تفسير سورة سورة الحجر
أبو الحسن علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي
لباب التأويل في معاني التنزيل
أبو الحسن علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي (ت 741 هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة
الأولى
وستمائة وأربع وخمسون كلمة.
وألفان وسبعمائة وستون حرفا.
مكية بإجماعهم وهي تسع وتسعون آية وستمائة، وأربع وخمسون كلمة وألفان وسبعمائة وستون حرفا.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
[سورة الحجر (١٥): الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)قوله سبحانه وتعالى: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ تلك إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات والمراد بالكتاب وبالقرآن المبين: الكتاب الذي وعد به الله محمدا صلّى الله عليه وسلّم، وتنكير القرآن للتفخيم، والتعظيم والمعنى تلك آيات الكتاب الكامل في كونه كتابا، وفي كونه قرآنا وأي قرآن كأنه قيل: الكتاب الجامع للكمال والغرابة في البيان وقيل: أراد بالكتاب التوراة والإنجيل، لأن عطف القرآن على الكتاب والمعطوف غير المعطوف عليه وهذا القول ليس بالقوي، لأنه لم يجر للتوراة والإنجيل ذكر حتى يشار إليهما. وقيل: المراد بالكتاب القرآن وإنما جمعهما بوصفين، وإن كان الموصوف واحدا لما في ذلك من الفائدة وهي التفخيم والتعظيم، والمبين الذي يبين الحلال من الحرام، والحق من الباطل رُبَما قرئ بالتخفيف والتشديد وهما لغتان ورب للتقليل وكم للتكثير، وإنما زيدت ما مع رب ليليها الفعل تقول رب رجل جاءني وربما جاءني زيد وإن شئت جعلت ما بمنزلة شيء كأنك قلت رب شيء فتكون المعنى رب شيء يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وقيل: ما في ربما بمعنى حين أي رب حين يود يعني يتمنى الذين كفروا لأن التمني هو: تشهي حصول ما يوده، واختلف المفسرون في الوقت الذي يتمنى الذين كفروا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ على قولين أحدهما: أن ذلك يكون عند معاينة العذاب وقت الموت فحينئذ يعلم الكافر أنه كان على الضلال، فيتمنى لو كان مسلما، وذلك حين لا ينفعه ذلك التمني. قال الضحاك: هو عند حالة المعاينة والقول الثاني: إن هذا التمني يكون في الآخرة، وذلك حين يعاينون أهوال يوم القيامة وشدائده وما يصيرون عليه من العذاب، فحينئذ يتمنى الذين كفروا لو كانوا مسلمين.
وقال الزجاج: أن الكافر كلما رأى حالا من أحوال العذاب ورأى حالا من أحوال المسلم ولو كان مسلما وقيل إذا رأى الكافر أن الله تعالى يرحم المسلمين، ويشفع بعضهم في بعض حين يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين والقول المشهور أن ذلك التمني حين يخرج الله المؤمنين من النار عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلّى الله عليه وسلّم «قال إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة قال الكفار لمن في النار من أهل القبلة: ألستم مسلمين؟ قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم وأنتم معنا في النار. قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها فيغفرها الله لهم بفضل رحمته فيأمر الله بكل من كان من أهل القبلة في النار، فيخرجون منها فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين» ذكره البغوي بغير سند، وكذا ذكره ابن الجوزي وقال: وإليه ذهب ابن عباس في رواية عنه عن أنس بن مالك ومجاهد وعطاء وأبو العالية وإبراهيم يعني النخعي.
[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤ الى ١٧]
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥) وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ (٨)إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣)
وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥) وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧)
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ يعني من أهل قرية وأراد إهلاك الاستئصال إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ أي أجل مضروب، ووقت معين لا يتقدم العذاب عليه، ولا يتأخر عنه ولا يأتيهم إلا في الوقت الذي حدد لهم في اللوح المحفوظ ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها من زائدة، في قوله: من أمة كقولك ما جاءني من أحد. وقيل: هي على أصلها لأنها تفيد التبعيض إلى هذا الحكم فيكون ذلك في إفادة عموم النفي آكد، ومعنى الآية أن الأجل المضروب لهم وهو وقت الموت، أو نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر وهو قوله سبحانه وتعالى: وَما يَسْتَأْخِرُونَ وإنما أدخل الهاء في أجلها لإرادة الأمة، وإخراجها من قوله وما يستأخرون لإرادة الرجال. قوله عز وجل وَقالُوا يعني مشركي مكة يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ يعني القرآن وأرادوا به محمدا صلّى الله عليه وسلّم إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ إنما نسبوه إلى الجنون لأنه صلّى الله عليه وسلّم، كان يظهر عند نزول الوحي عليه ما يشبه الغشي، فظنوا أن ذلك جنون فلهذا السبب نسبوه إلى الجنون، وقيل: إن الرجل إذا سمع كلاما مستغربا من غيره فربما نسبه إلى الجنون، ولما كانوا يستبعدون كونه رسولا من عند الله، وأتى بهذا القرآن العظيم أنكروه ونسبوه إلى الجنون، وإنما قالوا: يا
جماعة من الملاحدة واليهود متوفرة على إبطاله وإفساده فلم يقدروا على ذلك بحمد الله تعالى قوله سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ لما تجرأ كفار مكة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وخاطبوه بالسفاهة وهو قولهم: إنك لمجنون وأساؤوا الأدب عليه أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه محمدا صلّى الله عليه وسلّم أن عادة الكفار في قديم الزمان مع أنبيائهم، كذلك فلك يا محمد أسوة في الصبر على أذى قومك بجميع الأنبياء ففيه تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم، وفي الآية محذوف تقديره ولقد أرسلنا رسلا من قبلك يا محمد، فحذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه، وقوله تعالى في شيع الأولين: الشيعة هم القوم المجتمعة المتفقة كلمتهم وقال الفراء: الشيعة هم الأتباع وشيعة الرجل أتباعه. وقيل: الشيعة من يتقوى بهم الإنسان. وقوله في شيع الأولين من باب إضافة الصفة إلى الموصوف وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ السلوك النفاذ في الطريق، والدخول فيه والسلك إدخال الشيء في الشيء كإدخال الخيط في المخيط، ومعنى الآية كما سلكنا الكفر والتكذيب والاستهزاء في قلوب شيع الأولين، كذلك نسلكه أي ندخله في قلوب المجرمين يعني مشركي مكة، وفيه رد على القدرية والمعتزلة وهي أبين آية في ثبوت القدر لمن أذعن للحق، ولم يعاند قال الواحدي قال أصحابنا: أضاف الله سبحانه وتعالى إلى نفسه إدخال الكفر في قلوب الكفار، وحسن ذلك منه فمن آمن بالقرآن فليستحسنه، وقال الإمام فخر الدين الرازي: احتجّ أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يخلق الباطل، والضلال في
أحدهما أنهم الملائكة وهو قول ابن عباس والضحاك، والمعنى: لو كشف عن أبصار هؤلاء الكفار فرأوا بابا من السماء مفتوحا والملائكة تصعد فيه لما آمنوا. والقول الثاني: أنهم المشركون وهو قول الحسن وقتادة والمعنى:
فظل المشركون يصعدون في ذلك الباب فينظرون في ملكوت السموات، وما فيها من الملائكة لما آمنوا لعنادهم وكفرهم، ولقالوا إنا سحرنا وهو قوله تعالى: لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا قال ابن عباس: سدت أبصارنا مأخوذ من سكر النهر إذا حبس، ومنع من الجري وقيل: هو من سكر الشراب والمعنى أن أبصارهم حارت، ووقع بها من فساد النظر مثل ما يقع للرجل السكران من تغيير العقل، وفساد النظر وقيل سكرت يعني غشيت أبصارنا وسكنت عن النظر، وأصله من السكور يقال سكرت عينه إذا تحيرت، وسكنت عن النظر بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ يعني سحرنا محمد، وعمل فينا سحره. وحاصل الآية أن الكفار لما طلبوا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أن ينزل عليهم الملائكة فيروهم عيانا، ويشهدوا بصدقه أخبر الله سبحانه وتعالى أنه لو حصل لهم هذا وشاهدوه عيانا لما أمنوا ولقالوا سحرنا لما سبق لهم في الأزل من الشقاوة. قوله سبحانه وتعالى وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً يعني البروج التي تنزلها الشمس في مسيرها واحدها برج، وهي بروج الفلك الاثنا عشر برجا وهي:
الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت. وهذه البروج مقسومة على ثمانية وعشرين منزلا لكل برج منزلان وثلث منزل، وقد تقدم ذكر منازل القمر في تفسير سورة يونس، وهذه البروج مقسومة على ثلاثمائة وستين درجة لكل برج منها ثلاثون درجة تقطعها الشمس في كل سنة مرة، وبها تتم دورة الفلك ويقطعها القمر في ثمانية وعشرين يوما، قال ابن عباس في هذه الآية يريد بروج الشمس والقمر، يعني منازلهما وقال ابن عطية: هي قصور في السماء عليها الحرس. وقال الحسن ومجاهد وقتادة: هي النجوم العظام. قال أبو إسحاق يريدون نجوم هذه البروج، وهي نجوم على ما صورت به. وسميت وأصل هذا كله من الظهور وَزَيَّنَّاها يعني السماء بالشمس والقمر والنجوم لِلنَّاظِرِينَ يعني المعتبرين المستدلين بها على وحيد خالقها، وصانعها وهو الله الذي أوجد كل شيء وخلقه وصوره وَحَفِظْناها يعني السماء مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ أي مرجوم فعيل بمعنى مفعول، وقيل: ملعون مطرود من رحمة الله. قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون عن السموات وكانوا يدخلونها، ويأتون بأخبارها إلى الكهنة فيلقونها إليهم، فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سموات فلما ولد محمد صلّى الله عليه وسلّم، منعوا من السموات أجمع فما منهم من أحد يريد أن يسترق السمع إلا رمي بشهاب فلما منعوا من تلك المقاعد ذكروا ذلك لإبليس فقال: لقد حدث في الأرض حدث فبعثهم ينظرون فوجدوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتلو القرآن فقالوا: هذا والله حدث.
[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٨ الى ٢٢]
إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢)إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ هذا استثناء منقطع، معناه لكن من استرق السمع فَأَتْبَعَهُ أي لحقه شِهابٌ مُبِينٌ والشهاب شعلة من نار ساطع سمي الكوكب شهابا لأجل ما فيه من البريق شبه بشهاب النار، قال ابن عباس في قوله إلا من استرق السمع: يريد الخطفة اليسيرة، وذلك أن الشياطين يركب بعضهم بعضا إلى السماء يسترقون السمع من الملائكة فيرمون بالكواكب، فلا تخطئ أبدا فمنهم من تقتله، ومنهم من تحرق وجهه أو جنبه أو يده، أو حيث يشاء الله ومنهم من تخبله فيصير غولا يضل الناس في البوادي (خ) عن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا: الذي قال الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض، ووصف سفيان بكفه فحذفها، وبدد أصابعه فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب، قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة، فيقال له: أليس قال لنا كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء».
اختلف العلماء هل كانت الشياطين ترمى بالنجوم قبل مبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أم لا على قولين: أحدهما أنها لم تكن ترمى بالنجوم، قبل مبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإنما ظهر ذلك في بدء أمره فكان ذلك أساسا لنبوته صلّى الله عليه وسلّم ويدل على صحة هذا القول ما روي عن ابن عباس قال: انطلق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين، وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب. أخرجاه في الصحيحين. فظاهر هذا الحديث يدل على أن هذا الرمي بالشهب لم يكن قبل مبعثه صلّى الله عليه وسلّم فلما بعث حدث هذا الرمي. ويعضده ما روي أن يعقوب بن المغيرة بن الأخنس بن شريق قال: أول من فزع للرمي بالنجوم هذا الحي من ثقيف، وأنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له: عمرو بن أمية أحد بني علاج وكان أهدى العرب فقالوا له: ألم تر ما حدث في السماء من القذف بالنجوم؟ فقال: بلى. ولكن انظروا فإن كانت معالم النجوم التي يهتدى بها في البر والبحر ويعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء، لما يصلح الناس من معايشهم هي التي يرمى بها فهو والله طي الدنيا وهلاك الخلق الذين فيها وإن كانت نجوما غيرها وهي ثابتة على حالها فهذا الأمر أراده الله من الخلق قال الزجاج: ويدل على أنها كانت بعد مولد النبي صلّى الله عليه وسلّم أن شعراء العرب الذين ذكروا البرق، والأشياء المسرعة لم يوجد في شعرهم ذكر الكواكب المنقضة فما حدثت بعد مولده صلّى الله عليه وسلّم، استعملت الشعراء ذكرها قال ذو الرمة:
| كأنه كوكب في أثر عفرية | مسوم في سواد الليل منقضب |
قلت للزهري أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم. قلت: أفرأيت قوله وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فقال: غلظت وشدد أمرها حين بعث محمد صلّى الله عليه وسلّم ويدل على صحة هذا القول ما روي عن ابن عباس قال أخبرني رجل من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم من الأنصار أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذ رمى بنجم واستنار فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا، قالوا كنا نقول ولد الليلة رجل عظيم أو مات رجل عظيم فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: فإنها لا يرمى بها لموت أحد، ولا لحياته ولكن ربنا تبارك اسمه إذا قضى أمرا سبح حملة العرش ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح إلى أهل هذه السماء، ثم قال: الذين
| فالعير يرهقها الغبار وجحشها | ينقض خلفهما انقضاض الكوكب |
| فانقض كالدر يتبعه | نقع يثور تخاله طنبا |
فقيل أراد مفاتيح الخزائن وقيل: أراد بالخزائن المطر لأنه سبب الأرزاق والمعايش لبني آدم والدواب والوحش والطير ومعنى عندنا أنه في حكمه وتصرفه وأمره وتدبيره قوله تعالى: وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ يعني بقدر الكفاية. وقيل: إن لكل أرض حدا ومقدار من المطر. يقال: لا تنزل من السماء قطرة مطر إلا ومعها ملك
فقال هذا ليس بمغن لأنه كان يجب أن يصح اللاقح بمعنى ذات لقح حتى يوافق قول المفسرين، وأجاب الرازي عنه بأن قال: هذا ليس بشيء. لأن اللاقح هو المنسوب إلى اللقحة، ومن أفاد غير اللقحة فله نسبة إلى اللقحة وقال صاحب المفردات لواقح أي ذات لقاح وقيل إن الريح في نفسها لاقح لأنها حاملة للسحاب والدليل عليه قوله تعالى حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثقالا، أي حملت فعلى هذا تكون الريح لاقحة بمعنى حاملة تحمل السحاب. وقال الزجاج: ويجوز أن يقال للريح لقحت إذا أتت بالخير كما قيل لها عقيم إذا لم تأت بخير، وورد في بعض الأخبار أن الملقح الرياح الجنوب، وفي بعض الآثار ما هبت رياح الجنوب إلا واتبعت عينا غدقة (ق) عن عائشة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان إذا عصفت الريح قال: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها وشر ما أرسلت به» وروى البغوي بسنده إلى الشافعي إلى ابن عباس قال:
ما هبت ريح قط إلا جثا النبي صلّى الله عليه وسلّم على ركبتيه، وقال: «اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» قال ابن عباس في كتاب الله عز وجل إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ وقال: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ وقال يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وقوله سبحانه وتعالى فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً يعني المطر فَأَسْقَيْناكُمُوهُ يعني جعلنا لكم المطر سقيا يقال أسقى فلان فلانا إذا جعل له سقيا، وسقاه إذا أعطاه ما يشرب، وتقول العرب: سقيت الرجل ماء، ولبنا إذا كان لسقيه فإذا جعلوا له ماء لشرب أرضه أو ماشيته يقال: أسقيناه وَما أَنْتُمْ لَهُ يعني للمطر بِخازِنِينَ يعني: إن المطر في خزائننا لا في خزائنكم. وقيل: وما أنتم له بمانعين.
[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٣ الى ٣٠]
وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (٢٧)وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)
وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ يعني بيدنا إحياء الخلق وإماتتهم لا يقدر على ذلك أحد إلا الله سبحانه
قوله عز وجل وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ عن ابن عباس قال: كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أحسن الناس فكان بعض الناس يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها. ويتأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطيه فأنزل الله عز وجل ولقد علمنا المستقدمين منكم، ولقد علمنا المستأخرين أخرجه النسائي وأخرجه الترمذي وقال فيه وقد روي عن ابن الجوزي نحوه. ولم يذكر فيه عن ابن عباس وهذا أشبه أن يكون أصح قال البغوي وذلك أن النساء كن يخرجن إلى الجماعة فيقفن خلف الرجال فربما كان من الرجال من في قلبه ريبة فيتأخر إلى آخر صف الرجال، ومن النساء من في قلبها ريبة فتتقدم إلى أول صف النساء لتقرب من الرجال فنزلت هذه الآية فعند ذلك قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها. وشرها أولها» أخرجه مسلم عن أبي هريرة. وقال ابن عباس:
أراد بالمستقدمين من خلق الله وبالمستأخرين من لم يخلق الله تعالى بعد. وقال مجاهد: المستقدمون القرون الأولى والمستأخرون أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم. وقال الحسن: المستقدمون يعني في الطاعة والخير والمستأخرون يعني فيهما. وقال الأوزاعي: أراد بالمستقدمين المصلين في أول الوقت وبالمستأخرين المؤخرين لها إلى آخره. وقال مقاتل: أراد بالمستقدمين وبالمستأخرين في صف القتال. وقال ابن عيينة: أراد من يسلم أولا ومن يسلم آخرا.
وقال ابن عباس في رواية أخرى عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم حرض على الصف الأول فازدحموا عليه، وقال قوم كانت بيوتهم قاصة عن المسجد: لنبيعن دورنا ونشتري دورا قريبة من المسجد حتى ندرك الصف المقدم. فنزلت هذه الآية، ومعناها إنما تجزون على النيات فاطمأنوا وسكنوا فيكون معنى الآية على القول الأول المستقدم للتقوى والمستأخر للنظر، وعلى القول الأخير المستقدم لطلب الفضيلة والمستأخر للعذر، ومعنى الآية أن علمه سبحانه وتعالى محيط بجميع خلقه مقدمهم ومتأخرهم طائعهم وعاصيهم، لا يخفى عليه شيء من أحوال خلقه وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ يعني على ما علم منهم، وقيل: إن الله سبحانه وتعالى يميت الكل ثم يحشرهم الأولين والآخرين على ما ماتوا عليه (م) عن جابر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «يبعث كل عبد على ما مات عليه» قوله سبحانه وتعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ يعني آدم عليه السلام في قول جميع المفسرين سمي إنسانا لظهوره وإدراك البصر إياه، وقيل من النسيان لأنه عهد إليه فنسي من صَلْصالٍ يعني من اليابس، إذا نقرته سمعت له صلصلة يعني صوتا، وقال ابن عباس: هو الطين الحر الطيب الذي إذا نضب عنه الماء تشقق فإذا حرك تقعقع. وقال مجاهد: هو الطين المنتن. واختاره الكسائي وقال: هو من صل اللحم إذا أنتن مِنْ حَمَإٍ يعني من الطين الأسود مَسْنُونٍ أي متغير قال مجاهد وقتادة: هو المنتن المتغير. وقال أبو عبيدة: هو المصبوب.
تقول العرب: سننت الماء إذا أصببته قال ابن عباس: هو التراب المبتل المنتن جعل صلصالا كالفخار، والجمع بين هذه الأقاويل على ما ذكره بعضهم أن الله سبحانه وتعالى لما أراد خلق آدم عليه السلام، قبض قبضة من تراب الأرض فبلها بالماء حتى اسودت وأنتن ريحها، وتغيرت وإليه الإشارة بقوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثم إن ذلك التراب بله بالماء وخمره حتى اسودت، وأنتن ريحه وتغير وإليه الإشارة بقوله: من حمأ مسنون ثم ذلك الطين الأسود المتغير صوره صورة إنسان أجوف، فلما جف ويبس كانت تدخل فيه الريح فتسمع له صلصلة يعني صوتا، وإليه الإشارة بقوله من صلصال كالفخار وهو الطين اليابس، إذا تفخّر في الشمس
أجمعون ظهر أن الكل سجدوا دفعة واحدة، ولما حكى الزجاج هذا القول عن المبرد قال : قول الخليل وسيبويه أجود لأن أجمعين معرفة فلا تكون حالاً. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله سبحانه وتعالى أمر جماعة من الملائكة، بالسجود لآدم فلم يفعلوا فأرسل الله عليهم ناراً فأحرقتهم. ثم قال لجماعة أخرى : اسجدوا لآدم فسجدوا.
وللريح الحارة التي تكون بالليل: الحرور، وقال أبو صالح: السموم نار لا دخان لها والصواعق تكون منها، وهي نار بين السماء والحجاب، فإذا حدث أمر خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت به فالهدة التي تسمعون من خرق ذلك الحجاب وهذا على قول أصحاب الهيئة أن الكرة الرابعة تسمى كرة النار، وقيل: من نار السموم يعني من نار جهنم. وقال ابن مسعود: هذه السموم جزء من سبعين جزء من السموم التي خلق منها الجان، وتلا هذه الآية. وقال ابن عباس: كان إبليس من حي من الملائكة يسمون الجان خلقوا من نار السموم، وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، وخلقت الملائكة من النور. قوله عز وجل وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ أي واذكر يا محمد: إذ قال ربك للملائكة إِنِّي خالِقٌ بَشَراً سمي الآدمي بشرا، لأنه جسم كثيف ظاهر البشرة ظاهر الجلد مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ تقدم تفسيره فَإِذا سَوَّيْتُهُ يعني عدلت صورته، وأتممت خلقه وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي النفخ عبارة عن إجراء الريح في تجاويف جسم آخر، ومنه نفخ الروح في النشأة الأولى، وهو المراد من قوله: ونفخت فيه من روحي وأضاف الله عز وجل روح آدم إلى نفسه على سبيل التشريف والتكريم لها كما يقال بيت الله وناقة الله وعبد الله وسيأتي الكلام على الروح في تفسير سورة الإسراء عند قوله: «ويسألونك عن الروح» إن شاء الله تعالى فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ الخطاب للملائكة، الذين قال الله لهم:
إني خالق بشرا أمرهم بالسجود لآدم بقوله فقعوا له ساجدين. وكان هذا السجود تحية لا سجود عبادة فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ يعني الذين أمروا بالسجود لآدم أَجْمَعُونَ قال سيبويه: هذا توكيد بعد توكيد، وسئل المبرد عن هذه الآية فقال: لو قال فسجد الملائكة لاحتمل أن يكون سجد بعضهم فلما قال كلهم لزم إزالة ذلك الاحتمال فظهر بهذا أنهم سجدوا بأسرهم ثم عند هذا بقي احتمال آخر، وهو أنهم سجدوا في أوقات متفرقة، أو في دعة واحدة فلما قال: أجمعون ظهر أن الكل سجدوا دفعة واحدة، ولما حكى الزجاج هذا القول عن المبرد قال: قول الخليل وسيبويه أجود لأن أجمعين معرفة فلا تكون حالا. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله سبحانه وتعالى أمر جماعة من الملائكة، بالسجود لآدم فلم يفعلوا فأرسل الله عليهم نارا فأحرقتهم. ثم قال لجماعة أخرى: اسجدوا لآدم فسجدوا.
[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣١ الى ٤١]
إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)
قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)
[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٢ الى ٤٥]
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥)قال أهل المعاني: ليس لك عليهم سلطان على قلوبهم، وسئل سفيان بن عيينة عن هذه الآية فقال: معناه ليس لك عليهم سلطان أن تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي، وهؤلاء خاصته أي الذين هداهم، واجتباهم من عباده إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ يعني إلا من اتبع إبليس من الغاوين، فإن له عليهم سلطانا بسبب كونهم منقادين له فيما يأمرهم به وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ يعني موعد إبليس وأتباعه وأشياعه لَها يعني لجهنم سَبْعَةُ أَبْوابٍ يعني سبع طبقات. قال علي بن أبي طالب: تدرون كيف أبواب جهنم هكذا ووضع إحدى يديه على الأخرى أي سبعة أبواب بعضها فوق بعض. قال ابن جريج: النار سبع دركات أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ يعني لكل دركة قوم يسكنونها والجزء بعض الشيء، وجزأته جعلته أجزاء، والمعنى أن الله سبحانه وتعالى يجزئ أتباع إبليس سبعة أجزاء فيدخل كل قسم منهم في النار دركة من النار والسبب فيه أن مراتب الكفر مختلفة فلذلك اختلفت مراتبهم في النار. قال الضحاك: في الدركة الأولى أهل التوحيد الذين أدخلوا النار يعذبون فيها بقدر ذنوبهم ثم يخرجون منها، وفي الثانية النصارى، وفي الثالثة اليهود، وفي الرابعة الصابئون، وفي الخامسة المجوس، وفي السادسة أهل الشرك، وفي السابعة المنافقون فذلك، قوله سبحانه وتعالى «إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار» عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال «لجهنم سبعة أبواب باب منها لمن سل السيف على أمتي أو قال على أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم» أخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب قوله سبحانه وتعالى إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ المراد بالمتقين الذين اتقوا الشرك في قول جمهور المفسرين وقيل: هم الذين اتقوا الشرك والمعاصي والجنات والبساتين والعيون والأنهار الجارية في الجنات، وقيل: يحتمل أن تكون هذه العيون غير الأنهار الكبار التي في الجنة، وعلى هذا فهل يختص كل واحد من أهل الجنة بعيون أو تجري هذه العيون من بعضهم إلى بعض؟ وكلا الأمرين محتمل فيحتمل أن كل واحد من أهل الجنة يختص بعيون تجري في جناته، وقصوره ودوره فينتفع بها هو ومن يختص به من حوره وولدانه، ويحتمل أنها تجري من جنات بعضهم إلى جنات بعض لأنهم قد طهروا من الحسد والحقد.
[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٦ الى ٦٠]
ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧) لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠)وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥)
قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ (٥٦) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠)
ادْخُلُوها أي يقال لهم: ادخلوها والقائل هو الله تعالى أو بعض ملائكته بِسَلامٍ آمِنِينَ يعني ادخلوا الجنة مع السلامة والأمن من الموت ومن جميع الآفات وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ الغل الحقد الكامن في القلب. ويطلق على الشحناء والعداوة والبغضاء والحقد والحسد، وكل هذه الخصال المذمومة داخلة في
فلما بشروه بالولد عجب إبراهيم من كبره وكبر امرأته قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي يعني بالولد عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ يعني على حالة الكبر، قاله على طريق التعجب فَبِمَ تُبَشِّرُونَ يعني فبأي شيء تبشرون، وهو استفهام بمعنى التعجب كأنه عجب من حصول الولد على الكبر قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ يعني بالصدق الذي قضاه الله بأن يخرج منك ولدا ذكرا، تكثر ذريته وهو إسحاق فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ يعني فلا تكن من الآيسين من الخير. والقنوط: هو الإياس من الخير قالَ يعني إبراهيم وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ
يعني من ييأس من رحمة ربه إلا المكذبون، وفيه
[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦١ الى ٧٠]
فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥)وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩) قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠)
فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ وذلك أن الملائكة عليهم السلام لما بشروا إبراهيم بالولد، وعرفوه بما أرسلوا به ساروا إلى لوط وقومه فلما دخلوا على لوط قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ وإنما قال هذه المقالة لوط لأنهم دخلوا عليه وهم في زي شبان مردان حسان الوجوه، فخاف أن يهجم عليهم قومه فلهذا السبب قال هذه المقالة.
وقيل: إن النكرة ضد المعرفة فقوله: إنكم قوم منكرون يعني لا أعرفكم ولا أعرف من أي الأقوام أنتم، ولا لأي غرض دخلتم فعند ذلك قالُوا يعني الملائكة بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ يعني جئناك بالعذاب الذي كانوا يشكون فيه وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ يعني باليقين الذي لا شك فيه وَإِنَّا لَصادِقُونَ يعني فيما أخبرناك به من إهلاكهم فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بقطع من الليل يعني آخر الليل، والقطع القطعة من الشيء وبعضه وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ يعني واتبع آثار أهلك وسر خلفهم وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ يعني حتى لا يرى ما نزل بقومه من العذاب فيرتاع بذلك، وقيل: المراد الإسراع في السير وترك الالتفات إلى ورائه، والاهتمام بما خلفه كما تقول امض لشأنك ولا تعرج على شيء وقيل جعل ترك الالتفات علامة لمن ينجو من آل لوط، ولئلا يتخلف أحد منهم فيناله العذاب وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ قال ابن عباس: يعني إلى الشام وقيل: الأردن، وقيل إلى حيث يأمركم جبريل وذلك أن جبريل أمرهم أن يسيروا إلى قرية معينة، ما عمل أهلها عمل قوم لوط وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ يعني وأوحينا إلى لوط ذلك الأمر الذي حكمنا به على قومه، وفرغنا منه ثم إنه سبحانه وتعالى فسر ذلك الأمر الذي قضاه بقوله أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ يعني أن هؤلاء القوم يستأصلون عن آخرهم بالعذاب وقت الصبح وإنما أبهم الأمر الذي قضاه عليهم أولا، وفسر ثانيا تفخيما له وتعظيما لشأنه وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يعني مدينة سدوم وهي مدينة قوم لوط يَسْتَبْشِرُونَ يعني يبشر بعضهم بعضا بأضياف لوط والاستبشار: إظهار الفرح والسرور، وذلك أن الملائكة لما نزلوا على لوط ظهر أمرهم في المدينة، وقيل إن امرأته أخبرتهم بذلك، وكانوا شبانا مردا في غاية الحسن ونهاية الجمال فجاء قوم لوط إلى داره طمعا منهم في ركوب الفاحشة قالَ يعني
وقيل: معناه ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا في أحد من العالمين إذا قصدناه بالفاحشة.
[سورة الحجر (١٥): الآيات ٧١ الى ٨٠]
قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠)
قالَ يعني قال لوط لقومه الذين قصدوا أضيافه هؤُلاءِ بَناتِي أزوجكم إياهن إن أسلمتم فأتوا الحلال ودعوا الحرام وقيل: أراد بالبنات نساء قومه لأن النبي كالوالد لأمته إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ يعني ما آمركم به لَعَمْرُكَ الخطاب فيه للنبي صلّى الله عليه وسلّم قال ابن عباس: معناه وحياتك يا محمد وقال ما خلق الله نفسا أكرم عليه من محمد صلّى الله عليه وسلّم وما أقسم بحياة أحد إلا بحياته والعمر واحد وهو اسم لمدة عمارة بدن الإنسان بالحياة والروح وبقائه مدة حياته. قال النحويون: ارتفع لعمرك بالابتداء والخبر محذوف والمعنى لعمرك قسمي فحذف الخبر لأن في الكلام دلالة عليه. إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يعني في حيرتهم وضلالتهم وقيل غفلتهم يَعْمَهُونَ يعني يترددون متحيرين وقال قتادة: يلعبون فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ يعني حين أضاءت الشمس فكان ابتداء العذاب الذي نزل بهم وقت الصبح وتمامه وانتهاؤه حين أشرقت الشمس فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ تقدم تفسيره في سورة هود إِنَّ فِي ذلِكَ يعني الذي نزل بهم من العذاب لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ قال ابن عباس: للناظرين. وقال قتادة: للمعتبرين. وقال مقاتل: للمتفكرين. وقال مجاهد: للمتفرسين ويعضد هذا التأويل ما روي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ إن في ذلك لآيات للمتوسمين» أخرجه الترمذي وقال حديث غريب. الفراسة بالكسر اسم من قولك تفرست في فلان الخير. وهي على نوعين: أحدهما ما دل عليه ظاهر الحديث، وهو ما يوقعه الله في قلوب أوليائه فيعلمون بذلك أحوال الناس بنوع من الكرامات، وإصابة الحدس والنظر والظن والتثبت، والنوع الثاني ما يحصل بدلائل التجارب والخلق والأخلاق تعرف بذلك أحوال الناس أيضا وللناس في علم الفراسة تصانيف قديمة وحديثة. قال الزجاج: حقيقة المتوسمين في اللغة المتثبتين في نظرهم حتى يعرفوا سمة الشيء وصفته وعلامته فالمتوسم الناظر في سمة الدلائل، تقول توسمت في فلان كذا أي عرفت وسم ذلك وسمته وَإِنَّها يعني قرى قوم لوط لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ يعني بطريق واضح. قال مجاهد: بطريق معلم ليس بخفي ولا زائل والمعنى: أن آثار ما أنزل الله بهذه القرى من عذابه وغضبه لبسبيل مقيم ثابت لم يدثر ولم يخف، والذين يمرون عليها من الحجاز إلى الشام يشاهدون ذلك ويرون أثره إِنَّ فِي ذلِكَ يعني الذي ذكر من عذاب قوم لوط، وما أنزل بهم لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ يعني المصدقين لما أنزله على رسوله صلّى الله عليه وسلّم وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ يعني كان أصحاب الأيكة وهي الغيضة، واللام في قوله لظالمين للتأكيد وهم قوم شعيب عليه السلام كانوا أصحاب غياض، وشجر ملتف وكان عامة شجرهم المقل وكانوا قوما كافرين فبعث الله عز وجل إليهم شعيبا رسولا فكذبوه فأهلكهم الله فهو قوله تعالى فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ يعني بالعذاب، وذلك أن الله سبحانه وتعالى سلط عليهم الحر سبعة أيام حتى أخذ
[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨١ الى ٨٨]
وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)
وَآتَيْناهُمْ آياتِنا يعني الناقة وولدها والآيات التي كانت في الناقة خروجها من الصخرة، وعظم جثتها وقرب ولادها وغزارة لبنها، وإنما أضاف الآيات إليهم وإن كانت لصالح، لأنه مرسل إليهم بهذه الآيات فَكانُوا عَنْها يعني عن الآيات مُعْرِضِينَ يعني تاركين لها غير ملتفتين إليها وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ خوفا من الخراب أو أن يقع عليهم الجبل أو السقف فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ يعني العذاب مُصْبِحِينَ يعني وقت الصبح فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ يعني من الشرك والأعمال الخبيثة (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما مر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالحجر قال: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى جاوز الوادي» قوله سبحانه وتعالى وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ يعني لإظهار الحق والعذاب، وهو أن يثاب المؤمن المصدق ويعاقب الجاحد الكافر الكاذب وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ يعني: وإن القيامة لتأتي ليجازى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ الخطاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم أي فأعرض عنهم يا محمد واعف عنهم عفوا حسنا. واحتمل ما تلقى من أذى قومك وهذا الصفح والإعراض منسوخ بآية القتال، وقيل فيه بعد لأن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه صلّى الله عليه وسلّم، أن يظهر الخلق الحسن وأن يعاملهم بالعفو والصفح الخالي من الجزع والخوف إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ يعني أنه سبحانه وتعالى خلق خلقه، وعلم ما هم فاعلوه وما يصلحهم. قوله عز وجل وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ قال ابن الجوزي: سبب نزولها أن سبع قوافل وافت من بصرى وأذرعات ليهود قريظة والنضير في يوم واحد، فيها أنواع من البز والطيب والجواهر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في سبيل الله فأنزل الله هذه الآية. وقال: قد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه السبع القوافل ويدل على صحة هذا قوله لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ الآية قال الحسن بن الفضل قلت وهذا القول ضعيف، أو لا يصح لأن هذه السورة مكية، بإجماع أهل التفسير وليس فيها من المدني شيء. ويهود قريظة والنضير، كانوا بالمدينة وكيف يصح أن يقال إن سبع قوافل جاءت في يوم واحد، فيها أموال عظيمة حتى تمناها المسلمون فأنزل الله هذه الآية، وأخبرهم أن هذه السبع آيات هي خير من هذه السبع القوافل والله أعلم، وفي المراد بالسبع المثاني أقوال أحدها
فنصفها الأول ثناء على الله. ونصفها الثاني: دعاء ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال «يقول الله تبارك وتعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» الحديث مذكور في فضل الفاتحة. وقيل سميت مثاني لأن كلماتها مثناة مثل قوله: «الرحمن الرحيم إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين» فكل هذه ألفاظ مثناة. وقال الحسن بن الفضل: لأنها نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة ومعها سبعون ألف ملك. وقال مجاهد: لأن الله سبحانه وتعالى استثناها وادخرها لهذه الأمة فلم يعطها لغيرهم. وقال أبو زيد البلخي: لأنها تثني أهل الشرك عن الشر من قول العرب ثنيت عناني. وقال ابن الزجاج:
سميت فاتحة الكتاب مثاني لاشتمالها على الثناء على الله تعالى وهو حمد الله وتوحيده، وملكه وإذا ثبت كون الفاتحة هي السبع المثاني دل ذلك على فضلها وشرفها وأنها من أفضل سور القرآن، لأن إفرادها بالذكر في قوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ مع أنها جزء من أجزاء القرآن وإحدى سوره لا بد. وأن يكون لاختصاصها بالشرف، والفضيلة. القول الثاني في تفسير قوله سبعا من المثاني أنها السبع الطوال، وهذا قول ابن عمر وابن مسعود في رواية عنه وابن عباس وفي رواية عنه وسعيد بن جبير وفي رواية عنه السبع الطوال هي سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف. واختلفوا في السابعة فقيل الأنفال مع براءة لأنهما كالسورة الواحدة، ولهذا لم يكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم. وقيل السابعة هي سورة يونس ويدل على صحة هذا القول ما روي عن ثوبان أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله سبحانه وتعالى أعطاني السبع الطوال مكان التوراة وأعطاني المائتين مكان الإنجيل وأعطاني مكان الزبور المثاني، وفضلني ربي بالمفصل» أخرجه البغوي بإسناد الثعلبي قال ابن عباس: إنما سميت السبع الطوال مثاني لأن الفرائض والحدود، والأمثال والخبر والعبر ثنيت فيها، وأورد على هذا القول أن هذه السور الطوال غالبها مدنيات فكيف يمكن تفسير هذه الآية بها، وهي مكية وأجيب عن هذا الإيراد بأن الله سبحانه وتعالى، حكم في سابق علمه بإنزال هذه السورة على النبي صلّى الله عليه وسلّم وإذا كان الأمر كذلك صح أن تفسر هذه الآية بهذه السورة، القول الثالث: أن السبع المثاني هي السور التي هي دون الطوال، وفوق المفصل وهي المئين، وحجة هذا القول الحديث المتقدم وأعطاني مكان الزبور المثاني، والقول الرابع: أن السبع المثاني هي القرآن كله وهذا قول طاوس وحجة هذا القول أن الله سبحانه وتعالى قال «الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني» وسمي القرآن كله مثاني لأن الأخبار والقصص والأمثال ثنيت فيه فإن قلت: كيف يصح عطف القرآن في قوله «والقرآن العظيم» على قوله «سبعا من المثاني» وهل هو إلا عطف الشيء على نفسه؟ قلت: إذا عني بالسبع المثاني فاتحة الكتاب أو السبع الطوال فما وراءهن ينطلق عليه القرآن لأن القرآن اسم يقع على البعض كما يقع على الكل ألا ترى إلى قوله بما أوحينا إليك هذا القرآن يعني سورة يوسف عليه السلام. وإذا عنى بالسبع المثاني القرآن كله كان المعنى ولقد آتيناك سبعا من المثاني، وهي القرآن العظيم وإنما سمي القرآن عظيما، لأنه كلام الله ووحيه أنزله على خير خلقه محمد صلّى الله عليه وسلّم. قوله لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ الخطاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم أي لا تمدن عينيك يا محمد إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً يعني أصنافا مِنْهُمْ يعني من
قيل: إنما يكون مادّا عينيه إلى الشيء، إذا أدام النظر إليه مستحسنا له فيحصل من ذلك تمني ذلك الشيء المستحسن، فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا ينظر إلى شيء من متاع الدنيا ولا يلتفت إليه ولا يستحسنه وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ يعني ولا تغتم على ما فاتك من مشاركتهم في الدنيا وقيل ولا تحزن على إيمانهم إذا لم يؤمنوا ففيه النهي عن الالتفات إلى أموال الكفار، والالتفات إليهم أيضا وروى البغوي بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «لا تغبطن فاجرا بنعمته فإنك لا تدري ما هو لاق بعد موته إن له عند الله قاتلا لا يموت قيل: وما هو؟ قال:
النار» (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال، والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه» لفظ البخاري ولمسلم قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم» قال عوف بن عبد الله بن عتبة: كنت أصحب الأغنياء فما كان أحد أكثر هما مني كنت أرى دابة خيرا من دابتي وثوبا خيرا من ثوبي، فلما سمعت هذا الحديث صحبت الفقراء فاسترحت. وقوله سبحانه وتعالى وَاخْفِضْ جَناحَكَ يعني ليّن جانبك لِلْمُؤْمِنِينَ وارفق بهم لما نهاه الله سبحانه وتعالى عن الالتفات إلى الأغنياء من الكفار، أمره بالتواضع واللين والرفق بفقراء المسلمين وغيرهم من المؤمنين.
[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٩ الى ٩٥]
وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)
وَقُلْ أي وقل لهم يا محمد إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ لما أمر الله تعالى رسوله صلّى الله عليه وسلّم بالزهد في الدنيا، والتواضع للمؤمنين أمره بتبليغ ما أرسل به إليهم، والنذارة تبليغ مع تخويف والمعنى: إني أنا النذير بالعقاب لمن عصاني المبين النذارة كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ يعني أنذركم عذابا كعذاب أنزلناه بالمقتسمين، قال ابن عباس: أراد بالمقتسمين اليهود والنصارى. وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة: سموا بذلك لأنهم آمنوا ببعض القرآن وكفروا ببعضه، فما وافق كتبهم آمنوا به وما خالف كتبهم كفروا به، وقال عكرمة: إنهم اقتسموا سور القرآن فقال واحد منهم هذه السورة لي وقال: آخر هذه السورة لي، وإنما فعلوا ذلك استهزاء به، وقال مجاهد:
إنهم اقتسموا كتبهم فآمنوا ببعضها وكفروا ببعضها، وكفر آخرون منهم بما آمن به غيرهم. وقال قتادة وابن السائب: أراد بالمقتسمين كفار قريش سموا بذلك لأن أقوالهم تقسمت في القرآن. فقال بعضهم: إنه سحر وزعم بعضهم أنه كهانة وزعم بعضهم إنه أساطير الأولين وقال ابن السائب: سموا بالمقتسمين لأنهم اقتسموا عقاب مكة وطرقها، وذلك أن الوليد بن المغيرة بعث رهطا من أهل مكة. قيل ستة عشر. وقيل: أربعين. فقال لهم: انطلقوا فتفرقوا على عقاب مكة وطرقها حيث يمر بكم أهل الموسم، فإذا سألوكم عن محمد فليقل بعضكم إنه كاهن وليقل بعضكم إنه شاعر، وليقل بعضكم إنه ساحر فإذا جاءوا إلي صدقتكم فذهبوا وقعدوا على عقاب مكة وطرقها يقولون لمن مر بهم من حجاج العرب: لا تغتروا بهذا الخارج الذي يدعي النبوة منا فإنه مجنون كاهن، وشاعر. وقعد الوليد بن المغيرة على باب المسجد الحرام فإذا جاءوا وسألوه عما قال: أولئك المقتسمون. قال:
صدقوا. وقوله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (خ) عن ابن عباس في قوله تعالى الذين جعلوا
وقال بعضهم: هو كهانة. وقال بعضهم: هو أساطير الأولين. وقيل: هو جمع عضة. وهو الكذب والبهتان وقيل: المراد به العضة وهو السحر يعني أنهم جعلوا القرآن عضين عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ يعني عما كانوا يقولونه في القرآن. وقيل: عما كانوا يعملون من الكفر والمعاصي. وقيل: يرجع الضمير في لنسألنهم إلى جميع الخلق المؤمن والكافر لأن اللفظ عام فحمله على العموم أولى قال جماعة من أهل العلم عن لا إله إلا الله عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في قوله: لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون قال: «عن قول لا إله إلا الله» أخرجه الترمذي. وقال:
حديث غريب وقال أبو العالية: يسأل العباد عن خلتين عما كانوا يعبدون، وماذا أجابوا المرسلين. فإن قلت:
كيف الجمع بين قوله لنسألنهم أجمعين وبين قوله فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ؟ قلت: قال ابن عباس: لا يسألهم هل عملتم لأنه أعلم به منهم، ولكن يقول لم عملتم كذا واعتمده قطرب فقال: السؤال ضربان سؤال استعلام وسؤال توبيخ فقال تعالى فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ يعني سؤال استعلام وقوله لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ سؤال توبيخ وتقريع وجواب آخر، وهو يروى عن ابن عباس أيضا أنه قال في الآيتين: أن يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف فيسألون في بعض المواقف ولا يسألون في بعضها نظيره قوله سبحانه وتعالى هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وقال تعالى في آية أخرى ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ قوله سبحانه وتعالى فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ قال ابن عباس: أظهر. ويروى عنه أمضه. وقال الضحاك: أعلم وأصل الصدع الشق والفرق أي أفرق بالقرآن بين الحق والباطل أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم في هذه الآية بإظهار الدعوة وتبليغ الرسالة إلى من أرسل إليهم قال عبد الله بن عبيدة. ما زال النبي صلّى الله عليه وسلّم مستخفيا حتى نزلت هذه الآية، فخرج هو وأصحابه وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ أي اكفف عنهم ولا تلتفت إلى لومهم على إظهار دينك، وتبليغ رسالة ربك وقيل أعرض عن الاهتمام باستهزائهم، وهو قوله سبحانه وتعالى إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ أكثر المفسرين على أن هذا الإعراض منسوخ بآية القتال. وقال بعضهم: ما للنسخ وجه لأن معنى الإعراض ترك المبالاة بهم، والالتفات إليهم، فلا يكون منسوخا، وقوله تعالى إنا كفيناك المستهزئين يقول الله تعالى عز وجل لنبيه محمد صلّى الله عليه وسلّم فاصدع بما أمرتك به ولا تخف أحدا غيري فإني أنا كافيك، وحافظك ممن عاداك فإنا كفيناك المستهزئين وكانوا خمسة نفر من رؤساء كفار قريش، كانوا يستهزئون بالنبي صلّى الله عليه وسلّم وبالقرآن وهم: الوليد بن المغيرة المخزومي وكان رأسهم، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن المطلب بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن زمعة، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد دعا عليه فقال: اللهم أعم بصره وأثكله بولده. والأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، والحارث بن قيس ابن الطلاطلة كذا ذكره البغوي. وقال ابن الجوزي: الحارث بن قيس ابن عيطلة وقال الزهري: عيطلة أمة وقيس أبوه فهو منسوب إلى أبيه وأمة قال المفسرون: أتى جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمستهزئون يطوفون بالبيت فقام جبريل، وقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى جنبه فمر به الوليد بن المغيرة فقال جبريل: يا محمد كيف تجد هذا قال بئس عبد الله فقال: قد كفيته وأومأ إلى ساق الوليد فمرّ الوليد برجل من خزاعة نبال بريش نبلا له، وعليه برد يماني وهو يجر إزاره فتعلقت شظية من النبل بإزار الوليد، فمنعه الكبر أن يطأطئ رأسه فينزعها وجعلت تضربه في ساقه، فخذشته فمرض فمات، ومر بهما العاص بن وائل السهمي فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟
فقال: بئس عبد الله، فأشار جبريل إلى أخمص قدمه وقال: قد كفيته. فخرج العاص على راحلة يتنزه، ومعه ابناه فنزل شعبا من تلك الشعاب فوطئ شبرقة فدخل منها شوكة في أخمص رجله، فقال: لدغت لدغت فطلبوا فلم يجدوا شيئا وانتفخت رجله حتى صارت مثل عنق البعير، فمات مكانه. ومر بهما الأسود بن المطلب فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ فقال: عبد سوء فأشار جبريل بيده إلى عينيه. وقال: قد كفيته فعمي. قال ابن
فأصابه سموم فاسود وجهه حتى صار حبشيا، فأتى أهله فلم يعرفوه وأغلقوا دونه الباب فمات، وهو يقول:
قتلني رب محمد. ومر بهما الحارث بن قيس فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ فقال: عبد سوء فأومأ جبريل إلى رأسه. وقال قد كفيته فامتخط قيحا فقتله. وقال ابن عباس: إنه أكل حوتا مالحا فأصابه العطش فلم يزل يشرب الماء حتى أنقد بطنه فمات. فذلك قوله تعالى إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ يعني بك وبالقرآن.
[سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٦ الى ٩٩]
الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ يعني إذا نزل بهم العذاب ففيه وعيد وتهديد. قوله سبحانه وتعالى وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ يعني بسبب ما يقولون، وهو ما كانوا يسمعونه من الاستهزاء به، والقول الفاحش والجبلة البشرية تأبى ذلك فيحصل عند سماع ذلك ضيق الصدر، فعند ذلك أمره بالتسبيح والعبادة وهو قوله فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قال ابن عباس: فصلّ بأمر ربك وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ يعني من المتواضعين لله، وقال الضحاك فسبح بحمد ربك قل سبحان الله وبحمده وكن من الساجدين يعني من المصلين روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم، كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، قال بعض العارفين من المحققين: أن السبب في زوال الحزن عن القلب، إذا أتى العبد بهذه العبادات أنه يتنور باطنه ويشرق قلبه، وينفسح وينشرح صدره فعند ذلك يعرف قدر الدنيا وحقارتها فلا يلتفت إليها، ولا يتأسف على فواتها فيزول الهم والغم والحزن عن قلبه.
وقال بعض العلماء: إذا نزل بالعبد مكروه ففزع إلى الصلاة فكأنه يقول: يا رب إنما يجب عليّ عبادتك سواء أعطيتني ما أحب أو كفيتني ما أكره، فأنا عبدك وبين يديك فافعل بي ما تشاء. قوله تعالى وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ يعني الموت الموقن به الذي لا يشك فيه أحد، والمعنى واعبد ربك في جميع أوقاتك، ومدة حياتك حتى يأتيك الموت وأنت في عبادة ربك، وهذا مثل قوله تعالى في سورة مريم وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا روى البغوي بسنده عن جبير بن نفير قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «ما أوحى الله إليّ أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحى إليّ أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين» وعن عمر قال: نظر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى مصعب بن عمير مقبلا وعليه إهاب كبش قد تنطق به فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«انظروا إلى هذا الذي نور الله قلبه لقد رأيته بين أبويه يغذيانه بأطيب الطعام والشراب ولقد رأيت عليه حلة شراها، أو قال: شريت له بمائتي درهم فدعاه حب الله، وحب رسوله إلى ما ترون» ذكره البغوي بغير سند والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
تم عرض جميع الآيات
99 مقطع من التفسير