقال : كلام محمد صلى الله عليه وسلم هو كهذه أساطير الأولين :﴿ وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ( ٥ ) ﴾ [ الفرقان ].
وقوله تعالى :﴿ وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ﴾ فيه ( قيل ) مبني للمجهول فمن هو الفاعل الذي جهل وحذف ؟ يصح أن يكون القائل النبي صلى الله عليه وسلم أو من معه، وكأنه يتحداهم، ويدعوهم إلى التأمل، وإدراك معانيه ووجوه البيان الذي هو فوق البشر، ويوجه أنظارهم، ولكن قلوبهم معرضة مستكبرة، والاستكبار كما ذكرنا يسد مسالك الإدراك، فيكون العقل غافلا عن إدراك الحق، ولذا يجيبون ﴿ أساطير الأولين ﴾، أي أحاديثهم التي لا أصل لها ولا واقعة يحققه وكأنهم نظروا إلى القصص الحكيم في القرآن، ولم يصفوه بوصفه، بل قالوا ما قالوا منصرفين عن الحق، غير مدركين لموضع العبر فيه، ولم ينظروا إلى ما فيه من دعوة إلى التوحيد، وبطلان الشرك، وما فيه من أحكام شرعية تصلحهم في دنياهم وآخرتهم.
هذا على أن الفاعل المحذوف هو النبي صلى الله عليه وسلم، ومن معه، ويكون قوله تعالى ﴿ ماذا أنزل ربكم ﴾ المراد به القرآن الحكيم، والاستفهام هنا على حقيقته ليحملهم على التفكير والتدبر.
ويصح أن يكون من الكفار بعضهم لبعض، وكأنهم يتساءلون عن حقيقة ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم في نظرهم، وما يمكن أن يردوا به على المصدقين، أو ما يمكن أن يشككوا فيه المؤمنين به، ويصدوا به الذين لم يؤمنوا عن أن يدخلوا فيه ويكون تعبيرهم ﴿ ماذا أنزل ربكم ﴾ من قبيل التهكم بالقرآن، ومن نزل عليه، إذ هم في ظاهر حالهم لا يؤمون بالقرآن ولا يصدقون أنه نزل من لله تعالى على قلي محمد صلى الله عليه وسلم.
ويصح أن نقول إن قائل هذا القول ليس من المشركين، إنما هو من الوافدين إلى مكة في موسم الحج، والرد من المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ليصدوا الناس عن سبيل الله تعالى، ويضلوا الذين يدعونهم النبي صلى الله عليه وسلم عندما أخذ يعرض نفسه على القبائل الوافدة إلى الحج، وقد دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى القرآن الذي أنزله رب العالمين، لقد سأل أولئك البادون الذين جاءوا من خارج مكة عن القرآن ﴿ ماذا أنزل ربكم ﴾ فضللوا وقالوا أساطير الأولين وبذلك صدوهم عن الإيمان الذي كان يمكن أن يدخل قلوبهم لولا هذه المبادرة المضلة.
وإني أميل إلى الأخير وأرى الفاعل المحذوف يحتملها جميعا، وربما تكرر السؤال، وتكرر الجواب، وهنا إشارة إلى أن القرآن أنزل من الله وعبر بالرب، للإشارة إلى أنه أنزل من ربهم الذي أنشأهم ورباهم، ويعلم ما فيه صلاح أمورهم في دنياهم وعاقبة أمرهم.
وإن الذين قالوا هذا القول مضلين عن سبيل الله تعالى أيا كان السائل لهم الذي أجابوه، قد ضلوا في ذات أنفسهم، وأضلوا غيرهم ؛ ولذا يتحملون وزرهم كاملا ويتحملون من أوزار الذين أضلوهم بغير علم، فقال تعالى :﴿ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون ( ٢٥ ) ﴾.
اللام لام التعليل، وتكون العلة هي قولهم أساطير الأولين، أي قالوا ذلك ليحملوا أوزارا، والظاهر أن اللام لام العاقبة، وهو ما نراه، أي قالوا ما قالوا وصدوا عن سبيل الله لتكون العاقبة أن يحملوا أوزارهم كاملة وأوزار من أوزار من ضلوهم".
والوزر : الحمل الثقيل، وفيه إشارة إلى أنه حمل ثقيل كله أوزار وآثام كما قال تعالى :﴿ وليحملن أثقالهم مع أثقالهم...( ١٣ ) ﴾ [ العنكبوت ]، وقوله تعالى :﴿ يوم القيامة ﴾ فيه إشارة إلى أن هذه الأوزار مآلها عذاب دائم أليم ؛ لأن القيامة دار الجزاء ويحملون جزاء أوزارهم كاملة غير منقوصة في شيء من النقص، وعبر عن الجزاء بحمل الأوزار للإشارة إلى المساواة بين العقاب والفعل، حتى كان الذي يحمل الوزر يحمل جزاءه ؛ لأنهما متلازمان ومتساويان.
وقد ذكر سبحانه أنهم يحملون وزرهم كاملا يوم القيامة، ويحملون من أوزار الذين يضلونهم، ولذا قال تعالى :﴿ ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ﴾ وقوله تعالى :﴿ بغير علم ﴾ لتحقيق معنى الإضلال ؛ لأن الإضلال عادة يكون لمن لا يعلم، وقالوا : إن قوله تعالى :﴿ بغير علم ﴾ حال من المفعول في قوله تعالى :﴿ يضلونهم ﴾، أي أن ذلك لا يكون إلا بغير علم، وذلك يزيد في جرمهم جرما، لأنهم لا يكتفون بضلال، بل يتعدون به، فيضلون غير العالمين بحقيقة الدعوة المحمدية، فيذكرون ضلالهم فيها، ولا يذكون حقيقتها.
قال سبحانه :﴿ ومن أوزار الذين يضلونهم ﴾ "ومن" هنا بمعنى بعض، فلا يحملون كل أوزار المضلين، بل يحملون بعضه، ويبقى وزر شكرهم، ذلك أنهم باستجابتهم لهم من غير تبين وتعرف، قد وزروا في ذات أنفسهم، إذ أنهم كان عليهم أن يبحثوا ويتعرفوا الحق، وقد بلغوه، وعلموه بأمره، فما كان لهم أن يكتفوا بكلام أعداء محمد صلى الله عليه وسلم، بل كان عليهم أن يتعرفوا الحق من مصدره، وألا يكتفوا بالمعرفة من خصومه، وإن الإضلال يتضمن أمرين : أحدهما إيجابي، وهو المضل، والثاني استجابة المضلل، فبهذه الاستجابة يحاسبون.
وإن هذه الأوزار التي حملها المضلون كاملة لأنفسهم، وحملوا معها بعض أوزار الذين أضلوهم هي أسوأ ما يحمل الضالون والمضلون لأنها عذاب أليم، ولذا نبه سبحانه إلى عظم هذه الأوزار فقال تعالى :﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ و ﴿ ألا ﴾ أداة تنبيه لبيان أن هذا الحكم الذي يليها ثابتا ثبوتا مؤكدا و ﴿ ساء ﴾ فيها معنى التعجب، ومعناها ما أسوأ ما يحملون من أوزار ؛ لأنها عذاب مقرر ثابت، وعبر عن هذا العذاب بقوله تعالى :﴿ ما يزرون ﴾ لما في الوزر والعذاب من توافق كامل، وتساور بينهما على ما بينا، والله تعالى أعلم.
العبرة بمن كانوا قبلهم
يضرب الله سبحانه وتعالى لنبيه الكريم الأمثال بحال المشركين الذين كفروا بالرسل، ودبروا التدبيرات ليمنعوا الرسل من تبليغ رسلات ربهم، كما يبين للمشركين الذين يعاندون النبي يصلى الله عليه وسلم، ويكفرون بالله ويدبرون التدابير لمنع الدعوة من أن تسرى، حتى أنهم يسدون السبل على مكة فيلتقون بالركبان، ويصدونهم عن سبيل الله، فقال تعالى :﴿ قد مكر الذين من قبلهم ﴾، أي دبروا الأمور لنقض الدعوة، وأحكموا تدبيرهم على الناس، وسدوا كل مسالك الهداية ليضلوهم وكادوا لأهل الإيمان كيدا، ظنوا معه أنهم قضوا على الدعوة، واقتلعوها، ولكن الله تعالى أفسد عليهم تدبيرهم ورد كيدهم في نحورهم، وأن ما بنوه دمره الله تعالى، وللكافرين أمثالها، فقال تعالى :﴿ فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم ﴾ وإن هذا الكلام فيه استعارة تمثيلية إذ شبه الله تعالى حالهم بحال من بنوا صرحا وشيدوه، وأقاموا قواعده على عمد وأسطوانات، وأحكموا بنيانه حاسبين أنه يبقى على مدى الأزمان، ولكن أتى الله تعالى بنيانهم بأمر من قواعدها، فتداعت وانهارت فصارت هباء منبثا، فخر عليهم السقف من فوقهم، وماتوا تحت أنقاضه، وبذلك كان ما بنوه للحياة ومتعها، وتدبير الأمور للحق صار عليهم وبالا، وسببا لهلاكهم وأتاهم العذاب به ؛ ولذا قال تعالى :﴿ وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ﴾، أي أتاهم من المكان الذي يشعرون أن فيه مأمنهم فكان فيه مهلكهم وفناؤهم.
وهذا يذكر المشركين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم بأن ما يدبرونه ضد النبي صلى الله عليه وسلم من تدبير يريدونه به إخفاقهم لهم سيكون من عوامل نصره، وإن الله محيط بهم، وبما يدبرون.
وإن هذا عذاب الدنيا للمشركين، وقد تبين في عاد وثمود، ومدين، وفرعون وملئه، ثم يوم القيامة يكون الخزي والجزاء ؛ ولذا قال تعالى :
﴿ ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ( ٢٧ ) ﴾.
﴿ ثم ﴾ هنا في معناها، وهو الترتيب والتراخي، وهو هنا بمعنى الإمهال من غير إهمال، وذلك يطوى في نفسه التهديد والإنذار وهو في ذاته وعيد بالخزي يوم القيامة، وقوله تعالى :﴿ يخزيهم ﴾ بإسناد الفعل إلى الله تعالى فيه تعظيم لذلك الخزي، وذلك الخزي يشمل فضيحتهم على الأشهاد، لتذهب الكبرياء الآثم، وتشمل الذل بعد الاستكبار، وتشمل العذاب ؛ لأن العذاب خزي في ذاته، كما قال تعالى :﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما لظالمين من أنصار ( ١٩٢ ) ﴾ [ آل عمران ] وقد كان من إخزاء الله لهم أن كشف حالهم مع الأوثان التي أشركوها في العبادة مع الله تعالى، وأنها لا شيء وأنها تهرب منهم، ولا تجد لها مهربا ؛ ولذا قال لهم :﴿ أين شركائي الذي كنتم تشاقون فيهم ﴾.
وهنا نلاحظ ثلاثة أمور بيانية :
الأمر الأول – إضافة الشركاء إليه سبحانه وتعالى هو من باب الإضافة لأرق ملابسة إذ هم قد عبدوها مع الله تعالى، فجعلوها لله شركاء بزعمهم، فكانت الإضافة أخذا بهذا الزعم تبكيتا لهم، إذ كيف يكون المخلوق شريكا للخالق، وكيف تكون الحجارة التي لا تنفع ولا تضر شريكة للنافع الضار، رب السموات والأرض، والحس القيوم القائم على كل ما ف هذا الوجود.
الأمر الثاني – في قول تعالى :﴿ الذين كنتم تشاقون فيهم ﴾، أي تعادون الحق والأنبياء والدعاة المرشدين فيها، أي تكون في شق والحق في شق، و ( في ) هنا معناها المحل، أي محل المشاقة فيها، فيتنازعون، حيث لا مكان للمنازعة ؛ لأنها منازعة بين الخالق، وما هو أدنى المخلوقات، لأنها حجارة لا تنفع ولا تضر.
الأمر الثالث – أن ثمة قراءة بكسر النون، والكسر يدل على ياء المتكلم، أي تشاقونني فيها أي تنازعونني أنا الله الخالق رب الوجود فيها، ويكون في هذه القراءة معنى آخر جليل، وهو أن منازعة الرسل منازعة له سبحانه وتعالى.
ولقد شهد عليهم بهذا الخزي رسلهم الذين أرسلوا إليهم وأتباعهم، والملائكة ﴿ قال الذين أوتوا العلم ﴾، والذين أوتوا هم النبيون، فقد أوتوا علم النبوة، والذين اتبعوهم فقد اقتبسوا من علم النبوة، والملائكة، فقد أوتوا علم الرسالات بمقتضى تكوينهم، فهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
وشهادة أولو العلم :﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ﴾، أي الخزي والسوء على لكافرين بسبب كفريهم وعنادهم، ومشاقتهم لله ولرسوله، وأهل الحق، وقد قال تعالى فيهم :
﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ( ٢٨ ) ﴾.
﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ﴾ هم الكافرون، فهذه الجملة عطف بيان أو بدل مما قبلها، وهذا يتضمن حالهم عند الوفاة، ووصفهم الأصلي الذي أرادهم في الجحيم، وهو أنهم ظالمون لأنفسهم، وذلك الظلم بشركهم، فالشرك في ذاته ظلم، وهو ظلم للنفس ؛ لأنه انحراف فيها، وعوج في تكوينها يشبه عوج الأعضاء بعد استقامتها وهو ظلم للعقل والفكر إذ يحطه من عبادة الله إلى عبادة الأحجار، وهو يؤدى إلى ظلم الأبرار، والظلم يعود على الظالم، فمرتعه ونهايته عليه، فكأنه في الابتداء انتهى إليها.
وقوله تعالى :﴿ فألقوا السلم ﴾ وهو الاستسلام والخضوع والإخبات بعد أن عتوا واستكبروا، والفاء للتعقيب، أي أنهم بعد أن توفتهم الملائكة فورا ألقوا السلم والخضوع، وانتقوا من كبرياء ظلمة إلى ضعة صاغرة مستكينة، وعبر ب ( ألقوا ) والإلقاء لا يكون إلا للأجسام للإشارة إلى أنهم انحطوا كما تنحط الأجسام من أعلى إلى أسفل، ونسوا ما كانوا يعملون، وقالوا :﴿ ما كنا نعمل من سوء ﴾، و( من ) لاستغراقهم النفي، أي ما كنا نعمل أي سوء أنفسهم ونسو أعمالهم لقد زال كبرهم وغطرستهم، فزالت شخصيتهم الظالمة، وحسبوا أنهم لم يفعلوا سوءا.
﴿ بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ﴾ بلى تدل على الإضراب عن قولهم، والقائل هم الملائكة أو أهل العلم الذين أوتوه من النبيين أو أتباعهم، وعندي أن القائل هو الله تعالى، لأنه لم ينسب القول إلى غيره، وهو القائل المتولى أمرهم ابتداء وانتهاء.
وقد أكد الله تعالى عمله بالوصف وبإن وبالجملة الاسمية وقوله تعالى :﴿ بما كنتم تعملون ﴾ ( ما ) فيه موصولة بمعنى الذي، أي بالذي كنتم تعملونه، وهو استحضار لهذا العمل كأنه حاضر مهيأ يرى، وقوله تعالى :﴿ كنتم تعملون ﴾، أي عملكم الذي استمررتم عليه، ولم تفارقون حتى تستبين به خطاياكم.
وقد بين بعد ذلك العقاب الذي ينتظرهم، فقال :
﴿ فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين ( ٢٩ ) ﴾.
( الفاء ) هنا فاء السببية، أي أن ما قبلها سبب لما بعدها، فسبب ظلمهم أنفسهم بما قدموا من ظلم للفطر، وشرك، يدخلون النار، وجاء إدخالهم بصيغة الأمر، للدلالة على أنهم مجبرون في هذا الدخول لا مخيرون، وجاء بكلام يدل على أنهم دخلوا، ولم يقل ( أدخلوا جهنم )، للتهكم بهم كأنهم اختاروها، وإنهم كذلك فقد اختاروها من يوم أن اختاروا الكفر على الإيمان واستكبروا على الحق فلم يؤمنوا به مع قيام بيناته ودلائله.
و ﴿ أبواب جهنم ﴾ كناية عن سعتها، وسهولة الوصول إليها لمن كتبت عليهم وأردوها بأفعالهم، كما قال تعالى :﴿ لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ( ٤٤ ) ﴾ [ الحجر ] وإنهم خالدون فيها لا يزيلونها، وخالدين فيها حال، والخلود وهو الاستمرار في البقاء بها، وقد بين سبحانه أنها أسوأ مقام، فقال :﴿ فلبئس مثوى المتكبرين ﴾.
و ( الفاء ) للإفصاح عن شرط مقدر، أي إذا كانوا سيدخلون جهنم خالدين، فلبئس مثواهم، و ( اللام ) لتأكيد ذمها، وظهر في موضع الإضمار، فقال :﴿ فلبئس مثوى المتكبرين ﴾، ولم يقل بئس مثواهم، للدلالة على أن الكبر عن الحق وعدم الاستماع إليه، والإصغاء لأهله – هو الذي أودى بهم.
والتعبير بكلمة ﴿ مثوى ﴾ وهي الإقامة، وغالبا ما تكون المختارة ؛ لأنها طيبة من قبيل التهكم بهم.
ولقد قال ابن كثير : إن الآية تدل على أنهم يدخلون النار، أو يكونون في حرارتها بمجرد قبرهم، وأنه تكون أرواحهم في عذاب بحرارة جهنم، حتى يكون البعث فتلتقى الأجسام بالأرواح، ويكون العقاب، ويشير إلى ذلك قوله تعالى في آل فروعن :﴿ النار يعرضون عليها غدوا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ( ٤٦ ) ﴾ [ غافر ] اللهم اغفر لنا، وجنبنا أسباب النار، وانظر إلينا يوم لقائك، وإن لم نكن لذلك أهل.
المتقون
هذه مقابلة بين الإيمان والتقوى، والكفر والاستكبار، قيل للمستكبرين ماذا أنزل ربكم قالوا : أساطير الأولين ولنتل الآية السابقة :﴿ وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين ( ٢٤ ) ﴾ وسئل هذا السؤال نفسه للمتقين، فقال تعالى :﴿ وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا ﴾ وهذا فرق ما بين التقوى والفجور، الفاجر لا يهمه أن يقول أو يفحصه، والمتقى الطيب محب للحق، ويتحراه، فإن وجده اطمأن إليه، واستقام على طريقه.
﴿ وقيل للذين اتقوا ﴾، الفاعل المحذوف هنا هو الذي ذكرناه في قوله تعالى :﴿ وإذا قيل لهم ماذا أنزل قالوا أساطير الأولين ( ٢٤ ) ﴾ وقد كان الجواب غير الجواب الأول، وإن كان السؤال واحد بيد أن السؤال هنا للمتقين وهناك "للمستكبرين" كان جواب المتكبرين يتناسب مع ضلالهم، وكان جواب المتقين ﴿ خيرا ﴾، أي أنزل خيرا، وذلك يشمل القرآن وما فيه من شرائع وما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من أحكام وشرع صالح فيه خير البشرية ؛ ولذلك نجد الجواب هنا خبرا منصوبا بالفعل، بينما نجد الجواب في الأولى مرفوعا، وهو أساطير، والفرق أن الجواب جواب المؤمنين بالتنزيل، فيجيبون من غير تلعثم واضطراب، بينما الجواب في الأولى جواب كافرين بالتنزيل وفيه التواء وتلعثم لأنه باطل، والباطل دائما لا نور فيه، ولا انكشاف.
ووصفوا المنزل بأنه خير، ويشمل القرآن كما ذكرنا والشرائع الإسلامية كلها، وهي خير فيه صلاح الدنيا والآخرة، ثم قال تعالى :﴿... للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة...( ١٠ ) ﴾ [ الزمر ] يصح أن تكون هذه الجملة من الله تعالى فيها تتميم جواب الذين اتقوا، والظاهر أنها من تتمة إجابة المؤمنين وقولهم، وهم بهذا يرغبون في الإيمان، ويرغبون في الإحسان، للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة، أي خصلة حسنة، وأثر حسن، فالثمرة من جنس العمل، فإذا كان العم حسنا كانت الثمرة حسنة، وهل ينتج الخير إلا خيرا، وهل ينتج الإحسان إلا إحسانا.
والعمل الصالح ينال به الشخص الخير الحسن ؛ لأنه يكون بنية خالصة، والإخلاص في ذاته أمر حسن لا يذوقه إلا الذين أخلصوا دينهم لله ولم يدنسوا قلوبهم بفساد، والإخلاص يدفع إلى الكلم الطيب، والكلم الطيب يدفع إلى العمل المستقيم والسلوك القويم، وكل هذا خير، وإذا كانت متاعب من عمل الخير، فإن الصبر عليها نعمة وحسنة يشعر بها الأبرار الذين يفتدون الحق بأنفسهم وبالبلاء ينزل بهم.
وقال تعالى :﴿ ولدار الآخرة خير ﴾، أي ثواب دار الآخرة، وإنما أضيف الخير إلى ذات الدار، لأنها كلها خير، فلا ينال الطيبون فيه إلا طيبا، ثم قال تعالى :﴿ ولنعم دار المتقين ﴾، ( اللام ) لام التوكيد، وإنها كل موضع الثناء، والحمد، وهي نعم الدار، وذكر المتقين بالإظهار بدل الإضمار للإشارة إلى أن التقوى هي السبب في هذا الجزاء، وللدلالة على أن ثواب الآخرة خير للمتقين دون غيرهم.
ثم بين سبحانه ثواب الآخرة أو بعضه، فقال.
﴿ جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين ( ٣١ ) ﴾.
﴿ جنات ﴾ بدل أو عطف بيان لدار المتقين، إنها ﴿ جنات عدن ﴾ بها إقامة دائمة ثابتة يجتمع فيها جمال المنظر، والرى، ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ وتلك متعة النظر، فيكون خرير الماء مع ما يحوطه من خضرة تسر الناظرين بنضرتها، وترتاح النفوس بمنظرها، وبين بعد ذلك أن هذا المنظر الجميل الذي يشرح الصدر معه التمكن من كل ما يحبون ؛ ولذا قال بعد ذلك :﴿ لهم فيها ما يشاءون ﴾ من خير، وما يريدون من طيب لا يمنع عنهم شيء، وإذا كانوا قد حرموا في الدنيا من مال ونسب فهم في الآخرة ممكنون، وإذا كانوا قد صبروا أنفسهم لله تعالى قدر عناءهم بأن مكنهم من كل ما يريدون، منطلقة إرادتهم ومشيئتهم، وقال تعالى في آية أخرى :﴿... وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين...( ٧١ ) ﴾ [ الزخرف ].
﴿ كذلك يجزي الله المتقين ﴾، أي كهذا الجزاء الذي نراه للذين اتقوا ربهم يجزي الله المتقين دائما، وهذا تشبيه أو تصوير لمعنى المكافأة الذي يكافئ الله تعالى بها عباده، فهو تصوير للمعنى الكلي في جزاء الله للمتقين بهذه الحال التي ينالها المتقون، وهم المحسنون الذين أتقنوا أعمالهم، بإحكامها وأحكام الخير وإحسانه يكون أولا بتطهير النفس من الأهواء، والآثام، ويكون بالنية الصادقة الصافية، وثانيا بالعمل الصالح.
وإذا كان سبحانه قد بين كيف يستقبل المستكبرون عندما تتوفاهم الملائكة، فقد بين أيضا ما يستقبل المخلصون، فقال :
﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ( ٣٢ ) ﴾.
ولقد وصف الله سبحانه وتعالى المستكبرين بأنهم ظالمون أنفسهم، وهم في هذه الحال التي أوقعتهم في رجس وفسوق، فإنه سبحانه قد وصف المتقين بأنهم طيبون، والطيب ضد الخبيث، وضد الشرير، فوصفوا بأنهم طيبون ؛ لأنهم خلصوا من الشرك والظلم والاستكبار، ولأنهم صالحون في ذات أنفسهم زكية نفوسهم طيبة راضية مرضية، وطيبة حياتهم من بعد.
والطيبة وصف للنفوس المطمئنة الراضية غير المعتدية الآثمة، وهو وصف جامع لكل الخلال الباطنة والظاهرة يوصف به كل الذين لا يحملون ضغنا، ولا يحقدون، ولا يعتدون، وينصرفون لذات أنفسهم يصلحونها، ويراقبونها، ولا يكون منهم للناس إلا ما فيه مصلحتهم، و ﴿ طيبين ﴾ حال من المفعول، وقوله تعالى :﴿ يقولون ﴾ في الآية حال من الملائكة، والمعنى يتوفونهم قائلين لهم :﴿ سلام عليكم ﴾ إيناسا لهم بالتحية ودعوة لهم بالأمن والاطمئنان، وبث روح الأمان، وبشرى لهم، كما قال تعالى :﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ( ٣٠ ) ﴾ [ فصلت ] ويقولون مع هذا السلام المؤمن المبشر :﴿ ادخلوا الجنة بما كنتم تعلمون ﴾ الباء باء السببية، أي لسبب عملكم الذي عملتموه غير مدخرين في سبيل الخير، وقوله تعالى :﴿ كنتم تعملون ﴾، تدل على استمرار العمل، لأن كان تدل على الماضي مع الدوان في مثل هذا المقام، كقوله تعالى :﴿... وكان الله عفوا غفورا ( ٩٩ ) ﴾ [ النساء ]، وقد جمع بين الماضي في ( كان ) والمستقبل في ( تعملون )، فكان دالا على استمرار عملهم، وكان صالحا، والله تعالى يجزيهم أحست الجزاء.
تفكير المشركين
جاءتهم المعجزة الكبرى التي تتحدى الأجيال كلها، وتحداهم الله تعالى بها أن يأتوا بسورة من مصله فعجزوا، فطلبوا معجزات حسية كمعجزات الأنبياء السابقين، فجاءتهم، انشق القمر، فقالوا : سحر مستمر، أي أعينهم سحرت فتبين كذبهم، لأن المسافرين رأوه كذلك، وجاءهم بالإسراء من مكة إلى المسجد الأقصى، وذكر لهم الأمارات الدالة.
أتى لهم بالمعجزة الكبرى، وهي التي تتناسب مع خلود شريعته، إذ يبقى صامدا يقارع الزمان والأقوام ويقيم لهم على أنه من عند الله، ولكنهم أرادوا آية مادية، فجاءتهم الآية تلو الآية، ومع ذلك لم يؤمنوا ؛ ولذلك قال تعالى :
﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك ﴾.
لقد طلبوا أن يكون معه ملك، فقال تعالى :﴿ ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون ( ٩ ) ﴾ [ الأنعام ]، ﴿ أو يأتي أمر ربك ﴾، أي العذاب المستأصل، كما نزل بقوم لوط، وعاد وثمود، وفرعون، وقد ذكر أنه فعل ذلك بالذين من قبلهم وأنهم طلبوه فأجيبوا، فقال :﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ أنهم استهانوا، وكابروا، ولجوا في إنكارهم، وطلبوا استعجال أمر الله فيهم فعجل، ولكنه لم يفعل ذلك مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فهو لم يرسل لجيل يستأصله إذا لم يؤمن، بل أرسل للأجيال فإذا كفر جيل، كان رجاء الإيمان في جيل يليه، كما قال صلى الله عليه وسلم في قومه – وقد آذوه -، وبين الله تعالى على لسان الملائكة أنه ينزل بهم ما يريد، فقال خاتم النبيين :"إني لأرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله"١.
وقوله :﴿ هل ينظرون ﴾ الاستفهام فيه للإنكار، وهو وصف لحالهم في كفرهم بالآيات، أي حالهم أنهم لا ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتيهم أمر الله.
وقد بين الله أن أمره نزل بمن سبقوهم مصل قوم نوح، وعاد وثمود، وأصحاب الأيكة، وفرعون ذي الأوتاد أن ذلك لم يكن ظلم من الله لهم، بل كان ظلما من أنفسهم لأنفسهم، فقال عز من قائل :
﴿ وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾.
إن المذنب إذا نزل به عقاب ذنبه لا يقال إن من أنزل به العقاب هو الذي ظلم، إنما الظالم هو من ارتكب سبب العقاب فهؤلاء بارتكابهم سبب العذاب الذي جاء بأمر الله أنفسهم، وهنا أمران بيانيان نشير إليهما :
الأمر الأول – التعبير ب ﴿ كانوا ﴾ فهو دال على استمرارهم في أسباب ظلم أنفسهم من إنكار وجحود ومكابرة.
الأمر الثاني – تقديم كلمة ﴿ أنفسهم ﴾، ﴿ يظلمون ﴾ للإشارة إلى أن ما ارتكبوا من آثام كان يقع على أنفسهم، لا على غيرهم وللاهتمام والتخصيص.
١ متفق عليه وسبق تخريجه..
وقد أكد سبحانه هذا المعنى السامي فقال :
﴿ فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون ( ٣٤ ) ﴾.
الفاء فيها بيان ترتيب الإساءة على ما ارتكبوا من سيئات، فهي تبين كيف ظلموا أنفسهم، فقال :﴿ فأصابهم سيئات ما عملوا ﴾، أي فأصابهم جزاء سيئات ما عملوا، فالكلام على تقدير مضاف، وفي هذا التفسير بيان لأنهم ظلموا أنفسهم بأن تسببوا في العذاب الذي نزل، فكانوا به ظالمين لأنفسهم، وحذف المضاف مع بقاء المضاف إليه للإشارة إلى الجزاء كالسيئات تماما، حتى كأنه هو.
وإن السيئات تترادف يجئ بعضها تلو بعض، حتى تتراكم فيظلم القلب وحينئذ تفسد كل أسباب الإدراك وتكون قلوبهم غلفا، ويتوالى منهم الفساد، فيكون ذلك سببا في أن ينزل بهم عذاب الله، ويكونون ظالمين لأنفسهم.
وقوله تعالى :﴿ سيئات ما عملوا ﴾ فيه إشارة إلى أن الله لا يأخذهم إلا بالسيئات، وهي ما يسوء في ذات من الأفعال، وما يسوء الناس، وما يصدهم عن الحق المبين.
﴿ وحاق بهم ﴾، أي أحاط بقلوبهم عملهم الشيء، حتى أصبحوا لا يدورون إلا في فلكه، واستعمال ( حاق ) بمعنى أحاط لا يكون إلا في السوء، فالحيق لا يكون إلا في إحاطة الشر.
وقوله تعالى :﴿ ما كانوا به يستهزءون ﴾، أي أحاط بهم القول الذي كانوا به يستهزئون، أي جزاؤه وحذف المضاف للإشارة إلى المساواة بين الجزاء والفعل كأنه هو.
ويصح أن نقول إن المراد، أن يحيط بهم الاستهزاء نفسه تقريعا ولوما، وإشعارا لهم بأنهم المستهزئون المحقرون، ومن كانوا موضع استهزائهم السخيف هم الأكرمون عند الله.
وإن التفكير السيئين دائما أن يحملوا أوزارهم وأوزار غيرهم، كما جاء سارق فقيل له لم سرقت ؟ فقال : ذلك قضاء الله فكأنه يحمل الله تعالى ما ارتكب، كذلك تفكير المشركين.
﴿ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ( ٣٥ ) ﴾.
إن الذين أشركوا وكانوا يخاصمون النبي صلى الله عليه وسلم قوم خصمون يحتجون على النبي صلى الله عليه وسلم لكل ما يتوهمون أن فيه حجة لهم، غير مدخرين قولا ولولا كان باطلا في ذاته، ولا يؤمنون به.
قالوا متحدين النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم أن ينزل بهم عقاب ما حق، ﴿ لو شاء الله ما عبدناك من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء ﴾، أي لو شاء ألا نشرك، وألا نحرم شيئا حلالا مما حرمنا، كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، لأنزل بنا عقوبة رادعة مانعة قاطعة، ولكنه لا ينزل، وينذر ولا ينفذ، فهو تحد للنبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل بهم ما أنزل الله على الأقوام قبلهم ؛ ولذا قال تعالى من بعد ذلك :﴿ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ﴾، أي لا يملك إنزال العذاب، وإنما الذي يملكه الله تعالى، وهو ليس عليه إلا البلاغ، وقد بلغ وأنذر.
هذا تخريج الحافظ ابن كثير، وهو تخريج مستقيم تتناسق فيه العبارات، وتتلاقى المعاني.
وهناك تخريج آخر يقاربه ولا يباعده، وهو أنهم يقولون ذلك استهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم وتهكما، بأنه لو كان يستطيع التغيير لغير، ولكن الله رضي لنا ذلك، فيقول الله ﴿ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ﴾ وهو قريب من الأول في معناه، وإن خالفه بعض المخالفة في مبناه.
وهناك تخريج ثالث، وهو الذي ضرب على نغمته الزمخشري، وسار في مساره غيره، وإن خالفوه في النتيجة، وذلك التخريج أنهم يسندون إلى الله وزرهم في الشرك فيقولون : إن شركهم بمشيئة الله ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن فلو شاء ألا نعبدهم من دونه ما حرمنا، فيكف نحاسب على أمر شاءه الله تعالى، وبذلك يربطون الأمر بالإرادة، فيقولون : إن أمرا يجب أن يكون لإرادته، ولا يأمر الله بشيء لم يرده، فيقول لهم :﴿ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ﴾، أي ليس على الرسل إلا البلاغ، وهو تبين أمر الله تعالى فلا تجادلوا، ونهم قد بينوا الحق فلا سبيل للتخلص من أمر الله، وأنكم تحسون في ذات أنفسكم بالاختيار وعلى ذلك يكون.
ونقول إن التخريج الأول تكون الآية متناسقة في ألفاظها وعباراتها ومعانيها، والتخريج الأخير يجعل قوله تعالى :﴿ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ﴾ وفي ربطه ببقية الآيات تكلف، ولو كان المخرج له إمام البلاغة الزمخشري.
وهنا إشارات بيانية ترجع التخريج الأول ونشير إليها :
الأولى – في قوله تعالى :﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾، أي فعل ذلك الفعل الذي تفعلون فعل الذين من قبلكم، وهؤلاء لم يفعلوا بل قالوا ولم يقل : وكذلك قال الذين من قبلكم، فدل ذلك على أن ما كان منهم ليس مجرد قول بل هو فعل وهو التحدي أو الاستهزاء، وبذلك يترجح التخريج الأول أو الثاني ولا يترجح الأخير.
الثانية – قوله تعالى :﴿ ولا حرمنا من دونه من شيء ﴾، أي ما حرمنا من غير الله من شيء، بل من ذات أنفسنا.
الثالثة – قوله تعالى :﴿ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ﴾ الفاء للإفصاح ؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر إذ تقديره إذا كنتم تتحدون وتطلبون إنزال العقاب فليس هذا لنا، إنما علينا البلاغ الواضح المبين الذي لا يترك ريبة لمرتاب، والاستفهام هنا إنكاري لإنكار الوقوع، أي ليس على الرسل إلا البلاغ المبين، أي التبليغ الواضح وهذه الجملة السامية لا تخلو من إنذار، ووصف البلاغ بأنه مبين يفيد أنه معلوم بإنذاره فمن اهتدى فلنفسه ومن عاند وخالف فليه إثم عناده.
والآية هنا رجحنا أنها للتحدي أو الاستهزاء، وفي سورة الأنعام يرجح أنه لتعلاتهم في إثمهم وشركهم، ولذا كان الرد عليهم :﴿... قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون ( ١٤٨ ) ﴾ [ الأنعام ].
بث الرسل بالتوحيد والبعث
بعد أن أشار سبحانه إلى أن على الرسل البلاغ المبين الواضح بأدلته، وآيات الله المقترنة به، بين سبحانه أنه ما ترك أمة من غير نذير، بل بعث في كل أمة رسولها بالحق، فقال عز من قائل :
﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ﴾.
أكد سبحانه وتعالى بعثه للرسل بأن بعث لكل أمة رسولا، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكن بدعا من الرسل، أكد ذلك باللام وقد، ولقد عين سبحانه رسالة كل رسول من هؤلاء الرسل فقال :﴿ أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ﴾.
﴿ أن ﴾ تفسيرية فهي مفسرة بمعنى الرسالة، وهي الأمر بعبادة الله وحده واجتناب الطاغوت.
وقوله تعالى :﴿ أن اعبدوا الله ﴾ فيه أمر بالوحدانية ودعوة إليها وتحريض عليها ؛ لأن عبادة الله تعالى لا تكون إلا إذا كان يعبد وحده لا شريك له.
وقوله تعالى :﴿ واجتنبوا الطاغوت ﴾، أي ابعدوا عن أنفسكم الطاغوت، أي جانبوه، والطاغوت فعلوت من الطغيان، وهو مجاوزة الحد، ويشمل مجاوزة الحد في العقول فيعبد مالا ينفع ولا يضر، ويشرك مع الله غيره وتتحكم فيه الأوهام، فيرى الباطل حقا والحق باطلا، ويشمل ظلم العباد، والطعيان عليهم، ويشمل الطغيان في المعاملان والظلم، وغير ذلك.
فالدعوة أي الوحدانية واجتناب الطاغوت جامعة لكل معاني الرسالة من عقيدة، وتعامل الناس بعضها مع بعض، هذه رسالة رسل الله في الأرض، اعتقاد سليم، وتعاون وعمل عادل مستقيم.
وقد تلقى الناس رسالة الرسل الهادية المرشدة ما بين مهتد مقتنع مؤمن، وما بين ضال قد حقت عليه الضلالة، ولذلك قال سبحانه :﴿ فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة ﴾ ومن هدى الله هو الذي سلك طريق الهداية، وأعد قلبه لقبول الحق والاقتناع به، ولم تكن ثمة غواش من حب المادة أو السلطان أو الجاه أو التأثر لما كان عليه الآباء، فيتبع من غير تفكير ولا تدبر بل نقول :
﴿... بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا...( ١٧٠ ) ﴾ [ البقرة ]، فمن كانت حاله كذلك، وهو في هذا متساوق مع الفطرة فإن الله يهديه، ويجعله يتم الصراط التي ابتدأ السير فيها.
وأما من حقت عليه الضلالة، أي ثبتت وتأكدت، فهو الذي لا يتفكر ولا يتدبر لغواش غشيت قلبه من حب الدنيا وجاهها، وسلطانها، وسيطر على عقله التقليد، والعناد والاستكبار، وبذلك تفسد فطرته التي فطر الناس عليها، ولذا حقت عليهم الضلالة.
وإن أولئك أنزل الله تعالى بهم الدمار في الدنيا، وصاروا عبرة للمعتبرين ؛ ولذا قال تعالى :﴿ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾.
( الفاء ) الأولى دالة على الإفصاح عن شرط مقدر، أو كلام مقدر تقديره فنزل بهم الدمار والهلاك ﴿ فسيروا في الأرض ﴾، فستجدون الآثار لمن أهلكهم الله، ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾، أي انظر الحال التي آل إليها أمرهم بسبب تكذيبهم ؛ ولذلك أظهر في موضع الإضمار للدلالة على أن ما أصابهم سببه التكذيب، والله سبحانه وتعالى أعلم.
كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على أن يهتدي قومه، لرأفته بهم ولرغبته في مصلحتهم، ولأنه يرى إيمانهم من كمال تبليغ رسالته، ويخشى أن يكون قد قصر في التبليغ إن لم يؤمنوا، ولأنه – كصاحب كل دعوة – يريد للناس أن يتبعوها في غير عوجاء ولا اعوجاجا، ولكن الهداية ليست بيده، إنما هي بيد الله ؛ ولذا قال تعالى :
﴿ إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين ( ٣٧ ) ﴾.
الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان حريصا على هداية قومه، والحرص هو الرغبة الشديدة في أمر من الأمور، وقد كان الني صلى الله عليه وسلم راغبا في هداية قومه، والضمير في ﴿ هداهم ﴾ يعود على الذين قالوا : ما أشركنا نحنن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء.
وجواب الشرط في ﴿ إن تحرص على هداهم ﴾ هو قوله تعالى :﴿ فإن الله لا يهدي من يضل ﴾ ويضل هنا معناها من كتب عليه الضلالة، وقدرها له في قدرة المحتوم، ولوحه المحفوظ، وذلك لأنه سلك سبيل الغواية ولم يتفكر ويتدبر، وسيطرت عليهم أوهام الماد، والجاه والسلطان وحب السيطرة فإنه تكتب عليه الضلالة، ولترك اله تعالى له سادرا في غلوائه يكون كمن يضله.
﴿ وما لهم من ناصرين ﴾، أي لا أحد ينصرهم، وهذا يومئ إلى أنهم يعتريهم عذاب أليم، لا ينقذهم منه ولى ولا ناصر لهم، وفيه دلالة على أنهم ما داموا قد رتعوا في الغي، فلا يمكن أن يكون لهم هاد مرشد، وهذا كقوله تعالى :﴿ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء...( ٥٦ ) ﴾ [ القصص ].
وإن هذا الجحود سببه أمران :
الأمر الأول – الاستكبار، وقد تكلمت الآيات القرآنية في آثاره.
والأمر الثاني – جحود اليوم الآخر، وقولهم : إن هي إلا حياتنا الدنيا نلهو ونلعب، وقد بين الله تعالى حالهم في جحودهم اليوم الآخر فقال تعالى :
﴿ أقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ( ٣٨ ) ﴾
﴿ أقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ( ٣٨ ) ﴾
﴿ جهد أيمانهم ﴾، الجهد مصدر بمعنى الطاعة والقوة، ومعنى أقسموا بالله جهد أيمانهم أي جاهدين بأقصى قوتهم في تأكيد يمينهم، والمقسم عليه ﴿ لا يبعث الله من يموت ﴾ مأسورين في ذلك بالحال التي وقعت، وهي الوقت ويحسبونه فناء لا حياة بعده، ويحسبون أنه لا شيء غير المادة، ولا يؤمنون بالمنشئ الموجد، وإن كانوا يقولون : الله خالق كل شيء، ولكنه قول لا يتغلغل في قلوبهم، ويستمكن في نفوسهم، روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث قدسي :"كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله : لن يعيدني كما بدأني، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد"١.
رد الله تعالى قسمهم الباطل بقوله تعالى – بلى – وهي تدل على الإجابة بالنفي وهو ما أكدوه، ثم أكد سبحانه وتعالى الجواب بالنفي بقوله تعالى :﴿ وعدا عليه حقا ﴾ ووعدا مصدر، ووصفه بأنه حق ثابت مستقر لا مجال لإخلافه، وقال تعالى :﴿ عليه ﴾، أي أنه سبحانه التزمه، وكيف يترك ما التزمه ولا ملزم له، إنما هو الملتزم.
وبين سبحانه أن أكثر الناس غلبتهم المادة، وسيطرت عليهم الأحوال التي يرونها، وتركوا المغيب عنهم فلم يدركوه، ولم يؤمنوا بالغيب ؛ ولذا قال تعالى :﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ الاستدراك هنا من الوعد المؤكد الثابت الذي ألزم الله تعالى به نفسه، إذ كان الواجب عليهم أن يعلموا من قياس القابل على الحاضر ولكن أكثرهم لا يعملون، أي ليس من شأنهم أن يدركوا، وأن يعلموا لأنهم لم يؤمنوا بالغيب، ولم يعرفوا قدرة ربهم وما المراد ( بالناس ) ؟، إن أريد المشركون وكلهم لا يعلمون ذلك، وقيل المؤمنون، وإن أريد الناس جميعا، فإن أكثرهم لا يؤمنون بالعودة، ومن اعتقد منهم لا يذعن، وإلا ما كانت المعاصي التي ترتكب جهارا، فهي لا ترتكب إلا من غفلة في الإيمان باليوم الآخر
١ رواه البخاري: تفسير القرآن (٤٥٩٢). كما أخرجه النسائي: الجنائز (٢٠٥١)، وأحمد: باقي مسند المكثرين (٧٨٧٣)..
وقد بين الله تعالى الغاية من البعث، فقال تعالى :
﴿ ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ( ٣٩ ) ﴾.
( اللام ) متعلقة بما قبلها، أي أنها في مقام التعليل لوعد الله الحق الثابت المؤكد الذي ألزم الله تعالى به ذاته العلية، والمعنى أن الله تعالى ما خلق الناس عبثا كما في قوله تعالى :﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ( ١١٥ ) ﴾ [ المؤمنون ]، فالله تعالى لم يخلق الإنسان، ولم يجعله كالبهائم، بل خلقه ومعه عقل يتفكر ويتدبر، حيث كان التفكير، كان الحساب على الأفعال، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، والدنيا لا تتسع لكل حساب الأعمال، فلا بد من أخرى يحاسب فيها على جميع الأفعال، والأناسى منهم المظلوم المحروم، ومنهم الظالم المجدود١، فلا بد من يوم يستوفى فيه كل ذي حق حقه، ينال كل ثمة ما كسب، ومن نوع ما كسب.
وذلك هو ما يكون من بعد البعث، وهذا معنى ليبين لهم الذي يختلفون فيه من حق وباطل وعدل وظلم، ويكون كل ذلك أمام الحكم الذي يفتح بين الناس، ويفصل بينهم بالحق وهو خير الفاصلين، ﴿ وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ﴾.
( اللام ) هنا للعاقبة، بينما اللام الأولى للتعليل ؛ ولذا كررت اللام لتغاير معناها، ومعنى العاقبة أنهم كانوا يكفرون بالبعث، ويكذبون الرسل في الدعوة إلى الإيمان، ويشركون ويكذبون الرسل في الدعوة إلى التوحيد، فإذا كان البعث والحساب والعقاب لمن أنكر وكابر وأشرك، والثواب لمن آمن وأطاع وصبر وجاهد فإن عاقبة ذلك الذي يرونه حسيا أن يعلموا أنهم كانوا كاذبين في كل ما ادعوا وأنكروا، وباهتوا الرسل والمؤمنين، وعبر بالموصول ﴿ الذين كفروا ﴾ لبيان أن كفرهم هو السبب في تكذيبهم، وأكد سبحانه وتعالى علمهم بكذبهم، أولا : ب "أن" المؤكدة، وثانيا : ب "كان" الدالة على دوامهم على الكذب بدوام كفرهم، وثالثا" بالجملة الاسمية، والله سبحانه يعلم الغيب في السموات والأرض وإليه ترجعون.
وإن السبب في إنكارهم البعث هو أنهم مأسورون بالمادة والحاضر الذي بين أيديهم وأنهم لا يقدرون قدرة الله تعالى حق قدرها
١ المجدود: اسم مفعول بمعنى المحظوظ. الصحاح/ حدد..
ولذا أشار سبحانه وتعالى إلى كمال قدرته على الخلق والتكوين، وأنه ليس إلا يريد الشيء فيكون، فقال الله تعالى :
﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ( ٤٠ ) ﴾
﴿ إنما ﴾ "أداة قصر" أي أن خلق الله للأشياء محصور في هذه الطريق السهلة التي لا تمتنع عليه بشيء، ولسنا نحث في سر الخلق والتكوين، فنسأل كيف خلق الله الناس، إنما نتعرف ذلك من قوله سبحانه، وهو يدل على أن الله تعالى يخلق الأشياء بإرادته المختارة، فلم تنشأ عنه الأشياء نشوء المعلول عن علته، فذلك وهم تعالى عنه سبحانه ؛ ولذا قال سبحانه :﴿ إنما قولنا لشيء ﴾، أي حاله وشأنه في قدرته وتكوينه للأشياء ﴿ إذا أردناه ﴾، أي أراده بإرادة حرة مختارة، وأنه فعال لما يريد ﴿ أن يقول له كن فيكون ﴾، أي احدث وكن شيئا مذكورا، فيكون، ومعنى هذا أنه سبحانه وتعالى لا يصعب عليه شيء في الوجود، فلا يتكلف كائن في الوجود أكثر من قوله كن فيكون، وهذا تصوير لسهولة الخلق عليه تعالت قدرته، وذلك كقوله تعالى :﴿... وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب...( ٧٧ ) ﴾.
وهذا كله للعاقل المستبصر المدرك، ولقد كانوا يعجبون كيف يعودون. ولقد فنيت أجسام الأموات فقال تعالى مبينا أن شيئا لا يصعب على إرادته، فقال :﴿ قل كونوا حجارة أو حديدا ( ٥٠ ) أو خلقا مما يكبر في صدروكم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغصون إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا ( ٥١ ) يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ( ٥٢ ) ﴾ [ الإسراء ].
المؤمنون
﴿ والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كان يعلمون ( ٤١ ) ﴾.
الهجرة ترك الدار لغاية سامية أو لطلب الرزق، وقد حبب الله تعالى في هاتين الحالتين، فقال تعالى :﴿ ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة...( ١٠٠ ) ﴾ [ النساء ].
وقد كانت هجرتان : هجرة إلى الحبشة فرارا بالدين من الذين ظلموا، ومن هؤلاء عثمان بن عفان وجعفر بن أبي طالب وعدد من الصديقين والصديقات بلغت عدتهم ثمانين أو يزيد، والهجرة الكبرى إلى المدينة وفيها هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وإن هذه السورة مكية، أي أنها كانت قبل الهجرة الكبرى فالذين هاجروا في الآية هم المهاجرون إلى الحبشة.
وقوله تعالى :﴿ والذين هاجروا في الله ﴾ الفاء هنا للسببية، أي لأجل الله تعالى، وذكر الفاء يومئ إلى أنهم فنوا في الله فصاروا لا يفكرون في غيره، وصار هو ملء قلوبهم ونفوسهم وعقولهم، وأحاسيسهم فكلهم له سبحانه وتعالى لا يفكرون إلا فيه، ويهون كل عذاب في سبيله.
وقال سبحانه وتعالى :﴿ من بعد ما ظلموا ﴾ و ﴿ ما ﴾ هنا مصدرية، أي من بعد ظلمهم، وقد كتب الله تعالى لهم الجزاء الحسن لصبرهم على الأذى، ونزول الظلم بهم، وهجرتهم ببعدهم عن الخلان والأحباب، والديار والأموال، وبيع أنفسهم لله تعالى حتى لا يطلبوا إلا مرضاته.
وقد قال تعالى في جزائهم :﴿ لنبوئنهم في الدنيا حسنة ﴾، ( اللام ) لام القسم وهي مؤكدة، والقسم مؤكد، ونون التوكيد مؤكدة، والحسنة الأمر الذي يكون حسنا لا إساءة فيه في ذاته ولا في مغبته، و ( نبوئنهم ) نمكنهم في الحسنة كأنهم يفتقدونها ويستمكنون منها، والحسنة في الدنيا التي نالت المؤمنين والمهاجرين من بعد هي العيش الحسن، وقد نزلوا من بعد الحبشة المدينة هم ومن كانوا في مكة يلاقون الظلم والإيذاء بكل أنواعه والاستهزاء والسخرية، فالتقوه في دار الهجرة.
ومن حسنة الدنيا النصر على الشرك وأهله، وغنائم النصر، والتعاون والإخاء، وإقامة حياة فاضلة في المدينة.
هذه حسنة الدنيا ﴿ ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ﴾، ( اللام ) لام الابتداء للتوكيد، وأجر الآخرة أكبر لأنه نعيم مقيم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، فأكل الجنة دائم لا ينتهي، وقال :﴿ لو كانوا يعلمون ﴾، والضمير في يعلمون يعود إلى المؤمنين، ﴿ لو ﴾ تكون للتمني، أي ليتهم يعلمون ذلك علم العيان والرؤية، لا علم الخبر والذكر، وفي ذلك بيان لفضله، وعظم شأنه، كأنه فوق الخيال والتصور، واختار الزمخشري أن يكون للكفار ولكنه بعيد، وقد قال تعالى في سبب استحقاقهم ذلك الجزاء العظيم.
﴿ الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ( ٤٢ ) ﴾.
﴿ الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ( ٤٢ ) ﴾.
﴿ الذين ﴾ عطف بيان للمهاجرين، لقد صبر المهاجرون أبلغ الصبر، صبروا على الذي نزل بهم، والظلم الذي وقع عليهم والاستهزاء والسخرية بهم، وتصغير شأنهم، وتحقير أمرهم، وكأنهم الأرذلون، وهم الأكرمون، وصبروا على ترك الأحباب، وترك الأموال وترك الديار.
صبروا على كل ذلك، وعلى أن المشركين حاولوا أن يسدوا باب الأمل في نفوسهم لولا فضل من الله ورحمة، ولكنهم مع ذلك كان أمامهم ربهم فتح لهم السدود، بالتوكل عليه ؛ ولذا قال تعالى :﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾، أي على ربهم وحده، لا على أحد سواه يتوكلون، وعبر بالمضارع لدوام توكلهم، وقدم الجار والمجرور على الفعل للتخصيص، أي على الله وحده يتوكلون فهو الذي يفتح لهم الأبواب التي يسدها السرك، ويكون من ورائها الانتصار.
ولقد كان المشركون يعترضون على الرسالة المحمدية بأنها لرجل، ويريدون ملائكة، فبين الله تعالى أن الرسل جميعا من الرجال، فقال عز من قائل :
﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ( ٤٣ ) ﴾.
ليس عجبا أن يوحى الله تعالى إلى رجل منكم، وما كان محمدا صلى الله عليه وسلم بدعا في الرسل، بل كان الرسل من أقوامهم يحسون بإحساسهم، ويتألفونهم ويعرفونهم في ماضيهم الطاهر المنزه، ولم يرسل رسولا إلا إذا كان من قومه وكان رجلا منهم ؛ ولذا قال تعالى :﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ﴾، فما أرسلنا ملكا ؛ لأن طبيعته ليست من طبيعة الإنسان، وهو روح غير جسد، ﴿ ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون ( ٩ ) ﴾ [ الأنعام ]، الأمر أهو ملك، أما إنسان، وإن امتياز هذا الرجل الرسول من بينهم أنه يوحى إليه، وينزل عليه جبريل الأمين برسالته ؛ ولذا قال :﴿ نوحي إليهم ﴾، هذه قراءة بالنون المعظم للمتكلم، وهو الله تعالى، وأي متكلم أكبر وأعظم من رب البرية، وهذا كقوله تعالى في آية أخرى :﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى...( ١٠٩ ) ﴾ [ يوسف ]، ولقد قال سبحانه وتعالى على لسان رسوله :﴿... قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ( ٩٣ ) ﴾ [ الإسراء ].
ولقد نبههم سبحانه إلى أن عليهم أن يتعرفوا الأمر من أهل المعرفة، فقد كانوا أميين منقطعين عن الرسالة فأراد سبحانه أن يوجههم إلى سؤال أهل المعرفة :﴿ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلون ﴾، ( الفاء ) تفصح عن شرط مقدر، أو واقعة في جواب الشرط ﴿ إن كنتم لا تعلمون ﴾ وأهل الذكر هم أهل التفكر والتدبر والعلم بالأشياء على وجهها، ويدخل في هؤلاء أهل الكتاب، أي إن كنتم لا تعلمون هذه الحقائق، فلا تعجبوا في الأمر لمجرد أنه يثير عجبكم واستغرابكم، بل تعرفوا الأمر من أهل الذكر والحكمة والمعرفة وأهل الكتاب ليزول عجبكم واستغرابكم، وذلك مع المعجزة الكبرى التي قدمها لكم، وتحداكم أن تأتوا بسورة من مثله، وما زال يتحداكم وهكذا نرى القرآن الكريم يصرف الآيات ليدركوا وليستبينوا الحق.
ولقد أشار سبحانه بعد ذلك إلى ما جاء به الرسل والأنبياء، ﴿ بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ( ٤٤ ) ﴾.
بين هذه الجملة وما قبلها تمام الاتصال، لأنها في معنى البيان لها، ﴿ بالبينات ﴾، متعلق بمحذوف دل عليه الكلام السابق، أي أرسلناهم بالبينات، وهي الآيات الدالة على رسالتهم، ﴿ والزبر ﴾ الزبر جمع زبور، وهو الكتاب، يقولون زبرت الكتاب إذا كتبته، وقد قال تعالى :﴿ وكل شيء فعلوه في الزبر ( ٥٢ ) ﴾ [ القمر ] وكما قال تعالى :﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ( ١٠٥ ) ﴾ [ الأنبياء ].
والمعنى أن هؤلاء أرسلوا رجالا ولا يكونون إلا رجالا مصحوبين بالبينات أي المعجزات الدالة على أنهم مبعوثون من عند الله، وجاءتهم منهم الكتب التي تبين فيها الشرائع التي أراد الله تعالى أن يعلموها للناس، وقد جئتهم بذلك وبالحق فما بهم يستنكفون عن قبول ما تدعوهم إليه، ويعجبون من أن يجيئهم الحق من الله على لسان رجل منهم.
ثم قال تعالى :﴿ وأنزلنا إليك الذكر ﴾، الذكر هو القرآن الكريم، وسمى القرآن هنا ذكرا، لأنه مذكر الأنبياء السابقين ورسائلهم، ما نسخ منها وما بقي، ولأنه الذكر الدائم إلى يوم القيامة، ولأن الذين نزل فيهم القرآن شهدوا على الناس بأن ما نزل إليهم من شرائع حق، والله شهيد عليهم، ألم تر إلى الذين ادعوا أنهم أتباع عيسى وحرفوا العقيدة، وجعلوها وثنية مثلثة صحح القرآن عقيدتهم وردها إلى أصلها، وشهد القرآن والمؤمنون بالصادق، وبطل ما صنعوا وحرفوا وثلثوا.
وقوله تعالى :﴿ لتبين للناس ما نزل إليهم ﴾، ( اللام ) هنا لام العاقبة، لتكون الثمرة والنتيجة والعاقبة أن تبين بالقرآن الذي نزل على قلبك للناس ما نزل إليهم من ربهم في الماضي والحاضر، وما هو شريعة ربهم الأزلية الخالدة الباقية، كما قال تعالى :﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه...( ١٣ ) ﴾ [ الشورى ].
وقوله تعالى :﴿ ولعلهم يتفكرون ﴾، أي رجاء منهم أن يتفكرون ويتدبروا ويبتعدوا عن الجحود والكفر، وكان العطف بالواو للدلالة على أن هذه غاية وثمرة للنزول كتبيين النبي صلى الله عليه وسلم.
تنبيه وإنذار
كان المشركون من وقت أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم بأمر ربه لا يفكرون فيما اشتملت عليه من حق، ولا في ماضيه الذي يدل على الصدق والأمانة، وأنه كان الأمين فيهم حتى سمى بذلك، ولا في حقيقة ما يدعو إليه، ولا في حقيقة ما هم عليه من عبادة الأحجار التي لا تضر ولا تنفع لا يفكرون في شيء من ذلك، إنما يفكرون في مقاومة الدعوة وصدوا عن غير المقاومة صدودا، ودبروا لإيذاء المستضعفين، والسخرية بالمؤمنين، والاستهزاء بأهل الحق ويقتلون الذروة والغارب ليقضوا على الدعوة، حتى إنهم ليقتسمون مداخل مكة، ليشوهوا دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إذا دعا الحجيج، يفعلون كل ذلك ونسوا أن الله قد ينزل بهم العذاب ؛ ولذا قال تعالى منها لهم منذرا :
﴿ أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون ( ٤٥ ) ﴾.
( الفاء ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها وهو حالهم التي هم عليها، ولكن تأخرت الفاء ؛ لأن الصدارة تكون للاستفهام والمعنى أفعلوا ما فعلوا ودبروا السوء، وآذوا ودبوا الأمور المسيئة في نفسها أفأمنوا أن يخسف الله تعالى بهم الأرض، بأن تنحط الأرض حتى تبتلع ديارهم وأموالهم، أغفلوا وأمنوا مكر الله وقد دبروا السيئات وفعلوا وأرادوا، ويميل بعض المفسرين إلى أن السيئات وصف لموصوف محذوف تقديره "أفأمن الذين مكروا المكرات السيئات"، ونحن نرى أنه لا حاجة إلى تقدير موصوف محذوف ؛ لأن المكر وهو التدبير متجه إلى إنشاء السيئات فهم دبروا السيئات في إيذاء المستضعفين، ودبروا السيئات في الأقوال والأفعال وطوال إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بينهم في مكة، لم يتركوا نوعا من السيئات إلا دبروها.
وهم يعلمون قوة الله القاهرة، وأنه الذي يلجأ إليه في الملمات، فلم يكونوا جاهلين لها، وإن عبدوا مع الله الأحجار والأوهام، فإذا نبههم الله تعالى بأنه قادر على خسف الأرض من تحتهم فهم لا يجهلون ذلك.
وقد قال تعالى منبها لهم، ومثيرا لعلمهم بقدرة الله تعالى :﴿ أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور ( ١٦ ) أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير ( ١٧ ) ﴾ [ الملك ].
ثم قال تعالى :﴿ أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون ﴾، ( أو ) عاطفة ﴿ العذاب ﴾، هو العذاب الدنيوي المدمر كالذي نزل بقوم لوط، فجعل الله عالي الأرض سافلها، أو تأتيهم ريح صرصر عاتية، أو ريح فيها عذاب شديد، يكون مفاجئا لهم لا يعلمون بوقوعه، ولا يتوقعونه وهذا معنى لا يشعرون، أي لا يعلمون ولا يتوقعون بل ربما كانوا يرجون الخير، كقوله تعالى في عاد :﴿ فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ( ٢٤ ) ﴾ [ الأحقاف ].
ثم يقول تعالى منذرا بالعذاب الشديد :
﴿ أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين ( ٤٦ ) ﴾.
إن أخذهم وهم لا يشعرون يكونون وهم في مساكنهم مطمئنون أو قابعون في ديارهم وهم لا يعرفون آثار مكرهم السيئات وتدبيرهم الفاسد لأهل الإيمان والكرامات، ولذا لا يشعرون، وقد يأخذهم وهم منتقلون في الأسفار يسيرون في مسارها، وينتقلون لمتاجرهم، وقد يأخذهم الله وهم كذلك لا يفكرون إلا في الكسب والخسارة والربح وسائر أبواب التجارة ؛ ولذا قال تعالى :﴿ أو يأخذهم في تقلبهم ﴾، أي في انتقالاهم من بلد لبلد، يتقلبون في البلاد، والتقلب تعبير عربي قرآني يؤكد به الانتقال من بلد إلى بلد تاجرا، أو سائحا، وكأن في ذلك مجازا إذ شبه التنقل من بلد إلى بلد بالكرة المتقلبة من وضع إلى وضع، وهي تنقله من مكان إلى مكان.
وإذا كانوا قد أحيط بهم، فهم في مأمنهم غير آمنين، وفي أسفارهم غير مطمئنين فهم في قبضة الله تعالى ؛ ولذا فما هم بمعجزين الله تعالى أن ينزل بهم ما يريد، فاستقيموا على الطريقة، وإلا أخذكم أخذ عزيز مقتدر، كانت الصور السابقة في أخذ بالخسف أو العذاب من حيث لا يشعرون، أو وهم في حال تقلبهم في البلاد بالمتاجر لا يخافون، فقد نزل العذاب وهم يتخوفون من العذاب، ولكنهم مصرون على سببه من مكر السيئات، وتدبير الموبقات للمؤمنين ضعفائهم وكبرائهم بالاستهزاء والسخرية.
ولذا قال تعالى :﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾
﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾
أي تخوف من العذاب أن ينزل بهم كما نزل الأقوام قبلهم فهم يعروهم الخوف، ولكن لا يصل إلى حملهم على الإيمان، ولكن يتخوفون أن ينزل بهم، وقد يفسر التخوف بمعنى النقص، أي ينقص الله من أموالهم شيئا فشيئا. كما فعل سبحانه وتعالى بقوم فرعون إذ قال سبحانه :﴿ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون ( ١٣٠ ) ﴾ [ الأعراف ]، فالتخوف هو النقص حتى يكون الهلاك من بعد ذلك.
ولقد ذكر الزمخشري في ذلك ما نصه :"وقيل هو من قولك : تخوفته إذا تنقصته، قال زهير :
تخوف الرحل منها تامكا قردا كما تخوف عود النبعة السفن
أي يأخذهم على أن يتنقصهم شيئا بعد شيء في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا، وعن عمر رضي الله عنه أنه قال على المنبر : ما تقولون فيها، فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال : هذه لغتنا، التخوف التنقص قال : فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها ؟ قال : نعم قال : شاعرنا وأنشد البيت، فقال عمر : أيها الناس عليكم بديوانكم، قالوا : وما ديواننا، قال : شعر الجاهلية".
ومعنى النص السامي أن العذاب يأتيهم وهم لا يشعرون وهم في مأمنهم قابعون، أو يأتيهم في متاجرهم ومتقلبهم مقبلين، أو يأتيهم بنقص وهلاك بطئ فينتهون وهم قد عرفوا الابتداء ولم يعرفوا الانتهاء.
وقد ختم الله سبحانه آيات الإنذار بقوله :﴿ فإن ربكم لرءوف رحيم ﴾.
ووصف الله سبحانه وتعالى ذاته بالرأفة والرحمة مع هذا التهديد الشديد، لأن رأفته بهم، ورحمته العامة، اقتضت ألا يعاجلهم بالعقاب، فهو سبحانه يبين لهم أنه قادر على العقاب ينزله بهم في أي باب من هذه الأبواب، ولكنه لم يعجل رأفة بهم وهو رحيم رحمة عامة الناس.
وفوق ذلك فإن الإنذار العقوبة، بل العقوبة نفسها رحمة بالكافة، فليس من الرحمة بالكافة أن يترك الظالم في غيه يرتع ويلعب ويعبث بالكرامة الإنسانية، فقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :"من لا يرحم لا يرحم"١، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله أنهم يجعلون لله ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم"، ويقول صلى الله عليه وسلم :"إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"٢.
١ سبق تخريجه..
٢ رواه البخاري (٤٣١٨)، ومسلم: البر واصلة تحريم الظلم (٤٦٨٠)..
ويوجه سبحانه وتعالى الأنظار إلى الخلق والمخلوقات ففيها الدلالة على وحدانية الخالق، وفيها الدلالة على قدرته القاهرة وإرادته الظاهرة وفيها الدلالة على خضوع الوجود كله له سبحانه ساجدا داخرا صاغار، فقال عز من قائل :
﴿ أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ( ٤٨ ) ﴾.
الهمزة داخلة على فعل محذوف يقدره المقام والمعنى يفعلون ما يفعلون معاندين مجاهرين بالعصيان، ولم يروا ما خلق الله من شيء، و ﴿ من ﴾ بيانية، أو لاستغراق النفي والاستفهام هنا إنكاري ؛ لإنكار الوقوع وهو داخل على نفي، ونفى النفى إثبات، والمعنى انظروا ( وفكروا ) إلى ما خلق من أشياء تتفيأ ظلاله، أي لها فئ، ولهذا الفئ ظل، وتتداخل ظلاله، فالجبال لها فئ والأشجار لها فئ، وكل فئ له ظل، فتتفيؤ هذه الأفياء، ويكون ظلال كما ترى الشجر المتداخل تتفيأ الظلال ذات اليمين وذات الشمال، وعبر عن الجانبين المقابلين باليمين والشمال، فقوله عن اليمين والشمائل، عن الجانب اليمين من ناحية الشرق، وعن الشمائل من جهة الغرب، وذلك بالنسبة للكعبة فما يكون على شرقيها يكون يمينا، وما يكون عن غربيها يكون شمالا، وعبر عن اليمين بالمفرد ويراد به الجمع ؛ لأنه أفياء مختلفة تطول ابتداء وتقصر عند الظهيرة، ثم تكون الأفياء ناحية الغرب تبتدئ قصيرة من فئ الزوال ثم تكبر شيئا فشيئا حتى تستطيل طولا كثيرا.
وفي التعبير عن اليمين بالمفرد إشارة إلى نهايته، وإلى أنه لا يرى إلا قصيرا بينما الشمال لا يرى إلا طويلا، ويزداد شيئا بعد شيء ؛ ولذا عبر فيه بالجمع وهو شمائل، والاثنان جمع، فهو أفياء كما ذكرنا.
والتعبير بفئ ليضمنها معنى المجاوزة، أي إن تجاوز إلى اليمين أو تجاوز إلى الشمائل تكون أفياء، وقوله تعالى :﴿ سجدا ﴾، أي أن هذه الأفياء ساجدة خاضعة لله تعالى، تسبح بحمده كما يسبح الرعد بحمده، وقوله تعالى :﴿ داخرون ﴾، أي صاغرون خاضعون، وجمعت جمع عقلاء، تنزيلا لها هذه المنزلة لخضوعها وتسبيحها بحمده سبحانه وتعالى، وهو على كل شيء قدير.
﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون ( ٤٩ ) ﴾.
السجود هنا كالسجود في الآية السابقة الخضوع الكوني لله تعالى والتسبيح بحمده، ولكن لا نفقه تسبيحهم، كما ذكر الله تعالى في قوله تعالى :﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال ( ١٥ ) ﴾ [ الرعد ].
وذكر سبحانه ما في هذه الآية لعمومها ما في السموات من كواكب ونجوم، وشمس وقمر وغير ذلك مما في السموات ثم قال تعالى :﴿ وما في الأرض من دابة ﴾، ( من ) هنا دالة على البيان، أي أن كل دواب الأرض خاضعة تسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم.
وقد ذكر سبحانه وتعالى نوعين خاضعين ساجدين له، وهما الأجرام السماوية، وكل ما هو جسم يبدو لنا غير حي، ثم ذكر الأحياء وهي الدواب، ثم ذكر بعد ذلك قسما ثالثا، وهم الملائكة الأطهار والأرواح فقال :﴿ والملائكة وهم يستكبرون ﴾ فالملائكة خاضعون لله لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، أو وصفهم الله تعالى بأنهم لا يستكبرون، أي أنهم ليسوا كإبليس الذي أبى واستكبر وكان من الكافرين، وكما قال تعالى :﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبد الله ولا الملائكة المقربون...( ١٧٢ ) ﴾ [ النساء ].
وقال تعالى في أحوال الملائكة الأطهار :﴿ يخافون ربهم من فوقهم ﴾، وقوله تعالى :﴿ من فوقهم ﴾، قيل معناها يخافون ربهم أن يرسل عذابا من فوقهم، أو يخافونه، وهو فوقهم بالقهر، كقوله تعالى :﴿ وهو القاهر فوق عباده...( ١٨ ) ﴾ [ الأنعام ] ونحن نرى أن الفوقية هنا فوقيتهم هم، لا فوقية الله، والله تعالى فوق كل شيء، ومعنى فوقتهم علوهم في الخلق والتكوين، وكونهم أرواحا طاهرة، وإنهم مع هذه الفوقية يخافون الله تعالى، فكلما علوا في الروحانية كان خوفهم بمقدار علوهم، وبذلك يستقيم الكلام من غير تقدير ( يرسل ) أو نحو ذلك، ويكون متفقا على ختمت به الآية السابقة في قوله تعالى عنهم :﴿ وهم لا يستكبرون ﴾.
وقد أكد سبحانه وتعالى نفى استكبارهم، وخضوعهم، وخوفهم من ربهم الذي خلقهم بقوله تعالى :﴿ ويفعلون ما يؤمرون ﴾ وفيه إشارة إلى إبليس الذي استكبر، ولم يفعل ما أمره به ربه.
٥١
الله يأمر بالوحدانية
بعد أن أشار الله تعالى إلى خلق السموات والأرض، وخضوع الجميع ساجدين، العقلاء وغير العقلاء، والأحياء والجماد على معنى جامع بينها، وهو الخضوع والتسبيح، وإن كنا لا نفقه تسبيحها فخالقها عالم بها.
بعد ذلك بين أنه سبحانه واحد أحد، وهو إله وحده فقال :
﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله وحد فإيي فارهبون ( ٥١ ) ﴾.
هذه الجملة السامية متصلة بما قبلها بالواو العاطفة، والواو العاطفة على ﴿ ولله يسجد ما في السموات... ﴾، أي الله الذي يخضع الوجود كله له لا فرق بين حي وجماد، ولا عاقل ولا غير عاقل، يقول لكم :﴿ لا تتخذوا إليهن اثنين ﴾ وذكر ( اثنين ) مؤكدا معنى العدد المفهوم من المثنى ؛ لأن المثنى في ذاته يدل على المثنوية، وكان التأكيد باثنين لأنه وضع النهى، إذ إن موضع النهى هو أن يكون إلهان اثنان، وذكر النهى عن اثنين، لأنه يتضمن النهى عن ثلاثة وأكثر ؛ لأنه إذا كان الأقل منهيا عنه، فالأكثر أولى بالنهى ؛ ولأن اتخاذ إلهين دلت الآية الأخرى على أنه يؤدي إلى الفساد في السموات والأرض، إذ إن تعدد الآلهة يلغى الألوهية ويفسد السموات والأرض التي دلت الآيات المتلوة والآيات الكونية على أنهما منظمان أبلغ ما يكون النظام، قال الله تعالى :﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون ( ٢٢ ) ﴾ [ الأنبياء ]، وإن قياس البرهان على بطلان الشرك المبنى على التنازع يفرض إلهين، فيقول لو كان إلهان لتنازعا، ولرجح أحدهما على الآخر على فرض التساوي بينهما، وإذا تنازعا مع هذا التساوي فسد الكون، وإذا لم يفرض على التساوي، كان المتفاضل منهما هو الإله.
ونقول : إن ذكر الإلهين الاثنين فيه إماء إلى هذا الدليل العقلي، والله أعلم.
﴿ إنما هو إله واحد ﴾، ( هو ) دالة على معنى الإله المطلق وهو الله سبحانه، و ( إنما ) الدالة على القصر، أي قصر الألوهية على إله واحد سبحانه وتعالى.
بعد ذلك التفت عن الخطاب إلى ضمير المتكلم. فقال :﴿ فإياي فارهبون ﴾ الفاء الأولى للإفصاح والمعنى : إذا كان الإله واحدا، ﴿ فإياي فارهبون ﴾ والفاء الثانية لربط الكلام، والمعنى إياي أنا وحدي فارهبون ؛ لأنه لا إله إلا أنا، وقد انتقل سبحانه من مقام التنبيه والتعليل بذكر أدلة الوحدانية في خلق السموات والأرض والتوجيه، والبرهان إلى التخويف ومن لم يقنعه الخوف والإرهاب.
وقد قال سبحانه وتعالى : إنه له الطاعة، والجزاء عليها والعبادة، والخضوع والعبودية وحده فقال تعالى :
﴿ وله ما في السموات وما في الأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون ( ٥٢ ) ﴾.
سيق هذا الكلام الحكيم في سياق بياني، قد يؤخذ منه شكل منطقي، فقد قدم سبحانه وتعالى كلامه السامي، بقوله :﴿ وله ما في السموات وما في الأرض ﴾، أي له السموات والأرض، وما فيها من أحياء وأجرام، وعقلاء وغير عقلاء، وإذا كان مالكا للوجود كله وهو وحده المتصرف بمقتضى الاختصاص الثابت بالملكية، فله العبادة وحده، وله الطاعة وحده، وهو الذي يملك الجزاء وحده ؛ ولذلك قال بعد ذلك ما هو كالنتيجة لهاتين المقدمتين :﴿ وله الدين واصبا ﴾ الدين يطلق ويراد منه العبادة وقد يراد منه الطاعة، وكلمة ( واصب ) قد يراد بها الدائم، وقد يراد بها المفروض، وقد يراد ما فيه مشقة محتملة، وهذه المعاني تراد جميعها من هذه الآية الكاملة، فله وحد العبادة، وله وحد الطاعة، وله وحده الجزاء، فهو الذي يجزي كلا بما يستحق، وهو الذي اختص بالله وحده دائم، ومفروض، ومنه تكليف للنفس بما يوجب الصبر، والمجاهدة.
وقد ختم الله تعالى الآية من الإخبار إلى الخطاب فقال تعالى :﴿ أفغير الله تتقون ﴾، الفاء للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها، ذلك أنه يترتب على الوحدانية، فيما ذكرنا الآيتين غير الله، وأخرت الفاء عن الهمزة، لأن الاستفهام له الصدارة، والاستفهام للتنبيه، وإنكار الوقوع، أي لا تتقون غير الله، وتقديم غير الله على الفعل للدلالة على أنه يتقى سواه، والتقوى امتلاء القلب بخشية الله تعالى وجلاله وخوف عقابه فلا يتقى سواه، لأنه له الجزاء وحده.
بعد ذلك أخذ سبحانه وهو المنعم بالوجود يبين بعض نعمه على الناس، فقال تعالت حكمته :
﴿ وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ( ٥٣ ) ﴾.
والكلام موصول لبيان نعم الله تعالى، وقد ذكر أولا نعم الله تعالى على الوجود الكوني كله بخلق السموات والأرض ومن فيهن من أجرام وأحياء، وعقلاء وغير عقلاء، ثم يذكر في هذه نعمة على الإنسان خاصة، فيقول مخاطبا الناس، ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله ﴾ ( ما ) اسم موصول بمعنى الذي، وهو يكون أحيانا في معنى الشرط ؛ ولذا تدخل الفاء فيما بعده على أنه جواب الشرط الذي تضمنه الموصول، والمعنى على ذلك : الذي بكم من نعمة في الصحة والعقل والغذاء والكساء والمأوى، والماء الذي تشربون، والدفء الذي به تستدفئون، كل هذا وغير مما غمركم به من نعم سابغات فمن الله تعالى المنعم المتفضل على غيره، ﴿... وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها...( ٣٤ ) ﴾ [ إبراهيم ].
وهو مع هذه النعم السابقة كاشف الضر، ورافع الأذى ؛ ولذا قال تعالى :﴿ ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ﴾ أتى ب ( ثم )، هنا للتباعد بين حال النعمة وحال الضر، أي أنه منزل النعم، وكاشف النقم، والضر هو ما يصيب الإنسان من ضرر في جسمه بمرض، أو يصيبه من تعرض للغرق أو الحرق، وهكذا من أسباب الضرر، ومسكم : أصابكم أو نزل بكم فإليه وحده تضرعون ؛ ولذا قال :﴿ فإليه تجأرون ﴾، يقال جأر يجرأ جؤارا، أي تضرع ولجأ، وصاح لاجئا إلى الله تعالى، ولفظ جأر تدل الالتجاء إلى الله تعالى لفزع وهلع، فإن كان الذي مسه مرضا جهش ودعا، وإذا كان الذي مسه ضررا كان التجاؤه بصياح كخوار البقر.
ويقول تعالى :﴿ فإليه تجأرون ﴾، بتقديم الجار والمجرور على الفعل أي إليه وحده تجأرون ضارعين.
وإذا كان يقتضى عبادة الله وحده في السراء، ولكن إذا كشف الضر كان من الناس من يشرك بربه، ولذا قال تعالى :
﴿ ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ( ٥٤ ) ﴾.
﴿ ثم ﴾ هنا على موضعها اللغوي من التباعد بين ما قبلها وما بعدها ؛ إذ إن ذلك كان يقتضي الإيمان، ولا يقتضي الكفر، لقد جأروا إلى الله وحده، ولم يلتجئا إلى غيره، ولكنهم بعد أن زالت كربتهم، وكشفت فمتهم أشركوا بربهم ؛ ولذا قال :﴿ إذا فريق منكم بربهم يشركون ﴾.
هذه ( إذا ) التي تسمى الفجائية، وهي التي يكون ما قبلها يدل على عدم توقع ما يجئ بعدها، إذ إن كشف الضر يوجب شكر المنعم والتضرع له وإفراده بالعبودية، فإذا كان الإشراك كان على مقتضى ما يتوقع، لقد ضرعوا إليه وحده في شدتهم، وفي رخائهم كفروا به وأشركوا مع غيره من أحجار أو ما يشبه الأحجار.
وعدل الله في حكمه أن جعل ذلك الكفر بالنعمة في بعض منهم، وليس في كلهم، وهم أولئك المشركون بمحمد، وقد أشار إلى أن هؤلاء ليسوا بكثرة الناس، ولكن دون الكثرة.
﴿ وليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون ( ٥٥ ) ﴾.
اللام هنا لام الأمر، كاللام في قوله تعالى :﴿... ليقض علينا ربك ( ٧٧ ) ﴾ [ الزخرف ] والأمر هنا معناه التهديد، ووصف أفعالهم بأنها سيئة، ومن أشرك بربه بعد نعمته التي أنعمها عليه بأن يؤمر في غيه، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم، "إذا لم تستح فاصنع ما شئت"١، فالأمر ليس للطلب، ولكن لبيان أنهم قد فسدت فطرتهم وضلت عقولهم، حتى صاروا جديرين بألا يكون منهم إلا الشر.
أو نقول : اللام للعاقبة، ويكون المعنى لتكون العاقبة بأنهم كفروا بما آتيناهم من حق، كتاب مبارك لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وإذا كانوا على ذلك النحو من الفساد والضلال النفسي فجدير أن يتمتعوا كما تتمتع البهائم من غير تفكر ولا تدبر ؛ ولذا ﴿ فتمتعوا ﴾ ( الفاء ) للإفصاح إذا كنتم على هذا الضلال وكفران النعمة، والإشراك بربكم ﴿ فتمتعوا ﴾ والأمر للتهديد، وقوله تعالى :﴿ فسوف تعلمون ﴾ ( الفاء ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي فيها بيان لما يستقبلهم، وسوف لتأكيد الفعل في المستقبل، أي إذا كنتم في حاضركم متمتعين بما تملكون مع متع، فمستقبلكم المغيب عنكم ستعلمونه علم معاينة وهو عذاب شديد، فقوله تعالى :﴿ فسوف تعلمون ﴾ يتضمن تهديدا بعذاب مهين.
١ سبق تخريجه..
وقد بين سبحانه نوعا من الاسترسال في عبادتهم الأوثان، وهو أن يجعلوا مما رزقهم الله تعالى من بهائم الأنعام نصيبا، فقال تعالى :
﴿ ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون ( ٥٦ ) ﴾.
وذلك أن هؤلاء المشركين يسترسلون في شركهم، فيحسبون أن من القربى للأوثان أن ينذروا لهم نذورا من الأنعام والحرث، فيجعلون هذا بزعمهم لله وللأوثان بزعمهم، ويخافون الأوثان أكثر من خوفهم من الله مع علمهم بأنه لا ينجيهم من كربهم إلا الله تعالى، على ما تبين من قول، وقد قال تعالى في ذلك في سورة الأنعام :﴿ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون ( ١٣٦ ) ﴾ [ الأنعام ].
وقوله تعالى :﴿ يجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم ﴾، يصح أن يكون الضمير عائدا على الأوثان، ويكون المعنى : ويجعلون للأوثان التي هي أحجار لا تعلم شيئا ولا تضر ولا تنفع، نصيبا مما رزقناهم، وأعيد الضمير إلى الأوثان على أنه ضمير العقلاء ؛ لأنها كذلك في زعمهم، فيكون ذلك تهكما بهم.
ويصح أن يعود الضمير إليهم كالضمير في ﴿ ويجعلون ﴾ والمعنى على هذا يكون : يجعلون لما لا يعلمون له حقيقة تسوغ لهم أن يعبدوها، إنما هو وهم قد سيطر عليهم من غير حقيقة ثابتة يعلمونها، أو هي صالحة لأن يعلموها إذ هو لا وجود له إلا على أنه حجر لا يضر ولا ينفع، والخيال الناشئ هو الذي جعل لهم ذلك التصور الباطل.
وإن ذلك أعظم الافتراء على الله وعلى الحقيقة ؛ ولذا قال تعالى مؤكدا القول بالقسم بذاته العلية :﴿ تالله لتسألن عما كنتم تفترون ﴾ وهذا تهديد شديد، قد أكده سبحانه بالقسم بذاته العلية وبتلك الصيغة القوية، وهي القسم بالتاء، وباللام، وبنون التوكيد الثقيلة، وأنهم مسئولون عن هذا الافتراء.
وسمى الله سبحانه وتعالى ذلك افتراء وكذبا مقصودا ؛ إذ أشركوا وكذبوا على الله وعلى أنفسهم، وضلوا إذ نذروا لما لا يعلمون له حقيقة، وضلوا بذلك ضلالا بعيدا.
ظلم البنات
إن الأوهام إذا كانت هي مصدر علم طائفة من الناس فلا تعجب، والأمثال على ذلك واقعة بين أيدينا في هذا الزمان ومن شأن من تحكمه الأوهام أن يتخيل ثم يظن ثم يتوهم ثم يعتقد، كان العرب يعرفون الملائكة، ويعرفون الله وإنه خالق كل شيء، وأنه المستغاث لكل مستغيث، وأنه الملجأ في الشديد ولكن خلطوا بذلك أوهاما كثيرة أفسدت تفكيرهم، فأشركوا الأوثان مع الله تعالى، ومن ذلك أنهم توهموا أن الملائكة إناث لا ذكور، وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا، وجعلوها بنات الله تعالى، ثم ذهب بهم فرط أوهامهم إلى أن كان منهم من عبدها ؛ ولذا قال تعالى :﴿ ويجعلون لله البنات سبحانه وله ما يشتهون ( ٥٧ ) ﴾، أي أنهم جعلوا لله البنات – تنزه وتقدس عن ذلك – ولهم ما يشتهون، وهم الذكور، ومعنى يشتهون يختارون راغبين ملحفين في الدعوة حتى كأنهم شهوة يشتهونها ؛ لأنهم يرونهم امتدادا لوجودهم، ولأنهم يرون فيهم النصرة في الحرب ؛ ولذا كان الرجل يكون في قوة ببنيه ويكون أعز نفرا، ولقد نعى الله تعالى عليهم أن قالوا لله تعالى ولدا، فقال تعالى :﴿ ألا إنهم من إفكهم ليقولون ( ١٥١ ) ولد الله وإنهم لكاذبون ( ١٥٢ ) ﴾ [ الصافات ]، وأن ذهب فرط أوصافهم أن يقولوا ولد الله بنات ﴿ أصطفى البنات على البنين ( ١٥٣ ) ما لكم كيف تحكمون ( ١٥٣ ) ﴾ [ الصافات ] ويقول سبحانه ردا عليهم :﴿ ألكم الذكر وله الأنثى ( ٢١ ) تلك إذا قسمة ضيزى ( ٢٢ ) ﴾ [ النجم ].
هكذا تدرج بهم الوهم من زعم أن لله ولدا، وإن هذا الولد من الإناث اللائي لا يرغبن فيهم، ثم استرسل بهم الوهم حتى كان منهم من عبد الملائكة، وهم طائفة من الصائبة كانت تعبد الأرواح.
وإن رغبتهم في الذكور ورغبتهم عن الإناث تدفعهم إلى أن تسود وجوههم عند ولادة الأنثى ؛ ولذا قال تعالى :
﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ( ٥٨ ) يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أن يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون ( ٥٩ ) ﴾.
التبشير معناه الإخبار بالأمر السار، أي بالبشارة، وعبر الله تعالى عن ولادة البنت بالتبشير ؛ لأنها بشرى بسلامة الأم ولأنها في ذاتها رزق من الله تعالى، ولأنها قلب يكون له فضل حنان وشفقة لذا كان التعبير ب ﴿ بشر ﴾، وقد كان يجب أن يسر لهذه المعاني الكريمة السامية، ولكنه بدل أن يستبشر، بهذه النعمة التي أنعم الله تعالى بها، وهذا الرزق الذي ساقه الله تعالى يكتئب ويحزن ؛ ولذا قال تعالى بها، وهذا الرزق الذي ساقه الله تعالى يكتئب ويحزن ؛ ولذا قال تعالى في جواب الفعل الذي هو البشرى :﴿ ظل وجهه مسودا وهو كظيم ﴾، أي صار ودام وجهه مسودا، وذلك كناية عن الحزن والكمد والغيظ، كان حال الوجه المكفهر تشبه بحال الوجه الأسود، للقتامة، فالبؤس يوجد سوادا في القلب.
وقال :﴿ وهو كظيم ﴾، أي وهو ممتلئ غيظا، وحزنا وغما، و ﴿ كظيم ﴾ مأخوذ من الكظامة، وهو شد فم القربة، والمهموم الحزين ينطبق فاه فلا يتكلم كمدا، والمشابه حاله بحال الكظامة التي تشد بها القرية، ولكن القرية تسد على الماء وقد يكون قراحا، أما هذا فيشد فمه على أقراح الهم والغم والحزن.
وإنه يكون على هذا الغم محسا بعار، لخشيته على عرضها، ولخشيته من قهرها وذلها، وهي مهما تكن بضعة منه، ولذا قال تعالى :﴿ يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ﴾ لا يلقاهم خزيا وعارا من سوء ما بشر به، وهنا جمع سبحانه بين السوء والبشرى، فسماه سوءا بالنسبة له ولقومه، وسميت بشرى بشر بها في حقيقتها، لأنها نعمة، والإخبار بالنعمة بشرى.
وتحدثه نفسه في هذه النكبة في زعمه الفاسد، وإدراكه الباطل ﴿ أيمسكه على هون ﴾، والضمير في ﴿ أيمسكه ﴾ يعود على لفظ ﴿ ما بشر به ﴾، فهو يعود على ( ما )، ولذا ذكر الضمير، وإن كان موضوع ( ما ) هو الأنثى، ﴿ على هون ﴾، أي على ذل وهوان كهذا المبشر به، والهوان في لغة قريش، وعذاب الهون هو عذاب الهوان والذل، ﴿ أم يدسه في التراب ﴾، أي يدفنه فيه، وعبر سبحانه ب ﴿ يدسه ﴾، بدل يدفن، لأن الدفن يكون للميت، وهذه على قيد الحياة وهي الموءودة، وكان يفعل ذلك قبائل من مضر ومن كندة وخزاعة وهي غلظة في الأكباد، وحمق في العقول وضلال في الكفر، وكان بجوار هؤلاء الحمقى القساة، فضلاء عقلاء رفقاء، فكانوا إذا علموا برجل يريد أن يوئد ابنته فدوها بالإبل، وقد قالوا : إن صعصعة بن ناجية هم الفرزدق إذا أحس من ذلك وجه إلى والد البنت إبلا يستحييها، وقد قال الفرزدق مفتخرا بعمه هذا.
وعمى الذي منع الوائدات وأحيا الوئيد فلم يوده
وإن امتهان المرأة ذلك الامتهان لم يكن عند العرب وحدهم، بل كان عند الفرس، وكان عند الرومان، ولم يكن في القانون الروماني أي حماية للمرأة، بل كانت تعد المرأة أمة في بيت أبيها، لو قتلها لا يسأل لم قتلها، وإذا انتقلت إلى بيت زوجها كانت أمة أيضا، ولو قتلها لا دية لها، ولا ملام، وقال تعالى :﴿ ألا ساء ما يحكمون ﴾ ألا للتنبيه وساء في فعل التعجب فالمعنى ما أسوأ ما يحكمون لأنه سخط وظلم وفساد في التفكير.
ولما جاء القرآن كرمها وجعل لهن من الحقوق مثل الذي عليهن من الواجبات، وواجب تأديبها وتعليمها، فقال صلى الله عليه وسلم :"من كانت عنده بنت فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها، وأسبغ عليه من نعم الله التي أسبغ عليه كانت له سترا أو حجابا من النار".
وإن سبب ذلك الانحدار في التفكير بالنسبة للأنثى هو الكفر باليوم الآخر، ولذا قال تعالى :
﴿ للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ( ٦٠ ) ﴾.
عن الإيمان بالآخرة إيمانا صادقا مذعنا يلقى في النفس الاطمئنان على المستقبل، فلا يكون في لهج وهلع من الناحية المالية ؛ لأنه يعرف أن هناك يوما آخر، يعطى فيه من حرم من ملاذ الدنيا وشهواتها، ولا يكون حريصا شحيحا، ولا يكون خائفا من فقير ينزل له ما دام عاملا، وإن أصابه فقر فإلى ميسرة، وأما من لا يؤمن بالآخرة فإنه في فزع، وخوف وتقتير، ويظن الظنون في قابله غير معتمد على الله تعالى، فهو في الولد، يخشى الفقر فيئذ البنت ويفرح بالولد ؛ لأنه يكفيه عيشه، والبنت يخشى عليها القهر والذل، وفوات الكفء وغير ذلك.
ولذا قال تعالى في حال البشرى بالبنت، وخشية الفقر والعار والقهر لها مشيرا إلى أن سبب ذلك هو عدم الإيمان بالآخرة، فقال تعالى :﴿ للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ﴾، أي حال السوء دائما يخشون الفقر والقهر والجوع كمثل الذين يحددون نسلهم خشية الجوع، والله تعالى يقول :﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم...( ٣١ ) ﴾ [ الإسراء ]، فمن لا يؤمن بالآخرة تكون حاله حال سوء وخوف، وهم دائم، وفي مقابل ذلك من يؤمن بالآخرة، فإنه مطمئن إلى ربه، طالبا رضاءه يفوض أموره لله، وهو العزيز الحكيم ؛ ولذا قال تعالى :﴿ ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ﴾، ولله الحال العليا التي لا سوء فيها، ولا خوف من الفقر، والمقابلة بين الذين لا يؤمنون بالآخرة، وبين الله وهي مقابلة بين كان منهم من الإنسانية في المنزلة الدنيا، والله العلي القدير العزيز الحكيم، وأنى يكون ذلك ؟ والجواب عن ذلك : إن المقابلة بين من هم في أدنى الإنسانية، ومن هم في أرقاها من بني الإنسان أيضا ؛ لأن الله تعالى يدعوهم إلى أن يكونوا مع الله تعالى. ليؤمنوا بعظمته، ويتوكلوا عليه، فيكونوا في أحسن حال، وأعلى مثل وصورة، لأنهم يكونون مع الله، متوكلون عليه ومتبعون لأوامره، ومجتنبون لنواهيه.
وختم سبحانه الآية بقوله تعالى :﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾، أي وهو الغالب الحكيم الذي قدر كل شيء تقديرا ﴿ وما من دابة في الأرض إلى على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها... ( ٦ ) ﴾ [ هود ].
وإن الله تعالى يعلم ظلم الناس وظلمهم للنساء ؛ ولذا قال تعالت كلماته :
﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ( ٦١ ) ﴾.
إن الله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين، وهو القادر على كل شيء وهو العليم بما يفعله الناس، ولكنه لا يؤاخذ الناس على ظلمهم، وقت نزول الظلم، بل يؤخرهم، ولذا قال تعالى :
﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ﴾.
( لو ) حرف امتناع لامتناع، أي امتنع عذاب الله تعالى لأنه سبحانه لا يؤاخذ الناس بظلمهم، وإن الناس منهم من يشركون بالله، وإن الشرك لظلم عظيم ومنهم من يقترن الآثام المخزية المفسدة للجماعات، ومنه من يتعدى، ولا يعد القوى قويا إلا إذا اعتدى كما قال الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى.
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعله لا يظلم
والظلم ما حق للخير، وإن الله إذا آخذ الناس بظلمهم المستمر المتوالي لعمهم بعذاب من عنده، بريح صرصر عاتية، أو يخسف بهم الأرض، أو يجعل عاليها سافلها، أو بأن تجف السماء فلا تمطر، فيكون الجدب ثم الموت، وبذلك يهلك الناس والدواب، ولم يبق على ظهرها غاثية أو راغية، وبذلك يموت الجميع ولا تبقى دابة، وخلاصة المعنى أن الله تعالى لو آخذ الناس لعمهم بعذاب ولا يترك منها دابة تدب على وجه الأرض، فنقمة الظالم تعم ولا تخصه، كما قال تعالى :﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة...( ٢٥ ) ﴾ [ الأنفال ]، والتعبير بالمضارع في قوله تعالى :﴿ ولو يؤاخذ الله... ﴾ فيه نفى للمؤاخذة في المستقبل، كما لم يؤاخذ في الماضي، لأن الله عدل لا يأخذ المطيع بجريمة العاصي، ولا يأخذ العجماء بجريمة الإنسان.
﴿ ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ﴾، حيث يمكن تمييز الظالم من العادل، والمسئ من المطيع، والمسئول من غير المسئول، فإذا جاء أجلهم الموقوت لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، والسين والتاء للطلب، والمعنى ليس لهم أن يطلبوا التأخير والتقديم، بل هو لاحق بهم ما يستقبلهم والله أعلم.
وبعد ذلك أشار سبحانه إلى ظلمهم في النساء، وهو ظلم مستمكن في نفوسهم.
﴿ ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون ( ٦٢ ) ﴾.
ويجعلون ما يكرهونه، أي ما كان غير مرغوب فيه منهم يجعلونه لله، فيجعلونه لله البنات، لأنهن مكروهات عندهم، ويجعلون مما ذر من الأنعام والحرث ما يكرهون، ويجعلون لآلهتهم ما يحبون، ويستخفون برسله لأنهم يكرهونهم وفي الجملة كل شيء لا يهوونه يجعلونه لله تعالى.
﴿ وتصف ألسنتهم الكذب ﴾، أي تقول ألسنتهم الكذب، وعبر عن القول بالوصف لأنهم يصفون الباطل، بأنه حق، فهو قول يتضمن وصفا باطلا، يصفون ﴿ أن لهم الحسنى ﴾، الحال الحسنى التي لا يعلو عليهم في الحسن شيء في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإنهم قد زين لهم سوء عملهم فرأوه حسنا، وما هو بالحسن، وغرهم الغرور فاستطابوا ما هم عليه من الفساد، وحسبوا أنهم بظلمهم الأعلون، وغرهم بالله الغرور، وأما في الآخرة فقد قاسوا حالهم في الدنيا على حال في الآخرة، كما قال الله تعالى عن أحدهم :﴿... ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى....( ٥٠ ) ﴾ [ فصلت ].
وقد رد الله تعالى قولهم بقوله سبحانه :﴿ لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون ﴾، أي حقا لا كسب لهم من خير أو حسن ﴿ أن لهم النار ﴾ يدخلونها، وليس لهم الحسنى ينالون خيراتهم، وأكد سبحانه ذلك فقال :﴿ وأنهم مفرطون ﴾، أي مقدمون في النار، كالمفرط إلى الماء مع أي المقدم، وهذا على قراءة فتح الراء مع تخفيفها، وقرئ بكسر الراء مع التخفيف، ويكون المعنى مفرطين في الظلم والمعاصي، وبذلك استحقوا النيران، وقرئ بكسر الراء مع التشديد ويكون المعنى أنهم مفرطون في طاعة الله تعالى أهملوها، وتركوها فتركهم الله تعالى وصاروا نسيا منسيا.
والقراءات الثلاث متواترة، فيصح أن تراد كلها، فهم في مقدمة أهل النار فيردونها كما يرد القوم إلى الماء، وهم مفرطون في المعاصي، ومفرطون في الطاعات، والله من ورائهم محيط.
رسالات الله والعظة في خلقه
الكلام مفصول عما قبله باللفظ، وإن كان المقام بيان أحوال الشرك، وكيف يزين للمشركين سوء عملهم، فيرونه حسنا، وهو السوء فقال تعالى :
﴿ تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم ( ٦٣ ) ﴾ أكد سبحانه وتعالى بالقسم، وباللام وبقد، وكان القسم بالباء، لا بالباء ولمعنى الشدة في مخرجها، كان في القسم بهذه الصيغة تشديدا، و ﴿ أرسلنا ﴾ أضاف الإرسال إليه سبحانه وتعالى وليعلم أن الرسالة من الله سبحانه وتعالى عن طريقهم، وأنهم رجال يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق، ويموتون، كما قال الله تعالى :﴿ وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون ( ٣٤ ) ﴾ [ الأنبياء ].
وقوله تعالى :﴿ إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ إلى أمم مختلفة أزمانهم متباينة مشاربهم وأجناسهم، ولكنهم التقوا على أمر جامع بينهم، وهو الشيطان يزين لهم أعمالهم الفاسدة المفرقة لجمعهم ؛ ولذا قال سبحانه :﴿ فزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ و( الفاء ) للترتيب والتعقيب، أي أن الله تعالى أرسل إليهم الرسل بالهداية، فكان وراء الرسول الهادي تزيين الشيطان يهدم ما يدعو إليه الرسول يزين في قلوبهم الخبيث فيجعله حسنا في زعمهم، والله تعالى يقرر على لسان رسوله أنه باطل ما يعصونه.
وتزيين الشيطان لهم، أنه يأتيهم من قبل أهوائهم وشهواتهم فيزين لهم الشر فيما نهى الله عنه، كما قال جد الأبالسة لأبي الخليفة آدم ﴿... ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ( ٢٠ ) ﴾ [ الأعراف ].
﴿ فهو وليهم اليوم ﴾ الفاء لترتيب ولايته لهم، أي الولاء والمحبة على التزيين، أي أنه إذ زين لهم الشهوات فحسبوها المصلحة والحقيقة الحنة العقبى صار صاحب الولاية، والولاء والمحبة منهم يسيرهم كما يشاء.
والضمير في ﴿ وليهم ﴾ يصح أن يعود إلى الأمم، أي أن الشيطان بعد هذا التزيين صار صاحب الولاية عليهم، يصرفهم اليوم، كما يشاء فأسلموا زمامهم له، وفي ذلك سلوى للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، ويصح أن يكون الضمير يعود على قريش بقياسهم على من سبقوهم، وتقرير أنهم أولياء الشيطان بهذا التزيين المستمر، ثم ذكر العاقبة، فقال عز من قائل :﴿ ولهم عذاب أليم ﴾، أي مؤلم إيلاما لا نعرف له في الدنيا حدودا، ولايتهم على أي حال في الدنيا، وأما في الآخرة فيتبرأ منهم.
وقد بين سبحانه وتعالى : أنه أنزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم ليكون جامعا لما سبقه مبينا الحق فيه فقال :
﴿ وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ( ٦٤ ) ﴾.
ولقد بين سبحانه وتعالى أن الكتاب مهين على الكتب قبله، وحاكم على الناس فيما اختلفوا فيه، وما يختلفون إلى يوم القيامة، فإن رجعوا إليه اهدوا إلى الحق، وإلا فهم في ضلال بعيد.
قال سبحانه :﴿ وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ﴾ فقد اختلفوا في البعث، وقالوا : عيسى ابن الله، وقالوا : عزير ابن الله، وحرفوا في الرسالات، وبدلوا وغيروا، وأحل اليهود الربا، وقد حرم عليهم وأكلوا السحت والرشا، فكان لابد من مرجع يرجع إليه في معرفة الحق فيما اختلفوا فيه، فكان محمد الذي نزل القرآن عليه هو المبين، وأسند النبي صلى الله عليه وسلم مع أن المبين هو القرآن وذلك لسببين :
السبب الأول : بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم هو من القرآن، وإن القرآن نزل من عند الله تعالى عليه.
والسبب الثاني : أن القرآن يحتاج إلى مبلغ يبلغه حقائقه، ويعلم الناس به، يبين مجمله، ويخص عمومه، ذلك المبلغ هو النبي صلى الله عليه وسلم ولذا أضيف التبين إليه صلى الله عليه وسلم، وهو تكليف كلفه.
وقوله تعالى :﴿ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ﴾ هنا أمران في القرن غير الأمر الأول، وهو أن فيه بيانا للشرائع السائغة، وما اختلفوا فيه حولها، فهو شاهد على الكتب السابقة، ومبين الحقائق في الرسالات الإلهية، وحكم عليها، لأنه آخر لبنة في صرح النبوة، وهو كمال الرسالات كلها.
وهو أيضا هدى ورحمة – ففيه الهداية من الضلال في متاهات الأوهام، فيه التوحيد، وقد زينت الأوهام الشرك، وفيه تحريم ما لم يجله الله، وإحلال الحلال وتبين الحرام، فهو الهادي المرشد، كما قال الحق :﴿... إنا سمعنا قرآنا عجبا ( ١ ) يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ( ٢ ) ﴾ [ الجن ].
وفيه الرحمة، وهي شريعته المحكمة، فهي رحمة للناس، وهي الشفاء لأدوائهم والرحمة بالمهديين منهم ؛ ولذا قال تعالى :﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ( ١٠٧ ) ﴾ [ الأنبياء ] ففيها الرحمة بالمجتمع، وفي عقوباتها الزاجرة رحمة بالكافة ووصف سبحانه بأنه هدى كأنه ذاته هداية ورحمة لفرط ما فيه من هداية ورحمة.
وهنا أمران بيانيان يشير إليهما سبحانه :
الأمر الأول – أن قوله تعالى :﴿ وما أنزلنا عليك الكتاب... ﴾ فيه نفى وإثبات، وهو يفيد الحصر، أي ما أنزلنا عليك الكتاب إلا لبيان ما جاء به من رسالات للأمم، ولما فيه من هدى ورحمة، وشريعة محكمة صالحة، وفيه إشارة إلى أن هذا الكتاب خاتم الرسالات.
الأمر الثاني – أنه سبحانه وتعالى ذكر الكتاب معرفا بأل الدالة على كماله، وإنه الكتاب الجدير بأن يسمى كتابا وحده، وقد بين سبحانه أن هدايته ورحمته لمن يؤمن به ويذل ويذعن لحقائقه، وينفذ أحكامه بحذافيرها لا يغادر منها صغير ولا كبير إلا نفذها لأنه خير كله، والله أعلم.
بعد أن بين سبحانه ما يحيى النفوس أخذ يذكر سبحانه ما من به على خلقه مما يحيى الأجسام :
﴿ والله أنزل من السماء ماء فأحيا له الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ( ٦٥ ) ﴾.
ابتدأ سبحانه بما يحيى النفوس، وكان ذلك بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين رحمة من عنده، وأنزل الكتاب الكريم الذي هو حكم ومهيمن على كل ما أنزل قبله من كتب، وما كان من الناس راشدين أو ضالين، وكيف كان ضلالهم، وكان ابتداؤه سبحانه بما يحيى النفوس التي كانت ميتة من غير هداية، واتباع للنبيين كقوله تعالى :﴿ أو من كان ميتا فأحيينا وجعلنا له نورا يمشي به في الناس...( ١٢٢ ) ﴾ [ الأنعام ]، لأن حياة الروح أزكى وأغلى، وهي التي تليق بالإنسان، وبغيرها يكون سدى، والجسم يشترك فيه مع البهائم التي هي مسخرة لخدمة الإنسان في هذه الأرض كما خلقها سبحانه.
﴿ والله أنزل من السماء ماء ﴾ المراد ما علا، وأنزل الله السماء من أعلى حيث تتكون السحب الثقال حاملة الماء عذبا فراتا في بخار يتكاثف، ويصير ماء ينزل مطرا مدرارا، ويكون غيثا، كما قال تعالى :﴿ ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عم من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ( ٤٣ ) ﴾ [ النور ].
ينزل الله سبحانه الماء فينبت الزرع، ويسقى به الشجر، ويكون منه الثمر، فمن الماء كل شيء حي، وقال تعالى :﴿ والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ﴾ الإحياء بإنبات الزرع فيكسوها بخضرة ناضرة يجعلها ذات منظر بهيج تزيد به، كأنه حلية لحسناء، وتبسق به الباسقات من الأشجار تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها.
وسمى الله تعالى الأرض من غير نبات بالميتة تشبيها للأرض القفر الجرداء بالميتة ؛ لأنه ليس على ظهرها حياة، وجعل الماء سببا لإحيائها، كما قال تعالى :﴿... وجعلنا من الماء كل شيء حي...( ٣٠ ) ﴾ [ الأنبياء ].
إن إنزال المطر الذي فيه الحياة لآيات لقوم يسمعون الحق ويتبعونه، ويؤمنون به، وكان ظاهر السياق أن تكون هذه لقوم ينظرون، ولكنه عدل إلى السماع فقال عز من قائل :﴿ لقوم يسمعن ﴾ للإشارة إن النظر لا يبصر المعاني إذا لك يكن قد سمع الحق، وأذعن له، وكذلك العقل لا يفكر إذا لم تكن هداية من السماء له، فلا يعتبر بنعم الله تعالى إلا من سمع الحق وآمن به وأذعن له، وإلا فهي غاشية لا يبصر ولا يدرك، إن هو إلا كالأنعام أو أضل سبيلا.
وقد أخذ يقص الله تعالى نعمة الأنعام التي تجئ من إحياء الأرض بالزرع والغراس التي من أشجار وفاكهة فقال تعالى :
﴿ وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ( ٦٦ ) ﴾.
﴿ وأن لكم في الأنعام لعبرة ﴾، الأنعام جمع نعم أو اسم جنس للنعم على كلام سيبويه، والنعم هي الإبل والبقر والغنم، ويشبهها طائفة لها خواصها، وطهارة لحمها وأكله مثل الغزال، وذوات القرون وغيرها من الأنواع التي تشابه بها في الخلق والتكوين والأكل والمرعى، والذي كان معروفا في الدواجن عند العرب الإبل والبقر والغنم، وهي التي وجبت فيها الزكاة ابتداء، وثبت في غيرها إذا أمكن اقتناؤها للنماء، وصارت ذات نتاج يكون نماء لها، فالزكاة سببها أو وعاؤها مال نام.
والعبرة التي ذكرها القرآن الكريم في خلق النعم من نواح كثيرة، فهي في خلقها وجمالها حين تريحون وحين تسرحون، وفي تذليلها للإنسان وإلفها له لتذل له وتخضع وتستكين فبها يحرث الحرث وعليها يحمل أثقالا ومن أروائها يكون السماد الصالح، ومنها يتخذ الدفء والغطاء ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها يتخذ متاعا إلى حين.
وهكذا تتكاثر أوجه الانتفاع وكل ذلك الله تعالى لمن أراد أن يعتبر ويؤمن بنعم الله تعالى ويشكرها كما أنعم وقد ذكر سبحانه وتعالى بعض العبرة في الخلق والتكوين، وفيما يكون منها من لبن سائغ للشاربين، فقال عز من قائل :
﴿ نسقيكم مما في بطونه من بيت فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ﴾.
﴿ نسقيكم ﴾ تقرا بالضم وفعلها أسقى وهي لغة جاءت في قوله تعالى :﴿ وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ( ١٦ ) ﴾ [ الجن ] وهناك قراءة بالفتح وفعلها سقى، وهي تستعمل بمعنى أسقينا، وبمعنى أسقى من البئر، كقوله تعالى :
﴿ فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ( ٢٤ ) ﴾ [ القصص ].
وقوله :﴿ نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ﴾.
الضمير في ﴿ بطونه ﴾ يعود إلى النعم، أو بعض هذه النعم، وهو الإناث منها، وفي عودته لبعضها لا بد من مسوغ يدل عليه، فنقول : إن ( من ) الأولى تدل على التبعيض فهي تشير إلى أن الضمير يعود على بعض، وإن ذلك وإن كان جائزا هو بعيد في السياق، والأقرب منه أن يعود إلى الأنعام، والأنعام لفظ مفرد عند سيبويه، فصح أن يعود بلفظ المفرد المذكر، وذلك معقول، لأن الأنعام على فرضها أنها جمع هي جمع النعم، ونعم اسم جنس يدل على الكثير، ولكن لفظه مفرد فصح أن تكون الأنعام بمعنى نعم، ولكن ورد مثل هذه الآية الضمير بلفظ المؤنث كما قال تعالى :﴿ وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون ( ٢١ ) ﴾ [ المؤمنون ].
وقوله تعالى :﴿ من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ﴾، و ﴿ من ﴾ للابتداء، أي تكون بين فرث ودم، والفرث فضلات الطعام، وقد قال ابن عباس : إن الدابة تأكل العلف فإذا استقر في كرشها طبخته، فكان أسفله فرثا، وأوسطه لبنا وأعلاه دما، وهذا معناه أنه في الوسط بينهما اللبن، وقد يكون ذلك التفسير من الناحية العلمية مقربا، ذلك أن أكل البهائم يهضم، ثم يتمثل جزء منه في الدم، وجزء ينزل لبنا درا.
وقد وصف اللبن بوصفين :
الوصف الأول – أنه خالص ليس فيه اعتكار بدم، ولا بقية من روث، بل هو صاف نقى لا عكرة فيه.
والوصف الثاني – أنه سائغ للشاربين، أي يستسيغونه ولا يمجونه، وفيه إشارة إلى أنه طعام سهل سريع الهضم والتمثيل وكل طعام تقبله معدات بعض الأشخاص، وتعافه الأخرى، إلا اللبن، فإنه سائغ للجميع، والله ولي النعم، والمستحق وحده لشكرها.
وقد ذكر سبحانه نعمة أخرى للماء ينزل على الأرض فقال :
﴿ ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون ( ٦٧ ) ﴾.
فذكر سبحانه وتعالى أن المطر ينزل فيكون الزرع ويكون العشب الكثير ومن هذا العشب يأكل الغنم، وفيها أن الله تعالى يسقينا من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين.
وقد بين بعد ذلك الثمرات التي تؤخذ من الأشجار فقال عز من قائل :﴿ ومن ثمرات النخيل والأعناب ﴾ هنا كلام محذوف تقديره يتخذون ما تتخذون مما يسخر لكم منها فتأخذون ثمرات طيبات وأكلها حلو دائم، وأنكم ﴿ تتخذون منه سكرا ﴾، أي شيئا مسكرا، والمسكر مبغض إلى أهل الإيمان، وهي تدل على أن الخمر مشروب غير مباح، وإذا كان قد ترك زمانا فهو في هذه الأزمان كان محل عفو، حتى جاء التحريم القاطع الذي لا ريب فيه في آية سورة المائدة، كما بينا ذلك في موضعه.
وإن السكر مقابل بالرزق الحسن فيكون السكر رزقا غير حسن، وإذا كانت هذه السورة مكية فإن معنى مجئ هذا الكلام في سورة مكية يدل على أن القرآن الكريم ومحمد صلى الله عليه وسلم لم ينظر إلى الخمر نظرة رضا، أو نظرة غير كارهة بل نظرته لها نظرة كارهة من أول مجئ الإسلام إلى أن بين الله فيها بيانا شافيا بالتحريم القاطع.
ويلاحظ أن الله تعالى ذكر النخيل والأعناب في هذه الآية ولم يذكر غيرهما لأنهما كانا الكثير عند العرب، وهناك نعم أخرى كثيرة في أغراس كثيرة، كالرمان والتفاح، وغيرهما من الأغراس التي يتخذ منها سكرا ورزقا حسنا. وقد قال تعالى :﴿ إن في ذلك لآية ﴾، أي في هذا الذي ذكره الله تعالى لآية دالة على قدرة الخالق ﴿ لقوم يعقلون ﴾، أي يعملون عقولهم، وذكر الفعل في نهاية الآية التي جاء فيها السكر، إيماء إلى ما يفعله السكر في العقول.
﴿ وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ( ٦٨ ) ﴾.
الحيوانات كلها تسير بإلهام الله تعالى، فأم الحيوان ترضع وليدها، وتحنو عليه وترعاه بفطرتها، وكأنها أم مثل أمهات بني آدم تدفئه وتقيه الحر والبرد.
وإن ذلك الإلهام يصح أن يسمى وحيا ؛ لأنه إلهام من الله تعالى، ولذلك قال تعالى :﴿ وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ( ٦٨ ) ﴾. واختص سبحانه وتعالى النحل بتسمية إلهامها وحيا، لأنها ألهمت نظاما محكما دقيقا يعجز عنه بعض العقلاء، فهي ألهمت أن يكون لها رئيس وهو يسوسها وهو ينصف بينها ويحكم بالعدل، وينفى القذى حتى إنه لو رميت على إحداها نجاسة قتلها تطهيرا للجماعة، وأن تعيش طهورا، وإذا ظهر فيها رئيس قاتل الأصيل ذلك الرئيس ونصروه عليه، وإنها لتبنى بنيانها بإحكام فتجعله على شكل مسدسات لكي يكون البناء محكما، ولكي يكون كل فراغ مسدود، وتجتمع جموع النحب، وتذهب مجتمعة في غدوها وروحها وفي غذائها وفي ريها حتى إنها كون ذات منظر بديع يدل على إحكام الاتحاد بحيث لا تنأى عن الجمع واحدة، وهي تراقب نفسها بحيث إذا هلكت إحداها أخرجته، وكأنها تدفعها خارج الأحياء، وهكذا، وفي طبعه النظافة فرجيع النحل يخرجونه خارج الخلية، ويقول الغزالي في الإحياء "لا يأكل من العسل إلا مقدار شبعه، وإذا قل العسل في الخلية قذفه بالماء ليكثر، خوفا على نفسه من نفاذه، وإذا نفذ النحل أفسد بيوت الملكات، وبيوت الذكور، وربما قتلت ما كان منها هناك".
ولهذا التنظيم العجيب الذي يعجز عن بعضه أصحابه العقول، قال الله تعالى بالنسبة للنحل، ﴿ وأوحى ربك إلى النحل ﴾ وأضاف الإيحاء إلى الرب سبحانه، لأن ذلك الوحي فيه فائدة للإنسان، وهو من مقتضى الربوبية، ومن النعم التي أنعم الله تعالى بها على عباده فيما تخرجه من بطونها من شفاء للناس.
﴿ أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ﴾، ﴿ أن ﴾ تفسيرية، وما بعدها تفسير لما قبلها، فالوحي هو أمر الله تعالى لها أن تتخذ من الجبال بيوتا تعيش في كهوفها، وتبيض فيها، ﴿ ومن الشجر ﴾، أي تأخذ من فروع الأشجار بيوتا تصنع فيها ما يصنعه صاحب البيت فيه، ﴿ ومما يعرشون ﴾، أي مما يعرشون على سقوفهم، ومما يعرشونه لها من خلايا.
و﴿ من ﴾ للتبعيض، أي يتخذون بعض الجبال وبعض الشجر وبعض مما يعرشون، وما يخصص لها من خلايا يكون كله لها بهذا التخصيص
ثم قال تعالى :
﴿ ثم كلي من الثمرات فاسلك سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ( ٦٩ ) ﴾.
عطف سبحانه وتعالى ب ﴿ ثم ﴾ للتراخي بين اتخاذ البيوت من الجبال والأشجار ومما يعرشون، وذلك إشارة إلى أنها تبذل في البيوت نظاما محكما دقيقا مما يأخذ وقتا طويلا، والله تعالى يأمرها بمقتضى الفطرة التي فطرها تعالى :﴿ ثم كلي من كل الثمرات ﴾ فلا تفرق بين الزهور فكلها طعام لها، فتأخذ من نوار كل زهرة، لا فرق بين زهر مر، وزهر حلو، وتأخذ من كل الثمرات تأخذ البنفسج والبرتقال والخوخ، والقطن ثم ينساغ في بطنها، ثم تخرجه بعد ذلك عسلا حلوا، مشتبه طعمه ويختلف لونه، ويكون لونه على حسب المرعى، فلون البنفسج يبدو إذا كان غداؤه من البنفسج، ورائحته تكون مثله، ولون البرتقال إذا كان كذلك، وقال تعالى :﴿ فاسلكي سبل ربك ذللا ﴾ وهي حال من السبل، أي أن طرائق الله التي ألهمك إياها مذللة سهلة غير مجهولة تغدو من هذه السبل، وتروح منها غير مجهولة لها، ولو ذهبت في طلب الرزق إلى آماد بعيدة.
وهذا كله على أن ﴿ ذللا ﴾ حال من السبل، ويصح أن تكون حالا من ضمير ﴿ فاسلكي ﴾ فيكون حالا من النحل، والمعنى اسلكي سبل ربك حال كونك مذللة لما خلقك الله تعالى وهو أن تأخذي الثمرات وقد تمكنت منها ومن الطريق إليها، مسخرة لما خلقك الله تعالى له سبحانه.
ويقول سبحانه :﴿ يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه ﴾ فما بين أبيض وأصفر وبنفسجي ووردي، وذلك على حسب الغذاء الذي يتغدى به النحل، وعلى حسب سن النحلة التي تخرجه.
وقد قالوا : إن العسل تمجه لعابا، ولا يخرج من بطنها، والجواب عن ذلك أنه ينساغ في بطونها عسلا ثم تمجه لعابا، وهو يتكون أولا في البطن، ومع اختلاف ألوانه ورائحته يجتمع فيه وصف الحلاوة له.
وقال تعالى :{ فيه شفاء للناس والتنكير هنا للتعظيم، أي فيه شفاء عظيم للناس، ولقد قال بعض العلماء إن فيه شفاء عاما ؛ لأن التنكير للتعظيم لأن فيه شفاء لكل الأسقام، وعن ابن عمر أنه لا يشكو قرحة إلا جعل عليه عسلا، حتى الدمل إذا خرج عليه طلى عليه عسلا.
وحكى عن بعض التابعين أنه كان يكتحل بالعسل ويتداوى بالعسل في كل مرض.
وإن النص القرآني يدل على أن فيه شفاء عظيما، ولكن لا يدل على أنه تعالى يشفى به كل الأمراض، وحسبه أن يكون فيه شفاء عظيم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يداوي به أمراض البطن، روى البخاري ومسلم أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم : إن أخي استطلق بطنه، فقال صلى الله عليه وسلم :"اسقه عسلا"، فذهب فسقاه عسلا ثم جاء فقال : يا رسول الله سقيته عسلا فما زاد إلا استطلاقا، قال :"اذهب فاسقه عسلا" ثم جاء فقال : يا رسول الله ما زاده إلا استطلاقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلا" فبرأ١.
ويقول ابن كثير في التعليق على هذا الحديث :
قال بعض علماء الطب : كان هذا الرجل عنده عضلات فما سقاه عسلا وهو حار تحللت فأسرعت في الاندفاع فزاده إسهالا فاعتقد الأعرابي أنه يضره، وهو مصلحة لأخيه، صم سقاه فازداد التحليل والدفع ثم سقاه فكذلك فلما اندفعت الفضلات الفاسدة استمسك بطنه وصلح مزاجه.
وختم الله سبحانه وتعالى الآية بقوله تعالى :﴿ إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ﴾، أي أن في خلق النحل وإلهامه وتدبيره وخروج العسل المصفى من بطونه لآية دالة على قدرة الله وعظيم خلقه لقوم يتفكرون ويتدبرون في آياته وما تدل عليه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
١ رواه البخاري: الطب – الدواء بالعسل (٥٢٥٢)، ومسلم، واللفظ له: الطلام – التداوي يسقى العسل (٤١٠٧)..
أطوار الإنسان وأحواله
هذا بيان للأدوار التي يمر بها الإنسان وهي تدل على عظم قدرة الله فيه، وفيها بيان واضح إلى قدرته على الإنشاء والإدبار وقدرته على الإخفاء، وتحلل جسم الإنسان شيئا فشيئا حتى يكون الموت، وفي ذلك إيماء إلى قدرته سبحانه على الإعادة ﴿... كما بدأكم تعودون ( ٢٩ ) ﴾ [ الأعراف ].
قال تعالى :﴿ والله خلقكم ثم يتوفاكم ﴾، خلقكم أي أنشأكم من العدم، وجعل من الطين إنسانا في الخلق وفي عبارة ﴿ خلقكم ﴾ إشارة إلى إنشائه جنينا في بطن أمه من علقة فمضغة مخلقة وغير مخلقة، كما قال تعالى :﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ( ١٢ ) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ( ١٣ ) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ( ١٤ ) ثم إنكم بعد ذلك لميتون ( ١٥ ) ﴾ [ المؤمنون ].
وإن هذا الخلق بعده الوفاة يعيش ما يعيش إن طويلا، وإن قصيرا والمآل الوفاة ؛ ولذا قال تعالى :﴿ ثم يتوفاكم ﴾، ﴿ ثم ﴾ هنا للتفاوت بين الموت والحياة، ومنكم من يموت في صباه أو في شبابه أو كهولته، ﴿ ومنكم من يرد على أرذل العمر ﴾، ومعنى الرد على أرذل العمر أن يرجع منكوسا إلى ابتدائه، فهو في أرذل العمر يسير في السن إلى الأمام، ولكن في القوى يرد إلى الوراء فقواه تضعف، وتفنى بعض أجزاء جسمه شيئا فشيئا، كأنه من قبل الهرم كانت قواه تسير على الأمام حتى تقف، فإذا أرذل العمر أي أخسه وأعدم حمده يرجع إلى الصبا الذي لا يعلم شيئا.
قال تعالى :﴿ لكي لا يعلم بعد علم شيئا ﴾، أي لتصير حاله ألا يعلم، بل ينسى، وأن يكون كل ما يعلمه من جديد مآله النسيان، فلا يزداد علمه، بعد أن كان عالما شيئا، وقد لوحظ أن الذين يصيبهم أرذل يصيبهم أرذل العمر ينسون ما كسبوه من علم بعد الشيخوخة ولا ينسون ما كان لهم من حوادث قبل ذلك، فهم يتكلمون عن الماضي ولا يتذكرون ما كان من حوادث بعد أن تصيبهم الشيخوخة، ونلاحظ هنا أمرين :
الأمر الأول – أن أرذل العمر يختلف باختلاف الناس، فمنهم من يصيبه الهرم مبكرا، ومنهم من لا يصيبه إلا مؤخرا.
الأمر الثاني – أن بعضهم يصيبه خرف الشيخوخة، والصادقون المؤمنون لا يصيبهم خرف الشيخوخة، وإن كانوا ينسون، ومهما يكن فإن الموت قبل بلوغ أرذل العمر أفضل، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه ألا يرد إلى أرذل العمر، فقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو "أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر"١، وإن ذلك كله بتقدير الله تعالى وعلمه ؛ ولذا قال بعد ذلك :﴿ إن الله عليم قدري ﴾ إن الله بمقتضى علمه قدر كل شيء ونفذه، وهو القادر العليم.
١ متفق عليه: رواه بهذا اللفظ: البخاري – تفسير القرآن (٤٣٣٨)، ومسلم الذكر والدعاء – التعوذ من العجز والكسل وغيره (٤٨٧٩)..
وإن الله تعالى لم يجعل الناس على سواء في الغنى والفقر فقال تعالى :
﴿ والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون ( ٧١ ) ﴾.
هذه بيان حال الإنسان من الغنى والفقر، والسعة في الرزق، ومن قدر رزقه، وفي تهيأ الأسباب ليكسب رزقا وفيرا وخيرا عميما فقال :﴿ والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ﴾ يسير الأسباب فمنكم من سلك السيل فنال مالا، ومنكم من لم يكن له سبيل إلى مال فكان فقيرا، ﴿ فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم ﴾، أي فما الذين أوتوا سعة في المال ومالا كثيرا وخيرا عميما برادي رزقهم أي بجعلهم أي بجعلهم رزقهم عائدا على ما ملكت أيمانهم من الإماء والعبيد، ليكونوا هم وعبيدهم في المال على سواء فيكون المال لهم جميعا ويكونون فيه سواء.
يقول الزمخشري : إن هذا ما ينبغي، فالآية تدل على ما ينبغي أي يجب أن تكون النعمة التي ينالونها في الرزق تكون ثمرتها عامة بينهم وبين ضعفائهم فلا يرفلون في النعيم، والضعفاء، والضعفاء في الشقاء المقيم، يروى أن أبا ذر الغفاري عندما سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة للعبيد :"أطعموهم مما تطعمون واكسوهم مما تكسون"، كان لا يلبس رداء إلا ألبس عبده مثله، ولا يلبس إزارا إلا ألبسه مثله١ وقوله تعالى :﴿ أفبنعمة الله يجحدون ﴾ الفاء مؤخرة عن تقديم أفبنعمة الله يجحدون ويكفرون، فلا يشكرونها فيصروفها في مصارفها، ويضنوا بها عن مواطنها.
هذا هو ظاهر الآية، وقد قال بعض المفسرين : إن المعنى أنكم لا تسوون ما ملكت أيمانكم في الرزق الذي يرزقكم الله تعالى إياه فكيف عبيد الله والمخلوقات التي خلقها الله تعالى في العبادة، إنكم تجحدون بهذا ويقولون : إن هذا مثل ضربه الله تعالى :﴿ ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم...( ٢٨ ) ﴾ [ الروم ] وهذا تفسير ابن عباس :
وكان هناك تخريج ثالث، وهو أن المعنى أن الله رازق الناس جميعا غنيهم وفقيرهم فلا يحسب الموالي أنهم يرزقون، وأنا أرى أن الواضح البين هو الأول، وهو المتسق مع نظام الغنى والفقر، ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري : إن الرحمن فضل بعض الناس في الرزق، بلاء يبتلى به كلا فيبتلى من بسط له كيف شكره، وأداؤه في الحق الذي افترض عليه فيما رزقه وحوله.
١ الحديث بهذا اللفظ رواه مسلم: الزهد والرقائق – حديث جابر الطويل، وقصة أبي اليسر (٥٣٢٨) وهو أصح أسانيده. وقد سبق تخريجه..
وقد بين الله تعالى عمار الأرض بالوجود الإنساني، فقال سبحانه :
﴿ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون ( ٧٢ ) ﴾.
هذا بيان الخلق والتناسل، وأنه من الزوجين، وأن الله جعل الزوج من الزوج، كما قال تعالى :﴿ يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ( ١ ) ﴾ [ النساء ]، وقوله تعالى :﴿ جعل لكم من أنفسكم ﴾، أي خلق لكم من ذات أنفسكم أزواجا، فتضمنت معنى الخلق، وصيرورتها زوجا، كما في قوله :﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها... ( ١٨٩ ) ﴾ [ الأعراف ].
وإن هذه الآية وما يماثلها من الآيات تدل على أن الزوجة خلقت من ذات الزوج ونفسه، وأنهما أصل الوجود الإنساني وأن عمران الأرض ابتدأ بالأسرة، والأسرة هي وحدة الجماعة الإنسانية، واللبنة الأولى في بنانه، وقد ابتدأ بالأسرة ومنها تتوالد الأسر فقال سبحانه :﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ﴾، والحفدة جمع حافد ككتبه جمع كاتب، والحافد هو المسرع في الطاعة والخدمة ومنه قول القانت في قنوته :"وإليك نسعى ونحفد"، والحفدة تشمل أولاد الأبناء وأولاد البنات.
والكلام في الذرية الذين يتوالدون من الزوجين، وحكى الزمخشري قولا غريبا فقد جاء فيه "وقيل وجعل لكم الغنى وجعل لكم حفدة، أي خدما يحفدون في مصالحكم وبعيونكم" وهو قول غريب بعيد عن معنى الآية، لأن الآية في بيان التوالد الإنساني من الزوجين والبنين والأحفاد كقوله فيما تلونا ﴿... وبث منهما رجالا كثيرا ونساء...( ١ ) ﴾ [ النساء ] فما مناسبته الخدمة وهم أناسى كسائر الأناسى، ولا يكون نعمة على الجميع أن يكون بعضهم خدما ؟ !.
وإنه سبحانه وقد عمر الكون الإنساني بهذا التناسل الذي باركه رب العالمين فلم يخرجهم إلى الوجود غير مرزوقين محرومين، بل خلق معهم أرزاقهم، ﴿ ورزقكم من الطيبات ﴾، و﴿ من ﴾ هنا بيانية، والمعنى رزقكم الطيبات، والطيبات هي الأطعمة والزينة واللبس، والكسب الحلال، كما قال تعالى :﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق...( ٣٢ ) ﴾ [ الأعراف ] والطيبات هي غير الخبائث، وهي الأمور المقززة التي تعافها النفس كالميتة والدم ولحم الخنزير، كما قال الله تعالى في وصف النبي الأمي في بشارة التوراة والإنجيل به :
﴿... الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليه الخبائث...( ١٥٧ ) ﴾ [ الأعراف ].
ومع أنه أنعم عليهم بنعمة الوجود ونعمة التوالد وأكرهم بالرزق الطيب الحلال، كما قال تعالى :﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها...( ٦ ) ﴾ [ هود ].
مع كل هذا أشركوا بالله، واتبعوا الباطل وكفروا بالحق، فقال تعالى :﴿... أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون ( ٦٧ ) ﴾ [ العنكبوت ]، الفاء للإفصاح عن شرط مقدر وتقديم ( بالباطل ) على الفعل للإشارة إلى أنهم لا يؤمنون إلا بالباطل، ولا يؤمنون بحق قط، وبنعمة الله نعمة الإيجاد والرزق يكفرون ولا يشكرون، وأكد سبحانه كفرهم بالنعمة بتقديم النعمة على الفعل، وبالضمير ﴿ هم ﴾ وبالجملة الاسمية.
قال تعالى في توضيح باطلهم :﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا ولا يستطيعون ( ٧٣ ) ﴾ هذا باطلهم وهو أوضح آمنوا به يعبدون غير الله من دونه وهو إشارة إلى مقام معبودهم من الله تعالى ما لا يملك لهم رزقا في السموات والأرض فلا يملك في السماء مطرا يحيى به الأرض بعد موتها، ولا في الأرض نباتا يأكل منه الإنسان والحيوان، ولا النعم الذي تكون في الأرض، ولا الثمرات التي تثمرها الغراس والأشجار، و﴿ ولا يستطيعون ﴾، أي لا تستطيع تلك المعبودات المزعومة أن تأتي بشيء من هذا، ولكنه ضلال العقل والوهم الذي يسيطر، وأعيد الضمير لمن يعقل تهكما بهم وعلى زعمهم، إذ يعبدونهم.
و ﴿ شيئا ﴾ مفعول مطلق، أي أي رزق كان ولو رزقا قليلا، لأنه حجر لا يقدر على شيء وليس فيه حياة فكيف يعبده حي ؟ ! ويصح أن يكون في معنى الصفة لرزق، أي لا يملكون في السموات والأرض شيئا أي : أي قدر كان.
وأنهم إذ يعبدون ما لا يملك رزقا في السموات والأرض ولا في شيء، يشبهونه بالله سبحانه وتعالى : ويجعلونهم مثله تبارك وتعالى عن الشبيه والمثيل، ولذا قال تعالى :﴿ فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ( ٧٤ ) ﴾.
الأمثال جمع مثل أو مثل، ضرب بمعنى بين جعل والمعنى فلا تبينوا وتجعلوا لله تعالى الأمثال، وهي الأنداد والأشباه والنظائر في زعمكم، فالله أعلى وأعظم وأنتم لا تعلمون مكانه بل أنتم جاهلون في ذات أنفسكم ؛ ولذا قال تعالى :﴿ عن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾، أي والله تعالى يعلم حالكم، وأوهامكم، وما يجيش في صدوركم، وأنتم لا تعلمون مغبة زعمكم وإشراككم، وهو العذاب الأليم.
ضرب الأمثال الصادقة
بعد أن نهاهم سبحانه وتعالى عن ضرب الأمثال التي شيدوا فيها الأحجار التي كانوا يعبدونها أخذ سبحانه وتعالى يبين لهم الأمثال التي تصور الحقيقة وتهدي إليها، فقال تعالت كلماته :
﴿ ضرب الله مثلا عبدا مملوك لا يقدر على شيء ومن رقنه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ( ٧٥ ) ﴾ العبد هو الفتى المملوك، وذكر وصف مملوك ليتميز عن الحر، الذي لا مالك له، وكان التمييز ضروريا ؛ لأن الجميع مملوك لله تعالى، يستوى على التصرف في شيء من الأشياء وفي ذلك بيان لأنه مقيد، قد وجد من مالكه أو عقد في رقبته، وأثقله، فهو لا يقدر على شيء مادي، ولم تكن له إنابة من مالكه أو عقد مكاتبة، يستطيع به التصرف ليطلق نفسه، بل هو قن مقيد بالرق، ومقيد بأنه لا سلطان به في التصرف، أي فيه العجز المطلق.
﴿ ومن رزقناه منا رزقا حسنا ﴾، ( من ) هنا نكرة تدل على ما هو في مقابل المملوك، وهو إلى المالك لكل تصرفاته التي يقدر على كل شيء، ومع هذه القدرة التي ثبتت له بمقتضى الحرية رزقه الله تعالى رزقا حسنا ؛ ولذا قال تعالى :﴿ ومن رزقناه منا رزقا حسنا ﴾ والحسن هنا معناه الطيب في ذاته، فليس خبيثا في سببه فسببه طيب حلال لا حرام فيه ولا شبهة حرام، وإضافته سبحانه وتعالى إليه لبيان انه جاء إليه سهلا ميسرا من غير جهد، وإن كان حلالا، ولبيان أن كل الأرزاق من الله وليست الأسباب مؤثرة بإيجاد الرزق إنما هي أسباب جعلية وليست بأسباب حقيقية لأن كل شيء بيد الله سبحانه وتعالى، فليس الزرع والسقي والرعي والبذر وحدهما، بل السبب الأكبر هو رزق الله العليم القدير، ﴿ إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ( ٥٨ ) ﴾ [ الذاريات ].
وقد جعل الله تعالى الخير الذي يجئ من الرزق الحسن، فقال تعالى :﴿ فهو ينفق منه سرا وجهرا ﴾، ( الفاء ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، الإنفاق هو صرف المال في مصارفه التي لا يكون الصرف فيه إسرافا، وأطلق في القرآن على الصرف في سبيل الخير، فإذا أطلقت كلمة الإنفاق لا يكون إلا في الصدقات إلا إذا عنى الموضوع غيرها، مثل قوله تعالى :﴿ لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله...( ٧ ) ﴾ [ الطلاق ] فالإنفاق هنا في نفقة الزوجية، وإن كان يومئ إلى أنها صلى وليست أجرا محضا، كما يقرر الفقهاء.
وقوله :﴿ سرا وجهرا ﴾، يؤكد أنها للصدقات، وإن السرية لها موضعها، وخصوصا لأهل التجمل ذوي المروءات، والجهر في موضعه عندما تكون دعوة إلى البر فإن الجهر يدعو إلى المنافسة ﴿... وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ( ٢٦ ) ﴾ [ المطففين ].
ثم قال تعالى مقررا النتيجة البديهية وهو أنهم لا يستوون فقال :﴿ هل يستوون ﴾ الاستفهام للإنكار، أي إنكار الواقع، وكان النفي بالاستفهام لتأكيد النفي كأن النفي مقرر بالبداهة، وعند المخاطب، فكأنه قد جاء من عنده، ﴿ الحمد لله ﴾ كان هذا تأكيدا للنفي وهو عدم التساوي، أي انه يحمد الله تعالى للوصول إلى هذه النتيجة التي أخذت من إقرارهم، ثم قال تعالى :﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾، ﴿ بل ﴾ للإضراب عن علمهم البدهي الذي طمس فيه الهوى على مداخل الفكر والعلم، وكان القرآن الكريم منصفا لحكم على الأكثر لا الجميع بأنهم لا يعلمون أي يطمس على قلوبهم بغشاء من الهوى المانع من إدراك الحقائق.
وكانت الموازنة بين اثنين في ظاهر اللفظ، وهما العبد المملوك، ﴿ ومن رزقناه منا رزقا حسنا ﴾، ولكن لأن ( ما ) يدخل في عموم ما تدل عليه كثيرون، كان الذين لا يستوون كثيرين فعاد الضمير بالجمع.
وبعد ذلك يقول هذه هي معاني الألفاظ وما تدل عليه بمفرداتها، ولكن ما هو المثل ؟ إن المثل تشبيه حال بحال فما موضع التشبيه، وما هو وجه التشبيه ؟.
قال أكثر المفسرين : إنه تشبيه ففي حال عبادة الأوثان، والشرك بالله تعالى بحال من يسوى بين العبد المملوك، العاجز عن كل شيء ولحر المالك الذي رزقه الله رزقا حسنا، أنهم لا يستوون بالبداهة، فيكف يسوى أولئك المشركون بين الله خالق كل شيء وبين الأحجار التي يعبدونها.
واعترض على تخريج المثل هذا التخريج الرازي بأن العبد المملوك حي، والأحجار لا حياة فيها، وقد أجيب عن ذلك بأن التشبيه ليس بين الأجزاء، إنما التشبيه بين حالين، لا بين الأحجار والآدميين.
وقال ابن عباس : إن التشبيه بين الكافر والمؤمن، فالكافر كالمملوك الذي لا يقدر على شيء وهو عاجز، وبين من رزقه الله تعالى رزقا حسنا، فهو كقوله تعالى :﴿... هل يستوي الأعمى والبصير...( ٥٠ ) ﴾ [ الأنعام ]، ﴿... هل يستوي الذين يعلمون والين لا يعلمون...( ٩ ) ﴾ [ الزمر ]، وكذلك التشبيه في قوله تعالى في الآية الآتية :﴿ وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم... ﴾ وهو فيها أوضح وكلاهما واضح، والله أعلم.
ولولا أننا مقيدون إلى حد ما بما قاله من قبلنا لقلنا : إن الله تعالى قال من قبل ذلك بآيتين ﴿ والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم ﴾ وفي هذه الآية والتي تليها، يبين سبحانه كيف كان التفضيل في الرزق، وهو أن الفقير اختبره الله تعالى بالعجز، وبتقدير منه سبحانه وتعالى، فضاقت أمامه السبل، وأن الغنى آتاه الله تعالى قدرة على الكسب ومكن له أسباب الرزق، وبذلك ينتهي البيان القرآني في زعمنا إلى تقرير حقيقتين ثابتتين :
الحقيقة الأولى – أن العجز والكسب والكيس بتقدير من الله وباختبار منه، فليس لأحد أن يستطيل أو يستكبر فالله هو الرازق.
والحقيقة الثانية – أن الفقر والغنى حقيقتان ثابتتان ؛ لأن الله تعالى خلق القوى متفاوتة، والفرص متفاوتة، والأسباب في الحياة مختلفة فكان جهلا أن يدعى مغرور أنه يذيب الفوارق بين الغنى والفقر، وقد شاع هذا الغرور في هذه الأزمان كالذي جهل طبائع الإنسان فأفقر ناسا من ذوي الإنتاج، وأغنى العجزة، وكانت أسباب الرزق الحرام طاغية على الحلال المنتج.
قال تعالى في المثل الثاني، وهو في معنى الأول، وهو من تصريف الله البيان في قرآنه المجيد.
﴿ وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ( ٧٦ ) ﴾.
وهذا مثل آخر كالمثل الأول، وكان الأول موازنة بين عبد مملوك لا يقدر على شيء، وآخر حر قد رزقه الله تعالى يعطيهم سرا وجهرا على حسب ما يرى، وعلى حسب نيته المحتسبة، والثاني كان موازنة بين رجلين آخرين، ولكن أحدهما عاجز لا يقدر على شيء وهو في حياته كل على قريب له هو مولاه لا نفع منه، وآخر قادر في عقله مستقيم في خلقه عادل في ذاته.
قال سبحانه :﴿ وضرب الله مثلا رجلين ﴾، أي بين حالا لرجلين موازنا بينهما ﴿ أحدهما أبكم ﴾، أي أخرس لا يستطيع أن ينطق فلا يجيب إذا دعاه الداعي، والأخرس في أكثر الأحوال ناقص في مداركه ؛ لأنه قد سدت عليه مسالك العلم ولا يحس بمعنى الأشياء، والأخرس عادة يفقد النطق لأن النطق بالمحاكاة فهو لا يعلم ولا يستطيع أن يبين هواجسه وخواطره فلا يحس بما حوله، وقد فقد المجلس والأنس، ولا يجلب لنفسه نفعا، ﴿ وهو كل على مولاه ﴾، أي حمل وثقل، والمولى هنا القريب أو ذو الصلة به من أي أنواع الصلات الإنسانية، ومن كانت هذه حاله لا ينفع الناس، وقد أشار مع ذلك إلى أنه ناقص المواهب ليس متفتح النفس والإدراك، وعبر الله تعالى عن هذه الحال ﴿ أينما يوجهه لا يأت بخير ﴾، وثاني الرجلين الموازن بينهما رجل فيه حكمه جعلته يلي بعض الأمر، وقد عبر سبحانه عن ذلك بقوله :﴿ هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ﴾ الاستفهام هنا لإنكار الوقوع أي للنفي المؤكد كأنه سئل السائل وأجيب بالنفي وكان الرجل الثاني الذي ينفى المقابلة بينه وبين الأول قد اتصف بصفتين جليلتين مما يعلو الرجال بهما في الأوساط الإنسانية :
الصفة الأولى – أنه يأمر بالعدل، ولا يأمر بالعدل إلا إذا كان هو عادلا في ذاته، والعدل صفة في النفس وهي الفضائل التي تدخل في تكوين المزاج الإنساني الكامل، فالعدالة في النفس تزكيها وتنميها وتتجه بها نحو الفضائل، فحيث كانت العدالة النفسية كان الصدق وكان الاعتدال وكانت القدرة على الصبر، فلا تحكمها الشهوات ويكون الانتصاف منها، ويكون تأديب النفس.
وربما يكنى بأنه يأمر بالعدل بتوليه أمور الناس أو بعضهم أو أن يكون الحكم، وهو يشير إلى أنه يتولى أمور الناس إلا عدل يأمر بالعدل يأمر كل نوابه وحاشيته ويقوم بالقسطاس المستقيم بين الناس.
الصفة الثانية – من يكون مستقيم النفس مخلص القلب، وقد عبر سبحانه عن ذلك بقوله تعالى كلماته :﴿ وهو على صراط مستقيم ﴾، أي مستقيم النفس ذو طريق حسن وهذه أعلى صفات الإنسان، فهو مخلص وإخلاصه يوجهه إلى السبيل المستقيم، والإدراك المستقيم، والكلام المستقيم، والعمل المستقيم والسلوك العام المستقيم، وعبر سبحانه وتعالى بعبارة تؤكد استقامته بعدة إشارات :
الإشارة الأولى – أنه عبر بالجملة الاسمية.
الإشارة الثانية – أنه جعله كراكب صراط الاستقامة الجالس عليه ؛ ولذا عبر ب ( على ) الدالة على التمكن من صراط الاستقامة.
الإشارة الثالثة – أنه عبر بالصراط، وهو في ذاته مستقيم، إذ إنه الخط المستقيم، ووصفه مع ذلك بالاستقامة فكان هذا تأكيدا لفظيا لمعنى الاستقامة في النفس والخلق والعمل.
وإن الأقوال التي ذكرناها في المثل الأول تقال هنا، فأكثر المفسرين على أنه سبحانه ضرب حال عبادة المشركين، بحال من يسوى بين رجلين بينهما تمام التباين، فيسوى بين الله تعالى والأحجار، كمن يسوى بين رجب ناقص الإنسانية ورجل آخر كاملها.
وإن كلام ابن عباس ينطبق هنا أيضا، فيكون نفيا للتساوي بين الكافر المشرك، والمؤمن الموحد.
وما بدر إلينا في أنه بيان لاختلاف القوى والأحوال، وتوافر أسباب الرزق وعدم توافرها، وقدر الله سبحانه وتعالى، وأنه يرزق هذا ويحرم هذا، لعدم السير أو عجزه عن السير في أسباب الثروة، وأن الوجود الإنساني يشتمل على هذه الحقيقة، وأن الناس فيهم الغنى والفقير ومن يقول إنه يعمل على إذابة الفوارق بين الغنى والفقر جاهل مغرور، وإن فرض ذلك بالقوة كان ظالما غشوما، وسلب الحقوق ممن ينتجون الحلال، وترك الباب مفتوحا، ليغنى طائفة أخرى بالحرام الذي لا ينتج شيئا.
وإنه من بعد ضرب الأمثال، ومنها يتبين أن الله سبحانه وتعالى يدير العالم بحكمته، وأنه وحده القادر على كل شيء وأن الحساب يجئ لا محالة ؛ ولذا قال تعالى :
﴿ ولله غيب السموات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير ( ٧٧ ) ﴾.
أحسب أن هذه الآية تشير إلى ما قدره سبحانه وتعالى في علمه المكنون مما كتبه على الناس من غنى وفقر، وإن كل شيء بقدره، وفي غيبه حتى العجز و الكيس، ومع ذلك فيها بيان لما يستعجله الناس من وعيد، ومن قيام الساعة مع أنه قريب وأنه ليس بعسير على الله تعالى بل كلمح البصر أو هو أقرب، واللمح النظر السريع، يقال لمحه لمحا ولمحانا إذا أدركه بطرف العين أو مجرد حركتها بحركة الرمش، وهو زمن لا يتجاوز ثواني من دقيقة.
والمعنى وإن أمر الساعة وزمانها وإن استطلتم الزمن الذي يمضي هو عند الله كلمح البصر، أي تحسبونه بعيدا، وهو عند الله تعالى قريب كلمح البصر، فالأزمان تجري عليكم بالطول والقصر، أما عند الله فإنه لا زمان يحكمه، ولا ظرف يحيط إنما ذلك أعراض لا تكون إلا عند الحوادث، وذلك كقوله تعالى :﴿ إنهم يرونه بعيدا ( ٦ ) ونراه قريبا ( ٧ ) ﴾ [ المعارج ] وكقوله تعالى :﴿ ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ( ٤٧ ) ﴾ [ الحج ]، أي إن الزمن لا يحكم إرادة الله، بل إرادة الله تعالى هي الخالقة للأفلاك والأزمان ومعنى ﴿ أمر الساعة ﴾ مهما طال زمنها في نظركم، وهو عند الله قريب ﴿ أو هو أقرب ﴾، ( أو ) للإضراب عن وصف أمرها بأنها كلمح البصر، بل هي أقرب من ذلك إن بالغتم في الاستغراب.
وإنه يراد مع استطالة الزمن أن الساعة إذا جاءت واضطربت السموات والأرض وكورت الشمس وانفطرت الأرض والكواكب اندثرت، كل ذلك يتم في لمح البصر أقرب من ذلك، فالله تعالى على كل شيء قدير ؛ ولذا ختم الآية بقوله تعالى :﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ وقد أكد سبحانه وتعالى قدرته بعدة مؤكدات أولها الجملة الإسمية، وثانيها :( إن ) الدالة على تأكيد الخبر وهو قدرة الله تعالى، وتقديم ﴿ كل شيء ﴾ على ﴿ قدير ﴾ ؛ أنه يدل على الاهتمام ووصف ﴿ قدير ﴾، والله أعلم.
وبعد أن بين سبحانه أن الغيب كله في علمه سبحانه وقدرته، وأن الله تعالى قدير على كل شيء، وأنه خالق العاجزين والقادرين، والمنافقين، ومن لا خير فيه، ﴿ أينما يوجهه لا يأت بخير ﴾ بين سبحانه أنه خلق الإنسان وعلمه، فقال تعالى :
﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ( ٧٨ ) ﴾.
( الواو ) هنا عاطفة على قوله تعالى :﴿ والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ﴾، وقد عطف عليها من قبل قوله تعالى :﴿ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ﴾، وعطف عليهم قوله تعالى :﴿ والله أنزل من السماء ماء ﴾، وما كان من بعد كل من هذه المعطوفات، إنما هو لبيان وجه العبرة فيها، وضلال الشرك وأهله، فهي تابعة لمعانيها، فلا يكون ثمة مانع من العطف عليها.
وإذا كانت معطوفة على قوله تعالى :﴿ والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ﴾ فهي لإثبات أن الغنى والفقر أمران مقدوران لله تعالى، وإن الغنى من فضل الله، ويوجب الشكر، والفقر اختبار الله تعالى ويوجب الصبر، ومع الصبر الجزاء، وهو على صورة الصبر شكر لله تعالى.
﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ﴾، أي شيئا من العلم بالحياة ومشاربها، ومن العلم بحق الله على عبادة من إدراك عظمة خلقه في تكوينه الإنسان من سلالة من طين، وجعله نطفة في قرار مكين، وجعل النطفة علقة والعلقة مضغة، وجعل المضغة عظاما، ثم أخرجه من ضيق الرحم إلى سعة الوجود، وهذا ما يشير إليه قوله :﴿ من بطون أمهاتكم ﴾ يخرج الجنين من بطن أمه لا يعلم شيئا من طرق الحياة، ولكن يعطيه الله تعالى أسباب العلم بهذه الحياة وما يجرى فيها، وهذا قوله تعالى :﴿ وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ﴾.
﴿ وجعل لكم ﴾، أي خلق لكم وصيره لكم ﴿ السمع ﴾، والسمع يتضمن النطق ؛ لأن النطق لا يكون إلا لسميع، إذ إن النطق لا يكون بالفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها إلا بالمحاكاة، والمحاكاة، لا تكون إلا إذا سمع الكلام بحروفه وعباراته، وحاكاها ؛ ولذلك من فقد السمع لا يتكلم، وهو الأخرس كما أشرنا من قبل.
وبالسمع يسمع هداية الله في كلام الرسل والصديقين، وكلام رب العالمين، ﴿ والأبصار ﴾ بها يرى عظمة الله تعالى في خلقه، فيرى السماء وقد زينها للناظرين، والجبال والوهاد، والشمس والقمر، والنجوم مسخرات لأمر الله تعالى وإن كل هذه المعلومات الحسية يستودع الله تعالى الأفئدة فتدرك، فالسمع والبصر يجمعان المسموعات والمرئيات والأفئدة تعتبر وتقدر وتدرك، وتستبصر، فيكون الإنسان المعامل في الحياة المدرك لمعناه الذي يدرك بالبداهة وجوب شكر المنعم ؛ ولذا قال تعالى ﴿ لعلكم تشكرون ﴾، أي رجاء أن تشكروا لتوافر أسباب الشكر، ودواعيه، والرجاء من العباد، ولا من الله سبحانه وتعالى.
نعم الله تعالى توجب الشكر
في هذه الآيات بيان قدرة الله تعالى في خلقه، وإحكامه وإبداعه، وبيان نعمته على الإنسان ظاهره وباطنه، وكيف سخر الحيوان للإنسان، فتمكن من اتخاذ المأوى، في الظعن وفي الإقامة، وجعل ظلالا تقيهم الحر والبرد، وسخر لهم النبات يتخذون منه لباسا يقيهم الحر، ومن الحديد سرابيل تقيمهم في يوم البأس، وكان ذلك إتماما لنعمة الله رجاء أن يسلموا، وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم، وبين وأقام الأدلة، وما عليه إلا البلاغ.
ابتدأ سبحانه بالإشارة إلى عجائب الخلق، والتكوين في الطير التي تسبح في الفضاء، كما تسبح السفائن في الماء من غير ماء يحملها، إنما خلقها تعالى لتحمل نفسها، وتتوفى السقوط بأجنحتها، وتسير في الفضاء كما تسير الدواب على الأرض لا عائق يعوقها، ولا عقبات تمنعها، حتى إن الإنسان عندما أراد أن يستخدم الفضاء، تعلم منها، ولذا قال تعالى :
﴿ ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ( ٧٩ ) ﴾.
الاستفهام هنا لإنكار الوقوع، فيكون بمعنى النفي المؤكد بإقرار السامع كأنه سئل وأجاب بالنفي ؛ ولذا كان الاستفهام بمعنى النفي المؤكد، وقد دخلت أداة الاستفهام على حرف النفي، ونفى النفي إثبات.
والمعنى لقد رأوا الطير مسخرات، أي مذللات، سخرها الله تعالى لتسير في الجو، من غير حامل يحملها، ولا ممسك يمسكها، وهي مع هذا مسخرة لخدمة الإنسان، فمنها ما يحمل الرسائل من مكان إلى مكان والشقة بينها بعيدة، ولا يزال يستخدم إلى الآن، ومنه ما هو مسخر للإنسان، يأكل الحشرات التي هي آفة الزرع، وكان كذلك يمنع مغارم التنقية حتى أباده الإنسان ومنها ما يعلم الإنسان، ويحمى الزرع من صغار الطير، وقد أبدناه الآن بالمبيدات التي نسلطها، وصونا ننفق النفقات الكثيرة، في الوقاية، ولا وقاء.
وهكذا نجد الطير قد كانت مسخرة في الجو لسيرها، ومسخرة للإنسان في نفعها.
وقد خلقها الله تعالى مهيأة لطيران في الفضاء، وجعل كل أعضائها مناسبة بين كونها، فلم يخلق لها يدين، وخلق رجلين ليمكن ارتفاعها من الأرض، وكانت رجلاه واسعة، وأكثر قوته في صدره، وكان قوتها حبا يبلع ؛ ولذا كان لها منقار، ينقى ما تختار، ولأن ما يبلع لا يكون فيه تفتيت بالمضغ، كانت حرارة الحوية هامضة، وجعل في أجنحتها ريشا قويا في خوافيه وقوادمه، حتى تكون الخوافي قوة للقوادم وكانت الأجنحة، لجلب الهواء الذي يحملها، وهي طائرة، فهي ترفرف بها لتجلبه، حتى إذا استوى سارت كأنها تسير على مكان صلب، أو ماء.
وهذا معنى قوله تعالى :﴿ ما يمسكهن إلا الله ﴾ فهو خلق فيها هذه القوى التي تقوى بها على الطيران، ومع ذلك حاطها بكلاءته، وحمايته، كما أحاطها بفطرتها، تبارك الله الخلاق العليم، وقد بين سبحانه أن في هذا الخلق آيات، لمن يعتبر ويستبصر، يفكر في خلق الله تعالى وحكمته فقال تعالى قدرته :﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ﴾ الإشارة إلى الخلق والتكوين والتسخير، واللام في قوله تعالى :﴿ لآيات ﴾، ( لام ) التوكيد أو الابتداء بمعنى التوكيد، و ( آيات )، أي دلالات قاطعة ﴿ لقوم يؤمنون ﴾، أي الجماعة تتضافر على الحق وتطلبه، وتتهداه، وتتعرفه، ومن شأنهم الإيمان بالحق إذا بدت دلائله، وقامت براهينه، وكان التعبير بالمضارع في قوله تعالى :﴿ يؤمنون ﴾ يعنى من شأنهم وحالهم الإيمان دائما، أما غيرهم فقد غشيتهم غواشي الباطل وطمس عليهم الهوى، فصاروا كالصم البكم الذين لا يعقلون ولا يدركون.
بعد ذلك بين سبحانه وتعالى نعمه على خلقه في الأنعام التي يتمكنون منها بتأليفها وغيرها فقال تعالى :
﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين ( ٨٠ ) ﴾.
﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ﴾، أي صير لكم من بيوتكم التي تتخذوها منها من الحجر والمدر، والآجر، واللبن، أي موضع سكون واطمئنان، فهم في حركة دائبة دائمة كالكواكب والنجوم والأجرام السماوية، ولم يجعلكم في سكون كالأحجار والجبال، ولو في مظهرها وإن كانت ذاتها تمور، بل جعلكم في مضطرب تتحركون وتنامون وتستقرون، فكان من نعمته عليكم أن جعلكم تسكنون وتعملون، فالعمل والسكن كلاهما نعمة من الله، ونرى من هذا التخريج أن جعل لكم ذلك السكن، والاطمئنان بعد اللغوب والتعب، كما أن بناء البيوت من موادها نعمة، وقد يقول قائل : كيف تكون نعمة أسبغها الله، والعبد هو الذي بناها، وتقول : إن النعمة في أن مكنه من ذلك، وسخر كل شيء، فبعقله الذي خلقه الله تعالى فدبر وبنى واهتدى إلى أساليبها، والخلاصة أن النعمة في أمرين :
النعمة الأولى – في هدايته إلى البناء من مواده، وجعله مأوى، والثاني في أنه جعله يسكن بعد الكرب والتعب، وهذا يشير إلى الراحة لا تكون إلا بعد جهد كما أن السكن لا يكون إلا بعد عمل هذه نعمة كبيرة، وهي نعمة الحياة العاملة الكادحة.
والنعمة الثانية – هي تمكين الإنسان من النعم، وهي الإبل والبقر والغنم، وقد ذكر الله سبحانه نعمة فيها بعد نعمة أكلها وتأليفها، وتسخيرها للإنسان في حاجاته، فقال تعالى :﴿ وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ﴾، الظعن الارتحال والتنقل، وانتجاع مواطن الكلأ، واستخفافها هو طلب خفتها، أي تطلب لخفتها فالسين والتاء للطلب، ﴿ يوم ظعنكم ﴾، ﴿ وجعل لكم من جلدود الأنعام بيوتا ﴾، كالأخبية والفساطيط، تستخفونها يوم ظعنكم، فهي بيوت محمولة، وتلك بخلاف البيوت المبنية من الآجر والأحجار واللبن على نحو م أشرنا من قبل.
وهي خفيفة في الظعن وفي الإقامة فإذا ظعنتم جعلتموها على ظهور الإبل أو الخيل ونحوها، وإذا أقمتم أنزلتموها من فوق ظهور الإبل، فأقمتم تبتغون الماء والكلأ ما شاء الله تعالى أن تقيموا، ثم ترتحلون.
ويشمل ذلك الذين يقيمون في الخيام في الصحراء، فإنها تكون موضع إقامة دائمة لهم، ويسمون "أهل الوبر"، كما يسمى سكان المدائن ب "أهل المدر" كأهل مكة والمدينة والطائف.
ويثار هنا كلام، وهو أن الخيام والفساطيط، لا تتخذ من الجلود، وهي الأدم فقط، بل تتخذ من الأصواف والأوبار والشعر أيضا، فليس ما يؤخذ من الجلود هو ما يأخذ من الأدم فقط، بل ما يؤخذ من الأخبية، في الأصواف والأوبار والشعر يؤخذ من الجلد أيضا ؛ لأنه يجز منه أو يقص، وإنما خصت الأصواف وما يمثلها بالأثاث والمتاع، لأنها لا تؤخذ إلا منها، ولم تكن عند العرب تؤخذ من الأدم، وذلك هو الغالب في عصرنا أيضا.
﴿ ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين ﴾ الصوف هو للضأن والأوبار للجمال، والأشعار للمعز وهي يتخذ منها أثاث، وهي الثياب والفرش، وقوله متاعا، أي ينتفع فيه بالبيع والشراء والاتجار بشكل عام.
وأظن بأن المتاع هو ما يستمتع به بالنظر والزينة ونحو ذلك مما يكون متعة للإنسان، ونختار ذلك لسببين :
السبب الأول – أن الانتفاع بالاتجار جائز في كل شيء حتى الإبل، ولحمها وعظامها وجلودها وإنما المذكور هو انتفاع شخصي بالاستهلاك لا بالاتجار.
والسبب الثاني – أن الله تعالى ذكر متعة النظر والبهجة، وطيب النعمة في آية أخرى، فقال تعالى :﴿ أثاث ومتاعا ﴾، أي يتخذون من الأصواف والأوبار والأشعار أثاثا وزينة، والزينة ليست حراما، كما قال تعالى :﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق...( ٣٢ ) ﴾ [ الأعراف ].
ولعله مما يرشح لهذا المعنى ويقويه تعالى :﴿ إلى حين ﴾، أي أن ذلك الاستمتاع بهذه النعم، وخصوصا الأثاث والمتاع إلى حين حتى يجئ وعد الله تعالى فيكون الحساب والعقاب والثواب.
كما أن البيوت تتخذ من الآجر والأحجار، ومن الأصواف والأوبار والأشعار والجلود تتخذ أيضا أكنانا من الجبال ولذا قال تعالى :
﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ( ٨١ ) ﴾.
والله سبحانه وتعالى ﴿ جعل ﴾ بمعنى صير، لأن خلق لنا أشجارا تظل الناس في الحرور، وبيوتا يكون ظلها دافعا لوهج الشمس وفي الصحارى تجد الأشجار المظلة، والسحاب المطل، وقال سبحانه وتعالى مما خلق، ولم يذكر شيئا بعينه ؛ لأن أنواع ما خلق وكان منه الظلال كثيرة، فالجنات تتفيأ ظلالها بالغدو والآصال والبيوت فيها ظلال، لمن يكون بجوارها، والغمام يكف وهج الشمس وحرارتها، والسحاب تظلل، والنبي صلى الله عليه وسلم، وهو في رحلته إلى الشام كانت السحاب تظله في سيره، وحيثما انتقل انتقلت معه، وإن هذه الظلال نعمة من الله تعالى في أرض صحراوية جدباء لا ماء يرطب جوها، ولا نسيم عليل يطفئ حرها ؛ ولذلك كانت من نعم الله التي أنعم بها على سكانها الذين آتاهم الله تعالى مع ذلك جلدا وقوة احتمال، فكانت هذه نعما أنعم الله بها عليهم ليستطيعوا أن يعيشوا وأن ينعموا في خيراتها.
وإن هذه ظواهر طبيعية قد يقول قائل : ما النعمة فيها ؟، ونقول في الجواب عن ذلك : إنها نعم تغمرنا وتغمر سكان الصحارى ولا يحسون، ولكن إذا حرموها يعرفون مقدار الإنعام، وهي أفعال مختارة يريد وضع الأمور في مواضعها، وكل شيء عند الله تعالى بمقدار وبميزان محكم.
وقال تعالى :﴿ وجعل لكم من الجبال أكنانا ﴾، وهي الكهوف والمغارات، وأكنان جمع كن، وهو ما يتقى بالاستتار فيه تتبع الأعداء، وتربص المتربصين، كما كمن النبي صلى الله عليه وسلم هو وصاحبه أبو بكر في غار ثور ثلاث ليال سويا، وكما كان صلى الله عليه وسلم قبل البعثة يتعبد في غار حراء الليالي ذوات العدد، وإن هذا كله يدل على أنها أكنان، إما استتارا للعبادة، أو فرارا من عدو متربص، أو كن من مطر غامر، أو استظلال، ولماذا سماها الله تعالى أكنانا، ولم يسمها بيوتا ؛ لأن الناس لم يتخذوها بيوتا يسكنون فيها تكون مطمأنا وسكنا لهم تسكن فيها نفوسهم، ويطمئنون بعد تعب ومكان راحة، لأن جبال البلاد العربية لم تكن موضع اطمئنان كالجبال الخضراء، فلم تكن مساكن تكون لسترة حالهم، بل كانت أكنانا للاستتار من عدو أو مكر منهمر، أو اتقاء لحرارة الشمس أو نحو ذلك، وإذا كان من العرب من ينحتون من الجبال بيوتا فارهين كما جاء ذلك في قصص القرآن الحكيم، فإن ذلك لم يكن عند أهل الحجاز ونجد ونحوها.
وقد من الله تعالى بما هيأهم به ومكنهم منه، وهو ما ذكره بقوله تعالى :﴿ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم ﴾، و ( جعل ) بمعنى صير وهيأ بأن مكنكم من أن تصنعوا ذلك لأنفسكم، و ( السرابيل ) جمع سربال وهو القميص، وذكر أن هذه السرابيل نوعان نوع يتقى به الحر، فلا يكون عاريا يتعرض للجو اللافح، كما يتعرض العراة من الزنوج الذين لم يتمكنوا من قمصان يتقون بها الحر، وقد قيل إن السرابيل يتقى به الحر والبرد، فكيف ذكر الحر فقط، والجواب عن ذلك اتقاء الحر تستدعي لا محالة ذكر اتقاء البرد، وإن لم يذكر بالنص فقد فهم بالاقتضاء، وقد ذكر سبحانه الدفء من قبل في قوله تعالى، ﴿ لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ﴾ وإجابة الزمخشري بأن ذكر الحر يناسبهم
دون البرد لأنهم لا يحتاجون إلى اتقاء البرد، وعندي أن البلاد التي جوها قاري كبلاد العرب يكون بردها شديدا قارسا.
والواقع أن الكلام كله في اتقاء الحر، فذكر الظلال والبيوت والأكنان كل هذا في سياق اتقاء الحر فكان المناسب أن يذكر في مزايا السرابيل أن تقى من الحر.
والنوع الثاني من السرابيل وهو ما يتقى به البأس، وهو دروع الحرب، إذ البأس هو الحرب، كما في قوله :﴿... والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس...( ١٧٧ ) ﴾ [ البقرة ] وأضاف سبحانه وتعالى البأس إليهم، لأنهم في الجاهلية هم الذين كانوا يثيرونها حروبا شعواء، تدعو إليها العصبية الجاهلية، وتدفع الحمية غير المدركة العاقلة كحرب البسوس، وعبس وذبيان، وغيرهما مما كانوا يثيرونه من حروب، فلم تكن حروبا عادلة ؛ ولذا أضيفت إليهم.
وإن هذه النعم كلها بتسخير هذه الأمور لهم، وتهيئتهم بالفطرة لها، وإن نعم الله تعالى لا تخص، وختم الله تعالى الآية بقوله تعالى حكمته :﴿ كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ﴾، أي كذلك التي هيأ سبحانه وتعالى لكم ومكنكم، وهداكم بفطرتكم إليه من جعل بيوتكم سكنا ومطمئنا، وعن اتخاذكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم وإقامتكم، ومن اتخاذكم من أصوافها وأوبارها وأشعارها، أثاثا يكون زينة ومتعة، ومن اتخاذكم الظلال مما خلق، ومن جعل البيوت ومن اتخاذكم السرابيل والدروع.
كذلك الذي هيأ لكم تكون نعمه الكلية عليكم دائما ﴿ لعلكم تسلمون ﴾، أي تسلمون وجوهكم لله تعالى، وتتركون عبادة الأوثان لهذه النعم المتوالية عليكم، وأفرد سبحانه النعمة، وهي متعددة لأن المفرد المضاف يعم، ولأنها واحدة باعتبار مصدرها، وهو الله سبحانه وتعالى.
وقال تعالى بعد ذلك :
﴿ فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين ( ٨٢ ) ﴾.
تقدير القول فإن علموا هذه النعم التي أسبغت عليهم، ومع ذلك كفروا فما عليك من كفرهم من شيء، و ( الفاء ) ما بعدها ترتب على ما قبلها، ﴿ تولوا ﴾، أي أعرضوا ونأوا بجانبهم، وأنكروا هذه النعم المتضافرة، فإن العذاب نازل بهم لا محالة، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، لأنك قد بلغت وأنذرت، وإنما عليك التبليغ البين الواضح الذي لا يمارى فيه عاقل مدرك، و ( الفاء ) في ﴿ فإنما ﴾ واقعة في جواب الشرط، و ( إنما ) من أدوات القصر، ﴿ عليك البلاغ المبين ﴾، أي ليس عليك إلا البلاغ الواضح، وإنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء.
جزاء الكفر بنعمة الله
ساق الله تعالى ذكر ما أنعم به عليهم، والإنسان كله في فيض نعمة الله تعالى من يوم حمله جنينا في بطن أمه إلى أن يولد، ومن بعد أن يولد هو في حياطة الله تعالى ورحمته، إن مرض كشف عنه الضر، ومنحه العافية، وإذا كان في المخاطر تحطه رحمة الله تعالى، وهو في مأواه، وملبسه، ونعيمه وراحته بعد تعبه في نعم الله تعالى، وهو يعرف هذه النعم، ويعرف أنها من عند الله تعالى، وبفضل منه وكرمه، والعرب في عصر النبوة وقبله، كانوا أعرف الناس في جيلهم لربهم، فهم كانوا يعرفون الله تعالى الذي خلق الكون وما فيه ومن فيه فيه وحده، وهو الواحد في ذاته وصفاته، ولكنهم بتسلط الأوهام يعيدون معه الأوثان ؛ ولذا قال سبحانه :
﴿ يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون ( ٨٣ ) ﴾.
هم يعرفون الله ومع ذلك يشركون، ويعرفون أنه الضار النافع، وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا وإذا كانوا في شدة لا يجأرون إلا إليه، ويعرفون هذه النعم واحدة واحدة ثم ينكرونها فما هي هذه المعرفة ؟ إن للمعرفة مراتب ثلاث، تبتدئ بتصور الأمور والوقائع، ومنها النعيم فيتصور أن الله رازقه وخالقه، فإذا تجاوز هذه المرتبة، انتقل من التصور إلى الاعتقاد بالصحة، فإذا اجتاز هذه المرحلة انتقل إلى المرحلة العليا وهي الإيمان، والإيمان مراتب، مرتبة التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل، ثم مرتبة الإذعان، والخضوع لما اعتقد ثم ينتقل إلى أعلى المراتب، وهي مرتبة العمل.
وهذه هي المعرفة الكاملة، ولقد قرر سقراط في الأخلاق أن المعرفة هي مقياس الفضيلة والرذيلة وهي المعرفة في أعلى درجاتها التي يصحبها عمل، وكمال الإيمان تصديق وإذعان وعمل عند العلماء المدركين.
وقوله تعالى :﴿ يعرفون نعمت الله ﴾ يبدو أنها مرتبة المعرفة الأولى، التصوير، ثم التصديق من غير إيمان وإذعان ؛ ولذا ينكرونها، أي أنهم لا يذعنون للاعتقاد بها، وتبدو في أعمالهم، وثم في قوله تعالى :﴿ ثم ينكرونها ﴾ لبعد ما بين مرتبة المعرفة والإنكار العملي، ولقد قرر سبحانه أن أكثر الكافرين هم من هذا الصنف الذي ينكر بعمله ما عرفه بتصوره وصدقه بواقعه ؛ ولذا قال :﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ الضمير في ( هم ) يعود إلى الذين ﴿ يعفرون نعمت الله ثم ينكرونها ﴾ وهم بعض أهل الجحود وقوله تعالى :﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ فيه تعريف الطرفين، وهو يفيد القصر، أي أن أكثر هؤلاء لا يكونون إلا كافرين، فإن الكفر يكون بإنكار الحق، وعدم الإقرار به كما في قوله تعالى :﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم...( ١٤ ) ﴾ [ النمل ].
بعد ذلك بين الله تعالى حالهم بعد البعث فقال :
﴿ ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون ( ٨٤ ) ﴾.
الجملة موصولة بما قبلها، على جزاء للكفر، ومعرفة النعم ثم إنكارها، ﴿ يوم ﴾ منصوب لفعل محذوف أي اذكر اليوم، وذكر اليوم هو ذكر ما يجرى فيه من أحداث وبعث ونشور، وحساب وعقاب وثواب، فإذا كانوا ينكرون النعمة، فليذكروا اليوم وما يجرى به، وقوله تعالى :﴿ ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ﴾ والشهيد هو الرسول الذي بعث لها داعيا إلى الحق معرفا به نذيرا وبشيرا وهاديا إلى الله بإذنه وذكر بعث الرسول، ولم يذكر بعث الأمة لأن بعث الشهيد الذي يشهد لها أو عليها هو بعث الرسول، ولم يذكر بعث الأمة لأن بعث الشهيد الذي يشهد لها أو عليها هو بعث للأمة، فكان بعث الرسول عليه الدلالة صراحة، وبعث الأمة كان بدلالة الاقتضاء، أو كان ذكر بعث الرسول صراحة لبيان مقام الرسول عند الله، ولبيان أن الرسول الذي يدعوكم هو الذي يشهد لكم وعليكم وعندكم يوم الحساب فأجيبوا داعي الله إذ يدعوكم له لتنجوا من عذاب الله تعالى، وقوله تعالى :﴿ ثم لا يؤذن للذين كفروا ﴾ التعبير ب ﴿ ثم ﴾ هنا الدالة على التعقيب والتراخي للدلالة على أنهم بعد شهادة النبيين طلبوا أن يعتذروا، فلم يؤذن لهم لأنه لا حاجة إلى مخاصمة كما هو شأنهم في الدنيا، بل إن الله عليهم بهم، وشهادة أنبيائهم فيهم صادقة غير مكذوبة كما كانوا يتوهمون في الدنيا.
وكما أنهم لا مكننون من القول والمخاصمة ؛ لأن القيامة ليست مثل الدنيا مغالبة بالبيان، كذلك لا يستعتبون، أي لا يمكنون من الاستعتاب، وهو الاسترضاء، إذ الاستعتاب هو طلب العتب، وهي الرضا، فهم لا يمكنون منها، لأنه قد انتهى وقت التكليف والإرضاء ولم يبق إلا الجزاء.
وفي قوله تعالى :﴿ لا يؤذن للذين كفروا ﴾ فيه إظهار في موضع الإضمار، وذلك لأن الموصول داء في موضع الضمير، وذلك للإشارة إلى أن السبب في عدم الإذن لهم بالاعتذار، وأنهم لا يمكنون من الاستعتاب، هو كفرهم الذي عاندوا به النبيين وقد قال تعالى في أحوالهم يوم القيامة :
﴿ وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون ( ٨٥ ) ﴾.
﴿ وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون ( ٨٥ ) ﴾.
﴿ وإذا رأى الذين ظلموا العذاب ﴾ جواب ( إذا ) محذوف يذهب فيه العقل كل مذهب، هالهم الأمر، وأحسوا بمقت الله تعالى عليه، وحالوا طلب التخفيف، وقد أجابهم الله تعالى بقوله :﴿ فلا يخفف عنهم ﴾، فالفاء عاطفة على محذوف مأخوذ من معنى الخوف والرغبة في التخفيف أو التأجيل عسى أن يعملوا عملا صالحا ينجيهن من ذلك العذاب العتيد، الذي كانوا يترقبونه، فالفاء هنا عاطفة على جواب الشرط المحذوف وليس ما بعدها جواب الشرط ؛ لأن الفاء لا تقع على النافية، إنما تكون بما النافية.
حالهم تدعوهم إلى طلب التخفيف إذ يرن عذابا لم يكن في حسبانهم فتوجب طلب التخفيف أو التأجيل، فلا يخفف عنهم عذابهم، ولا يؤجلون، أنهم انتقلوا من دار الابتلاء إلى دار الجزاء، فمعنى ( لا ينظرون )، أي لا يؤجلون.
وعبر سبحانه بالذين ظلموا ؛ لأنهم أشركوا، وإن الشرك لظلم عظيم، ولأنهم ظلموا أنفسهم بكفرهم وعنادهم، وظلموا عقولهم وإدراكهم، وإذا أشركوا مع الله حجارة لا تنفع ولا تضر، ولا تسمع ولا تبصر وظلموا المؤمنين بإيذائهم وفسقهم في دينهم وظلموا الرسول باستهزائهم به، وتسبب هذا التكاثر كان العذاب الهائل الذي لم يعرفوا له حدا ولا نهاية.
هذه حالهم، فما هي حال الأوثان التي يعبدونها لتقريبهم إلى الله زلفى، أو لتكون شفعاء لهم، قال الله تعالى عنها في ذلك اليوم الذي لا تنفع فيه شفاعة الشافعين.
﴿ وإذا رأى الذين أشركوا شركائهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين ندعو من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون ( ٨٦ ) ﴾.
هذه حال الذين ظلموا الناس وظلموا أنفسهم وعقولهم بعبادة الأحجار مع الله تعالى، فما هي حالهم من هذه الأنداد التي اتخذوها آلهة من دون الله، أجاب الله تعالى عن ذلك، فقال :﴿ وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم ﴾ بالإضافة هنا لملابسة من دونه ظنوا في ذلك فرجا ؛ إذ يتحول جزء من العذاب الذي نزل بهم إليها، وكانوا بذلك ضالين في الآخرة، كما كانوا ضالين به في الدنيا، قالوا للأنبياء الذين شهدوا الله : هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوهم من دون الله. ندعو معناها نعبد، أو نلجأ بأن كنا نحسب ما يقينا عن الله، وكأنهم بهذا يحسبون أنها تكون شريكة في العذاب، فتكون هذه الشركة مخففة ما هم فيها، وقولهم :﴿ من دونك ﴾، أي غيرك، فردوا عليهم بأنهم ليسوا شركاء في العذاب، وإنكم أنتم الذين ارتكبتم بهواكم، ولغلبة الأوهام عليكم، فتصورتم ما ليس بحقيقة، وعليكم وحدكم وزر ما صنعتم وارتكبتم، وهذا قوله تعالى :﴿ فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون ﴾ القول هو إنكم لكاذبون، والضمير في ألقوا يعود إلى الشركاء، أي ألقوا ذلك القول إنكم لكاذبون، والشركاء فيها أحجار وأشخاص، وملائكة، وشياطين، وكل هؤلاء ألقوا تبعة ادعاء غير الله تعالى على المشركين ؛ لأن أحدا من هؤلاء الشركاء لم يدع على عبادته، الأحجار لا تنطق ولا تدعو، والأشخاص الذين عبدوهم كعيسى وكالملائكة يتبرأون منهم، والشيطان، وإن قد أغواهم فهم الذين قووا، وعليهم تبعة غوايتهم، كما قال تعالى عنه :﴿ وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم ( ٢٢ ) ﴾ [ إبراهيم ] وما هو الكذب الذي أسند إليهم، وأكد ذلك التوكيد ؟ الكذب في أنهم ألقوا التبعة عن أنفسهم، وحملوها شركاءهم، والكذب في تضمن قولهم أن المسئول أولئك الشركاء، وكذبهم في زعمهم أن أولئك الشركاء أضلوهم، وإنما أضلتهم أوهامهم التي توهموها، وشهواتهم التي أركسوا فيها، حتى حسبوا أنه لا بعث ولا نشور، فهم أضلوا أنفسهم ووجد الشيطان سربا لنفوسهم من وراء ها الضلال، و ( الفاء ) في قوله ﴿ فألقوا ﴾ للترتيب والتعقيب.
وقد أكد شركاؤهم كذبهم بالجملة الاسمية، وباللام، وبإن المؤكدة، وهكذا يتبرأ منهم حتى الشياطين التي استجابوا لها، وصاروا أمام العذاب وجها لوجه.
وإذا كانوا أمام العذاب، ولا منجاة لهم فلم يبق إلا أن يستسلموا كارهين، ولذا قال تعالى :
﴿ وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون ( ٨٧ ) ﴾.
الضمير يعود على المشركين، أي أنهم بعد استسعفوا بالشركاء لم يسعفوهم، واستصرخوا بهم لم يصرخوهم، لم يبق إلا أن يستسلموا لله، وهذا معنى ﴿ وألقوا إلى الله يومئذ السلم ﴾، وتعدى ب ( إلى ) لتضمن معنى هذا السلم الاستسلام إليه سبحانه بعد طول العناد ﴿ وضل عنهم ﴾، أي غاب عنهم ما كانوا يفترونه من أن الشركاء تقربهم إلى الله، وأنها تكون سعفا عند الله تعالى، و( ما ) اسم موصول بمعنى الذي، أو مصدرية، وعلى الأول : غاب عنهم القول الذي كانوا يفترونه، وعلى الثاني، غاب افتراؤهم، ومعنى غيبة الافتراء غيبة موضوع الافتراء، إذ إن موضوع الافتراء، وهو شفعاؤهم قد صار لا حقيقة له، فكان جديرا بأن يغيب غيبة منقطعة.
الصد عن سبيل الله ومقام الرسالة المحمدية
إن المشركين كانوا لا يكتفون بشركهن في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، بل كانوا يؤذون المؤمنين ليفتونهم عن دينهم، ويستقبلون وفود الحجيج، ليخبروهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد اقتسموا مداخل مكة ليمنعوا الناس عن تصديق النبي صلى الله عليه وسلم، فهم لا يكتفون بشركهم، بل كانوا يصدون الناس عن الحق، وهو سبيل الله والطريق الصحيح الموصل لعبادته، فهؤلاء لهم عذابان : عذاب الشرك، وعذاب الصد عن سبيل الله، زاده الله تعالى عليهم ؛ لأنهم زادوا على أنفسهم رجسا بعد رجس ؛ ولذا قال تعالى :
﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون ( ٨٨ ) ﴾.
﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ﴾ وهم الذين لم يؤمنوا بالرسالة المحمدية، والكفر يشمل الشرك بالله بعبادة الأوثان، وأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبعض من نسميهم أهل كتاب يدخلون في الشرك من بابه، وهم الذين يعبدون المسيح، أو يقولون : إنه ابن الله، ويصفونه بالرب ويعبدون روح القدس، ويقولون الله ثالث ثلاثة، فكلمة الذين كفروا يدخل في عمومها أهل الكتاب كما قال تعالى :﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ( ١ ) ﴾ [ البينة ] وقد ذكر الله تعالى ذلك الوصف للمشركين وأهل الكتاب ؛ لأن الصد عن سبيل الله وقع من المشركين، ووقع من أهل الكتاب في عصر تبليغ الرسالة، وهو الآن يقع على أشده من أهل الكتاب.
وقد كان صد المشركين بالأذى ينزل بالضعفاء، وبالسخرية تنزل بأهل الشرف والمروءة، وبالتضليل ما استطاعوا بالرسالة المحمدية، وشاركهم في ذلك اليهود، وخصوصا بعد الهجرة إلى المدينة الطاهرة، وقد ذكرنا كيف كانوا يقتسمون مداخل المدينة، ليضلوا الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم أبو لهب بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم وحفيد هاشم رأس البيت الهاشمي المجيد.
وقد قال تعالى : في عقاب هؤلاء الصادين :﴿ زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون ﴾، أي أنهم يزاد عليهم عذاب بسبب ذلك التضليل والصد عن سبيل الله، وذلك فساد في الأرض ؛ ولذا قال سبحانه :﴿ بما كانوا يفسدون ﴾، أي بسبب فسادهم، وأي فساد أكبر من الصد عن سبيل الله، وهو سبيل الحق، وتبليغ الرسالة الإلهية.
وقد ذكر سبحانه وتعالى وقت ذلك العذاب، فقال عز من قائل :
﴿ ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ( ٨٩ ) ﴾.
﴿ ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم ﴾، ( يوم ) منصوب فعل محذوف معناه، واذكر يوم نبعث في كل أمة شهيدا ﴿ من أنفسهم ﴾، أي منهم، ومن أنفسهم قومه كما بعث النبي صلى الله عليه وسلم في العرب من أنفسهم، وكلمة ﴿ نبعث ﴾ تدل على أنه يبعثه الله تعالى مع قومه شهيدا لهم أو عليهم يوم القيامة، ويذكر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه بعث في كل أمة شهيدا عليهم يبلغهم في حياته، ويشهد عليهم يوم القيامة ﴿ وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ﴾ والجمع بين المضارع في قوله :﴿ ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم ﴾، والماضي في قوله تعالى :﴿ وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ﴾ يدل على أن البعث في الدنيا بإرسال الرسل مبشرين، ومنذرين، والنبي صلى الله عليه وسلم شهيد على كل الرسل ؛ لأن رسالته هي الكاملة، وهي المتضمنة لكل الرسالات الإلهية كلها، فالإسلام دين الله، وهو دين النبيين أجمعين، وهو خاتم الرسالات كلها.
وتدل بهذا الجمع بين الماضي والمستقبل بأن الله تعالى يبعث مع كل أمة يوم القيامة شهيدا عليها بأنه أدى الرسالة وشهيدا لمن آمن واتقى، وشاهدا على من كفر وعصى.
وبالنسبة للبعث الدنيوي وشهادة الرسول على الرسل أجمين ذكر القرآن الكريم الذي نزل مصدقا لما بين يديه وشاهدا للرسل أجمعين قال تعالى :﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ﴾.
وصفه الله تعالى بأربعة أوصاف كاملة.
الوصف الأول – أنه تبيان كل شيء أي فيه بيان كامل لكل شيء من شئون الرسالات الإلهية للبشر، ففيه خير رسالات النبيين السابقين، وفيه بين الأحكام المحكمة التي لم يعرها نسخ من الشرائع الإلهية كلها، وفي المعجزات التي جاءت بها الرسل معجزة معجزة، ولولا القرآن الكريم ما علمت على درجة اليقين معجزة لنبي أو رسول، لأنه الكتاب المحفوظ المتواتر حقا وصدقا.
والوصف الثاني – أنه هدى، فهو يشتمل على الهداية، كما قال قائل الجن :
﴿ يهدي إلى الرشد...( ٢ ) ﴾ [ الجن ] ويبين السبيل الأقوم والطريق المستقيم.
والوصف الثالث – أنه الرحمة ؛ لأن شريعته رحمة للعالمين فهي بنظامها واقتصادها وحدوها، وكل عقوباتها رحمة للكافة من الأمة، وإن كانت فيها قسوة أحيانا على الآحاد، ففيها رحمة للعباد.
والوصف الرابع – ﴿ وبشرى للمسلمين ﴾ فيه التبشير للمؤمنين بالجنة، والإنذار للكافرين بالنار، وذكرت البشرى دون النذر لأنها التي تتناسب مع الرحمة، والله ولي المؤمنين.
من الأخلاق القرآنية
وصف القرآن الكريم في الآية السابقة بأنه تبيان كل شيء وهدى ورحمة، وهو بذلك يشير إلى أنه جامع للشريعة وفيها الهداية، وفيها الرحمة، وقد بين الله الهداية والرحمة وغيرها فقال :
﴿ إن الله يأمر العدل والإحسان وإيتائ ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ( ٩٠ ) ﴾.
العدل يتضمن الرحمة بأعلى معاني الرحمة، وإن كان العدل يوجب الشدة والغلظة على الجناة ؛ لأنه إذا كان فيه غلظة على الجاني، ففيه رحمة بالمجموع، والرحمة بالمجرم تشجع الجريمة ؛ ولذا قال صلى الله عليه وسلم :"من لا يرحم لا يرحم"١ ؛ لأن العطف على الجاني إيذاء للكافة، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرحمة المطلوبة :"هي الرحمة بالكافة"٢، وإذا كانت شريعة الله تعالى رحمة للعاملين، فلأن قوامها العدل.
العدالة في الإسلام :
تجرى في الشرائع كلمات ثلاث المصلحة أو المنفعة، والواجب أو الفضيلة، والعدالة، ونجد أن كلمة العدالة أشملها، بل هي تشمل الأمرين الآخرين، فإن العدل يتضمن المصلحة العامة والمنفعة الشاملة، إذ يكون الجميع في أمن ويمنع الظلم والبغي والعدوان، وهو بذلك يدفع أضرار هذه الموبقات، والعدل فيه حماية للأنفس، وقمع للرذائل، فالرذائل في جملتها اعتداء، وكل دفع للاعتداء يكون عدلا، وإن كل شيء في الشريعة قام على العدل، حتى عقود المعاملات فإنها قامت على المساواة، فأساس التعاقد هو المساواة بين العوضين، فإذا دخل التعامل غبن أو تغرير أو ممساكة أثر ذلك في صحة العقد مما أدى إلى كلام طويل بين الفقهاء في ذلك.
والعدل الذي يأمر الله تعالى به ليس هو فقط الإنصاف بين الناس المأمور به في قوله تعالى :﴿... وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل...( ٥٨ ) ﴾ [ النساء ]، بل إن العدل له شعب ثلاث :
١- العدل في حق الله تعالى بشكر نعمته، والقيام بما أمر من فرائض، والانتهاء عما نهى من منهيات، فذلك عدل مع الله ؛ لأنه في جملته من شكر النعمة وهو عدل لأنه قيام بالواجب نحو ما أعطى سبحانه وتعالى.
٢- وعدل في ذات نفسه بأن يكون مستقيم النفس، لا انحراف ولا تجانف، ولا ميل عن الطريق السوي.
٣- وعدل مع الناس بأن يحب لهم ما يحب لنفسه، كما قال صلى الله عليه وسلم :"عامل الناس بما تحب أن يعاملوك"، وبأن ينتصف للناس من نفسه، ولا يلجئهم إلى الحاكم.
ثم أخيرا إنصاف الناس إذا حكم.
وتعجبني كلمة قالها ابن العربي، فقد قال :"العدل بين العبد وربه إيثار حقه تعالى على حق نفسه، وتقديم رضاه على هواه، واجتناب للزواجر والامتثال للأوامر، وأما العدل بينه وبين نفسه، فمنعها مما فيه هلاكها، قال الله تعالى :﴿... ونهى النفس عن الهوى ( ٤٠ ) ﴾ [ النازعات ]"، وعزوب الأطماع عن الاتباع، ولزوم القناعة في كل حال ومعنى، وأما العدل بينه وبين الخلق فبذل النصيحة وترك الخيانة فيما قل أو كثر، والإنصاف من نفسه لهم بكل وجه، ولا يكون منك إساءة إلى حد بقول ولا فعل، ولا في سر ولا في علن، والصبر على ما يصيبك منهم من البلوى، وأقل ذلك الإنصاف وترك الأذى".
ولم يذكر العدالة في الحكم ؛ لأن أمر لا يحتاج إلى تنبيه بعد نص القرآن في قوله تعالى :﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل...( ٥٨ ) ﴾ [ النساء ].
هذا هو العدل الذي أمر الله تعالى به قد ذكرناه، وإن كان بيانه أعلى مما تشمله عقولنا، وقد ابتدأ سبحانه وتعالى به ؛ لأنه يتعلق بالكافة، وهو مطلوب في كل حال، وهو إعطاء كل ذي حق حقه، ثم أمر بعد ذلك بالإحسان وهو أكثر من العدل فيوضأ، وخيره يمتد ويزيد ؛ ولذا عقب العدل بالإحسان.
الإحسان :
والإحسان مصدر أحسن، وأحسن تتعدى بنفسها، وتكون بمعنى الإتقان والإحكام، ومنه الإحسان في العبادة كيفا بأن ينصرف الوجه لله تعالى، ويقرب منه، ومنه أداء النوافل لإتقان الفرائض، ومنه حديث جبريل في التعريف بالإحسان "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"٣.
وأحسن تتعدى ب ( إلى ) بمعنى أعطاه حقه وزاد عليه فضلا من عنده، حماية لنفسه من الظلم ووقاية له من التعدي، والإحسان بهذا المعنى يكون في المال فيكون بإعطاء الزيادة عما يستحق، ويكون في القول فيقابل القول السيئ بالقول الحسن، كما قال تعالى :﴿ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ( ٣٤ ) ﴾ [ فصلت ] ويكون بالصفح عمن ظلم، وبالعفو عمن أساء، ويكون بالربط بين الناس بالمودة والعفو فما زاد عبد بعفو إلا عزاء.
والإحسان يكون بين الخلطاء والعشراء، والتعامل الأحادي، ويكون الأمر بالإحسان بعد الأمر بالعدل انتقال من الأمر العام الذي هو صالح وواجب في كل الأحوال، وفي كل الأوقات إلى أمر آحادي تطيب له النفوس، وتتلاقى به المحبة والمودة، يكون التآلف والتراحم والتآخي في الجماعة.
إيتاء ذي القربى :
وبعد ذلك نزلت الأوامر إلى الأسرة بربط آحادها، فقال تعالى :﴿ وإيتاء ذي القربى ﴾ والقربى مؤنث أقرب، والمعنى إيتاء الأقربين ومعونتهم، وألا يضن عليهم بخير يقدمه لهم، وهو صلة الرحم التي أمر الإسلام بها، والإيتاء الإعطاء والأصل المال، ولكنه يشمل كل ما يكون خيرا يسديه إليهم مالا أو معروفا.
والأسرة في الإسلام ليست مقصورة على الزوجين والفروع، بل هي الأسرة الممتدة الشاملة للأصول والفروع والحواشي من الإخوة والأخوات وأولادهم، والأعمام والعمات وأولادهم، والأخوال والخالات وأولادهم، وقد أوجبت الشريعة الإسلامية وجوب نفقة القريب على قريبه إذا عجز عن الكسب، ولم يكن ذا مال، ووضعت مقياسا دقيقا أساسه الغرم بالغنم فمن كان يرثه إذا مات، تجب عليه نفقته إذا عجز.
هذه هي الأمور التي أمر الله تعالى بها، وعليها يقوم بناء المجتمع الصالح، وبعد ذلك نهى الله سبحانه عما يخرب ذلك المجتمع وينخر في عظام المجتمع الحمى، فقال تعالى :﴿ وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ﴾.
نهى عن أمور ثلاثة هي أدوات الهدم في البناء الاجتماعي :
الأمر الأول – ﴿ الفحشاء ﴾، وهي بمعنى الزيادة والإفراط فيها، وكل المعاصي فيها إفراط في الزيادة عن مقتضى الفطرة، ويقول البيضاوي في تفسير معنى ﴿ الفحشاء ﴾ : هي الإفراط في متابعة القوى الشهوية كالزنى، فإنه أقبح أحوال الإنسان، ونقول إن الفحشاء تشمل كل متابعة للهوى الجامح الخارج عن حدود الاعتدال كشرب الخمر والقمار والزنى، ومجاوزة الحد في أي أمر من أمور الشهوة حسيا أو معنويا.
الأمر الثاني – ﴿ والمنكر ﴾ هو ما تنكره العقول المستقيمة، ويخرج به المرء عن حد المعقول كقول الزور والبهتان، والإفراط في الاستهانة بحقوق غيره، والاندفاع وراء غضب جامح يخرج عن حد المعقول، إلى حد ما ينكره المجتمع ويتجافاه، ويقطع المودة وينقض ما أمر الله تعالى به أن يوصل.
الأمر الثالث – ﴿ والبغي ﴾ هو الاعتداء على الناس، والتجبر والاستعلاء عليهم، وأن يمنعهم حقوقهم ويأخذها بغير حق، وإن ذلك من آثار الوهم بأنه من صنف أعلى من صنفهم، فيغالى في الاستهانة بهم، ويبغى عليهم في حقوقهم، ويبخسهم حقهم، كما نرى الآن من بغى بعض الناس على بعض باسم أنهم سود، أو باسم أنهم من الأمم النامية، أو باسم الطبقات، فكل ذلك من وهم الاستعلاء والغلو في إعطاء أنفسهم حقوقا ليست لهم، ولكنهم يفرضونها لأنفسهم، وسببها بغيهم وظنهم أنهم من صنف فوق الناس وأن الناس دونهم، ولقد قال البيضاوي في البغي ما نصه :"والاستيلاء على الناس والتجبر عليهم، فإنها الشيطنة التي بمقتضى القوة الوهمية، ولا يوجد في الإنسان شر إلا وهو مندمج في هذه الأقسام صادر بتوسط إحدى هذه القوى الثلاث ( أي الشهوة أو الغضبية أو الوهمية ).
وختم الله سبحانه وتعالى الآية بقوله تعالى :﴿ يعظكم لعلكم تذكرون ﴾، أي رجاء منكم بأن تذكروا هذه الأوامر فتطيعوها، وهذه المنهيات فتجتنبوها، وتكون لكم موعظة تتعظون بها، وتعتبرون في اتصالكم بالناس والحياة بها.
لقد قال ابن مسعود، إن هذه أجمع آية لمعاني الإسلام، ويروى عن عثمان ابن مظعون أنه قال : أسلمت حياء من النبي صلى الله عليه وسلم فلما سمعت هذه الآية آمنت بالإسلام حقا وصدقا.
ويروى أن أكثم بن صيفي بني تيم وخطيبهم، وكبيرهم في سنه لما بلغه مخرج النبي صلى الله عليه وسلم أراد أم يذهب وقد بلغه الكبر، فأبى عليه قومه، وقالوا، أنت كبيرنا لم تكن لتخف إليه، قال : فليأت من يبلغه عني، ويبلغني عنه، فدعا رجلين، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقالا : نحن رسل أكثم بن صيفي، وهو يسألك : من أنت، وما أنت ؟، فقال صلى الله عليه وسلم :"أما من أنا فأنا محمد بن عبد الله، وأما ما أنا فأنا عبد الله ورسوله، ثم تلا قوله تعالى :﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ( ٩٠ ) ﴾" قالوا : ردد علينا هذا القول فردده عليهم حتى حفظوه، فأتيا أكثم فقال : أبى أن يرفع نسبه، فسألنا عن نسبه فوجدناه زاكي النسب، وسطا في مضر – أي من أشرف مضر – وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها، فلما سمعها أكثم قال : إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها... كونوا في هذا الأمر رءوسا، ولا تكونوا أذنابا.
هذا ويجب التنبيه إلى أن أبلغ ما في المأمورات العدالة، فهي أقواها أثرا في بناء المجتمع، وأقبح المنهيات البغي، فكلها يمس ناحية فيه، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه وفي قطيعة الرحم :"ما من ذنب أحق أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم"٤.
العهد في الإسلام :
١ سبق تخريجه..
٢ رواه الحاكم في المستدرك (٧٣٨٦) ج ٤/ ١٨٥ هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه..
٣ سبق تخريجه..
٤ سبق تخريجه..
دعا الله تعالى في هذه الآية إلى العدل في وسط الجماعة الإسلامية، ودعا إلى العدل بين المسلمين وغيرهم، وميزان العدالة الدولية الوفاء بالعهد ؛ ولذا جاء الأمر بالوفاء بالعهد بعد الأمر بالعدل، فقال عز من قائل :
﴿ وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتهم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ( ٩١ ) ﴾.
أمر الله تعالى بأن يعدل المؤمنون مع غيرهم، ولو كانوا يبغضونهم، فقد قال تعالى :﴿... ولا يجرمنكم شنآن قوم عل لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى...( ٨ ) ﴾ [ المائدة ]، وإذا كان في بعض الديانات جاء عمن ينسبونها إليه : استغفروا لأعدائكم. فشعار الإسلام : اعدلوا مع أعدائكم، وشعار العدالة أقوى وأثبت وأليق، وكيف يستغفر للعدو إذا مات على ضلالة، ولكن العدل معه معقول في ذاته، وتحقيقه وهو الأكرم والأنسب.
ومن العدالة مع الأعداء الوفاء بالعهد ؛ ولذا قال تعالى :﴿... وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا ( ٣٤ ) ﴾ [ الإسراء ]، وقد قال تعالى :﴿ وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ﴾. قيل إنها جاءت في بيعة المسلم عند دخوله في الإسلام يبايع الله ورسوله على الإسلام، وقيل : أن هذا في النذور، والحق إن الأمر في الآية عام في وجوب الوفاء بالعهد سواء أكان عهدا فرديا أم كان جماعيا أم كان دوليا، والوفاء بالعهد من العدالة، والعهد اتفاق بين طرفين يوجب على كل واحد منهما التزاما، وهو كأي عقد بين طرفين يوجب إلزاما والتزاما، فلا ينقضى إلا بتراضي الطرفين، وليس هذا داخلا في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم :"من حلف على شيء، فرأى خيرا منه فليحنث وليكفر"١، فإن ذلك في الأيمان التي هي التزام شخصي كأن يحلف ألا يفعل كذا، أو ألا يصلح بين خصمين، فإن ذلك واقع تحت النهي في وله تعالى :﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس...( ٢٢٤ ) ﴾ [ البقرة ].
وقد سمى الله تعالى العهد الذي يعاهد عليه، ويكون فيه التزام من الجانبين ؛ ولذا كان بصيغة المفاعلة، ﴿ عاهدتم ﴾، سماه عهد الله لأنه موثق بيمين الله عادة، ولأنه بين دولة الإسلام وغيرها، فكان كأنه عهد الله الذي وثقه المسلمون في ظل الله تبارك وتعالى.
وهو يشمل كل عهد عاهدته الدولة الإسلامية بعهد الله تعالى، وهو عدل وقوة، أما أنه عدل فلأنه وفاء بما التزموا ومن العدل الوفاء لهم، وكما أنهم ملزمون بالوفاء فيجب علينا أن نلتزم به، وأما أنه قوة، فلأن من يطمئن إلى عدله يكون آمنا من جانب عاهدهم، وينصرف لتنمية ثروته، وتمكين قوته، والانفراد بأعدائه الذين لم يعاهدوه، وانظر إلى عهد الحديبية الذي عقده النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين، فإنه انصرف في المدة التي كان فيها عهد الدعوة إلى الإسلام، حتى كان من دخلوا في الإسلام بعد العهد أضعاف من دخلوا من قبله بل أضعاف أضعاف وانفرد صلى الله عليه وسلم لليهود، فغزاهم في خيبر، وخرج للرومان في خيبر.
والعهد ليس أبديا بل ينقض إن كانت خيانة، أو مظنة خيانة كما قال تعالى :﴿ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء...( ٥٨ ) ﴾ [ الأنفال ].
وإن العهد لا يكون بين دولة الإسلام وغيرها من الدول فقط، بل يكون في داخل الدولة الإسلامية كالإخاء الذي كان بين المهاجرين والأنصار والمهاجرين بعضهم مع بعض والأنصار بعضهم مع بعض.
وقد أكد سبحانه الأمر بالوفاء بالنهي عن النقض معللا النهي، فقالت تعالت كلماته :﴿ ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ﴾.
أي لا تنقضوا العهود لأنها نقض للأيمان بعد توكيدها، والتوكيد هو التأكيد، وهما لغتان جائزتان وتوكيد الأيمان معناها أن تكون باسم الله، وبأن تكون أمام شهود وفي مجالس تقرها وتؤيدها، والكفيل هنا هو الرقيب الضامن، فمن عاهد بيمين الله، فقد جعل الله تعالى كفيلا له ضامنا لقوله فعليه أن يحترم، وكفيلا – هنا تتضمنه معنى الرقابة ؛ لأن الكفيل يراقب المكفول، حتى يؤدى ما التزم أداءه.
وقد بين سبحانه مضار النقض، وأشار إلى ذلك فقال :﴿ إن الله يعلم ما تفعلون ﴾، أي عليم بما فعلتم وقد عقد العهد، ووثقتموه بيمين الله تعالى، وعليم بفعلكم إذا أردتم النقض، وقد أكد سبحانه وتعالى علمه الأزلي بالجملة الاسمية، " وبإن، وبلفظ الجلالة، وبتقديم الجار والمجرور على الوصف" ؛ لأنه يفيد مزيد العناية بأفعالكم وشدة رقابته عليها.
١ سبق تخريجه..
وقد أكد الله الأمر بالوفاء، وإثبات أن الفاء قوة فقال عز من قائل :
﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبين لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ( ٩٢ ) ﴾.
الأنكاث : جمع نكث كنقض الفتل هو الشعر الذي كان مفتولا ثم نقض، وصار أجزاء متفرقة بعد الفتل وشد الفتل، والمعنى أن العهد قوة، وقد شبه القرآن الكريم الذي ينقض هده بالمرأة التي تفتل غزلها فتلا شديدا، ثم بعد فتله تنقضه أجزاء وصوفا متناثرا، وهو مثل يضرب لكل من يعمل عملا يكون له ثمرة طيبة ثم ينقض ما تم من جهة ويبطل عمله، فتفقد ثمرة العمل الذي عمله بحقها وجهها، وقوله تعالى :﴿ تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ﴾، أي بهذا العمل وإبرام العقد وتوثيقه بالأيمان تتخذون الأيمان والحلف بالله ﴿ دخلا ﴾، أي غشا وخديعة وتضليلا بينكم.
وقوله تعالى :﴿ أن تكون أمة هي أربى من أمة ﴾، ﴿ أربى ﴾ أي تكون أكثر عددا، وأوسع أرضا، وأكثر مالا، وأقوى قوة فكلمة ﴿ أربى ﴾ تشمل كل هذا.
والأمة التي هي أربى هي الناقضة للعهد بعد الأيمان الموثقة، أو هي المنقوض للعهد بالنسبة لها، وعلى المعنى الأول أن النقض للعهد أو الرغبة فيه سببها إرادة أن تكون أمة هي أربى من أمة، فتنقض العهد ليتسع حيزها، وليكثر عدد من هم في ولايتها، فمعنى الآية على هذا التخريج لا تكونوا كالتي نقضت غزلها رغبة في أن تكون أمة هي أربى من أمة، أو إرادة ذلك أي لتكون أربى عددا أو أكثر ولدا وأوسع أرضا، أو أقوى عدة من أمة.
وإذا كان المنقوض عهدها هي الأربى، فمؤدى ذلك أن يكونوا قد عقدوا معها لقوتها، وأنها أربى ويكون قد عقد دخلا وغشا لينقض في أول فرصة.
وإني أميل إلى التخريج الأول لأنه أوضح بيانا، وأظهر برهانا، ومؤدى القول أنه لا يصح نقض العهد لإرادة الاستعلاء، كما يفعل المشركون، وكما كان يفعل الذين لا يرقبون في المؤمنين إلا ولا ذمة وإن هذا النص السامي يدل على ثلاثة أمور :
الأمر الأول – أن العهد قوة، وأن الوفاء به استمساك بما فيه قوة، وأنه يكون كالحمقاء تفعل ما هو سبب للقوة ثم تنقضه، وأن الأمم مهما تكن قوتها إذا استهانت بالعقود لا يثق الناس في رجائها، فإذا كانت الشديدة تلفتت فلا تجد أحدا حولها ؛ لأنه لا ثقة فيها، وقد رأينا ذلك رأى العين في أمم شرقت وغربت، ثم تزايلت حتى زال سلطانها.
الأمر الثاني – أن العهد إن تم نقضه غشا وخديعة لا يقدم عليه أهل المروءة والأعزاء، وعبث بأيمان الله سبحانه وتعالى.
الأمر الثالث – أن علو الأمم في الوفاء بعهدها لا يصح أن تتخذ النقض أمة لتنمو وتربو فإنها إن ربت ونمت بالإخلاف بالوعد، فهو نمو يحمل في نفسه ما يوجبه انحلاله وذهاب قوته.
وإن الوفاء بالعهد بين الأمم احترام الإنسانية التي يعقدون معهم، فهم يعدونهم أناسى مثلهم يعرفون حقوقهم ويراعون الواجبات نحوهم، والذين ينقضون العهد تسول لهم قوتهم أنه ليس لأحد حقوق قبلهم، ولا يعاملونهم إلا كمن هم دونهم، وقد رأينا ذلك في حكومة عاتية أزالها فساد عهودها، ونراها الآن في وريثة لها تكبر من غير عهد ولا ذمة ولا ضمير ويحسبون الناس قد أباحتهم لهم قوتهم.
وإن الوفاء بالعهد، وهو من مكارم الأخلاق وملاحظة حقوق الإنسان لأخيه، ونقض العهد نقيض ذلك وكثرة الأمم وقتلها وهو من ابتلاء الله تعالى للأمم وللناس ؛ ولذا قال تعالى :﴿ إنما يبلوكم الله به وليبين لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ﴾، الضمير في ﴿ به ﴾ يعود إلى أن تكون أمة أربى من أمة أو إلى نقض العهد لذلك، أي يختبركم الله تعالى بأن تكون أمة كثيرة العدد واسعة الأرض كثيرة المال وأخرى ضعيفة فإن صبرت القوية الرابية واستمسكت بالوفاء زادها الله تعالى، وإن غلب عليها هواها، فاستهانت بالعهد لاستهانتها بمن عقدته معها، فإن مآلها الضعف والخذلان، والله عليم بما يفعلون، هذا عقاب الدنيا، أما عقاب الآخرة، فقد ذكره سبحانه وتعالى بقوله :﴿ وليبين لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ﴾، وبيان الله تعالى يوم القيامة يكون مقترنا بجزائه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وقد أكد سبحانه وتعالى بيان ذلك الجزاء لهم أولا بلام القسم، وثانيا بنون التوكيد الثقيلة وبالقسم، وما كانوا يختلفون فيه هو الشرك والإيمان ثم الوفاء والنقض ثم احترام الإنسانية والاستهانة بها، فكل ذلك جزاؤه يوم القيامة، ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ولا الإيمان والكفر، ولا الوفاء بالعهد ونقضه.
وإن ذلك الاختلاف بين الحق والباطل هو إرادته سبحانه ليبلوكم أيكم أحسن عملا ؛ ولذا قال سبحانه :
﴿ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون ( ٩٣ ) ﴾.
والمعنى لو أراد ذلك سبحانه ولعلقت مشيئته بأن أمة واحدة آخذة بالحق مهدية لجعلكم كذلك، ولكن خلقكم سبحانه، ولكم إرادات مختارة تسلك الحق أو الضلال، ويختبر أهل الباطل بأن يعطيهم قوة يهتدون بها، أو يضلون، ومعنى أمة واحدة مهدية أو أمة شقية، وتكونون حينئذ على سواء في الهداية أو الشقاء، ولكن كانت لكم هذه الإرادات التي بها تضلون إن سرتم في طريق الضلال، وتهتدون إن سرتم في طريق الهداية.
ولكن إرادة الله تعالى اتجهت إلى ذلك الاختلاف لتكون الحياة ولتكون المعاقبة بين الخير والشر، ويتنازع أهل الشر مع أهل الخير وليكون الخير بعمل أصحابه، " والشر بعمل أصحابه، ويكون الضلال وتكون الهداية ؛ ولذا قال :﴿ ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ إضلال الله هو كتابة العبد في أهل الضلال وهداية الله كتابته في أهل الهدى، وذلك لأن العبد له إرادة يشعر بها، وأنه ليس بمجبر فيها، وأنه يختار إما الضلالة ليشقى وإما الهداية فيسعد، وما يعمله مكتوب في اللوح المحفوظ، فهو في هذا اللوح، إما شقي وإما سعيد، وقد غيب عنه المكتوب ليفعل حرا مختارا، هذا أمر شعوري بدهي، لا يحتاج إلى فلسفة أهل الجبر ولا أهل الاختيار.
والاستدراك في قوله تعالى :﴿ ولكن يضل من يشاء... ﴾ إنما هو عن خلقهم أمة واحدة بل هو للتفرقة بين الضلال والهدي فيما يكتبه الله تعالى، ويقدره، ولقد قال سبحانه بعد ذلك ﴿ ولتسألن عما كنتم تعملون ﴾، أي أن أعمالكم باختياركم وبقوتكم الذاتية وتسألون عنها : أهي خير فتثابوا أم هي شر فتعذبوا، وكل أعمالكم مكتوبة عليكم وبكتابتها يضلكم أو يهديكم.
وبعد أن بين سبحانه أن كون أمة أربى من أمة هو بمشيئة الله وإرادته مع بقاء الاختيار للعباد أكد سبحانه وتعالى النهي عن نقض الوفاء بالعهد فقال :
﴿ ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب أليم ( ٩٤ ) ﴾.
كان النهي عن اتخاذ الأيمان دخلا أي غشا وخديعة في العهود ؛ لأن الكلام كان في العهود ونقضها، إذ ابتدأ القول :﴿ وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ﴾ أما النهي في هذه الآية عن اتخاذ الأيمان دخلا، فهو نهي عن الحلف الكاذب خديعة وغشا ومكيدة بعهد كان يعتزم فعل أمر أو يظهر اعتزامه ويوثقه بيمين، ولا يتجه إلى المعاهدة عليه، فإن ذلك منهى عنه، أو يؤكد كلامه عن أمر سابق باليمين وهو كاذب في يمينه، فإذن اليمين في هذه الحال غش وخديعة ويكون ممن لا يطاع ولا يستمع إليه إذ يقول الله تعالى :﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ( ١٠ ) هماز مشاء بنميم ( ١١ ) ﴾ [ القلم ].
وعلى ذلك يكون النهي عن اتخاذ الأيمان للغش والخديعة يشمل العهود والبيعات ويشمل توثيق يمين منعقدة لا ينوى التنفيذ فيها، أو يمين غموس هو فيها كاذب، كشهادات الزور، ونحوها مما تتخذ اليمين للغش والخديعة، وضياع الحقوق والدعاء الباطل وتأكيده بهذه الأيمان.
ولقد قال تعالى فيما يترتب على اتخاذ الأيمان الباطلة غشا وخديعة وتثبيتا للكذب ﴿ فتزل قدم بعد ثبوتها ﴾، هذا تشبيه جيد وهو استعارة من قبيل تشبيه المعنوي بالحسي أي شبه الانحراف الديني الذي يؤدى إليه الأيمان الباطلة بعد الإسلام والاستظلال بظله كزلة القدم بعد ثبوتها قوية، فمعنى الزلل الانتقال من الخير إلى الضرر.
﴿ وتذوقوا السوء ﴾، والسوء هو الأمر السيئ وشبه بالشيء الذي يذاق كأنه بعد أن ذاق حلاوة الإيمان ذاق السوء وهو الكفر، ذلك لأن الأيمان الكاذبة تفسد اليقين، وتضعف الإيمان بالحق، وفوق ذلك إذا شاعت ضاعت الثقة بين الناس، وصار الناس لا يؤمنون بشيء، وإن ذلك يؤدى إلى الضلال، والضلال يؤدى إلى الصد عن الحق، والحق هو سبيل الله المستقيم، وصراطه الهادي ؛ ولذا قال تعالى :﴿ وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ﴾ فإنه لا يضيع الحق ولا يسير الناس في ضلال من أوروهم إلا الكذب، فإذا وثق بأيمان فاجرة كان الصد عنه بل ضياعه.
ولذا قال تعالى في عقابه :﴿ ولكم عذاب عظيم ﴾، أي كبير شديد ونكر لإفادة أنه عظيم أبلغ العظم لا يعرف مقداره، ونكرت ﴿ قدم ﴾ وأفردت لأنه تتعدد الأقدام الزالة بتعدد الأيمان،
وأكد سبحانه النهي عن نقض العهد مهما يكن الثمن، فقال تعالى :﴿ ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون ( ٩٥ ) ﴾.
عهد الله تعالى هو عهده سبحانه الذي أمر بالوفاء به في قوله :﴿ وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ﴾ فكل عهد تعاهد المؤمن أو دولة الإيمان عليه هو عهد الله تعالى لا يصح أن ينقض ؛ لأنه يؤدى إلى الخذلان وإلى الصد عن سبيل الله سبحانه، وتشتري هنا معناها تبيعوا ؛ لأن الباء داخلة على المتروك، وقوله تعالى :﴿ ثمنا قليلا ﴾ قد وصف سبحانه ما يترك لأجله العهد بأنه ثمن قليل مهما يكن مقداره ؛ لأن ما يضيع بسبب ترك العهد من فقد الثقة والشك في العهود والمواثيق أمر كبير لا يقدر بقدر ؛ لأنه يكون الوهن والخزي والضياع وقد ضربنا الأمثال على ذلك كثيرا، وفوق ذلك عذاب الله تعالى يوم القيامة وجزاؤه على الوفاء في الدنيا والآخرة فقال تعالى :﴿ إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾.
( ما ) اسم موصول بمعنى الذي ادخره الله في الدنيا والآخرة خير لكم، ففي الدنيا تكون عزة الحق، وقوة الوفاء وهو في ذاته قوة، وخصوصا إذا كان العقد مع الضعفاء، وفي الآخرة نعيم مقيم.
الله أبقى وخيره أبقى
في الآية السابقة، قال تعالى :﴿ ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا ﴾ وختم الآية بقوله تعالى :﴿ إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾.
وفي هذه الآيات الكريمات يبين وجه الخيرية لما عند الله تعالى ؛ ولذا قال تعالى :
﴿ ما عندكم ينفذ وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ( ٩٦ ) ﴾، ( ما ) اسم موصول بمعنى الذي، أي الذي عندكم أعراض فانية فإن كانت مالا فإنها تنفذ ينهيها الزمان مهما يكن الحرص، وإن بقيت فإنما تبقى بقدر حياة الذي يقتنيها، وإن حياته لقصيرة في أزمان الناس، ﴿ وما عند الله باق ﴾، أي والذي عند الله باق يبقى ببقاء الجنة، وإن نعيمها الخالد والذين ينالونها خالدون فيها أبدا، والفرق بين ما عند الناس حلالا وحراما وما عند الله هو الدوام فنعيم الآخرة مقيم، ونعيم الدنيا فأقصى مدته هي مدة الدنيا.
وقد بين سبحانه وتعالى الذين يستحقون ما عند الله وهو الباقي فقال :﴿ ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعلمون ﴾، و﴿ صبروا ﴾ صلة الموصول، وهي نشير على أن الصبر سبب هذا النعيم الباقي الذي لا ينفذ، فالصبر وهو ضبط النفس في ظل الأوامر والنواهي، فضبط النفس عند الأمر بالوفاء بالعهد يوجب ألا يندفع الناس وراء بارقة تحمل على النقض، ويوجب ألا يستطار وراء مطمع فلا يفي، والصبر هو الذي يضبط النفس فيحملها على الطاعة، ويحملها على اجتناب المعاصي، والجهاد بالصبر على كف أهواء النفس ونزهاتها جهاد سماه النبي صلى الله عليه وسلم الجهاد الأكبر.
وقال تعالى :﴿ أجرهم ﴾ جزاء بأحسن الأعمال التي عملوها قال :﴿ بأحسن ما كانوا يعملون ﴾، أي بأحسن الأعمال التي عملوا، يعني يتخير الله تعالى لهم من أعمالهم أحسنها، ويغفر لهم اللمم والهنات، والجزاء على أحسن الأعمال يتناول الجزاء الأوفى على كل عمل يعملونه، وإن الله لا يضيع أجر المحسنين، وإن الصابرين لهم أجران : أجر الصبر وهو جهاد، وأجر العمل وهو إحسان، وهنا أمران بيانيان :
الأمر الأول – في المقابلة بين ما عند الناس، وما عند الله، فقد وصف ما عند الناس بأنه ينفذ، وما عند الله بأنه باق، أي له صفة البقاء والدوام والاستمرار وفرق بين ما يوجد لينتهي وما يوجد ليبقى.
الأمر الثاني – أن الله تعالى أكد جزاء الصابرين بالقسم ولامه، ونون التوكيد الثقيلة فقال :﴿ ولنجزين الذين صبروا ﴾ وإن الجزاء يتخير فيه أحسن الأعمال ويعفو عن كثير.....
وقد بين سبحانه وتعالى جزاء العالمين الصابرين فقال عز من قائل :
﴿ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ( ٩٧ ) ﴾.
﴿ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن... ﴾.
﴿ من ﴾ هنا شرطية أو موصولة، و ( الفاء ) تدخل في خبر الموصول لما بينه وبين الشرط من صلة إذ هو في معناه، و﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ بيانية ليعمها الجزاء بعد أن عمها الفعل، وذكر ﴿ صالحا ﴾ والموصوف والعمل غير مذكور سواء أكان مقدرا أم كان غير مقدر، وذلك ليتجه النظر إلى نية الصلاح والمصلحة في العمل، فإن الاعتبار للنية ككل خير في قانون الأخلاق العبرة فيه إلى النية، كما قال صلى الله عليه وسلم :"إنما الأعمال بالنيات وإنما كان لكل امرئ ما نوى"١.
وذكر هنا الذكر والأنثى مع أن الكل تشملهم التكليفات، والخطاب يشمل الذكر والأنثى، فيدخل الذكر ابتداء، ويدخل الأنثى بقانون الاطمئنان وهذه تهم الأنثى بالذات فكان ذكر الأنثى فيه فضل حث وتحضيض للأنثى على عمل الصالح لتطيب حياتها بسعادة واطمئنان في ظل زوج صالح.
وقال تعالى في جزاء الصلاح بنيته المعتزمة للخير، والحال أنه مؤمن ثابت الإيمان قوي اليقين استمر في إيمانه حتى لقي ربه راضيا مرضيا :﴿ فلنحيينه حياة طيبة ﴾، أي يحييه الله تعالى حياة طيبة في الدنيا، و ( الفاء ) في جواب الشرط أو ما هو معنى الشرط، وهو الموصول وقد أكد سبحانه أنه يحييه حياة طيبة بالقسم وباللام الموطئة للقسم، وبنون التوكيد الثقيلة، وما الحياة الطيبة التي وعد الله بها عباده المؤمنين الذين يعملون العمل الطيب بقلوب قاصدة الخير الصلاح، والصلاح غايتها ومبتغاها ؟ الحياة الطيبة هي أن يكون رزقها حلالا، وأن يجملها الله تعالى بالرضا بكل ما يأتى به، والقناعة في حال العسر، والرزق الحلال، أو طلب الحلال في اليسر، والصبر في الضراء وحال البأس ﴿ الذين منوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ( ٢٨ ) ﴾ [ الرعد ]، وفي الجملة الحياة الطيبة هي الحياة الراضية القانعة الشاكرة الصابرة ولا يكون ذلك إلا لمؤمن، وإن هذه الحياة الطيبة جزاء عاجل للإيمان والصالح من الذكور والإناث فلا سعادة خير من سعادة الرضا بالعمل الصالح، واطمئنان القلب بذكر الله والتوكل عليه في الشديدة والكريهة بعد أخذ الأسباب والاتجاه إلى الله، أما الجزاء الآجل المؤكد الذي لا مرية فيه، فهو في الآخرة، وقد قال تعالى فيه :﴿ ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾، ولم يذكر في الحياة الطيبة أنها أجر، بل ذكرها على أنها ملازم للعمل الصالح الصادر من قلب سليم، فهي ثمرة للصالح كثمرة الشجرة، وكإنتاج الزرع وحيثما وجد العمل الصالح كانت الحياة الطيبة ولو كانت جهادا مستمرا، ومع ذلك له أجر هو ثواب الآخرة يجزيهم الله تعالى بأحسن ما يعملون، وقد ذكر أنه سبحانه يجازي ﴿ بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ فجعل سبحانه وتعالى عملهم الصالح أو أحسنه هو الجزاء ؛ لأنه يماثله أو يساويه كأنه هو، وهو سبحانه وتعالى مانح النعم ومجريها، وقد ذكر سبحانه وتعالى بعد صالح الأعمال والأقوال وهو أعلاها، قراءة القرآن وذكره فقال تعالى :
﴿ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ( ٩٨ ) ﴾.
١ سبق تخريجه..
ذكر الله تعالى بعد الصالح من الأعمال والأقوال، والإصلاح بين الناس قراءة القرآن، فقال :﴿ فإذا قرأت القرن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ( ٩٨ ) ﴾.
ذلك أن قراءة القرآن ذكر لله، واستماع لحديث الله وترداد له فهو إصلاح للقلوب والنفوس، ولم يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين قراءته بل إن الإيمان يقتضي قراءته ؛ لأنه أحسن الحديث، بل كان الأمر بقراءته ضمنيا في ضمن الأمر بالاستعاذة من الشيطان الرجيم، وكان أمرا بالقراءة والاستعاذة معا، وفيه فائدة أن القراءة لا تجدي جدواها إلا إذا كانت معها الاستعاذة الحقيقية من الشيطان بإبعاد وساوسه في تمنيات الإنسان إذ إن الأماني ذريعة الشيطان، يدخل قلب المؤمن من جانبها كما أتى قلبى آدم وحواء بالأماني، ثم سول لهما الأكل من الشجرة، ( الفاء ) في قوله :﴿ فاستعذ ﴾ هي فاء الإفصاح لأنها تفصح عن شرط مقدر، أي إذا اتجهت بالعمل الصالح والقول الصالح إلى القرآن ﴿ فإذا قرأت القرآن... ﴾.
و ﴿ قرأت ﴾ هنا تطوى في ذاتها نية القراءة أي إرادتها، فمعنى فإذا قرأت أي أردت القراءة، كما في قوله تعالى :﴿... إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين...( ٦ ) ﴾ [ المائدة ]، وكقوله تعالى :﴿... وإذا قلتم فاعدلوا...( ١٥٢ ) ﴾ [ الأنعام ]، وكقوله تعالى :﴿... وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل...( ٥٨ ) ﴾ [ النساء ]، وقوله في شأن حجاب نساء النبي صلى الله عليه وسلم عن السائلين متاعا ﴿... وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب...( ٥٣ ) ﴾ [ الأحزاب ]، ففي كل هذه الآيات ذكر الفعل وطويت النية والإرادة لأنها ملازمة له ومقترن بها لا بتحقق من غيرها، بل الإرادة والنية هما الحقيقتان والقول مظهرها ولا ينفصل الباعث عن المظهر إذا كانا متصلين في الوجود ؛ ولذا كانت الاستعاذة مقدمة على القراءة بإجماع العلماء، ومنهم من جوز الاستعاذة بعد القراءة، والاستعاذة معناها الالتجاء إلى الله تعالى، والابتعاد عن وسوسة الشيطان وقت القراءة، ووسوسته تجئ من بث الأماني في النفس، وقد قلنا إنها ذريعة الشيطان وطريق دخول الهوى إلى النفس و ﴿ الرجيم ﴾ معناه المطرود الملقى عليه الحجارة، تثبيتا للإبعاد والطرد، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ابتداء، ولأمته تبعا، وهم من يقتدى ويتبع، فالأمر بالاستعاذة أمر للأمة كلها، وهي بها أجدر وأحق.
وقد أكد سبحانه معنى الاستعاذة ببيان أنه ليس له سلطان على الذين آمنوا فقال عز من قائل :
﴿ إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ( ٩٩ ) إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ( ١٠٠ ) ﴾.
يحصن المؤمنين من الشيطان أمور ثلاثة :
الحصن الأول – الاستعاذة منه بالقلب واللسان كما أمر الله تعالى :﴿ فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ﴾، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وقال :"علمنيها جبريل"١ فإن الاستعاذة تحصين للقلب من وساوس الشيطان ودخول هذا الحصن قراءة القرآن الكريم.
والحصن الثاني – الإيمان فإن الإيمان حصن الحق من الغرور والأوهام والأهواء، وكلها ذرائع الشيطان ؛ ولذا قال في وعيده بالإغواء :﴿... ولأغوينهم أجميعن ( ٣٩ ) إلا عبادك منهم المخلصين ( ٤٠ ) ﴾ [ الحجر ].
والحصن الثالث – التوكل على الله حق توكله، وأخذ الأسباب وتفويض الأمر إليه تعالى، وهو العلي القدير.
وهذا هو مؤدى قوله تعالى :﴿ إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا ﴾ والضمير في ( إنه ) يعود إلى الشيطان المذكور في قوله تعالى :﴿ فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ﴾ والسلطان الحجة والبرهان والاستيلاء على النفس المؤمنة، ولا يمكن أن يكون له ذلك عليها ؛ لأنه تعرف أنه عدوها ومرديها ومفسدها، وماضيه في ذلك عندها معروف عليها ؛ لأنها تعرف أنه عدوها ومرديها ومفسدها، وماضيه في ذلك عندها معروف علمها إياه الحكيم العليم، وهي تتوكل على الله وحده، فلا يمكن أن يستولي عليها، فالنفس ليست فارغة حتى يتولاها.
وقوله تعالى :﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾، فيه تقديم الجار والمجرور على الفعل يفيد القصر، أي لا يتوكل المؤمنون إلا على الله فليس في قلوبهم فراغ للشيطان يحتله، والتعبير ب ﴿ ربهم ﴾ يزكى توكلهم ؛ لأنه الذي ذرأهم ورباهم وكونهم
١ سبق في مستهل سورة الفاتحة..
وإنما الشيطان يحتل بولايته من لا ولاية له مع الله، وفي نفوسهم فراغ من سلطان الله تعالى ؛ ولذا قال تعالى :﴿ إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ( ١٠٠ ) ﴾، قصر سبحانه سلطانه ﴿ على الذين يتولونه ﴾، أي على الذين جعلوا ولايتهم له فاختاروا الهوى على الحق والأوهام على الفعل، وكان سلطانه بمعنى حجته عليهم ؛ لأنه أغواهم أولا بالأوهام الضالة والأهواء الجامحة المغيرة فكانت حجته الباطلة رائجة عندهم، وإنما أداة قصر، أي لا سلطان ولا ولاية على غيرهم إذا ضلوا سواء السبيل، فأضلهم وفرغت نفوسهم عن الإيمان فملأها بالأوهام.
وقد قال تعالى في وصفهم إذ صار سلطانه عليهم :﴿ والذين هم به مشركون ﴾ وفي هذا توكيد لتوليهم له، فهم مشركون بسببه أن اعتقدوا في الأحجار الوهمية وهي لا تضر ولا تنفع بسببه، وأشركوهم مع الله بسبب تحكمه بأوهامه فيهم.
معجزة القرآن وقولهم فيها
كان المشركون لا يعدون القرآن معجزات النبيين السابقين كعصا موسى وإبراء عيسى للأكمه والأبرص، وإخبار الناس بما في بيوتهم وما يدخرون فيها وإحياء الموتى، وإخراجهم من قبورهم بإذن الله وإنزال المائدة من السماء ليأكلوا منها، كانوا يطالبون النبي صلى الله عليه وسلم بمعجزات مادية حسية، ولا يقنعون بأن تكون المعجزة قرآنا يقرأ فبين الله تعالى أنه الذي يأتي المعجزات الدالة على أنه أرسل الرسل فهي إمارات الرسالة يعلم بها من الرسول بأنه من عنده.
فقال تعالى ردا على طلبهم آية :﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمن بها...( ١٠٩ ) ﴾ [ الأنعام ].
﴿ وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر ﴾، أي إذا جئتنا بالقرآن آية على صدق الرسول مكان آية أخرى حسية رفضناها وجئنا بهذه الآية المعنوية مكانها، والله صاحب الآيات والرسالات أعلم بالصالح منها، و ( أعلم ) أفعل تفضيل على غير بابه لأنه لا مفاضلة بين علم الله تعالى، وعلم غيره.
وعلم الله تعالى بما ينزل البالغ أقصى كمال العلم اقتضى أن تكون معجزته قرآنا يقرأ، وباق يتحدى الأجيال جيلا بعد جيل إلى يوم القيامة، وهو القادر على كل شيء، لأن المعجزات الحسية، إعجاز وقتي ينقضى بعد وقته، ولا يعجز إلا من رآه أو تواتر خبره من بعده، وإن القرآن المعجزة الكبرى الخالدة الباقية إلى يوم القيامة هي التي سحلت معجزات النبيين من قبله.
يقولون غير مصدقين معجزة النبي صلى الله عليه وسلم :﴿ إنما أنت مفتر ﴾، أي إنما أنت كذاب قد افتريت الرسالة وادعيتها من غير حجة ولا برهان، وقد رد الله تعالى قولهم بقوله سبحانه :﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾، ﴿ بل ﴾ للرد عليهم، والإضراب عن قولهم الناشئ عنه، وقال سبحانه :﴿ أكثرهم ﴾، للدلالة على الذين صدقوا وآمنوا بالمعجزة هم الأقل عددا، وإن كانوا الأكثرين إدراكا وعلما.
ذكرنا في كلامنا أن معنى الآية المعجزة الدالة على رسالة الرسول، وأن الله تعالى يرفع معجزات كانت قد جاءت مؤيدة رسالات الأنبياء السابقين قد بدلها الله تعالى، وأتى بمعجزة صالحة للبقاء تتناسب مع رسالة خاتم النبيين الذي تكون رسالته حجة على العالمين إلى يوم القيامة فتكون قائمة ثابتة تنادي بحجية ما يدعو إليه يوم القيامة.
ولكن أكثر المفسرين يفسرون الآية بالآية المتلوة حتى الزمخشري، ويقولون إن معنى الآية، وإذا بدل الله آية فنسخها ورفعها وجاء بآية أخرى لمصلحة في الأولى في حكمها في زمانها، والإتيان بآية أخرى لمصلحة حكمها في هذا الزمان الذي جاءت، وإن ذلك جرى على أقلام أولئك المفسرين لرواج فكرة النسخ تلاوة وحكما، وحكما لا تلاوة، وتلاوة لا حكما كما ادعى في الرجم، وإن ذلك أداهم إلى التساهل في دعوى الرجم، ولو كان الجمع بين الآيتين ممكنا لا تخالف بينهما.
وإن الذي ذكرناه أولا هو المقبول عندنا، فلا نسخ في هذا الموضع على الأقل في آية من القرآن للوجوه الآتية.
الوجه الأول – أن الكلام في موضوع القرآن ذاته وكونه مفترى أو قام الدليل على صدقه لظاهر قوله عنهم :﴿ قالوا إنما أنت مفتر ﴾ فحصروه في الافتراء فنفوا الرسالة كلها، ويناسب ذلك أن يكون التبديل في المعجزات السابقة، ووضع القرآن في موضعها.
الوجه الثاني – أنه تعالى قال بعد ذلك ردا على الافتراء وعلى الاعتراض بقوله :﴿ قل نزله روح القدس من ربك ﴾ فتبين أن موضوعها القرآن كله، لا نسخ آية، واستبدال آية أخرى بها.
الوجه الثالث – قوله تعالى بعد ذلك :﴿ ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ( ١٠٣ ) ﴾.
الوجه الرابع – أن هذه السورة مكية، والآيات المكية تتجه نحو التوحيد وإثبات الخالق، وأحكامها قليلة، والتجربة فيها قليلة.
لهذا كله سمحنا لأنفسنا بأن نخالف كثرة المفسرين، وإن كان لهم أجر فيما اجتهدوا، وهو أجر واحد.
وقد رد الله تعالى افتراءهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم :
﴿ قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ( ١٠٢ ) ﴾.
الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بالأمر من ربه والضمير في ﴿ نزله ﴾ للقرآن المذكور آنفا في قوله تعالى :﴿ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ( ٩٨ ) ﴾، و ﴿ نزله ﴾ مصدره التنزيل، وهو الإنزال المتدرج على حسب المناسبات، وليتمكن الذين يكتبون من كتابته، وهم أميون، لا يستطيعون الكتابة الطويلة، وليحفظوه فيسجل في الصدور بدل السطور فيصعب بل لا يمكن تحريفه، وقد تواتر جيلا بعد جيل، و﴿ روح القدس ﴾ وهو الروح الطاهر، وهو جبريل عليه السلام، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، كقلوهم حاتم الجود، وعلي البيان، ونحو ذلك، وهذا مبالغة من الله في وصفه بالطهر والصدق، وأنه رسول من الله صادق أمين وهو الذي نزل بالقرآن على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى :﴿ نزل به الروح الأمين ( ١٩٣ ) على قلبك لتكون من المنذرين ( ١٩٤ ) ﴾ [ الشعراء ]، وقد ذكر سبحانه أن غاية نزوله أن يزيد الذين آمنوا تثبيتا على الحق ؛ ولذلك قال تعالى :﴿ ليثبت الذين آمنوا ﴾ التثبيت زيادة ما يكون ثابتا قوة وثباتا، ﴿ الذين آمنوا ﴾ الذين يدركون الحق بمداركهم الفطرية، ويتجهون إليه اتجاها مستقيما، فيدركه بمواهبهم، والشرائع السماوية تثبت الحق في قلوبهم، ﴿ وهدى وبشرى ﴾، أي أنه ذاته هدى، وهذا تأكيد لمعنى أنه يهدي، فهو يهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم، وكأنه الهداية ذاتها ﴿ وبشرى للمسلمين ﴾، أي هو بشرى للذين يسلكون وجوههم لله تعالى، يخلصون للحق من غير مراء ولا جدال.
وهنا إشارات بيانية نشير إليها، فإنها تبين معاني التنزيل :
الإشارة الأولى – قوله تعالى :﴿ من ربك ﴾، أي من الخالق البارئ الذي ربك ورباك، وربى الوجود كله، وهو الحي القيوم.
الإشارة الثانية – في قوله تعالى :﴿ بالحق ﴾، أي متلبسا بالحق، فهو الحق، وما جاء به هو الحق من عند الله، وكان في ذاته لا يمكن أن تتمادى فيه العقول المستقيمة، فهو في ذاته حق، كما هو في ذاته هداية.
الإشارة الثالثة – الإشارة إلى أنه نازل من عند الله تعالى، ونزل به أمين طهور صادق.
ولقد راعهم ما اشتمل عليه من قصص صادق للنبيين، وعظات مرشدة هادية، وتوجيه إلى الكون، وما اشتمل عليه من مكارم الأخلاق ونهيه عن ملائم الضلال، وأمر بالوفاء بالعهد، وغير ذلك.
راعهم ذلك أن يذعنوا للحق إذ جاءهم ماروا فيه، فإن المبطل الممارى لا تزيده الحجة إلا عنتا وإمعانا في الضلال ؛ لذلك كذبوا وافتروا، وادعوا أمرا غير معقول، فزادوا بعدا عن الحق، وزادوا ضلالا، ولذا قال عنهم، إذ رأوا القرآن واسترعاهم ﴿ ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ﴾ تحداهم أن يأتوا بمثله فعجزوا، ولكن لم يقولوا إنه من عند الله، بل بالغوا في الكذب، وأوغلوا في الكفر، ولقد أكد الله تعالى قولهم هذا لأن غرابته تسوغ تكذيبه بادئ ذي بدء، ولذا أكد علمه سبحانه ب ( اللام ) وب ( قد )، وتأكيدا للمعلوم، والتأكيد حيث مظنة عدم التصديق و ﴿ بضر ﴾، أي لم يجئ من عند الله، فلم يعلمه الله تعالى إياه، ولكن الذي علمه بشر، وعينوا ذلك البشر إنه رجل رومي كان غلاما لبعض العرب، وقيل رجلان كان يصنعان السيوف بمكة، ويقرءان الإنجيل والتوراة، وقيل غيرهما من أسماء سماها بعض المفسرين.
وقد رد الله تعالى قولهم بقوله تعالى :﴿ لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ﴾، و ﴿ يلحدون ﴾، أي يشيرونه إليه مائلين بكلام مضطرب نحوه، والمعنى لسان هذا الرجل أعجمي فكيف يأخذا منه النبي صلى الله عليه وسلم علما ؟ ! وإذا كان يأخذ منه علما فكيف يمكن أن يكون هذا الكلام المبين، أي البين في ذاته، والذي أعجزكم ببينه حتى إنكم تقولونه فيه، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمقمر وإن أسفله لمغدق.
إن دليلكم يلتوى عليكم بمقدار نتائجه، فلا يجديكم شيئا أي شيء.
وقد بين سبحانه وتعالى بعد ذلك لجاجتهم في الباطل وسببه، فقال عز من قائل :
﴿ إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم ( ١٠٤ ) ﴾.
آيات الله تعالى أقسام :
القسم الأول – الآيات الكونية وهي الآيات الدالة على أنه وحده الخالق لكل شيء، وفي كل آية دلالة على الوحدانية فالسماء وبروجها، والقمر ونوره، والشمس وضياؤها، والليل والنهار، والنعم وما فيه خلق وتكوين، كل هذه آيات الله الكبرى الدالة على أنه فعال لما يريد مختار.
والقسم الثاني – المعجزات التي تقترن بدعوى النبوة ويتحدى بها النبي من يكذبونه أن يأتوا بمثلها كعصا موسى، وبياض يده من غير سوء في تسع آيات أجراها الله تعالى على يديه لقوم فرعون، فلم يؤمنوا إيمانا مستقرا، وإن كانوا في ضعفهم يقولون ادع لنا ربك، فيدعو الله تعالى فيرفع عنهم المقت، ويذهب عنهم السوء، ولكن ما إن يرفعه عنهم ويؤمنهم حتى يعودوا إلى كفرهم المقيت.
والقسم الثالث – الآيات القرآنية، والإيمان بها فرع الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، لأن الإيمان بها الإيمان بالقرآن، والإيمان بالآيات الذي نفاه القرآن عنهم، وترتب على نفيه نفي الإيمان والهداية هو الإيمان بالآيات الكونية، والإيمان بالمعجزة الكبرى معجزة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي المعجزة التي تحداهم أن يأتوا بمثلها لعجزوا.
وإنما كان عدم الإيمان بآيات الله مؤديا إلى ألا يهديهم ؛ لأن الهداية إنما تكون لمن يفكرون في آيات الله ونعمه، ومن لا يفكر لا يهتدى فلا يهديه، ولأن المعجزة الكبرى ضل من لا يؤمن بها، وهي واضحة بينة، وهي وحدها تدل على أن من يبلغها عن الله فلا يهديه الله إلى الحق ؛ لأنه ضل سواء السبيل، ولم يبق إلا أن يسير في طريق الضلال إلى نهايته، ويكون له العذاب الأليم يوم القيامة، والأليم : المؤلم.
ولقد قالوا للرسول محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ إنما أنت مفتر ﴾، وهو المعروف بينهم قبل البعثة بالصدق والأمانة، حتى إن اسم الأمين إذا أطلق لا ينصرف إلا إليه، وكان لا ينادى إلا به، حتى بعث رسولا، ولما سأل هرقل أبا سفيان عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم :"هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، قال : لا. قال هرقل : ما كان ليدع الكذب على الناس، ويكذب على الله"١.
١ جزء من حديث هرقل الطويل، وقد أخرجه البخاري: بدئ الوحي – بدء الوحي(٦)، والبخاري: الجهاد والسير- كتاب انبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل (٣٣٢٢)..
فلما قال المشركون عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه مفتر رد الله قولهم بقوله تعالت كلماته :
﴿ إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون ( ١٠٥ ) ﴾.
حيثما كان إنكار الحقائق الثابتة كانت مظنة الكذب، فمن لا يؤمن بالآيات الثابتة لا يؤمن بالله ولا يكون صادقا أبدا ؛ لأن الكذب مباهتة الواقع الثابت، ولا يسكن الكذب إلا حيث يكون إنكار بدهيات الأمور ؛ ولذلك كان الكذوب بهتانا يبهت الناس بغير الواقع، ويكابر وتشتد مكابرته للواقع الثابت بالفطرة.
ولهذا يقول تعالى :﴿ إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله ﴾، و ( إنما ) أداة من أدوات القصر، فهي تتضمن نفيا وإثباتا، أي لا يفترى الكذب إلا الذين لا يؤمنون بآيات الله تعالى في الكون ومعجزات النبيين الذين يثبتون بها إرسال الله تعالى لهم، وهي واضحة لائحة يراها المبصر ببصره، والمدرك بقلبه، فحيث كان الإنكار لما هو ثابت بالبرهان يكون الكذب ؛ لأن الكذب إخفاء للحقائق، وإنكار الآيات إنكار للحقائق فهما ينسابان من نبع واحد، ويسيران في خط واحد.
وقد أكد كذب المشركين الذين لا يؤمنون بآيات الله بقوله :﴿ وأولئك هم الكاذبون ﴾ بالإشارة إلى ما هم عليه من إنكار للبدهيات التي تومئ إليها الفطرة، والجملة تفيد القصر بأنه مقصور عليهم، ولا يمكن أن يكون الكذب في المؤمنين، فهذا نفي للافتراء عن النبي صلى الله عليه وسلم وتأكيد الكذب عليهم، وإفادتها قصر الكذب عليهم بتعريف الطرفين وبضمير الفصل، وكذبهم أكده سبحانه بالجملة الاسمية، وبضمير الفصل، وبوصفهم الكذب، ولقد قال صلى الله عليه وسلم :"إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند اله كذابا"١.
١ سبق تخريجه..
الإكراه لا يمنع الإيمان، والردة كفر بعد إيمان
﴿ من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب الله ولهم عذاب عظيم ( ١٠٦ ) ﴾.
﴿ من ﴾ في قوله تعالى :﴿ من كفر بالله من بعد إيمانه ﴾، ( من ) هنا شرطية أو اسم موصول بمعنى الذي، دخلت الفاء في الحكم، والاستثناء هنا استثناء منقطع ؛ لأن من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان لم يكفر، فلا يمنع في عموم المستثنى منه.
وجواب الشرط أو الحكم على الموصول هو قوله :﴿ فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ﴾.
وهنا تجد الاستثناء المنقطع المانع من يعد المكره كافرا، ما دام قلبه مطمئنا بالإيمان، وقد عطف عليه ما يدل على الكفر الحقيقي وهو ﴿ ولكن من شرح بالكفر صدرا ﴾، أي فتح قلبه للكفر، ﴿ صدرا ﴾، تمييز محول عن الفاعل، وكأن الكلام، ولكن من شرح صدره بالكفر، وكان في الموضوع حقيقتان لشخصين مختلفين ؛ أولهما اطمأن قلبه بالإيمان بأن استقر فيه وارتضاه واطمأنت نفسه، فقلبه ممتلئ بالإيمان، والآخر لم يعمر قلبه وضاق عنه، وشرح صدره وفتحه للكفر، فالأول يد مؤمنا، لم يغادر الإيمان قلبه، بل هو قار فيه، وثابت لا يتزلزل.
وإن المعركة بين الكفر والإيمان كانت قائمة بمجرد البعث المحمدي، فكان الإيمان بدلائله يغزو القلوب ويعمرها، وكان الشرك بإيذائه وفتنه وتحويل الناس عن إيمانهم بالله ورسله والملائكة، والجنة والنار، فحذر الله تعالى المؤمنين من أن يرتدوا بعد إيمان، وذلك ببيان عاقبة ردتهم وكفرهم بعد الإيمان.
ومن الناس من لم تكن لهم همة أهل الإيمان، ولا ثباتهم، ولا مروءتهم وقوة يقينهم فذلوا بعد أن استقاموا، وهانوا بعد أن اعتزوا بالله، وهؤلاء هم الذين ينطبق عليهم الحكم الصارم، وهو قوله تعالى :﴿ فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ﴾.
ومن الناس من استقاموا على الطريقة، وثبتوا وصبروا ولو أداهم ذلك إلى أن يموتوا في سبيل الله تعالى بعذاب أليم – كما قتل آل ياسر – الذين استمروا على الآلام حتى ماتوا من شدة العذاب، ومنهم من نطق بكلمة الكفر تحت شدة العذاب، وهؤلاء هم الذين أخرجوا من زمرة الكافرين لأنهم ؛ أكرهوا، وقلبهم مطمئن بالإيمان.
ومنهم من صبروا تحت الآلام فلم ينطقوا بكلمة الكفر، كبلال رضي الله تعالى عنه، فإنه كان يعذب بالوضع في الرمضاء في شدة الحر، ويضعون على صدره الصخرة العظيمة من شدة الحر، ليحملوه على الشرك وهو مصر على الإيمان مطمئن القلب معذب الجسم وهو في هذا العذاب المؤلم الممض لا ينى عن أن يقول : أحد أحد، ويصر عليها إغاظة لهم، ويقول رضي الله عنه لهم وهم يعذبونه : لو كنت أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها، واستمر على هذه المغالبة وتحمل الشدة حتى اشتراه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأعتقه فكان ذلك أغيظ لهم، وكذلك بن زيد الأنصاري عذبه مسيلمة الكذاب لكفره به، وإيمانه بمحمد، فلم يزل يقطعه إربا إربا، وهو ثابت لا يتزعزع.
وإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبلغه من نطق بكلمة الكفر، وهو مطمئن بالإيمان، فبلغه خبر عمار، فقال :"إن قلب عمار ملئ بالإيمان ولحمه ودمه".
وبلغه خبر من صبر حتى قتل، فأثنى عليهم، والحق أن النطق بالكفر مع اطمئنان القلب رخصة مع بقاء العزيمة قائمة، ومن لم ينطق فقد أخذ بالعزيمة، ولكل ثوابه، ولكن ثواب من صبر ثوابان : ثواب الصبر وثواب إغاضة الكفار.
وقد ذكر سبحانه عقاب من كفر بعد إيمان وقد شرح صدرا للكفر، فذكر له عقابين :
العقاب الأول – ﴿ فعليهم غضب من الله ﴾، أي أن الغضب ينزل عليهم نزول الصاعقة ؛ إذ أنهم شارفوا، فجذبهم الكفر، وولاهم الشيطان فنزل عليهم غضب الله، وذكر الغضب في هذا المقام، فيه إثارة أي بإرضائهم للمشركين بعودتهم إلى الكفر، قد أغضبوا الله ؟، وشتان بين إرضائهم للكافرين، وإغضابهم لرب العالمين، ولا يرجى، ولا أحق بالرضوان غيره.
العقاب الثاني : أن لهم عذابا عظيما فقال :﴿ ولهم عذاب عظيم ﴾ التنكير في عذاب ووصفه بأنه عظيم يفيد أنه عذاب عظيم جدير بأن يهدد به ويهول أمره، وقوله تعالى :( لهم ) فيه إشارة إلى أنهم لا يملكون بهذه الردة خيرا، بل يملكون عذابا عظيما أكبر وأعظم مما كان ينزل بهم من عذاب لو استمروا على الإيمان.
وقد ذكر سبحانه سبب ذلك العذاب فقال :
﴿ ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين ( ١٠٧ ) ﴾.
الإشارة إلى الغضب من الله تعالى الذي ينزل بهم، والعذاب العظيم يحل بهم بسبب أنهم ﴿ استحبوا الحياة الدنيا ﴾ استحبوا إنما طلبوا حبها، فاستغرقت نفوسهم، ولم يفكروا في غيرها، وآثروها على الآخرة، فابتغوها بأي ثمن يقدم، ورضوا بأن يحطوا على هوى المشركين، ولو أغضبوا رب العالمين، وذكر الله سبحانه وتعالى سببا ثانيا، غير استحباب الدنيا وإيثارها على الآخرة وذلك السبب أشار إليه سبحانه وتعالى بقوله :﴿ وأن الله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ وذلك لأنهم ساروا في طريق واستمروا في حياة اللهو والبعث وأغواهم الشيطان، حتى سد كل مسالك الهداية إلى قلبه، فكفر بأنعم الله، وأنكرها بعد معرفتها، ولم يشكر، والله لا يهدي القوم الكافرين، فقوله تعالى :﴿ وأن الله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ تومئ إلى كل هذا، سبحانه وتعالى، وتقدست كلماته، وأعجز بيانه.
ذكر الله تعالى ما سجله عليهم، وهو عقاب في ذاته، وسبب لعقاب، فقال تعالى :
﴿ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون ( ١٠٨ ) ﴾.
إن أولئك هداهم الله إلى الإيمان، ثم كفروا تمرد نفوسهم على الباطل وتلج فيه، فتفسد فيها مسالك الإدراك، ولذا قال تعالى فيهم :﴿ إن الذين آمنوا ثم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ( ١٣٧ ) ﴾ [ النساء ] ؛ ولذا وصفهم الله تعالى بقوله.
﴿ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون ( ١٠٨ ) ﴾.
الإشارة إلى هؤلاء الذين كفروا بعد إيمان، والإشارة إلى الموصوف بصفة إشارة إلى هذه الصفات، والإشارة إلى الصفات تفيد أن هذه الصفات هي علة الحكم، وإن الكفر بعد إيمان إذا تكررتجعل النفس تمرض بفساد الإدراك لأن الكفر بعد الإيمان من شأنه أن يضعف في القلب معنى الإيمان، فيضعف إدراك الحق، ويصبح الشخص حائرا لا يتحرك ضميره، ولا تستيقظ نفسه، ولا يستبصر بما تبصر، ولا يدرك حق الإدارك ما يسمع، فكأنه قد طبع على مداركه بطابع يمنع المدارك من أن يصل إليها شيء من الفهم والعلم فيبصر الكائنات ولا يعلم ما تدل عليه، ويستمع إلى القرآن، ولا يعلم ما يهدي إليه، ويحق قول الله تعالى :
﴿... لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل...( ١٧٩ ) ﴾ [ الأعراف ].
وإن هذه عقوبة طبيعية لما أركسوا فيه، فهي نتيجة لما تردوا فيه من كفر بعد إيمان، وهي سبيل لعقاب دائم، وعذاب واصب، وهذا يؤدى إلى أن يكونوا في غفلة دائمة عن كل ما يعلو بالإنسان، فهم قد فقدوا معنى الإنسانية العاقلة المدركة التي تتحمل التبعات، وتعرف التكليفات التي هي ضريبة الإنسانية ومعناها ؛ ولذا قال تعالى :﴿ وأولئك هم الغافلون ﴾ حكم الله تعالى عليهم بهذا النص، والإشارة إلى الموصوفين بالكفر بعد الإيمان، والصفة هي علة الحكم، وهو الحكم عليهم بالغفلة الدائمة التي تصير وصفا لهم منحصرا فيهم، وهم محصورون فيه، وقد أفاد القصر أي قصرهم في الغفلة، وقصر الغفلة عليهم، تعريف الطرفين، وتأكيد القول بضمير الفصل، مع تأكيد القصر.
وإنهم مع هذه الغفلة التي صارت وصمة لازمة قد خسروا كل شيء، ولذا قال تعالى :
﴿ لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ( ١٠٩ ) ﴾.
﴿ لا جرم ﴾ ذكرنا أصل معناها، وأن تنتهي إلى أن معناها حقا، وهي تأكيد لهم بأنهم في الآخرة هم الخاسرون، والعبادة تفيد قصرهم على الخسارة، فهم إذا كانوا قد خسروا في الدنيا مداركهم فطمس عليهم فخسارهم في الآخرة أشد وأعظم، وهم مقصورون في الخسارة، والخسارة مقصورة عليهم... اللهم قنا عذاب النار.
إن ربك للمؤمنين يوم الحساب
ذكر سبحانه وتعالى حال الذين كفروا بعد إيمانهم، وكيف نزل عليهم غضب وطبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم. بأنهم غفلوا واستغرقتهم الغفلة، وكانوا هم الخاسرين، وحدهم، بعد ذلك ذكر حال الذين آمنوا وفتنوا، وأوذوا وهاجروا في سبيل الله، فقال تعالى :﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ( ١١٠ ) ﴾.
﴿ ثم ﴾ هنا للعطف، والتباين بين فريقين شرح صدر الكفر آذى غيه، وفريق صبت على الإيمان، وصبر على الأذى، وهاجر.
و ﴿ إن ربك للذين هاجروا ﴾، فيها معنى الحماية الكاملة، والاعتماد على ركن لا خلل فيه فقط، كما يقول القائل للسارقين ما سرقوا، ولذى المال ما ملكوا، ولكل إنسان ما يملك من مال ونسب، وأما المؤمنون الصادقون في إيمانهم فلهم الجنة، فمعنى هذه الجملة السابقة أن قوتهم وحمايتهم من الله فقط ؛ ولذا قدم قوله تعالى :﴿ إن ربك ﴾ على الجار والمجرور، لبيان مكانة ناصرهم، وأنه فوق النصراء جميعا، فإذا كان الأقوياء قد آذوهم، وأعنتوهم، وحرموا الهناءة، إلا أن تكون قلوبهم عامرة بذكر الله وقوله :﴿ للذين ﴾ ب ( اللام ) للاختصاص، أي أنهم مختصون به دون غيرهم.
وقال تعالى :﴿ من بعد ما فتنوا ﴾ الفتن يكون للمعدن ليخرج ما خالطه من مواد مغايرة لجوهره، وفتن المؤلم تمحيصه، وأن تذهب كل ما عساه يعلق به من أدران الدنيا، والهجرة الواضحة هنا أنها هجرة الأولين إلى الحبشة، ويصح أن يراد الهجرة إلى الحبشة والمدينة وإذا كانت السورة مكية، فهي تنبئنا بالهجرة إلى المدينة التي كانت أول الجهاد ومن كان الجهاد، وقوله تعالى بعد ذلك :﴿ ثم جاهدوا وصبروا ﴾ إخبار أنه سيكون جهاد بحمل السيف، والغزوات المباركة، والسرايا التي كان يبعثها النبي صلى الله عليه وسلم للجهاد والدعوة وإن عطف وصبروا على الجهاد مع أن الجهاد عدته الصبر أولا، وإعداد الأدوات بالمحل الثاني، إن هذا العطف يفيد أن المؤمن يختبر بأمرين الصبر، وهو مختبر به دائما، وقد كان قوة المؤمنين وهم بمكة، وثاني الأمرين الجهاد في سبيل الله بحمل السيف مدافعا، محاربا، وهذا يحتاج الصبر، كما قال الله تعالى :﴿ يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ( ٢٠٠ ) ﴾ [ آل عمران ].
وبعد أن ذكر سبحانه وتعالى أنه للمؤمنين، في مقابل أن الذين كفروا بعد إيمانهم للشيطان ذكر سبحانه أخص صفات الذات العلية وهو أنه غفور رحيم، فقال :﴿ إن ربك من بعدها لغفور رحيم ﴾ الضمير في ﴿ بعدها ﴾ يعود إلى الهجرة، ذلك لأن الهجرة بعد صقل النفوس بالفتنة تتجه إلى الله، وقد سترت كل ذنوبها، فيكون الخلاص لله تعالى، ومن بعد ذلك يكون الغفران، وتكون الرحمة بالنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة.
وفي قوله تعالى :﴿ إن ربك من بعدها لغفور رحيم ﴾ يفيد أمورا أربعة :
الأمر الأول – تكرار الربوبية، وفي ذلك دلالة على أنه مع المؤمنين دائما ولا يتركهم، وهو ربهم والمتولي أمورهم.
الأمر الثاني – تأكيد هذه الصلة بالعبودية والربوبية بعد الهجرة، كما كانت قبلها.
الأمر الثالث – تأكيد المغفرة والرحمة، فقد أكد بالجملة الاسمية، وإن واللام.
الأمر الرابع – دوام الرحمة والمغفرة ؛ لذا كان بصيغة المبالغة الدالة على دوام رحمة الله بالمؤمنين، وذكر الغفران لما عساهم يكون منه من عبارات موهمة لمطاوعة المشركين
وقد خص الغفران والرحمة بيوم لا يجدى فيه غير غفران الله تعالى ورحمته، ولذا قال :
﴿ يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفي كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون ( ١١١ ) ﴾.
يوم منصوب على الظرفية، للوصفين السابقين، أي إن ربك غفور رحيم، في هذا اليوم الذي يحاسب كل إنسان على ما قدم في الدنيا من عمل، وكل إنسان عن نفسه ؛ ولذا قال تعالى :﴿ يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ﴾، أي تدافع كل نفس أو تبين كل نفس، والمجادلة : المحاجة، أي تحتاج كل نفس عن نفسها فيما نسب إليها فتحاج كل نفس بنفسها عن نفسها فلا يكون معها ولي ولا شفيع، ولا نصير، ولا فدية ولا عدل، بل تكون هي المسئولة عما فعلت وارتكبت، وأعمالها محصية ثابتة، كما جاء في قوله تعالى :﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ( ١٣ ) اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ( ١٤ ) ﴾ [ الإسراء ].
وقوله تعالى :﴿ تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ﴾، أي يحضر الأنفس، وتسأل عما قدمت، وتنطق عليهم أيديهم وألسنتهم، فالحساب تكون أدلته مهيأة ثابتة، ولا يكون إلا الحكم، والحكم لله الواحد القهار فلا نقص لحكمه.
﴿ وتوفى كل نفس ما عملت ﴾، والمراد جزاء ما عملت، ولكن لأن الجزاء عدل وفاق للعمل، ويساويه تمام المساواة عبر بالعمل بدل الجزاء، إذ هي شيء واحد، أو متساويان تساويا مطلقا، وأكد الله سبحانه المساواة والوفاق بين العمل وجزائه فقال، ﴿ وهم لا يظلمون ﴾، أي لا ينقص من معملهم شيء، فلا يظلم ؛ لأن الحاكم هو الله، وهو خير الفاصلين.
ولقد ضرب الله تعالى المثل للكفران بالنعمة ومآلها والأمثال تضرب للناس لعلهم يعقلون، فقال :
﴿ وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ( ١١٢ ) ﴾.
جعل حال قرية مثلا مصورا لمن يكون في رغد العيش والأمور والاستقرار، ثم يكفر بنعمة الله لينزل عليه البلاء فيحرم نعمة الاطمئنان، ويستبدل بها خوفا، أو يحرم رغد العيش، ويستبدل به جورا، وجعل المثل حال قرية – وهي المدينة الكبيرة لمكة – الدنيوي خسفا أو زلزالا، أو أمطار الحجارة فقط، بل قد يكون العقاب الدنيوي ضيقا في الرزق بعد السعة، وخوفا بعد أمن، وهذا مجمل معاني النص القرآني ؛ ﴿ وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ﴾ ﴿ وضرب ﴾، أي بين، ﴿ مثلا ﴾، أي حالا ثابتة، ﴿ قرية ﴾ وهي مفعول وأخرت عن ﴿ مثلا ﴾، وهي المفعول الأول ؛ وذلك لأن الأوصاف التي تجئ بعد ذلك كانت أوصافا في القرية، وهو مورد المثل وموضعه، ولأن ذكر المثل بها ثم ذكر مورده وموضعه يكون بعد ترقب واستشراف فيكون أمكن في النفس والفؤاد.
وهذه القرية وصفها الله تعالى بأنها كانت آمة كما كانت مكة، فقد كان في ها حرم آمن يتخطف الناس من حوله وكان يأتيها رزقها رغدا واسعا كثيرا إذ كان يجبى إليها من الثمرات استجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام، وإذ قال سبحانه :﴿ ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ( ٣٧ ) ﴾ [ إبراهيم ].
وقال تعالى في هذه القرية :﴿ فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ﴾، ( الفاء ) للترتيب والتعقيب، أي أنها بدل أن تشكر نعمة الله إذ منحها الأمن والعيش الرغد الهنئ، وهذا أقصى ما يطلب لمثل هذه القرية، بدل هذا كفرت، أي رتبت على النعمة الكفر بها، وهذا عكس ما يترقب، ويتوقع منها. فكان هذا فيه معنى التوبيخ أو التهكم بأمرها، والأنعم جمع نعمة، أو جمع نعمى، والمعنى النعم العالية التي بلغت أقصاها.
وقوله تعالى :﴿ فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ﴾، في الكلام استعارتان :
الاستعارة الأولى – أنه شبه الجوع والخوف باللباس السابغ الذي يغشى الداخل والخارج، وذلك بجامع اشتماله على الجسد والنفس، وكل الجوارح، فإن، اللباس يغشى الجسم كله، والخوف والجوع يغشيان الجسم كله، فالخوف يغشى الجسم بالاضطراب والهلع والجزع، والجوع يغشاه بالضعف والحاجة، وهي كالعرى، أو كالثوب الذي لا يستر.
والاستعارة الثانية – هي تشبيه الجوع والخوف بالشيء الذي يذاق جريا على ما يجري على الألسنة من قول فلان ذاق مرارة الجوع، وقد قال في ذلك إمام البلاغة الزمخشري :"أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة في البلايا والشدائد، وما يمس الناس منها، فيقولون : ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه العذاب شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المر".
هذه الخلاصة ما يقال في هذا المثل الرائع، وتلك الحكمة المباركة، وهو مثل يعطى صورة بيانية رائعة لمحكم القول.
وقد أسهب الزمخشري في بيان الاستعارة حتى قال الناصر أحمد بن المنير الذي يتعقبه بالنقد اللائم : قال أحمد :"وهذا الفصل من كلامه يستحق أن يكتبوه بذوب التبر، لا بالحبر".
وقد ذكر ابن كثير أن المثل ينطبق على أهل مكة، قد كانوا يعيشون آمنين في رغد، ولكنهم اضطهدوا المؤمنين وآذوهم واستعصوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل بهم البلاء، وحق فيهم قول الله تعالى :﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار ( ٢٨ ) ﴾ [ إبراهيم ]، ودعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :"اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف"١، وقد أصابهم الجوع الشديد.
دع عنك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سد عليهم تجارتهم حتى أحسوا بنعمة الله عليهم، وذلك كله بين الله بسببه بقوله تعالت كلماته :﴿ بما كانوا يصنعون ﴾، أي بسبب الذي كانوا يصنعونه من شرك وصد عن سبيل الله تعالى، ولعنتهم للمؤمنين، وحملهم على الردة بعد إيمان.
١ صحيح البخاري: الأذان – يهوى بالتكبير حين يسجد (٧٦٢)، ومسلم: الجهاد والسير – الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة (٢٧١٥)..
وإنهم مع هذه الحال أرسل إليهم رسولا من أنفسهم فكذبوه، وقد قال تعالى في ذلك :﴿ ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخدهم العذاب وهم ظالمون ( ١١٣ ) ﴾.
جاءهم رسول منهم عرفوا صدقه، وأمانته، إذا انشأ بينهم وليدا عفا لم يزن بريبة، ولم يسجد لصنم حتى بعث فيهم رسولا، هذا ما تتضمنه كلمة ﴿ منهم ﴾، فليس غريبا عنهم، وذلك كقوله تعالى :﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ( ١٢٨ ) ﴾ [ التوبة ].
ولقد أكد سبحانه بعثه صلى الله عليه وسلم فيهم ب ( اللام ) وب ( قد )، وقال :﴿ جاءهم ﴾، أي بعث ابتداء فيهم، وتنكير ﴿ رسول ﴾ للتعظيم، وإلى مكنته عند الله، وعندهم لأمانته وعفته ولصدقه، ولكنهم بدل أن يعالجوا بالإيمان عاجلوا بتكذيبه، ف ( الفاء ) للترتيب والتعقيب، أي أن النتيجة جاءت على نقيض المقدمات ؛ إذ أنه كان معروفا بالصدق والأمانة، فكان الواجب أن يبادروا بتصديقه، ولكنهم بادروا بتكذيبه، وعقب التكذيب أخذهم العذاب، إذ أخذوا في أسبابه، وهو التكذيب والصد عن سبيل الله وإيذاء المؤمنين.
والعذاب هو عذاب الدنيا بالتقتيل فيهم وهزيمتهم، وذهاب سيطرتهم، وقيام الحق رغم أنوفهم، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فبالعذاب الأليم، وإلقائهم في الجحيم.
ثم قال تعالى :﴿ وهم ظالمون ﴾، الواو للحال، أي والحال أنهم ظالمون، فالعذاب نزل بهم، وهم أحق به، فهو بما كسبوه من تكذيب الحق، وتجاوزوا حد التكذيب إلى الظلم إذ صدوا عن سبيل الله وفتنوا المؤمنين في إيمانهم وعذبوهم، وحاولوا أن يردوهم عن دينهم فارتدوا خاسئين.
الرزق الحلال الطيب
إذا كانت نعمة الله لأهل القرى في الأمن ورغد العيش، فهي نعم لإباحتها، لا لمنعهم منها ولذا كان النص بإباحتها لتتم سبحانه نعمته على عباده، وكان ابتداء القول بالفاء ؛ لأنه مترتب على النعمة، فقال سبحانه :﴿ فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ﴾ الأمر للإباحة لا للوجوب، إلا إذا كان الأمر يطلب الأكل بالكل لا بالجزء فالأكل بالجزء مباح أي له أن يأكل من نوع كذا أو كذا أو في وقت كذا، دون وقت كذا فهذا مباح فيه أن يختار ما يشاء، أما ترك الأكل بالكل بألا يأكل قط فحرام ؛ ولذا كان الأكل مباحا بالجزء أو النوع، ومطلوبا طلبا لأمر بالكل، كما أنه محرم أن يحرم صنفا معينا من الحلال على نفسه كالذين حرموا البحيرة والوصيلة والحام، وقد وصف سبحانه وتعالى الأكل الذي وصفه الله تعالى وأعطاه ومكن منه بوصفين :
الوصف الأول – أنه حلال، والثاني : أنه طيب، والحلال أن يكون كسبه لا خبث فيه، فالكسب بالربا أو الرشوة والميسر، أو التغرير، أو السرقة أو الاغتصاب، أو الخمر كل هذا ليس برزق حلال ؛ لأنه كسب خبيث، وكذلك أكل ما سمى عليه اسم غير الله من صنم أو صليب، أو معبود غير الله أيا كان.
وأما الوصف الثاني – فهو أن يكون في ذاته طيبا لا خبيثا في ذاته، فلا يؤكل الخنزير ولا الميتة، ولا الدم ولا ما تعافه النفوس، ومن ذلك سباع الطير، وسباع البهائم، فإن لحم هذه وما يشبهه لحم خبيث، فكل ما حرمه سبحانه من مأكول خبيث الذات يضر الجسم وتعافه النفس.
وإن هذه النعم التي هيأها الله تعالى وأباحها توجب الشكر ؛ ولذا جاء الأمر بالشكر بعد الإباحة، فقال تعالى :﴿ واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون ﴾ وشكرها بالقيام بالواجبات، من عبادة وامتناع عن الشرك، والتصدق منها لله تعالى، وإطعام بالواجبات، من عبادة وامتناع عن الشرك، والتصدق منها لله تعالى، وإطعام القانع والمعتر، وأن يكون كل ذلك لوجه الله تعالى لا يبتغي سواه، ولا يطالب إلا وجهه الكريم.
ولذا قال بعد ذلك :﴿ إن كنتم إياه تعبدون ﴾ تقديم الضمير يفيد التخصيص فالمعنى إن كنتم لا تبعدون إلا الله سبحانه وتعالى. وذكر الوحدانية بعدها فيه إشارة إلى أن تنال هذه النعم من غير تحريم لبعضها، هو من عبادة الله تعالى، ذلك أن الانتفاع بأي نعمة مع الشعور بعظمة المنعم واستحقاقه الشكر، والتناول طاعة لأمره، واستجابة لطلبه هذا في عباده، ففي الانتفاع بكل نعمة منحها للاستجابة للمنعم عبادة، حتى في بضع أحدكم صدقة.
وبين الله تعالى المحرمات من الخبائث فقال :
﴿ إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ( ١١٥ ) ﴾.
﴿ إنما ﴾ أداة قصر أي أن المحرم عليكم من النعم ومحوها الميتة والدم ولحم الخنزير، إذا أهل لغير الله به، أصناف أربعة هي : الميتة وهي التي كانت قد حبس دما فيها، ويدخل فيها الموقوذة والنطيحة، فإنها كالتي ماتت حنف أنفها، إذ لم تذك التذكية الشرعية، وحبس الدم فيها ولم يرق، والدم، وهو الدم المسفوح، وقد ذكر هنا مطلقا، وذكر مقيدا في آية الأنعام في قوله تعالى :﴿ قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به...( ١٤٥ ) ﴾ [ الأنعام ].
ولحم الخنزير إذ إنه نجس بذاته، وما أهل به لغير الله وهو المذبوح لغير الله.
ومن المقررات أنه إذا اتحد المسبب والحكم، وجاء اللفظ في أحد الموضعين مطلقا، وفي الآخر مقيدا حمل المطلق على المقيد.
وهذه الآية الأخيرة تفيد أن تحريم هذه الأشياء لأنه رجس، وفيها ضرر جسمي إذ هي قاذورات خبيثة، وما أهل لغير الله كان تحريمه لأنه فسوق وخرج عن التوحيد ؛ لأنه ذكر غير اسم الله تعالى عليه.
وهذا التحريم في حال الاختيار، أما في حال الاضطراب فإنه يرخص فيه الأكل، ولذا قال تعالى :﴿ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ﴾، أي فإنه يرخص الأكل، وإن الله تعالى يغفر الإثم لأن الله يرفعه بمغفرته وبرحمته وقد اشترط للإباحة شرطان، أو ذكر الترخيص مقرونا بوصفين :
الوصف الأول : أن يكون ﴿ غير باغ ﴾ طالب له يشتهيه، وهذا الوصف تحقيق للضرورة، لأنه إذا كان يبتغيه وهو في فسحة من العمل لا يكون مضطرا، ولأنه إذا كان يبتغيه يتجاوز حد الضرورة.
والوصف الثاني :﴿ ولا عاد ﴾، أي متجاوز حد الضرورة.
وقد قالوا إن هذه رخصة إسقاط ؛ لأنه قد سقط عنه التحريم بهذه الضرورة، وقالوا إن الأكل في هذه الحال واجب، وليس بمباح فقط ؛ لأنه يتردد بين أمرين أحدهما أقوى تحريما من الآخر :
الأمر الأول – الأكل.
والأمر الثاني – تلف النفس ولا شك أن تلف النفس أقوى تحريما من الأكل.
وقال أهل الطب إن تحريم هذه الأشياء لما فيها من رجس وقذر، وذلك يضر الجسم، فإذا كان الجسم في حال جوع شديد ومخصمة كان هذا الجوع مخففا لأضرارها، وكان الأخذ منها لا ضرر فيه لحال الجوع الشديد، فيأخذ من غير تعد ولا شهوة أكل، ولا تجاوز لحد الضرورة، فإن تجاوزها كان الضرر، وتحقق الرجس والقذر.
وقد كان المشركون يحرمون على أنفسهم بعض المحللات من الأنعام فنهى الله عن ذلك وقال :
﴿ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ( ١١٦ ) متاع قليل ولهم عذاب أليم ( ١١٧ ) ﴾.
كان المشركون يحرمون على أنفسهم بعض ما تخرجه الأرض وبعض النعم، وينسبون ذلك كذبا إلى الله، ولنرجع إلى ما في سورة الأنعام إذ يقول الله سبحانه :﴿ وجعلوا لله ما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون ( ١٣٦ ) ﴾ [ الأنعام ]، ﴿ وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه وسيجزيهم بما كانوا يفترون ( ١٣٨ ) وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم ( ١٣٩ ) ﴾ [ الأنعام ].
قد بين سبحانه ما أحله ما حرمه، ولكمنهم كانوا يحرمون ما أحل الله، وينسبون التحريم إليه سبحان وقد كذبهم الله تعالى في هذه الآية الكريمة :﴿ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ﴾ نذكر أوجه التخريج النحوي في الآية الكريمة وننتهي إلى وجهين نذكرهما :
الوجه الأول – أن ﴿ الكذب ﴾ مفعول لقوله تعالى :﴿ ولا تقولوا ﴾، أي لا تقولوا الكذب للذي تصفه ألسنتكم، وقوله تعالى :﴿ هذا حلال وهذا حرام ﴾ و ﴿ هذا ﴾ بدل من ﴿ الكذب ﴾، ويكون المعنى ولا تقولوا الكذب للذي تصفه ألسنتكم بالحل والحرمة، وهذا حكم عليهم بالكذب في ادعائهم الحلال والحرام من غير حجة ولا علم.
الوجه الثاني – أن يكون الكذب مفعولا للمصدر، ويكون المعنى ولا تقولوا لوصفكم الكذب هذا حلال وهذا حرام.
ومؤدى التوجيهين أنه لا يصح أن تقولوا هذا حلال وهذا حرام، فإن ذلك الوصف هو الكذب بعينه ما دام لم يجئ من الله بيان فيه، ولأنه قد ثبت ما أحل وما حرم، فما عدا ما قاله الله باطل باطل، ولذا قال تعالى :﴿ لتفتروا على الله الكذب ﴾، ( اللام ) هنا هي لام الصيرورة أو لام العاقبة، والمعنى لا تفعلوا ذلك ؛ لأن العاقبة أن تفتروا على الله الكذب. ( افترى ) أي قصد باهتا الكذب وتعمده وأزاد، وقد ختم الله تعالى الآية بقوله تعالى :﴿ إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ﴾ أكد سبحانه بأنه لا يفلح الذين يقصدون الكذب على الله تعالى ويتعمدون ويبهتون الناس بالكذب عليه سبحانه، وذلك لأنهم يكونون قد مردوا على الكذب، وفسدت مداركهم إذ ماعت نفوسهم فصارت لا تتجه إلى الحقائق ولا تستقر فيها الحقائق، ولا يؤمنون بحق، ولا يرفضون الباطل، إذ من تصل حاله إلى الكذب على الله لا يمكن أن يفوز في أمر من الأمور ؛ ولذا قال :﴿ لا يفلحون ﴾، أي ليس من شأنهم أن يفوزوا.
وقد ذكر الموصول للدلالة على أن الصلة هي السبب في عدم الفوز، وأكد سبحانه عدم الفوز بالجملة الاسمية وإن المؤكدة، وإذا كنا نراهم قد مردوا على الكذب وصار شأنا من شئونهم فلا مانع يمنع من الكذب على الله سبحانه وتعالى، أي كذب أعظم من أن يحرموا ويدعوا أن الله هو الذي حرم عليهم.
وقد بين سبحانه في تأكيد عدم فوزهم أنهم يحسبون بريق الحياة ومتاعها هو المتاع، وبين الله تعالى أن متاعها قليل ؛ لأنه في ذاته قليل وزمانه ومتاع الآخرة هو الأبقى ومن طلب متاع الدنيا بغير الحق فالآخرة تكون له عذابا أليما ؛ ولذا قال تعالت كلماته :﴿ متاع قليل ولهم عذاب أليم ( ١١٧ ) ﴾.
التنكير في ﴿ متاع ﴾ يدل على قلته في ذاته وقلته في زمانه وهو بجوار الكذب الذي يكذبونه لا يعد متاعا ؛ لأن المتاع ما يقوم على متاع النفس، والنفس الكذوب تكون في اضطراب مستمر ولا تملك نفسها كما لا تنضبط في ذاتها، ودأبها على الكذب يؤدى إلى ضلال الفكر فيها حتى يصيبها خوف الكذب وفساده.
﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ بعد هذا المتاع الضئيل وهو عذاب دائم ليس له وقت محدود بحدود الله، وما من قارئ يقرأ هذه الهداية إلا امتنع عن الهجوم بقوله حلال وحرام إلا إذا كان النص على التحريم من قرآن أو أحاديث النبوة، ولقد كان إبراهيم النخعي، وهو من أئمة فقه الرأي كان إذا وصل برأيه إلى حكم يفيد التحريم لا يقول : حرام، ولكن يقوله أكره، وإذا وصل بقياسه إلى حكم يفيد الحل قل ليس من بأس، أو استحسن هذا متحرجا أن يقول حراما أو حلالا لكي لا يكون ممن دخلوا في حكم هذه الآية.
وقال ابن العربي :"كره مالك وقوم أن يقول المفتى : هذا حلال، وهذا حرام في المسائل الاجتهادية، فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا"،
وقد رأينا في هذا الزمان من يقول في أمور هي حرام بالنص إنها حلال، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
بين الله ما أحل وما حرم، ثم حرم الله تعالى على اليهود بعض أمور، وكان التحريم خاصا بهم دون غيرهم فطما لنفوسهم الشهوانية الظالمة، وقد أشار سبحانه إلى هذه المحرمات في قوله تعالى :
﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ( ١١٨ ) ﴾.
وقوله تعالى :﴿ ما قصصنا عليك من قبل ﴾، أي ما أخبرناك بتحريمه من قبل، وهذا يدل على أنه هذه الآية في سورة النحل متأخرة عن التحريم على اليهود في سورة الأنعام، وذلك النص في سورة الأنعام :
﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون ( ١٤٦ ) ﴾ [ الأنعام ].
وفي هذه الآية التي سبقت في سورة الأنعام ذكر سبحانه أن ذلك كان فطما لأهوائهم وشهواتهم وبغيهم، فكان التحريم تأديبا لهذه النفوس أو تقوية لإرادتهم ومنعا لأهوائهم وشهواتهم ؛ ولذا قال في الآية الكريمة التي نتولى ذكر معانيها الحكيمة ﴿ وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾، أي وما ظلمنا بذلك المنع الجزئي، بل هم الذين بغوا، وأكثروا فيها الفساد، وأدى ذلك إلى ظلمهم ؛ ولذا قال تعالى :﴿ ولكم كان أنفسهم يظلمون ﴾، الاستدراك هنا لتأكيد نفي الظلم، وإثبات الظلم عليهم هم، وتقديم ﴿ أنفسهم ﴾ على ﴿ يظلمون ﴾ للدلالة على الاختصاص، أي لا يظلمون أحدا غير أنفسهم.
التوبة بعد العصيان ومكانة إبراهيم
إن الله تعالى يغفر الذنوب جميعا لمن تاب وآمن وعمل صالحا ؛ ذلك أن بتوبته في وقتها عبادة، وقد قال تعالى :﴿ ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ﴾.
﴿ إن ربك ﴾ الذي خلق الناس أجمعين ورباهم وهذبهم ﴿ للذين عملوا ﴾، أي هو لهم يمنعهم من الاسترسال في الشرور والفساد، كما تقول : السلطان لفلان هو ينصره، ويحميه من أعدائه ولا يسلمه لهم، وقد ذكر أنه سبحانه لهؤلاء الذين عملوا السوء، بشرطين :
الشرط الأول – أن يكون بجهالة.
والشرط الثاني – أن يتوبوا ويعملوا الصالح بأن يصلحوا في ذات أنفسهم، بأن يزول من نفوسهم، كل أدران السوء، وترحض عن قلوبهم كل ما عملوا من آثام مبطنة، وأن يذهب ما اربدت به نفوسهم، وتطهر.
والسوء كل ما هو في ذاته ليس بطيب، ويسوء النفس وغيره، والجهالة هي عدم تدبير الأمر، وعدم تعرف عواقبه بأن يندفع تحت تأثير شهوة جامحة، أو هوى متبع، فإذا تدبر تاب من قريب، وهذا قوله تعالى :﴿ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما ( ١٧ ) وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما ( ١٨ ) ﴾ [ النساء ].
وقال تعالى في الشرط الثاني :﴿ ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ﴾، أي قاموا بحق التوبة النصوح، وهي تقتضي أمورا ثلاثة :
الأمر الأول – الندم على ما حصل من سوء، وذلك علم بالحق بعد الجهالة، وثوب إلى الله تعالى بعد الابتعاد.
والأمر الثاني – العزم على ألا يعود إلى ذنب أبدا، ذلك لأجل غسل ما اعترى القلب من أدران، وتنظيفه من السيئات وآثرها.
والأمر الثالث – أن يكون ذلك من قريب ؛ لأن القدم يثبت الشر في النفس، ويجعل إزالة درنه ليس يسيرا.
ثم بعد هذه التوبة شروطها لا بد من العمل الصالح ؛ لأنه لا يزيل عمل السوء إلا العمل الصالح فيحل الخير محل الشر، وإنه عند تحقق هذه الأمور، وتوجها العمل الصالح كان الغفران وكانت الرحمة، ولذا قال :﴿ إن ربك من بعدها لغفور رحيم ﴾ وهنا عدة أمور بيانية :
الأمر الأول – التعبير ب ﴿ ثم ﴾ في أول الآية لما بين الذين يصرون على الذنوب ويعاندون الحق، ويسرفون على أنفسهم، وبين الذين يتوبون من قريب عن فعل فعلوه بجهالة، فكان ل ﴿ ثم ﴾ موضعها في هذا، وكذلك الأمر في ﴿ ثم ﴾ الثانية، ﴿ ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ﴾ في التعبير ب ﴿ ثم ﴾ يفيد التراخي بين التوبة والغفران ؛ لأنه ليس كل توبة توجب الغفران، بل لا بد من زمن تعتاد النفس فيه فعل الخير حتى يكون الخير منها حالا من أحوالها.
الأمر الثاني – في قوله تعالى :﴿ ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ﴾ ( اللام ) تفيد اختصاص الله بهم وأنه قريب منهم.
وإن في ذلك تشجيعا للتوبة لمن يقعون في معصية، كما قال تعالى :﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا... ( ٥٣ ) ﴾ [ الزمر ] وقال تعالى :﴿ غافر الذنب وقابل التوب...( ٣ ) ﴾ [ غافر ].
الأمر الثالث – في قوله تعالى :﴿ إن ربك من بعدها لغفور رحيم ﴾ ذكر البعدية في هذه الحال فيه معنى الفورية، وأن الله يحب توبة عبده ليغفر له، فإن الله يحب التوبة ويحب المغفرة.
وقد ذكر الله بعد ذلك أبا الأنبياء إبراهيم لأنه أبو العرب وعزهم، ويعيشون ببركة دعائه، ولأنه تواب أواه حليم، فقال سبحانه :
﴿ إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين ( ١٢٠ ) ﴾.
﴿ أمة ﴾ إما أن تكون بمعنى إما، أي أنه عليه السلام كان إمام الموحدين المقتدى بهم أو مذهبا متبعا، كقوله تعالى :﴿... إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ( ٢٣ ) ﴾ [ الزخرف ].
وفسره الزمخشري بأنه أمة كأنه جماعة جمعت الفضائل كلها، وقد قال في ذلك :﴿ إن إبراهيم كان أمة ﴾ لكماله واستجماعه فضائل لا تكاد توجد إلا متفرقة في أشخاص كثيرة، كقوله :
ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد
وهو رئيس الموحدين وقدوة المحققين الذي جادل في المشركين، وأبطل مذاهبهم الزائفة الناس ليأخذوا منه الخير، أو بمعنى مؤتم كأمة كالرحلة والنخبة وما أشبه ذلك مما جاء من فعلة بمعنى مفعول، فيكون مثل قوله تعالى :﴿... إني جاعلك للناس إماما....( ١٣٤ ) ﴾ [ البقرة ] ويروى الشعبي عن نوفل الأشجعي عن ابن مسعود انه قال : إن معاذا كان أمة قانتا لله، فقلت : غلطت إنما هو إبراهيم، فقال : الأمة الذي يعلم الخير، والقانت المطيع لله ورسوله وكان معاذ كذلك. وعن عمر رضي الله عنه أنه قال حين قيل له استخلف : لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته، ولو كان معاذ حيا لاستخلفته، ولو كان سالم حيا لاستخلفته، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :"أبو عبيدة أمين هذه الأمة، ومعاذ أمة قانتا لله ليس بينه وبين الله يوم القيامة إلا المرسلون وسالم شديد الحب لله لو كان لا يخاف الله لم يعصه"، وهو ذلك المعنى أي كان إماما في الدين ؛ لأن الأئمة معلمو الخير.
ونقول : إن الوجهين اللذين ذكرهما الزمخشري يصح أن يراد معا، فهو في ذاته أمة لأنه جامع لكل صفات الكمال البشري، مستجمع لكل أسباب الرفعة عند الله، وهو مع ذلك إمام يؤتم ويقصد إذ هو إمام الموحدين والله أعلم ؛ ولذلك عقب ذكره بتزييف مذاهب المشركين من الشرك والطعن والنبوة، وتحريم ما أحله الله، ولأنه كان وحده أمة موحدا، وكان سائر الناس مشركا.
هذا هو الوصف الأول لإبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم، والوصف الثاني : أنه قانت لله أي خاضع مطيع مسلم وجهه لله تعالى، والوصف الثالث : أنه كان ﴿ حنيفا ﴾، أي طاهرا نقيا في نفسه وقلبه مائلا للحق أي متجها بكل نفسه إلى الحق لا ينحرف إلى الباطل، الوصف الرابع : وهو وصف سلبي ناف عنه الشرك ؛ ولذا قال :﴿ ولم يك من المشركين ﴾، الصف الخامس إيجابي، فقال :﴿ شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم ( ١٢١ ) ﴾.
﴿ شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم ( ١٢١ ) ﴾.
كان الذين يدعون الانتساب إليه في ملته ويقولون إنهم على دين إبراهيم وحنيفيته، يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ويكفرون بها، أما إبراهيم عليه السلام فقد ذكر سبحانه أنه كان في حاله التي تحيط به، وتستغرق كل أفعاله ﴿ شاكرا لأنعمه ﴾ وأنعم جمع نعمة جمع قلة، وإذا كانت حال شكر دائم لأنعمه القليلة فهو بالأولى شاكر لأنعمه السابغة الكثيرة، وفي هذا دعوة إلى أن يكونوا كأبيهم في ملته وهديه وحنيفيته السمحة.
وإنه بهذه الصفات العليا من جمعه للفضائل الإنسانية التي كان بها أمة وحده، ومن أنه كان قانتا حنيفا، وشاكرا لأنعمه اصطفاه الله تعالى خليلا، كما قال تعالى :﴿... واتخذ الله إبراهيم خليلا ( ١٢٥ ) ﴾ [ النساء ] ؛ ولذا قال تعالى :﴿ اجتباه ﴾، أي اصطفاه الله تعالى كما لقال سبحانه :﴿ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله...( ١٥٣ ) ﴾ [ الأنعام ].
وإنه من ثمرة هذه الخصال الكريمة، وأنه هو الذي وفي، وأتى بكل الطاعات أتاه الله تعالى خير الدنيا والآخرة.
فقال تعالى :﴿ وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين ( ١٢٢ ) ﴾.
الحسنة هي النعمة التي تحسن فيها أمور الدنيا من حياة فاضلة هي الخير كله، وقد أعطى الله تعالى إبراهيم تلك الحياة الحسنة الطيبة فرزقه الولد، بعد حرمان طويل، ولم يهبه إلا على الكبر، كما قال :﴿ الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق...( ٣٩ ) ﴾ [ إسحاق ]، وشكر النعمة، واختبر بالفداء بذبح ولده فقبل راضيا، ثم فداه رب العالمين بذبح عظيم ووفقه في بناء الكعبة وأمده بعمر طويل كله في الخير وعمل الصالحات، و "خير الناس من طال عمره وحسن عمله"١، وجعله أبا الأنبياء وشعر بذلك في حياته فقد كانوا من أولاده، وقد نالوا منزلة النبوة فكان إسماعيل من ذريته النبي الهاشمي الأمي، ومن ذرية إسحاق كان أنبياء بني إسرائيل، وجعل الله له كما طلب ﴿... لسان صدق في الآخرين ( ٨٤ ) ﴾ [ الشعراء ]، فكان كل أهل الديانات يتولونه، ويعتزون بالنسب إليه وأنه مع النعم التي أنعمها سبحانه وتعالى عليه كان شاكرا لأنعمه.
ولذلك حسنت حياته فقال تعالى :﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ ذكر ذلك الكريم الحنان المنان على أنه خبر لا إيتاء وكأنه نتيجة لما كان منه في الدنيا ولم يذكر أنه عطاء من الله تعالى، وإن الله له المن والفضل، ولم يذكر ذلك ليبين سبحانه تعالى أنه الله تعالى يعطى الناس على قدر شكرهم :﴿... لئن شكرتم لأزيدنكم...( ٧ ) ﴾ [ إبراهيم ]، وأن خير الآخرة ثمرة عمل الدنيا وكله بفضل الله وعطائه ﴿... وعله فليتوكل المتوكلون ( ٦٧ ) ﴾ [ يوسف ].
وقد أكد أنه في الآخرة من الصالحين بالجملة الاسمية، وإن المؤكدة ولام التوكيد، وأنه في صف الصالحين، والصالحون في الآخرة هم المقربون الذين يفوزون بنعيم الجنة وينظر إليهم ويرضى عنهم ورضوان من الله أكبر.
١ أخرجه الترمذي: الزهد – ما جاء في طول العمر للمؤمن (٢٢٥٢)، وقال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح، وأحمد: أول مسند البصريين (١٩٥١٩)، والدارمي: الرقاق: (٢٦٢٥)..
وإن ما دعا إليه إبراهيم عليه السلام هو ما يدعو إليه محمد صلى الله عليه وسلم، ولذا قال تعالى :﴿ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ( ١٢٣ ) ﴾.
إن المشركين كانوا يفاخرون الناس بأنهم من ذرية إبراهيم، فالنبي يقرهم على هذا الشرف النسبي، والله تعالى يدعوهم إلى اتباع النبي صلى الله عليه وسلم لأن الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم الأمي هو ملة إبراهيم ودينه، والقرآن وحي الله تعالى هو الذي يدعو إلى اتباع ملة إبراهيم، فأنتم إذ تشركون، وإذ تعاندون النبي صلى الله عليه وسلم تعاندون إبراهيم وتكفرون بشرف انتسابكم إليه عليه السلام، وتمسككم بإقامة نسكه، واعتزازكم ببيت الله الحرام الذي بناه، وجعله الله مثابة للناس وأمنا، وقوله تعالى :﴿ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ﴾ فيه ثلاثة أمور بيانية تجب الإشارة إليها :
الأمر الأول – في قوله تعالى :﴿ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ﴾ فيه أن ما يدعوكم إليه من عدم الشرك هو وحي من الله باتباع إبراهيم الذي يعتزون به، فذلك الوحي هو مما تفخرون وتعتزون فلا تنافروا الداعي ولا تعادوه، وهو على ملة إبراهيم فسيروا في مفاخركم باتباعها، وهو مائل عن الشرك غير منحرف إليه.
الأمر الثاني – التعبير ب ﴿ ثم ﴾ فإن مؤداها أن إيحاء الله لنبيه صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم هو سمو بإبراهيم أعلى من كل ما سبق ؛ لأن المؤدى في كلمة ﴿ ثم ﴾ التي تفيد التراخي أنه سما الأمر بإبراهيم أنه علا حتى صار محمد سيد الخلق تابعا له في ملته، فالتراخي هنا معنوي بالعلو بين مرتبة خاتم النبيين ومرتبة سيدنا إبراهيم، وإنه جده، ولكن محمد فخر نبي عدنان وفخر الإنسانية كلها، أشار إلى ذلك الزمخشري وقال في التعليق عليه الناصر أحمد :
و ( إنما ) تفيد ذلك لأن ﴿ ثم ﴾ في أصل وصفها التراخي المعطوف عليه في الزمان، ثم استعملت في تراخيه عنه في علو المرتبة يكون المعطوف أعلى مرتبة وأشمخ محلا مما عطف عليه، فكأنه بعد أنه عدد مناقب الخليل عليه السلام قال تعالى وها هنا ما هو أعلى من ذلك كله قدرا وأرفع مرتبة، وأبعد رفعة، وهو أن النبي الأمي صلى الله عليه وسلم الذي هو سيد البشر متبع ملة إبراهيم مأمور باتباعه بالوحي متلو بذلك في القرآن الكريم العظيم، ففي ذلك تعظيم لهما لكن نصيب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا التعظيم أوفر وأكبر.
الأمر الثالث – أن قوله تعالى :﴿ أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم ﴾ ( أن ) هنا بيانية، أي تبين معنى الوحي، فقوله تعالى اتبع ملة إبراهيم تفسير لأوحينا، فهي أمر باتباع ملة إبراهيم.
وقد ختم الله تعالى النص بقوله تعالى :﴿ وما كان من المشركين ﴾ وهذا تحريض للمشركين على منع الشرك ؛ لأن إبراهيم لم يكن مشركا من وقت نشأنه غلاما صبيا إلى أن توفى بعد عمر مبارك طويل مديد عليه السلام.
الإشارة على اليهود والدعوة بالحكمة
بين الله تعالى حال المشركين من كفرهم، وعنادهم وكفرهم بالنعمة يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها، أشار سبحانه إلى الذين يماثلونهم في الكفر وإنكار النعمة، وهم يكفرون، وهم اليهود فهم والمشركون أشد الناس بغضا للذين آمنوا، وقد أشار سبحانه إليهم بيوم السبت ؛ لأنهم الذين اختصوا بتحريمه وإفراده للعبادة وتحريم الصيد فيه، وفي ذكر المشركين إشارة إلى هذه المماثلة وإلى بيان ما يستقبله النبي صلى الله عليه وسلم وأن له أياما منهم كأيام المشركين معه فلتصطبر لهم كما صبر من قبلك من الرسل حتى اليوم. يقول تعالى :
﴿ إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ﴾.
أي صير السبت مانعا لهم من مزاولة شئون الحياة للذين اختلفوا فيه، أي لليهود الذين اختلفوا فيه، والاختلاف أمارة أن فيهم من لم يذعنوا للحق ويؤمنوا، فإنه حيث كان الاختلاف كان الذين يلوون ألسنتهم بالقول من غير إذعان للحق والإيمان، فإن الإيمان يجعل النفوس تقر وتطمئن ولا تنازع ولا تلاحي.
منعوا من الصيد في يوم السبت، وابتلاهم الله بكثرة السمك فيه، فيوم يسبتون يأتيهم الصيد، ويوم لا يسبتون لا يأتيهم، كما قال تعالى :﴿ واسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون ( ١٦٣ ) ﴾ [ الأعراف ] فمن صبر على البلاء وهم قليلون، كما قال الله تعالى فيهم :﴿... منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ( ٦٦ ) ﴾ [ المائدة ] وكثيرون تمردوا واختلفوا في تمردهم فمنهم من أهمل الحيلة وفتح قنوات يأوى إليها السمك في يوم سبتهم ليأخذوها يوم لا يسبتون، ومنهم من تمرد كليا، ولم يطع من غير محاولة التحايل.
هذا اختلافهم في يوم السبت بين صابر لابتلاء الله، ومتمرد عليه، ومتحايل كأنما يخذع الله، وهو معقول في ذاته ومتفق مع طبائع اليهود المادية الذين يأخذون الأحكام بظاهر من القول والعمل، ويكفرون بالحق في لبابه وصميمه.
وقد قيل إن اختلافهم كان عندما أمرهم موسى بأن يكون يوم الانفراد للعبادة والامتناع عن الصيد يوم الجمعة فأبوا إلا أن يكون يوم السبت، يروى في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدت والنصارى بعد غد"١، وإنما نميل إلى الله، ولا نخالف السنة.
ثم ختم الله سبحانه وتعالى الكريمة بقوله :﴿ وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ وإن لله رب الأنبياء ورب محمد، ورب الوجود ﴿ ليحكم ﴾، ( اللام ) في خبر إن، و ﴿ ليحكم ﴾، أي يفصل وهو خير الفاصلين، وذكر ﴿ ربك ﴾ في هذا المقام لدلالة على عالم محيط، فحكمه هو الفيصل لعلمه وقدرته وإحاطته بكل شيء علما، وموضوع الحكم قال سبحانه وتعالى فيه :﴿ فيما كانوا فيه يختلفون ﴾، أي ما كانوا يختلفون فيه بشكل عام، فقد اختلفوا اختلافا كثيرا، فاختلفوا في عبادة العجل، واختلفوا بين ( فروشيم )، أي مفسرين وصدوقيين، ومفوضين، واختلفوا على موسى ومن جاء بعده من الأنبياء ولا يزالون مختلفين، وهم بعيدون عن رحمة الله تعالى.
١ رواه البخاري : الجمعة – فرض الجمعة (٨٢٧)، ومسلم: الجمعة – هداية هذه الأمة ليوم الجمعة (١٤١٢)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
بعد أن ذكر حال اليهود، وأشار إلى عنادهم، وفصل القول في حال المشركين وإيذائهم أمر الله رسوله أن يستمر في دعوته لا يألوا، فهو مكلف التبليغ مهما تكن مناوأة المناوئين، فقال تعالت قدرته :
﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ( ١٢٥ ) ﴾.
صدع النبي صلى الله عليه وسلم بأمر ربه بعد أن أنذر عشيرته وعمت دعوته ربوع البطحاء، وتجاوبت أصداؤها في أرض الجزيرة العربية، وصار الناس يتعرفون أمر هذه الدعوة، وتجردت قريش مناوئة بكل مما أوتيت من قوة آذت الضعفاء وفتنتهم عن دينهم وهاجر إلى الحبشة من هاجر فرارا بدينه وحماية ليقينه، فهل يضعف ذلك من ندائه بقوة الحق، والإيمان، وهل يخرجه ذلك عن حد الحكمة، بل إنه يستمر هاديا مرشدا ؛ ولذا جاء أمر الله بأن يستمر في دعوته بالحكمة والموعظة ولا يخرجه ما يفعلون إلى غير ذلك، فقال تعالى :﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ﴾ ادع مبلغا رسالة ربك ومتبعا سبله وهدايته إلى سبيل ربك، وسبيل الله هو الصراط المستقيم وهو التوحيد وشريعته التي لا عوج فيها ولا أمت بل وهو سبيل الحق على الدليل الهادي والبرهان القاطع، والموعظة هي بيان العبر، وضرب الأمثال بما وقع للماضين، وهي المثلات التي وقعت للناس، والموعظة تشمل هذا وتشمل بيان منافعهم في إجابة دعوة الله، والمضار التي تنزل بهم إن أعرضوا وضلوا عن سواء السبيل.
وبيان الفرق بين الحكمة والموعظة أن الحكمة ذكر الأدلة على التوحيد التي لا يفهما إلى الراشدون الذين يدركون الدليل ومقدماته، والموعظة ذكر عواقب الضلال من الحوادث الماضية التي وقعت بالضالين المضلين، والقرآن الكريم قد اشتمل على والموعظة، ففيه بيان آيات الله في الكون من خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم المسخرات بأمره وإنزال الماء وإنبات النبات وفلق الحب والنوى ؛ فهذا كله من الحكمة، وفيه قصص الأمم السابقة وما نزل بالعصاة من خسف وزلزل وريح صرصر عاتية، وهذا من الموعظة الحسنة ؛ ولذا قال بعض المفسرين ﴿ بالحكمة والموعظة الحسنة ﴾ القرآن لأنه يشتمل عليها، ووصفت الموعظة بالحسنة لسهولة قبولها، أو يتخير الرسول أسهلها على النفس، وأحسنها توصيلا للحق الله الهادي إلى سبيل الرشاد.
أمره سبحانه أن يدعوهم بالحكمة والموعظة وأن يجادلهم بالتي هي أحسن فقال تعالى :﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾، أي بالطريقة التي هي أحسن في التوصيل إلى الإقناع، فإن لم يكن إقناع فتقريب، فإن لم يكن تقريب لا يكن تنفير، فهو يبين لهم الحق من غير مخاشنة وإن خاشنوه، وفي غير غضب وإن غاضبوه، فالنبي لا يغضب ولكن يهدي فلا يفجؤهم بما لا يحبون، بل يأتيهم بالحق مما يحبون مادام لم يكن باطلا، ولا يكون جافيا في قول أو خلق، ولا يكون غليظا بادي الغلظة، بل يكون ودودا بادي المودة، من غير أن يكون مداهنا في حق، فإن المشركين يودون أن يكون مداهنا في الحق كما قال تعالى :﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ( ٩ ) ﴾ [ القلم ].
﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾.
أمر الله نبيه بأن يبذل غاية الجهد في الدعوة من غير مغاضبة بل بالمودة والملاينة والرفق في القول والعمل، والمجادلة من غير مشاحنة ولا مخاصمة، بحيث يكونون في جانب، وهو في جانب، ولا يظن أنه بذلك يتأكد إيمانهم فإن منهم من يضل، ومنهم المهتدي، وعليه التبليغ، وليس عليه الهداية ؛ ولذا قال :﴿... فإنما عليك البلاغ...( ٤٠ ) ﴾ [ الرعد ]، وقال في هذه الآية :﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾ هذا النص السامي كأنه جواب عن استفهام مقدر في القول : أبعد الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل بالتي هي أحسن يكون الإيمان لا محالة ؟، فأجاب سبحانه : فيهم من كتب عليه الضلال وفيهم المهتدي.
﴿ إن ربك ﴾ الذي يعلم كل شيء لأنه رب الإنسان والوجود ﴿ أعلم بمن ضل عن سبيله ﴾، أي بمن سلك سبيل الضلالة وأوغل فضل ﴿ وهو أعلم بالمهتدين ﴾.
وتقول : إن أفعل التفضيل ليس على بابه ؛ لا مفاضلة بين عليم الله وعلم أحد، وإنما الذي يقصد من أفعل التفضيل أن علمه بلغ أقصى درجات العلم فلا علم فوق علمه سبحانه.
ويلاحظ أنه يعبر عن الضالين بالفعل، ﴿ ضل ﴾، وعن الذين هداهم الله تعالى ﴿ بالمهتدين ﴾ ؛ للإشارة إلى أن الضلال مخالف للفطرة حادث عارض لها، ولذا عبر بالفعل الماضي، وأما الهداية فهي الفطرة، ولذا عبر عنها بالوصف الذي يدل على الدوام، فقال :﴿ وهو اعلم بالمهتدين ﴾.
وإذا لم تكن مغاضبة، بل يكون عقاب إن اعتدوا فقال تعالى :
﴿ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ( ١٢٦ ) ﴾.
هذه السورة سور النحل مكية كلها، وقيل إن ثلاث الآيات الأخيرة منها، وهي هذه الآية، واللتان تليانها مدنيتان، وهي بالمدنيات أشبه ؛ لأن المسلمين لم يملكوا القدرة على العقاب إلا بعد الهجرة، وبعد أن أذن لهم بالقتال في قوله تعالى :﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ( ٣٩ ) الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدت صوامع وبيع وصلوات وساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ( ٤٠ ) ﴾ [ الحج ].
فبعد الهجرة والإذن بالقتال يكون للعقاب موضع ؛ إذ كانت لهم القدرة، ويكون معنى الآية على هذا، وإن عوقبتم أي آذنوكم على إيمانكم، وهاجموكم في دياركم وأموالكم، أو أردتم أن تأخذوا منهم حقكم على إيذاء آذوه فعاقبوهم بمثل ما آذوكم، وتسمية فعلكم عقابا هو من قبيل المشاكلة اللفظية، فما كان منهم لم يكن عقابا بل كان إيذاء اعتدوا به عليكم كما سمى رد الاعتداء من قبيل المشاكلة اللفظية في قوله تعالى :﴿... فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدوا عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين ( ١٩٤ ) ﴾ [ البقرة ] فما كان دفع الاعتداء اعتداء إنما كان دفع الاعتداء انتصافا.
وما موضع الصبر في هذه الحال، وقد أقسم الله تعالى بأنه ﴿ خير للصابرين ﴾، ونقول : إن موضعه في أنه لا يجهز على جريح، ولا يقتل النساء ولا الذرية، ولا تنتهك الفضيلة، وفي ألا يبادروهم بالقتال، ولا ينتهكوا الحرمات ولا يمثلوا بالقتلى كما يمثلون، روى أنه في غزوة أحد قتل سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، وقد ذكر الرواة في السيرة أن المشركين مثلوا بالمسلمين يوم أحد..
بقروا بطونهم، وقطعوا مذاكيرهم، ما تركوا أحدا إلا مثلوا به حتى حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد مثلوا به، فرآه مبقور البطن، فقال :"أما والذي أحلف به لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك"، ولكن أمر بالنهي عن المثلة.
وموضع الصبر أيضا في أنه إذا تمكن منهم المسلمون يعرضون عليهم الإسلام، كما يعرضونه قبل القتال، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عندما أرسل معاذ بن جبل وعلى بن أبي طالب إلى اليمن كل بمفرده :"لا تقاتلهم حتى تعرض عليهم الإسلام، فإن أسلموا فخذ من أغنيائهم صدقة وردها على فقرائهم، فإن لم يسلموا فلا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم، فإن قاتلوكم فلا تقاتلوهم حتى يقتلوا منكم رجلا فإن قتلوا منكم رجلا، فقولوا لهم : أما كان خيرا من هذا أن تقولوا لا إله إلا الله".
ونرى أن الصبر كان له موضع ليس في الجهاد بل في تحمل أذى المشركين عسى أن يهتدوا، هذا إذا كانت الآيات الثلاث مدنية، أما إذا كانت مكية فكيف يكون مبادلة العقاب بعقاب مثله، والمسلمون لم يكن لهم قوة بل كانوا يفرون بدينهم مهاجرين أحيانا ومتحملين أبلغ الأذى أحيانا ومنهم من يكره وقلبه مطمئن بالإيمان، والجواب عن ذلك أن المسلمين لم يكونوا جميعا مستضعفين، بل كان فيهم أقوياء وإن كانوا نادرين، كعمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب فإنه عندما أسلم عمر ذهب إلى البيت، ونكل بكل من كان فيه حتى إنه كان فيه رجل من المشركين كان قد آذى أبا بكر الصديق فجاء إليه عمر وصرعه، وجلس عليه وأراد أن يفقأ عينيه فاستغاث بالمشركين فما استطاعوا إلى عمر سبيلا وهو بارك عليه يبرك الفحل، وكان قوي الجسم مديد القامة عملاقا.
ويقول علي بن أبي طالب في هجرة عمر : كان المسلمون يهاجرون خفية إلا عمر فإنه عندما هاجر لبس لأمته وشد عنزته ونادى : شاهت هذه الوجوه، وأرغم الله هذه المغاطس، من أراد منكم أن تثكله أمه، ويتيم ولده وترمل امرأته فليلقني وراء هذا الوادي.
وما أظن أنهم كانوا يستطيعون أن ينالوا من حمزة وأمثاله، وإلا ذاقوا بدل الكأس أكؤسا، ولكن الصبر كان خيرا للصابرين، ولكن ما سبب ذلك ؟ السبب أمران :
الأمر الأول – أن هؤلاء الأقوياء كانوا قلة نادرة قد ادخرهم الله للشديدة، ولو استرسلوا لتكاثفوا عليهم وأبلوا في إيذائهم، ولشغلت مكة بهم عن الاستماع لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم.
الأمر الثاني – أن وقت المغالبة بالقوة لم يحن بل كانت المغالبة بالمصابرة ليثير الصبر على الأذى قلوب ذوى المروءات كما كان يحدث أحيانا، والنبي صلى الله عليه وسلم كان أقوى في شخصه وهيبته من كل هؤلاء، ولكنه لم يفرض هيبته ليدخل الناس في الإسلام مختارين غير هيابين.
وقد حبب الله تعالى إليه الصبر فقال :﴿ ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ﴾ فأكده سبحانه أولا بالقسم، واللام الدالة عليه، وب ( اللام ) القسم الواقعة في جوابه، وبالضمير ( هو )، وبالإظهار في موضع الإضمار للدلالة على أنه الصبر خير في ذاته لمن يصبرون.
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم في عامة أموره وفي دعوته، وفيما يلقاه من المشركين فقال تعالى :﴿ واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون ( ١٢٧ ) ﴾.
أمره الله تعالى بثلاثة أمور :
الأمر الأول – الصبر، والصبر في الناس ضبط النفس وفي النبي صلى الله عليه وسلم تحمل الأذى بصدر رحيب، وقلب مطمئن ورضا بالتكليف ﴿ وما صبرك إلا بالله ﴾، أي إلا بتوفيقه وعونه وهو نعم العون ونعم النصير.
الأمر الثاني – ألا يحزن على ما يصيب المؤمنين وكفر الكافرين ﴿... فلا تذهب نفسك عليهم حسرات...( ٨ ) ﴾ [ فاطر ].
الأمر الثالث – ألا يضيق صدره بمكرهم فالرسالة توجب تحمل كل ما يجئ في سبيل الدعوة، وضبق صدره بما يمكرون بأن يظن أن لمكرهم، أثر أي أثر في دعوته، فالله غالب على أمره.
وختم الله تعالى السورة بقوله تعالت كلماته بأنه مع المؤمنين دائما.
﴿ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ( ١٢٨ ) ﴾.
إن الله مع الذين امتلأت قلوبهم تقوى، وجعلوا بينهم وبين غضب الله وقاية ﴿ والذين هم محسنون ﴾، وأكد إحسانهم بالضمير وبالجملة الاسمية، وهو معهم بالصحة السامية وبالتأييد وبالنصر وبالعزة لهم في الدنيا والآخرة، والله ولي المؤمنين.
Icon