تفسير سورة سورة العنكبوت

عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير الشعراوي
الشعراوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير يحيى بن سلام
يحيى بن سلام
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

تفسير القشيري

عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري (ت 465 هـ)

الناشر

الهيئة المصرية العامة للكتاب - مصر

الطبعة

الثالثة

المحقق

إبراهيم البسيوني

الآيات من ١ إلى ٢
السورة التي يذكر فيها العنكبوت
قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» بسم الله اسم يوجب حظوة العابدين وعدا، وسماعه يوجب سلوة الواجدين نقدا «١».
اسم من ذكره وصل إلى مثوبته في آجله، ومن سمعه «٢» حظى بقربته في عاجله.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١ الى ٢]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢)
«الألف» إشارة إلى تفرّده عن كل غير بوجه الغنى، وباحتياج كل شىء إليه كالألف تتصل بها كل الحروف ولكنها لا تتصل بحرف.
«واللام» تشير إلى معنى أنه ما من حرف إلا وفي آخره صورة تعويج ما، واللام أقرب الحروف شبها بالألف- فهى منتصبة القامة مثلها، والفرق بينهما أن الألف لا يتصل بها شىء ولكن اللام تتصل بغيرها- فلا جرم لا يكون في الحروف حرف واحد متكون من حرفين إلا اللام والألف ويسمى لام ألف ويكتب على شكل الاقتناع مثل صورة لام.
أمّا «الميم» فالإشارة فيه إلى الحرف «من» فمن الربّ الخلق، ومن العبد خدمة الحق، ومن الربّ الطّول والفضل...
«أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا..» بمجرد الدعوى في الإيمان دون المطالبة بالبلوى، وهذا لا يكون، فقيمة كلّ أحد ببلواه، فمن زاد قدر معناه زاد قدر بلواه فعلى النفوس بلاء وهو
(١) النقد مكافاة في الدنيا وهي المواصلات والمكاشفات، والوعد مكافأة في الآخرة وهي الجنة.
(٢) المقصود بالسماع هنا ما يوجب الهيمان.
المطالبة عليها بإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها في أحسن العمل. وعلى القلوب بلاء وهو مطالبتها بالطلب والفكر الصادق بتطلّع البرهان على التوحيد والتحقق بالعلم. وعلى الأرواح بلاء وهو التجرّد عن محبة كلّ أحد والتفرّد عن كل سبب، والتباعد عن كل المساكنة لشىء من المخلوقات. وعلى الأسرار بلاء وهو الاعتكاف بمشاهد الكشف بالصبر على آثار التجلّى إلى أن تصير مستهلكا فيه.
ويقال فتنة العوام في أيام النظر والاستدلال، وفتنة الخواص في حفظ آداب الوصول فى أوان المشاهدات. وأشدّ الفتن حفظ وجود التوحيد لئلا يجرى عليك مكر في أوقات غلبات شاهد الحقّ فيظن أنه الحق، ولا يدرى أنّه من الحقّ، وأنّه لا يقال إنّه الحقّ- وعزيز من يهتدى إلى ذلك «١».
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٣]
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣)
لم يخلهم من البلاء والمحن ليظهر صبرهم في البلاء أو ضدّه من الضجر، وشكرهم فى الرخاء أو ضدة من الكفر والبطر. وهم في البلاء ضروب: فمنهم من يصبر في حال البلاء، ويشكر في حال النّعماء.. وهذة صفة الصادقين. ومنهم من يضجّ ولا يصبر في البلاء، ولا يشكر في النعماء.. فهو من الكاذبين. ومنهم من يؤثر في حال الرخاء ألّا يستمتع بالعطاء، وبستروح إلى البلاء فيستعذب مقاساة الضّرّ والعناء.. وهذا أجلّهم.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٤]
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٤)
يرتكبون المخالفات ثم يحكمون لأنفسهم بالنجاة.. ساء حكمهم! فمتى ينجو من العذاب من ألقى جلباب التّقى؟! ويقال توهموا أنه لا حشر ولا نشر، ولا محاسبة ولا مطالبة.
ويقال اغتروا بإمهالنا اليوم، وتوهّموا أنهم منّا قد أفتلوا، وظنوا أنهم قد أمنوا.
(١) يفيد هذا الكلام عند البحث في قضية الحلاج الذي قال وهو غائب في غلبات الشهود: «أنا الحق» [.....]
ويقال ظنوا أنهم باجتراحهم السيئات أن جرى التقدير لهم بالسعادة، وأنّ ذلك يؤخر حكمنا.. كلا، فلا يشقى من جرت قستنا له بالسعادة، وهيهات أن يتحول من سبق له الحكم بالشقاوة! قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٥]
مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)
من خاف عذابه يوم الحساب فسيلقى يوم الحشر الأمان الموعود منّا لأهل الخوف اليوم. ومن أمّل الثواب يوم البعث فسوف يرى ثواب ما أسلفه من العمل. ومن زجّى عمره في رجاء لقائنا فسوف نبيح له النّظر إلينا، وسوف يتخلص من الغيبة والفرقة.
«وَهُوَ السَّمِيعُ» لأنين المشتاقين، «الْعَلِيمُ» بحنين المحبين الوالهين.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٦]
وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٦)
من أحسن فنجاة نفسه طلبها، وسعادة حالة حصّلها. ومن أساء فعقوبة نفسه جلبها، وشقاوة جدّه اكتسبها.
ويقال ثواب المطيعين إليهم مصروف، وعذاب العاصين عليهم موقوف.. والحقّ عزيز لا يلحقه بالوفاق زين، ولا يمسّه من الشّقاق شين..
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٧ الى ٨]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)
من رفع إلينا خطوة نال منّا خطوة، ومن ترك فينا شهوة وجد منّا صفوة، فنصيبهم من الخيرات موفور، وعملهم في الزلّات مغفور.. بذلك أجرينا سنّتنا، وهو متناول حكمنا وقضيتنا.
قوله جل ذكره: «وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً».
أمر الله العباد برعاية حقّ الوالدين تنبيها على عظم حق التربية. وإذا كانت تربية الوالدين- وهي إن حسنت- فالى حدّ يوجب رعايتهما فما الظنّ برعاية حق الله تعالى، والإحسان العميم بالعبد والامتنان القديم الذي خصّه به من قبل ومن بعد؟! قوله جل ذكره: «وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ».
إن جاهداك على أن تشرك بالله فإياك أن تطيعهما، ولكن ردّ بلطف، وخالف برفق.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٩]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)
أي لنلحقنهم بالذين أصلحوا من قبلهم، فإن المعهود من سنّتنا إلحاق الشكل بشكله، وإجراء المثل على حكم مثله.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ١٠]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠)
...
المحن تظهر جواهر الرجال، وهي تدلّ على قيمهم وأقدارهم فقدر كلّ أحد وقيمته يظهر عند محنته فمن كانت محنته من فوات الدنيا ونقصان نصيبه منها، أو كانت محنته بموت قريب من الناس، أو فقد حبيب من الخلق فحقير قدره، وكثير في الناس مثله. ومن كانت محنته في الله ولله فعزيز قدره، وقليل من كان مثله، فهم في العدد قليل ولكن في القدر والخطر جليل: وبقدر الوقوف في البلاء تظهر جواهر الرجال، وتصفو عن الخبث نفوسهم.
والمؤمن من يكفّ الأذى، ويتحمل من الخلق الأذى، ويتشرب ولا يترشح بغير
شكوى ولا إظهار كالأرض يلقى عليها كلّ خبيث فتنبت كلّ خضرة وكل نزهة «١».
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ١١]
وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١)
إذا اشتبكت دموع في خدود تبيّن من بكى ممن تباكى
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ١٢]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢)
ضمنوا بما لم يفوا به، وأخلفوا فيما وعدوا فما حملوا من خطاياهم عنهم شيئا، بل زادوا على حمل نفوسهم فاحتقبوا وزر ما عملوا، وطولبوا بوزر ما به أمروا «٢»، فضاعف عليهم العقوبة، ولم يصل أحد من جهتهم إلى راحة، وما مواعيدهم للمسلمين إلا مواعيد عرقوب أخاه بيثرب.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ١٣]
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)
وسيلحق بهؤلاء أصحاب الدعاوى والمتشبّهون بأهل الحقائق:
من تحلّى بغير ما هو فيه فضح الامتحان ما يدّعيه
وقال تعالى: «قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» «٣».. وهيهات هيهات!
(١) القشيري هنا مستفيد من قول الجنيد: (الصوفي كالأرض يطرح عليها كل قبيح ولا يخرج منها إلا كل مليح) الرسالة ص ١٣٩.
(٢) رأينا بناء (أمروا) المعلوم حتى يتضح أن وزرهم أشد نتيجة قولهم الذين آمنوا: (اتبعوا سبيلنا) فالداعى إلى السوء يحمل وزر نفسه ووزر من يقتدى به. ومن الجائز أن تبنى المجهول فتكون (أمروا) ولكن المعنى يكون أقل تأثيرا وأداء.
(٣) آية ١١١ سورة البقرة.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١٤ الى ١٥]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (١٥)
الآية ما زادهم طول مقامه فيهم إلا شكا في أمره، وجهلا بحاله، ومرية في صدقه، ولم يزدد نوح- عليه السلام- لهم إلّا نصحا، وفي الله إلا صبرا. ولقد عرّفه الله أنه لن يؤمن منهم إلا الشّر ذمة اليسيرة الذين كانوا قد آمنوا، وأمره باتخاذ السفينة، وأغرق الكفار ولم يغادر منهم أحدا، وصدق وعده، ونصر عبده.. فلا تبديل لسنّته في نصرة دينه.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ١٦]
وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦)
كرّر ذكر ابراهيم في هذا الموضع، وكيف أقام على قومه الحجّة، وأرشدهم إلى سواء المحجة، ولكنهم أصروا على ما جحدوا، وتعصبوا لما من الأصنام عبدوا، وكادوا لابراهيم كيدا.. ولكن انقلب ذلك عليهم من الله مكرا بهم واستدراجا. ولم ينجع فيهم نصحه، ولا وجد منهم مساغا وعظه.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ١٧]
إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)
لا يدرى أيهما أقبح.. هل أعمالكم في عبادة هذه الجمادات أم أقوالكم- فيما تزعمون كذبا- عن هذه الجمادات؟ وهي لا تملك لكم نفعا ولا تدفع عنكم ضرا، ولا تملك لكم خيرا ولا شرا، ولا تقدر أن تصيبكم بهذا أو ذاك.
وبيّن أنهم في هذا لم يكونوا خالين عن ملاحظة الحظوظ وطلب الأرزاق «١» فقال:
«فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ» لتصلوا إلى خير الدارين.
وابتغاء الرزق من الله إدامة الصلاة فإن الصلاة استفتاح باب الرزق، قال تعالى:
«وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً» «٢» ويقال ابتغاء الرزق بشهود موضع الفاقة فعند ذلك تتوجه الرغبة إلى الله تعالى فى استجلاب الرزق.
وفي الآية تقديم لابتغاء الرزق على الأمر بالعبادة لأنه لا يمكنه القيام بالعبادة إلا بعد كفاية الأمر فبالقوة يمكنه أداء العبادة، وبالرزق يجد القوة، قالوا:
إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه فمكروه ما يلقى يكون جزاؤه
«وَاشْكُرُوا لَهُ» : حيث كفاكم أمر الرزق حتى تفرغتم لعبادته «٣».
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ١٨]
وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٨)
وبال التكذيب عائد على المكذّب، وليس على الرسول- بعد تبليغه الرسالة بحيث لا يكون فيه تقصير كى يكون مبيّنا- شىء آخر. وإلا يكون قد خرج عن عهدة الإلزام.
وفيما حلّ بالمكذّبين من العقوبة ما ينبغى أن يكون عبرة لمن بعدهم.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ١٩]
أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩)
(١) فالعبادة الخالصة علامتها أن تكون خالصة للمعبود بلا تطلع لعوض أو غرض والغيبة عن أي (وارد من تذكر ثواب أو تفكر عقاب) الرسالة ص ٤٠.
(٢) آية ١٣٢ سورة طه.
(٣) عنى القشيري بتوضيح النسق في الأسلوب القرآنى حين ناقش ترتيب الكلام على نحو مقنع أخاذ.
الذي داخلهم فيه الشّكّ كان بعث الخلق، فاحتجّ عليهم بما أراهم من إعادة فصول السّنة بعد تقضّيها على الوجه الذي كان في العام الماضي. وبيّن أن جمع أجزاء المكلّفين بعد انقضاض البنية كإعادة فصول السنة فكما أن ذلك سائغ في قدرته غير مستنكر فكذلك بعث الخلق.
وكما في فصول السنة تتكرر أحوال العبادة في الأحوال العامة المشتركة بين الكافة، وفي خواص أحوال المؤمنين من استيلاء شهوات النفوس، ثم زوالها، إلى موالاة الطاعات، ثم حصول الفترة، والعود إلى مثل الحالة الأولى، ثم بعد ذلك الانتباه بالتوبة.. كذلك تتكرر عليهم الأحوال.
وأرباب القلوب تتعاقب أحوالهم في القبض والبسط ثم في الهيبة والأنس، ثم في التجلي والسّتر، ثم في البقاء والفناء، ثم في السكر «١» والصحو.. وأمثال هذا كثير. وفي هذا المعنى قوله:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٢٠]
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)
وفي معنى تكرير الأحوال ما أنشدوا:
كلّ نهر فيه ماء قد جرى فإليه الماء يوما سيعود
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٢١]
يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١)
أجناس ما يعذّب به عباده وأنواع ما يرجم به عباده.. لا نهاية لها ولا حصر فمن ذلك أنه يعذّب من يشاء بالخذلان، ويرحم من يشاء بالإيمان. يعذّب من يشاء بالجحود والعنود،
(١) وردت في ص (الشك) وفي م (السكر) والصواب هذه لأنها تلاثم السياق.. فالسكر والصحو حالان من أحوال الفناء.
ويرحم من يشاء بالتوحيد والوجود. يعذب من يشاء بالحرص ويرحم من يشاء بالقناعة.
يعذّب من يشاء بتفرقة الهمّ ويرحم من يشاء بجمع الهمّة. يعذب من يشاء بإلقائه في ظلمة التدبير، ويرحم من يشاء بإشهاده جريان التقدير. يعذب من يشاء بالاختيار من نفسه، ويرحم من يشاء برضاه بحكم ربّه. يعذب من يشاء بإعراضه عنه، ويرحم من يشاء بإقباله عليه. يعذب من يشاء بأن يكله ونفسه، ويرحم من يشاء بأن يقوم بحسن تولّيه.
يعذب من يشاء بحبّ الدنيا ويمنعها عنه، ويرحم من يشاء بتزهيده فيها وبسطها عليه.
يعذب من يشاء بأن يثبته في أوطان العادة، ويرحم من يشاء بأن يقيمه بأداء العبادة...
وأمثال هذا كثير.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٢٢]
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٢٢)
نقلّب الجملة في القبضة، ونجرى عليهم أحكام التقدير: جحدوا أم وحّدوا، أقبلوا أم أعرضوا.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٢٣]
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٣)
تعجلت عقوبتهم بأن يئسوا من رحمته.. ولا عقوبة أشدّ من هذا.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٢٤]
فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤)
لمّا عجزوا عن جوابه ولم يساعدهم التوفيق بالإجابة أخذوا في معارضته بالتهديد والوعيد، والسفاهة والتوبيخ، والله تعالى صرف عنه كيدهم، وكفاه مكرهم، وأفلج عليهم عليهم حجّته «١»،
(١) أفلج الله عليهم حجته أي أظهرها وأثبتها.
وأظهر للكافة عجزهم، وأخبر عما يلحقهم في مآلهم من استحقاق اللّعن والطرد، وفنون الهوان والخزي.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٢٦]
فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦)
لا تصحّ الهجرة إلى الله إلّا بالتبرّى- بالكمال- بالقلب عن غير الله. والهجرة بالنّفس يسيرة بالإضافة إلى الهجرة بالقلب- وهي هجرة الخواص وهي الخروج عن أوطان التفرقة إلى ساحات الجمع. والجمع بين التعريج في أوطان التفرقة والكون في مشاهد الجمع متناف «١».
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٢٧]
وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)
لمّا لم يجب قومه، وبذل لهم النصح «٢»، ولم يدّخر عنهم شيئا من الشفقة- حقّق الله مراده في نسله، فوهب له أولاده، وبارك فيهم، وجعل في ذريته الكتاب والنبوة، واستخلصهم للخيرات حتى صلحت أعمالهم للقبول، وأحوالهم للإقبال عليها، ونفوسهم للقيام بعبادته، وأسرارهم لمشاهدته، وقلوبهم لمعرفته.
«وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ» للدنوّ والزلفة والتخصيص بالقربة.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٢٨ الى ٢٩]
وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩).
(١) ما يكون كسبا للعبد وما يليق بأحوال البشرية فهو فرق وما يكون من قبل الحق من إبداء معان وإسداء لطف وإحسان فهو جمع فإثبات الخلق من باب التفرقة وإثبات الحق من نعت الجمع (الرسالة ص ٣٨).
(٢) فى ص زاد الناسخ (فى أوطان) وهي غير موجودة في م والسياق يستغنى عنها.
لامهم على خصلتهم الشنعاء، وما كانوا يتعاطونه على الله من الاجتراء، وما يضيّعونه من المعروف ويأتون من المنكر الذي جملته تخليته الفسّاق مع فسقهم، وترك القبض على أيديهم، وقلة الاحتشام من اطّلاع الناس على قبائح أعمالهم. ومن ذلك قلة احترام الشيوخ والأكابر، ومنها التسويف في التوبة، ومنها التفاخر بالزلّة.
فما كان جوابهم إلا استعجال العقوبة، فحلّ بهم من ذلك ما أهلكهم وأهلك من شاركهم.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٣١ الى ٣٢]
وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١) قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٢)
التبس على إبراهيم أمرهم فظنّهم أضيافا فتكلّف لهم تقديم العجل الحنيذ جريا على سنّته فى إكرام الضيف. فلما أخبروه مقصودهم من إهلاك قوم لوط تكلّم في باب لوط... إلى أن قالوا: إنّا منجّوه. وكان ذلك دليلا على أن الله تعالى لو أراد إهلاك لوط- وإن كان بريئا- لم يكن ظلما إذ لو كان قبيحا لما كان إبراهيم عليه السلام- مع وفرة علمه- يشكل عليه حتى كان يجادل عنه. بل لله أن يعذّب من يعذّب، ويعافى من يعافى «١».
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٣٣]
وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣)
لمّا أن رآهم لوط ضاق بهم قلبه لأنه لم يعلم أنهم ملائكة، فخاف عليهم من فساد قومه فكان ضيق قلبه لأجل الله- سبحانه، فأخبروه بأنهم ملائكة، وأنّ قومه لن يصلوا إليهم، فعند ذلك سكن قلبه، وزال ضيق صدره.
(١) أي أبرأه من العلل والبلايا وأصحّه.
ويقال أقرب ما يكون العبد في البلاء من الفرج إذا اشتدّ عليه البلاء فعند ذلك يكون زوال البلاء، لأنه يصير مضطّرا، والله سبحانه وعد المضطرين وشيك الاجابة «١». كذلك كان لوط في تلك الليلة، فقد ضاق بهم ذرعا ثم لم يلبث أن وجد الخلاص من ضيقه.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٣٥]
وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)
فمن أراد الاعتبار فله في قصتها عبرة.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٣٦ الى ٤٠]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)
الآيات.
ذكر قصة شعيب وقصة عاد وثمود وقصة فرعون، وقصة قارون.. وكلهم نسج بعضهم على منوال بعض، وسلك مسلكهم، ولم يقبلوا النصح، ولم يبالوا بمخالفة رسلهم، ثم إن الله تعالى أهلكهم بأجمعهم، إمضاء لسنّته في نصرة الضعفاء وقهر الظالمين.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٤١]
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)
العنكبوت يتخذ لنفسه بيتا، ولكن كلما زاد نسجا في بيته ازداد بعدا في الخروج منه فهو بينى ولكن على نفسه بينى.. كذلك الكافر يسعى ولكن على نفسه يجنى.
وبيت العنكبوت أكثره في الزوايا من الجدران، كذلك الكافر أمره على التّقيّة «٢» والكتمان، وأمّا المؤمن فظاهر المعاملة، لا يستر ولا يدخمس «٣».
(١) يشير إلى قوله تعالى: «أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ» آية ٦٢ سورة النمل.
(٢) التقية عند بعض الفرق الإسلامية معناها إخفاء الحق ومصانعة الناس في غير دولتهم.
(٣) دخمس عليه لم يبيّن له ما يريد، ودخمس الشيء ستره. [.....]
وبيت العنكبوت أوهن البيوت لأنه بلا أساس ولا جدران ولا سقف ولا يمسك على أدون «١» دفع.. كذلك الكافر لا أصل لشأنه، ولا أساس لبنيانه، يرى شيئا ولكن بالتخييل، فأمّا في التحقيق.. فلا.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٤٣]
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣)
الكلّ يشتركون في سماع الأمثال، ولكن لا يصغى إليها من كان نفور القلب، كنود الحال، متعودا الكسل، معرّجا في أوطان الفشل.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٤٤]
خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤)
«بِالْحَقِّ» : أي بالقول الحق والأمر الحق.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٤٥]
اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥)
أي من شأن المؤمن وسبيله أن ينتهى عن الفحشاء والمنكر، أي على معنى ينبغى للمؤمن أن ينتهى عن الفحشاء والمنكر، كقوله: «وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» أي ينبغى للمؤمن أن يتوكل على الله، فإن قدّر أن واحدا منهم لا يتوكل فلا يخرج به ذلك عن الايمان- كذلك من لم ينته عن الفحشاء والمنكر فليست تخرج صلاته عن كونها صلاة.
ويقال بل الصلاة الحقيقة ما تكون ناهية لصاحبها عن الفحشاء والمنكر فإن لم يكن من العبد انتهاء فالصلاة ناهية على معنى ورود الزواجر على قلبه بألا يفعل، ولكنه يصرّ ولا يطيع تلك الخواطر.
(١) أي على أضعف دفع
ويقال بل الصلاة الحقيقية ما تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر. فإن كان- وإلا فصورة الصلاة لا حقيقتها ويقال الفحشاء هي الدنيا، والمنكر هو النّفس.
ويقال الفحشاء هي المعاصي، والمنكر هو الحظوظ.
ويقال الفحشاء الأعمال، والمنكر حسبان النجاة بها، وقيل ملاحظته الأعواض عليها، والسرور والفرح بمدح الناس لها.
ويقال الفحشاء رؤيتها، والمنكر طلب العوض عليها.
«وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ» «١» : ذكر الله أكبر من ذكر المخلوقين لأن ذكره قديم وذكر الخلق محدث.
ويقال ذكر العبد لله أكبر من ذكره للأشياء الأخرى لأن ذكره لله طاعة، وذكره لغيره لا يكون طاعة.
ويقال ولذكر الله لك أكبر من ذكرك له.
ويقال ذكره لك بالسعادة أكبر من ذكرك له بالعبادة.
ويقال ذكر الله أكبر من أن تبقى معه وحشة.
ويقال ذكر الله أكبر من أن يبقى للذاكر معه ذكر مخلوق.
ويقال ذكر الله أكبر من أن يبقى للزّلة معلوما أو مرسوما.
ويقال ذكر الله أكبر من أن يعيش أحد من المخلوقين بغيره.
ويقال ولذكر الله أكبر من أن يبقى معه للفحشاء والمنكر سلطانا فلحرمة ذكره زلّات الذاكر مغفورة، وعيوبه مستورة.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٤٦]
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)
(١) رأى القشيري فى «وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ»، ليس فيه كما يلحظ القارئ تقليل من قيمة الصلاة العادية التي وردت في الآية نفسها، كما قد يدعى بعض من يتهمون الصوفية بأنهم يرفعون «ذكرهم» ويخفضون قيمة «الصلاة» وبالتالى لأ يأبهون بها-.. وهذا- كما هو واضح- اتهام باطل.
ينبغى أن يكون منك للخصم تبيين، وفي خطابك تليين، وفي قبول الحق إنصاف، واعتقاد النصرة- لما رآه صحيحا- بالحجة، وترك الميل إلى الشيء بالهوى.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٤٧]
وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (٤٧)
يعنى أنهم على أنواع: فمرحومّ نظرنا إليه بالعناية، ومحروم وسمناه بالشقاوة.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٤٨]
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)
أي تجرّد قلبك عن المعلومات، وتقدّس سرّك عن المرسومات، فصادفك من غير ممازجة طبع ومشاركة كسب وتكلف بشرية «١»، فلما خلا قلبك وسرّك عن كل معلوم ومرسوم ورد عليك خطابنا وتفهيمنا غير مقرون بهما ما ليس منّا.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٤٩]
بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ (٤٩)
قلوب الخواص من العلماء بالله خزائن الغيب، فيها أودع براهين حقه، وبينات سرّه، ودلائل توحيده، وشواهد ربوبيته فقانون «٢» الحقائق قلوبهم، وكلّ شىء يطلب من موطنه
(١) أي أن هذه الآفات تلحق علوم الإنسان حينما لا تكون خالصة.
(٢) من معانى كلمة (القانون) طريق الشيء وأصله.
ومحله فالدرّ يطلب من الصدف لأن ذلك مسكنه، والشمس تطلب من البروج لأنها مطلعها، والشهد يطلب من النحل لأنه عشه. كذلك المعرفة «١» تطلب من قلوب خواصه لأن ذلك قانون معرفته، ومنها (... ) «٢»
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٥٠ الى ٥١]
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)
خفيت عليهم حالتك- يا محمد- فطالبوك بإقامة الشواهد، وقالوا: «لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ... » أولم يكفهم ما أوضحنا عليك من السبيل، وألحنا لك من الدليل يتلى عليهم ذلك، ولا يمكنهم معارضته ولا الإتيان بشىء من مثله؟! هذا هو الجحود وغاية الكنود! قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٥٢]
قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٥٢)
أنا على حقّ والله- سبحانه- يعلمه، وأنتم لستم على حق والله يعلمه.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٥٣]
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣)
لولا أنى ضربت لكلّ شىء أجلا لعجّلت لهم ذلك، وليأتينّهم العذاب- حين يأتيهم- بغتة وفجأة.
(١) ورد في ص بعد كلمة المعرفة (وصف الحق) وربما كانت (بوصف الحق) وهي غير موجودة في م، ونرجح أنها موجودة في الأصل بدليل اقتران الضمير ب (خواصه).
(٢) فى ص (توقع نسخة توحيده) وفي م (يرفع نسخة توحيده) وكلاهما غامض في الكتابة وإن كنا نستطيع أن نفهم أن التوحيد- وهو أقصى درجات المعرفة- محله قلوب الخواص.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٥٥]
يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)
وإذا أحاطت بهم في جهم سرادقات العذاب فلا صريخ لهم، كذلك- اليوم- من أحاط به العذاب من فوقه اللّعن ومن تحته الخسف، ومن حوله الخزي، ويلبس لباس الخذلان، ويوسم بكيّ الحرمان، ويسقى شراب القنوط، ويتوّج بتاج الخيبة، ويقيّد بقيد السّخط، ويغلّ بغلّ العداوة، فهم يسحبون في جهنم الفراق حكما، إلى أن يلقوا في جحيم الاحتراق عينا.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٥٦]
يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)
الدنيا أوسع رقعة من أن يضيق بمريد مكان، فإذا نبا به منزل- لوجه من الوجوه- إمّا لمعلوم حصل، أو لقبول من الناس، أو جاه، أو لعلاقة أو لقريب أو لبلاء ضدّ، أو لوجه من الوجوه الضارة... فسبيله أن يرتحل عن ذلك الموضع وينتقل إلى غيره، كما قالوا «١» :
وإذا ما جفيت كنت حريّا أن أرى غير مصبح حيث أمسى
وكذلك العارف إذا لم يوافق وقته مكان انتقل إلى غيره من الأماكن «٢».
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٥٧]
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٥٧)
إذا كان الأمر كذلك فالراحة معطوفة على تهوين الأمور فسبيل المؤمن أن يوطّن نفسه
(١) البحنرى في السينية.
(٢) تعبر هذه الفقرة عن رأى القشيري فيما يعرف عند الصوفية (بالسّفر) فهو يجيزه للعارف، أما بالنسبة للمريد فإنه يرى عدم السفر لأن ثبات المريد في مكان به ابتلاء هروب من مواجهة الابتلاء وذلك آية ضعف في الإرادة:
(ومن آداب المريد بل من فرائض حاله أن يلازم موضع إرادته وألا يسافر قبل أن تقبله الطريق وقبل الوصول بالقلب إلى الرب، فإن السفر للمريد في غير وقتله سم قاتل (الرسالة ص ٢٠٠).
على الخروج مستعدا له، ثم إذا لم يحصل الأجل فلا يستعجل، وإذا حضر فلا يستثقل، ويكون بحكم الوقت، كما قالوا:
لو قال لى مت متّ سمعا وطاعة... وقلت لداعى الموت: أهلا ومرحبا
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٥٨ الى ٦٠]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)
هم- اليوم- فى غرف معارفهم على أسرّة وصلهم، متوّجون بتيجان سيادتهم، يسقون كاسات الوجد، ويجبرون في جنان القرب، وعدا كما قال: - «الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» والصبر الوقوف مع الله بشرط سقوط الفكرة.
الصبر العكوف في أوطان الوفاء، الصبر حبس النّفس على فطامها.
الصبر تجرّع كاسات التقدير من غير تعبيس.
الصبر صفة توجب معيّة الحقّ.. وأعزز بها! وأول الصبر تصبّر بتكلف، ثم صبر بسهولة، ثم اصطبار وهو ممزوج بالراحة، ثم تحقّق بوصف الرضا فيصير العبد فيه محمولا بعد أن كان متحمّلا.
والتوكل انتظار مع استبشار، والتوكل سكون السّرّ إلى الله، التوكل استقلال بحقيقة التوكل فلا تتبرّم في الخلوة بانقطاع الأغيار عنك. التوكل إعراض القلب عن غير الربّ.
قوله جل ذكره: «وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ».
«لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا» أي لا تدخره، فمن لم يدخر رزقه في كيسه أو خزائنه فالله يرزقه من غير مقاساة تعب منه.
ويقال «لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا» المقصود بها الطيور والسباع إذ ليس لها معلوم، وليس لها بيت تجمع فيه القوت، وليس لها خازن ولا وكيل.. الله يرزقها وإياكم.
ويقال إرادة الله في أن يستبقيك ولا يقبض روحك أقوى وأتمّ وأكبر من تعنّيك لأجل بقائك.. فلا ينبغى أن يكون اهتمامك بسبب عيشك أتمّ وأكبر من تدبير صانعك لأجل بقائك.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٦١]
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)
إذا سئلوا عن الخالق أقروا بالله، وإذا سئلوا عن الرزاق لم يستقروا مع الله.. هذه مناقضة ظاهرة! قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٦٢]
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)
الرزق على قسمين: رزق الظواهر ومنه الطعام والشراب، ورزق السرائر ومنه الاستقلال بالمعاني بحيث لا يحصره تكلف الكلام، والناس فيهم مرزوق ومرفه عليه، وفيهم مرزوق ولكن مضيّق عليه.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٦٣]
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٦٣)
كما علموا أنّ حياة الأرض بعد موتها بالمطر من قبل الله فليعلموا أنّ حياة النفوس بعد موتها- عند النّشر والبعث- بقدرة الله. وكما علموا ذلك فليعلموا أنّ حياة الأوقات بعد نفرتها، وحياة القلوب بعد فترتها... بماء الرحمة بالله.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٦٤]
وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)
الدنيا كالأحلام، وعند الخروج منها انتباه من النوم. والآخرة هنالك العيش بكماله، والتخلص- من الوحشة- بتمامه ودوامه.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٦٥]
فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)
الإخلاص تفريغ القلب عن الكلّ، والثقة بأن الإخلاص ليس إلا به- سبحانه، والتحقق بأنه لا يستكبر حالا في المحمودات ولا في المذمومات، فعند ذلك يعبدونه مخلصين له الدّين. وإذا توالت عليهم الضرورات، وانقطع عنه الرجاء أذعنوا الله متضرعين (فإذا كشف الضّرّ عنهم عادوا إلى الغفلة، ونسوا ما كانوا فيه من الحال كما قيل) «١» :
إذا ارعوى عاد إلى جهله... كذى الضنى عاد إلى نكسه
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٦٧]
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧)
منّ عليهم بدفع المحن عنهم وكون الحرم آمنا. وذكّرهم عظيم إحسانه عليهم، ثم إعراضهم عن شكر ذلك.
(١) ما بين القوسين موجود في م وغير موجود في ص، والسياق يتطلبه لأن الشاهد الشعرى الموجود فى النسختين يؤيد معناه.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٦٨]
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨)
أي لا أحد أشدّ ظلما ممن افترى على الله الكذب، وعدل عن الصدق، وآثر البهتان ولم يتصرف بالتحقق، أولئك هم السّقّاط في الدنيا والآخرة.
قوله جل ذكره:
[سورة العنكبوت (٢٩) : آية ٦٩]
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)
الذين زيّنوا ظواهرهم بالمجاهدات حسنت سرائرهم بالمشاهدات. الذين شغلوا ظواهرهم بالوظائف أوصلنا إلى سرائرهم اللطائف. الذين قاسوا فينا التعب من حيث الصلوات جازيناهم بالطرب من حيث المواصلات.
ويقال الجهاد فيه: أولا بترك المحرّمات، ثم بترك الشّبهات، ثم بترك الفضلات، ثم بقطع العلاقات، والتنقّى من الشواغل في جميع الأوقات.
ويقال بحفظ الحواسّ لله، وبعدّ الأنفاس مع الله.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

21 مقطع من التفسير