تفسير سورة الجن

الدر المصون
تفسير سورة سورة الجن من كتاب الدر المصون في علوم الكتاب المكنون المعروف بـالدر المصون .
لمؤلفه السمين الحلبي . المتوفي سنة 756 هـ

قوله: ﴿أُوحِيَ﴾ : هذه قراءةُ العامةِ أعني كونَها مِنْ أَوْحَى رباعياً. وقرأ العَتكِيُّ عن أبي عمروٍ وابنُ أبي عبلة وأبو إياس «وُحِيَ» ثلاثياً، وهما لغتان، يقال: وحى إليه كذا، وأَوْحاه إليه بمعنى واحدٍ. وأُنْشِد للعجاج:
٤٣٤٦ - وَحَى لها القرارَ فاسْتَقَرَّت... وقرأ زيدُ بن علي والكسائيُّ في روايةٍ وابنُ أبي عبلةَ أيضاً «أُحِي» بهمزةٍ مضومة ولا واوَ بعدها. وخُرِّجَتْ على أنَّ الهمزةَ بدلٌ من الواوِ المضمومةِ نحو: «أُعِدَ» في «وُعِدَ» فهذه فَرْعُ قراءةِ «وُحِيَ» ثلاثياً. قال الزمخشري: «وهو من القَلْبِ المطلقِ جوازُه في كلِّ واوٍ مضمومةٍ، وقد أطلقَه المازنيُّ في المكسورةِ أيضاً كإشاح وإسادة و» إعَآءِ
479
أَخِيهِ « [يوسف: ٧٦]، قال الشيخ:» وليس كما ذَكَرَ، بل في ذلك تفصيلٌ. وذلك أنَّ الواوَ المضمومةَ قد تكونُ أولاً وحَشْواً وآخِراً، ولكلٍ منها أحكام. وفي بعضِ ذلك خلافٌ وتفصيلٌ مذكورٌ في النحو «. قلت: قد تقدَّم القولُ في ذلك مُشْبَعَاً في أولِ هذا الموضوعِ ولله الحمدُ. ثم قال الشيخ: بعد أن حكى عنه ما قَدَّمْتُه عن المازني» وهذا تكثيرٌ وتبجُّحٌ. وكان يَذْكُرُ ذلك في سورة يوسف عند قوله ﴿وِعَآءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٦]. وعن المازنيِّ في ذلك قولان، أحدُهما: القياسُ كما ذكر، والثاني: قَصْرُ ذلك على السَّماع «. قلت: لم يَبْرَحِ العلماءُ يَذْكرون النظيرَ مع نظيرِه، ولَمَّا ذَكَرَ قَلْبَ الهمزةِ بأطِّرادٍ عند الجميعِ ذَكَرَ قَلْبَها بخلافٍ.
قوله: ﴿أَنَّهُ استمع﴾ هذا هو القائمُ مَقَامَ الفاعل؛ لأنَّه هو المفعولُ الصريحُ، وعند الكوفيين والأخفش يجوزُ أَنْ يكونَ القائمُ مَقامَه الجارَّ والمجرورَ، فيكونَ هذا باقياً على نصبِه. والتقدير: أُوْحي إليَّ استماعَ نَفَرٍ. و»
مِنْ الجنِّ «صفةٌ ل» نَفَرٌ «ووَصْفُ القرآنِ بعَجَب: إمَّا على المبالغةِ، وإمَّا على حَذْفِ مضافٍ، أي: ذا عَجَبٍ، وأمَّا بمعنى اسم الفاعلِ، أي: مُعْجِب: و» يَهْدِي «صفةٌ أخرى.
480
وقرأ العامَّةُ: ﴿الرشد﴾ : بضمة وسكونٍ
480
وابن عمر بضمِّهما، وعنه أيضاً فَتْحُهما، وتَقَدَّم هذا في الأعراف.
481
قوله: ﴿وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبِّنَا﴾ : قرأ الأخَوان وابن عامر وحفص بفتح «أنَّ» وما عُطِف عليها بالواو في اثنتي عشرة كلمةً، والباقون بالكسرة. وقرأ ابنُ عامر وأبو بكرٍ «وإنه لَمَّا قام» بالكسرة، والباقون بالفتح، واتفقوا على الفتحِ في قوله: ﴿وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ﴾ وتلخيص هذا: أن «أنَّ» المشددةَ في هذه السورةِ على ثلاثةِ أقسامٍ: قسمٍ ليس معه واوُ العطفِ، فهذا لا خلاف بين القُرَّاءِ في فتحِه أو كسرِه. على حسبِ ما جاءَتْ به التلاوةُ واقْتَضَتْه العربيةُ، كقولِه: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع﴾ لا خلافَ في فتحِه لوقوعِه موقعَ المصدرِ وكقوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً﴾ [الجن: ١] لا خلافَ في كسرِه لأنه محكيٌّ بالقول.
القسم الثاني أَن يقترنَ بالواوِ، وهو أربعَ عشرةَ كلمةً، إحداها: لا خلاف في فتحِها وهي: قولُه تعالى: ﴿وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] وهذا هو القسم الثالث والثانية: ﴿وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ﴾ [الجن: ١٩] كَسَرَها ابنُ عامرٍ وأبو بكر، وفتحها الباقون. والاثنتا عشرةَ الباقيةُ: فَتَحها الأخوان وابن عامرٍ
481
وحفص، وكسرها الباقون، كما تقدَّم تحريرُ ذلك كلِّه. والاثنتا عشرةَ هي قولُه: ﴿وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبِّنَا﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ﴾ [الجن: ٤] ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ﴾ [الجن: ٥] ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ﴾ [الجن: ٦] ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ﴾ [الجن: ٧] ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا﴾ [الجن: ٨] ﴿وَأَنَّا كُنَّا﴾ [الجن: ٩] ﴿وَأَنَّا لاَ ندري﴾ [الجن: ١٠] ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصالحون﴾ [الجن: ١١] ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ﴾ [الجن: ١٢] ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا﴾ [الجن: ١٣] ﴿وَأَنَّا مِنَّا المسلمون﴾ [الجن: ١٤]. وإذا عَرَفْتَ ضَبْطَها من حيث القراءاتُ فالتفِتْ إلى توجيهِ ذلك.
وقد اختلف الناسُ/ في ذلك فقال أبو حاتم في الفتح: «هو معطوفٌ على مرفوعِ» أُوْحِيَ «فتكونُ كلُّها في موضعِ رفعٍ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه». وهذا الذي قاله قد رَدَّه الناسُ عليه: مِنْ حيث إنَّ أَكثرَها لا يَصِحُّ دخولُه تحت معمولِ «أُوْحِي» ألا ترى أنه لو قيل: أوُحي إليِّ أنَّا لَمَسْنا السماءَ، وأنَّا كُنَّا، وأنَّا لا نَدْري، وأنَّا منَّا الصالحون، وأنَّا لمَّا سَمِعْنا، وأنَّا مِنَّا المسلمون لم يَسْتَقِمْ معناه. وقال مكي: «وعَطْفُ» أنَّ «على {
482
آمَنَّا بِهِ} [الجن: ٢] أتَمُّ في المعنى مِنْ العطفِ على» أنَّه استمعَ «لأنك لو عَطَفْتَ ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ﴾ [الجن: ٥] ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا﴾ [الجن: ١٣] ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس﴾ [الجن: ٦] ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا﴾ [الجن: ٨]، وشِبْهَ ذلك على ﴿أَنَّهُ استمع﴾ [الجن: ١] لم يَجُزْ؛ لأنه ليس مِمَّا أُوْحِي، إليه، إنما هو أمرٌ أو خبر، وأنه عن أنفسهم، والكسرُ في هذا أَبْينُ، وعليه جماعة مِنْ القُراءِ.
الثاني: أنَّ الفتحَ في ذلك عَطْفٌ على مَحَلِّ»
به «مِنْ» آمَنَّا به «. قال الزمخشري:» كأنه قال: صَدَّقْناه وصَدَّقْناه أنه تعالى جَدُّ رَبَّنا، وأنَّه كان يقولُ سفيهُنا، وكذلك البواقي «، إلاَّ أنَّ مكيَّاً ضَعَّفَ هذا الوجهَ فقال: والفتحُ في ذلك على الحَمْلِ على معنى» آمَنَّا به «وفيه بُعْدٌ في المعنى؛ لأنهم لم يُخْبِروا أنهم آمنوا بأنَّهم لَمَّا سَمِعوا الهدى آمنوا به، ولم يُخْبِروا أنهم آمنوا أنه كان رجالٌ، إنما حكى اللَّهُ عنهم أنهم قالوا ذلك مُخْبِرين به عن أنفسِهم لأصحابِهم، فالكسرُ أَوْلى بذلك» وهذا الذي قاله غيرُ لازمٍ؛ فإنَّ المعنى على ذلك صحيحٌ.
483
وقد سَبَق الزمخشريَّ إلى هذا التخريجِ الفَرَّاءُ والزجَّاجُ. إلاَّ أنَّ الفَرَّاء استشعر إشكالاً وانفصل عنه، فإنه قال: «فُتِحَتْ» أنَّ «لوقوع الإِيمانِ عليها، وأنت تجدُ الإِيمانَ يَحْسُنُ في بعضِ ما فُتحَ دونَ بعضٍ، فلا يُمْنَعُ من إمضائِهنَّ على الفتح، فإنه يَحْسُنُ فيه ما يُوْجِبُ فَتْحَ» أنَّ «نحو: صَدَقْنا وشَهِدْنا، كما قالت العربُ:
٤٣٤٧ -....................... وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعُيونا
فنصَبَ»
العيونَ «لإِتباعِها الحواجبَ، وهي لا تُزَجَّجُ. إنما تُكَحَّلُ، فأضمر لها الكُحْلَ» انتهى. فأشار إلى شيءٍ مِمَّا ذكرَه مكيٌّ وأجاب عنه. وقال الزجَّاج: «لكنَّ وجهَه أَنْ يكونَ محمولاً على معنى» آمنَّا به «؛ لأنَّ معنى» آمَنَّا به «صَدَّقْناه وعَلِمْناه، فيكون المعنى: صَدَّقْنا أنه تعالى جَدُّ ربِّنا».
الثالث: أنه معطوفٌ على الهاء به «به»، أي: آمنَّا به وبأنه تعالى جَدُّ ربِّنا، وبأنه كان يقولُ، إلى آخره، وهو مذهب الكوفيين. وهو وإن كان قوياً من حيث المعنى إلاَّ أنَّه ممنوعٌ مِنْ حيث الصناعةُ، لِما عَرَفْتَ مِنْ أنَّه لا يُعْطَفُ على الضميرِ المجرورِ إلاَّ بإعادةِ الجارِّ. وقد تقدَّم تحقيقُ هذَيْن القولَيْن مستوفىً في سورةِ البقرة عند قولِه: {وَكُفْرٌ بِهِ
484
والمسجد الحرام} [البقرة: ٢١٧] على أنَّ مكِّيَّاً قد قَوَّى هذا لمَدْرَكٍ آخرَ وهو حَسَنٌ جداً، قال رحمه الله: «وهو يعني العطفَ على الضميرِ المجرورِ دونَ إعادةِ الجارِّ في» أنَّ «أجوَدُ منه في غيرها، لكثرةِ حَذْفِ حرفِ الجرِّ مع» أنَّ «.
ووجهُ الكسرِ العطفُ على قوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾ [الجن: ١] فيكون الجميعُ معمولاً للقولِ، أي: فقالوا: إنَّا سَمِعْنا، وقالوا: إنَّه تعالى جَدُّ ربِّنا إلى آخرِه. وقال بعضُهم: الجملتان مِنْ قولِه تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ﴾ [الجن: ٦] ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ﴾ [الجن: ٧] معترضتان بين قولِ الجنِّ، وهما مِنْ كلامِ الباري تعالى، والظاهرُ أنَّهما مِنْ كلامِهم، قاله بعضُهم لبعضٍ. ووجهُ الكسرِ والفتحِ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ الله﴾ [الجن: ١٩] ما تقدَّم. ووَجْهُ إجماعِهم على فتح ﴿وَأَنَّ المساجد﴾ [الجن: ١٨] وجهان، أحدُهما: أنَّه معطوفٌ على ﴿أَنَّهُ استمع﴾ [الجن: ١] فيكونُ مُوْحى أيضاً. والثاني: أنه على حَذْفِ حرفِ الجرِّ، وذلك الحرفُ متعلِّقٌ بفعل النهي، أي: فلا تَدْعوا مع اللَّهِ أحداً؛ لأنَّ المساجدَ للَّهِ، ذكرهما أبو البقاء.
485
قال الزمخشري:» أنه استمع «بالفتح؛ لأنَّه فاعلُ» أُوْحي «
و ﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾ [الجن: ١] بالكسرِ؛ لأنَّه مبتدأٌ مَحْكِيٌّ بعد القولِ، ثم تحملُ عليهما البواقي، فما كان مِنَ الوحي فُتِحَ، وما كان مِنْ قَوْل الجِنِّ كُسِرَ، وكلُّهُنَّ مِنْ قولِهم إلاَّ/ الثِّنْتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ وهما: ﴿وَأَنَّ المساجد﴾ [الجن: ١٨] ﴿وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ الله﴾ [الجن: ١٩]. ومَنْ فتح كلَّهن فعَطْفاً على مَحَلِّ الجارِّ والمجرور في ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ٢]، أي: صَدَّقْناه، وصَدَّقْنا أنه «.
وقرأ العامَّةُ: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ بالفتح مضافاً ل»
رَبِّنا «، والمرادُ به هنا العظمةُ. وقيل: قُدْرتُه وأمرُه. وقيل: ذِكْرُه. والجَدُّ أيضاً: الحَظُّ، ومنه قولُه عليه السلام:» ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ منك الجَدُّ «والجَدُّ أيضاً: أبو الأبِ، والجِدُّ بالكسرِ ضِدُّ التَّواني في الأمر.
وقرأ عكرمةُ بضمِّ باءِ»
رَبُّنا «وتنوينِ» جَدٌّ «على أَنْ يكون» ربُّنا «بدلاً مِنْ» جَدٌّ «، والجَدُّ: العظيم. كأنه قيل: وأنَّه تعالى عظيمٌ ربُّنا، فأبدل المعرفة من النكرةِ، وعنه أيضاً» جَدَّاً «منصوباً منوَّناً،» رَبُّنا «مرفوعٌ. ووجْهُ ذلك أَنْ ينتصِبَ» جَدَّاً «على التمييز، و» ورَبُّنا «فاعلٌ ب» تعالى «وهو
486
المنقولُ مِنْ الفاعليةِ، إذ التقديرُ: تعالى جَدُّ رَبِّنا، ثم صار تعالى ربُّنا جَدَّاً، أي: عَظَمةً نحو: تَصَبَّبَ زيدٌ عَرَقاً، أي: عَرَقُ زيدٍ. وعنه أيضاً وعن قتادةَ كذلك، إلاَّ أنَّه بكسرِ الجيم، وفيه وجهان، أحدُهما: أنَّه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، و» رَبُّنا «فاعلٌ ب» تعالى «والتقدير: تعالى ربُّنا تعالِياً جدَّاً، أي: حقاً لا باطلاً. والثاني: أنَّه مصنوبٌ على الحالِ، أي: تعالى ربُّنا حقيقةً ومتمكِّناً قاله ابنُ عطية.
وقرأ حميد بن قيس»
جُدُّ ربِّنا «بضم الجيم مضافاً ل» ربِّنا «وهو بمعنى العظيم، حكاه سيبويه، وهو في الأصل من إضافةِ الصفةِ لموصوفِها؛ إذ الأصلُ: ربُّنا العظيمُ نحو:» جَرْدُ قَطِيفة «الأصل قطيفة جَرْدٌ، وهو مُؤَول عند البَصْريين وقرأ ابن السَّمَيْفَع» جَدَى رَبِّنا «بألفٍ بعد الدال مضافاً ل» ربِّنا «. والجَدى والجَدْوى: النَّفْعُ والعَطاء، أي: تعالى عَطاءُ ربِّنا ونَفْعُه.
والهاءُ في»
أنَّه استمعَ «» وأنَّه تعالى «وما بعد ذلك ضميرُ الأمرِ والشأنِ، وما بعده خبرُ» أنَّ «وقوله ﴿مَا اتخذ صَاحِبَةً﴾ مستأنَفٌ فيه تقريرٌ لتعالِي جَدِّه.
487
قوله: ﴿سَفِيهُنَا﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ اسمَ كان، «ويقول» الخبرُ، ولو كان مثلُ هذه الجملةِ غيرَ واقعةٍ خبراً ل «كان» لامتنع تقديمُ حينئذٍ نحو: سفيهُنا يقول، لو قلت: «يقولُ سفيهُنا»
487
على التقديمِ والتأخيرِ لم يَجُزْ. والفرقُ: أنه في غيرِ بابِ «كان» يُلْبَسُ بالفعلِ والفاعلِ، وفي باب «كان» يُؤْمَنُ ذلك. والثاني: أنَّ «سَفيهُنا» فاعلُ «يقولُ» والجملةُ خبرُ «كان» واسمُها ضميرُ الأمرِ مستترٌ فيها. وقد تقدَّم هذا في قولِه: ﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ وقوله «شَطَطاً» تقدَّم مثلُه في الكهف.
488
قوله: ﴿ظَنَنَّآ أَن لَّن﴾ : مخففةٌ، واسمُها مضمرٌ، والجملةُ المنفيةُ خبرُها، والفاصلُ هنا حَرْفُ النفيِ. و «كَذِباً» مفعولٌ به، أو نعتُ مصدرٍ محذوفٍ. وقرأ الحسنُ والجحدريُّ وأبو عبد الرحمن ويعقوبُ «تَقَوَّلَ» بفتح القافِ والواوِ المشدَّدةِ، وهو مضارع «تَقوَّلَ»، أي: كَذَّب. والأصلُ تتَقَوَّل، فحذف إحدى التاءَيْن نحو: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وانتصب «كَذِباً» في هذه القراءةِ على المصدرِ؛ لأنَّ التقوُّلَ كَذِبٌ نحو قولِهم: قعدْتُ جُلوساً.
قوله: ﴿مِّنَ الإنس﴾ : صفةٌ لرجال، وكذلك قولُه «من الجنِّ».
قوله: ﴿أَن لَّن يَبْعَثَ﴾ : كقولِه: ﴿أَن لَّن تَقُولَ﴾ [الجن: ٥] وأَنْ
488
وما في حَيِّزها سادَّةٌ مَسَدَّ مفعولَيْ الظَّنِّ، والمسألةُ من بابِ الإِعمال لأنَّ «ظنُّوا» يَطْلُبُ مفعولَيْن، و «ظَنَنْتُم» كذلك، وهو إعمال الثاني للحذفِ مِنْ الأولِ، والضمير في «أنهم ظَنُّوا» للإِنسِ، وفي «ظَنَنْتُم» للجنِّ، ويجوزُ العكسُ. وبكلٍ قد قيل.
489
قوله: ﴿فَوَجَدْنَاهَا﴾ : فيها وجهان، أظهرُهما: أنَّها متعدِّيَةٌ لواحدٍ؛ لأنَّ معناها أصَبْنا، وصادَفْنا، وعلى هذا فالجملةُ مِنْ قولِه «مُلِئَتْ» في موضعِ نصبٍ على الحال. والثاني: أنَّها متعدِّيةٌ لاثنينِ، فتكونُ الجملةُ في موضعِ المفعولِ الثاني.
«وحَرَساً» منصوبٌ على التمييزِ نحو: «امتلأ الإِناءُ ماءً». والحَرَسُ اسمُ جمع ل حارِس نحو: خَدَم لخادِم، وغَيَب/ لغائِب، ويُجْمَعُ تكسيراً على أحْراس، كقولِ امرىء القيس:
٤٣٤٨ - تجاوَزْتُ أَحْراساً وأهوالَ مَعْشَرٍ عليَّ حِراصٍ لو يُشِرُّون مَقْتلي
والحارس: الحافظُ الرقيبُ، والمصدرُ الحِراسةُ. و «شديداً» صفةٌ ل حَرَس على اللفظِ، كقوله:
٤٣٤٩ - أخشى رُجَيْلاً ورُكَيْباً عادِياً...
489
ولو جاءَ على المعنى لقيل: شِداداً بالجمع.
وقوله: ﴿وَشُهُباً﴾ جمعُ شِهاب ك كِتاب وكُتُب. وهل المرادُ النجومُ أو الحَرَسُ أنفسُهم؟ وإنما عَطَفَ بعضَ الصفاتِ على بعضٍ عند تغايُرِ اللفظِ كقولِه:
٤٣٥٠ -............................ .......... أتى مِنْ دُونِها النَّأْيُ والبُعْدُ
وقرأ الأعرج «مُلِيَتْ» بياءٍ صريحةٍ دونَ همزةٍ. ومقاعِد جمعُ مَقْعَد اسمَ مكان.
490
قوله: ﴿الآن﴾ : هو ظرفٌ حاليٌّ. واستعير هنا للاستقبال كقوله:
٤٣٥١ -.................. ولكنْ سأسْعى الآن إذ بلغَتْ أناها
فاقترنَ بحرفِ التنفيس، وقد تقدَّم هذا في البقرة عند قوله ﴿فالآن بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] ورَصَداً: إمَّا مفعولٌ له، وإمَّا صفة لشِهاباً، أي: ذا رَصَد. وجعل الزمخشريُّ الرَّصَد اسمَ جمعٍ كَحَرَس، فقال: «والرَّصدُ: اسمُ جَمْعٍ للراصِد ك حَرَس على معنى: ذوي شِهابٍ راصِدين بالرَّجْم، وهم الملائكةُ. ويجوزُ أَنْ يكونَ صفةً للشِّهاب، بمعنى الراصِد، أو كقولِه:
490
ومِعَىً جِياعاً
491
قوله: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ﴾ : يجوزُ فيه وجهان، أحسنُهما، الرفعُ بفعلٍ مضمرٍ على الاشتغالِ، وإنما كان أحسنَ لتقدُّمِ طالبِ الفعلِ، وهو أداةُ الاستفهامِ. والثاني: الرفعُ على الابتداءِ. ولقائلٍ أَنْ يقولَ: يتعيَّنُ هنا الرفعُ بإضمارِ فعلٍ لمَدْركٍ آخر: وهو أنَّه قد عُطِفَ ب «أم» فِعْلٌ، فإذا أَضْمَرْنا الفعلَ رافِعاً كُنَّا قد عَطَفْنا جملةً فعليةً على مِثْلِها بخلافِ رفعِه بالابتداءِ، فإنَّه حينئذٍ يُخْرِجُ «أم» عن كونِها عاطفةً إلى كونِها منقطعةً، إلاَّ بتأويلٍ بعيدٍ: وهو أنَّ الأصلَ: أشرٌّ أُريد بهم أم خيرٌ، فوَضَعَ قولَه ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ﴾ موضعَ «خيرٌ» وقولَه «أشرٌ» سادٌّ مَسَدَّ مفعولَيْ «ندري» بمعنى أنه مُعَلِّقٌ له، وراعى معنى «مَنْ» في قولِه ﴿بِهِمْ رَبُّهُمْ﴾ فجَمَعَ.
قوله: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ : فيه وجهان، أحدُهما: أنَّ «دونَ» بمعنى «غير»، أي: ومِنَّا غيرُ الصالحين، وهو مبتدأٌ، وإنما فُتِحَ لإِضافتِه إلى غيرِ متمكِّنٍِ، كقوله: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] فيمَنْ نَصَبَ على أحدِ الأقوالِ، وإلى هذا نحا الأخفشُ. والثاني: أنَّ «دونَ» على بابِها من الظرفية، وأنها صفةٌ لمحذوفٍ تقديرُه: ومنا فريقٌ أو فوجٌ دونَ ذلك وحَذْفُ الموصوفِ مع «مِنْ» التبعيضيَّةِ يَكْثرُ كقولِهم: منا ظَعَنَ ومنَّا أقام، أي: مِنَّا فريقٌ. والمعنى: ومِنَّا صالحون دونَ أولئك في الصَّلاح.
491
قوله: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ﴾ فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّ التقديرَ: كنَّا ذوي طرائقَ، أي: ذوي مذاهبَ مختلفةٍ. الثاني: أنَّ التقدير: كُنَّا في اختلاف أحوالِنا مثلَ الطرائقِ المختلفةِ. الثالث: أنَّ التقدير: كُنَّا في طرائقَ مختلفةٍ كقولِه:
٤٣٥٢ -............................. ...................
٤٣٥٣ -.......................... كما عَسَل الطريقَ الثَّعْلَبُ
الرابع: أنَّ التقديرَ: كانَتْ طرائقُنا قِدَداً، على حَذْفِ المضاف الذي هو الطرائقُ، وإقامةِ الضميرِ المضافِ إليه مُقامَه، قاله الزمخشري، فقد جَعَلَ في ثلاثة أوجهٍ مضافاً محذوفاً؛ لأنَّه قَدَّرَ في الأول: ذوي، وفي الثاني: مِثْلَ، وفي الثالث: طرائقنا. ورَدَّ عليه الشيخ قولَه: كُنَّا في طرائق كقولِه:
............................ كما عَسَلَ الطريقَ الثعلبُ
بأنَّ هذا لا يجوزُ إلاَّ في ضرورةٍ أو نُدورٍ، فلا يُخْرَّج القرآن عليه، يعني تَعَدِّيَ الفعلِ بنفسِه إلى ظرفِ المكانِ المختصِّ.
والقِدَدُ: جمعُ قِدَّة، والمرادُ بها الطريقة، وأصلُها السيرةُ يقال: قِدَّةُ فلانٍ حسنةٌ أي: سِيرتُه وهو مِنْ قَدَّ السَّيْرَ أي: قَطَعَه على استواءٍ/ فاسْتُعير للسِّيرةِ المعتدلةِ قال:
492
٤٣٥٤ - القابِضُ الباسِطُ الهادِيْ بطاعتِه في فِتْنة الناسِ إذا أهواؤُهم قِدَدُ
وقال آخر:
493
قوله: ﴿فِي الأرض﴾ : حالٌ، وكذلك «هَرَباً» مصدرٌ في موضع الحال تقديرُه: لن نُعْجِزه كائنين في الأرض أينما كُنَّا فيها، ولن نُعْجزه هاربين منها إلى السماءِ.
قوله: ﴿فَلاَ يَخَافُ﴾ : أي: فهو لا يخافُ، أي فهو غيرُ خائف؛ ولأنَّ الكلامَ في تقديرِ مبتدأٍ وخبرٍ، دَخَلَتِ الفاءُ، ولولا ذلك لقيلَ: لا يَخَفْ، قاله الزمخشري، ثم قال: «فإنْ قلتَ: أيُّ فائدةٍ في رفعِ الفعلِ وتقديرِ مبتدأ قبلَه، حتى يقعَ خبراً له، ووجوبِ إدخالِ الفاءِ، وكان كلُّ لك مستغنىً عنه بأَنْ يُقالَ لا يَخَفْ؟ قلت: الفائدةُ أنه إذا فَعَلَ ذلك فكأنَّه قيل: فهو لا يَخافُ، فكان دالاًّ على تحقيقِ أنَّ المؤمِنَ ناجٍ لا مَحالةَ، وأنه هو المختصُّ بذلك دونَ غيره». قلت: سببُ ذلك أنَّ الجملةَ تكونُ اسميةً حينئذٍ، والاسميةُ أدلُّ على التحقيقِ والثبوتِ من الفعلِيَّةِ. وقرأ ابن وثاب والأعمش «فلا يَخَفْ» بالجزمِ، وفيها وجهان، أحدُهما: ولم يَذْكُرِ الزمخشريُّ غيرَه أنَّ «لا» ناهيةٌ، والفاءُ حينئذٍ
493
واجبةٌ. والثاني: أنها نافيةٌ، والفاءُ حينئذٍ زائدةٍ، وهذا ضعيفٌ.
وقوله: ﴿بَخْساً﴾ فيه حَذْفُ مضافٍ أي: جزاءُ بَخْسٍ، كذا قدَّره الزمخشريُّ، وهو مُسْتَغْنَى عنه. وقرأ ابن وثاب «بَخَساً» بفتح الخاء.
494
قوله: ﴿القاسطون﴾ : قد تقدَّم في أول النساء: أنَّ قَسَط الثلاثيَّ بمعنى جار، وأَقْسَط الرباعيَّ بمعنى عَدَل، وأنَّ الحَجَّاجَ قال لسعيد بن جبير: ما تقولُ فِيّ قال: إنك قاسِطٌ عادِلٌ. فقال الحاضرون: ما أحسنَ ما قال!! فقال: يا جهلةُ جَعَلني جائراً كافراً، وتلا ﴿وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن: ١٥] ﴿ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١].
قوله: ﴿تَحَرَّوْاْ رَشَداً﴾ أي: قَصَدوا ذلك، وطَلَبوه باجتهادٍ، ومنه: التحرِّي في الشيءِ. قال الراغب: «حَرَى الشيءَ يَحْريه أي: قَصَدَ حَراه أي جانبَه، وتَحَرَّاه كذلك، وحَرَى الشيءُ يَحْرِي: نَقَصَ، كأنه لَزِمَ الحَرَى ولم يَمْتَدَّ قال:
٤٣٥٦ -.....................
494
والمَرْءُ بعد تَمامِه يَحْرِي
ويقال: رَماه الله بأفعى حارِيةٍ أي: [ناقصةٍ] شديدةٍ» انتهى، وكأنَّ أصلَه مِنْ قولِهم: هو حَرٍ بكذا أي: حَقيقٌ به قَمِنٌ. و «رَشَداً» مفعولٌ به. والعامَّةُ «رَشَداً» بفتحتين. والأعرج بضمةٍ وسكونٍ.
495
قوله: ﴿وَأَلَّوِ استقاموا﴾ :«أنْ» هي المخففةُ. وقد تقدَّم أنه يُكتفى ب «لو» فاصلةً بين «أَنْ» الخفيفةِ وخبرِها، إذا كان جملةً فعلية في سورة سبأ. وقال أبو البقاء هنا: و «لو» عوضٌ كالسين وسوف. وقيل: «لو» بمعنى «إنْ» و «أنْ» بمعنى اللامِ، وليسَتْ بلازمةٍ كقوله: ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ﴾ [الشعراء: ١٦] وقال في موضعٍ آخرَ: ﴿وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ﴾ [المائدة: ٧٣] ذكره ابن فَضَّال في «البرهان». قلت: هذا شاذٌّ لا يُلتفت إليه البتَةَ؛ لأنه خلافُ النَّحْوِيين. وقرأ العامَّةُ بكسر واو «لو» على الأًصلِ. وابن وثاب والأعمشُ بضمِّها تشبيهاً بواوِ الضمير، وقد تقدم تحقيقُه في البقرة.
495
وقوله: ﴿غَدَقاً﴾ الغَدَقُ بفتح الدال وكسرِها: لغتان في الماءِ الغزيرِ، ومنه الغَيْداقُ: الماءُ الكثيرُ، وللرجلِ الكثيرِ العَدْوِ، والكثيرِ النطقِ. ويقال: غَدِقَتْ عينُه تَغْدَقُ أي: هَطَلَ دَمْعُها غَدَقاً. وقرأ العامَّةُ «غَدقاً» بفتحتَيْن. وعاصم فيما رَوَى عنه الأعشى بفتحِ الغينِ وكَسْرِ الدالِ، وتقدَّم أنهما لغتان.
496
قوله: ﴿يَسْلُكْهُ﴾ : الكوفيون بياءِ الغَيْبة، وهي واضحةٌ، لإِعادةِ الضميرِ على الربِّ تعالى. وباقي السبعةِ بنونِ العظمة على الالتفات، هذا كما تقدَّم في قولِه: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى﴾ [الإِسراء: ١] ثم قال: ﴿بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ﴾. وقرأ ابن جندب «نُسْلِكْه» بنونٍ مضمومة مِنْ أَسْلَكه. وبعضُهم بالياء مِنْ تحتُ مضمومةً، وهما لغتان. يُقال: سَلَكه وأسلكه. وأُنْشِدَ:
٤٣٥٥ - جَمَعْتَ بالرأيِ مِنهم كلَّ رافضةٍ إذ هم طرائقُ في أهوائِهم قِدَدُ
٣٤٥٧ - حتى إذا أَسْلكوهم في قُتائِدَةٍ ............................
وسَلَكَ وأَسْلك يجوزُ فيهما أَنْ يكونا ضُمِّنا معنى/ الإِدخالِ فكذلك يتعدَّيان لاثنين. ويجُوز أَنْ يقالَ: يتعدَّيان إلى أحدِ المفعولَيْن بإسقاطِ الخافضِ، كقولِه: ﴿واختار موسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، فالمعنى: يُدْخِلْه عذاباً،
496
أو يَسْلُكْه في عذاب، هذا إذا قلنا: إنَّ «صَعَداً» مصدرٌ. قال الزمخشري: «يقال: صَعِدَ صَعَداً وصُعوداً، فوصف به العذاب؛ لأنه يَتَصَعَّدُ المُعَذَّب أي يَعْلُوه ويَغْلِبُه، فلا يُطيقه. ومنه قولُ عمرَ رضي الله عنه:» ما تَصَعَّدني شيءٌ ما تَصَعَّدَتْني خطبةُ النكاحِ «يريد: ما شقَّ عليَّ ولا غَلَبَني». وأمَّا إذاجَعَلْناه اسماً لصَخْرةٍ في جهنمَ، كما قاله ابنُ عباسٍ وغيرُه، فيجوزُ فيه وجهان، أحدهما: أَنْ يكونَ «صَعَداً» مفعولاً به أي: يَسْلُكْه في هذا الموضع، ويكون «عذاباً» مفعولاً مِنْ أَجْلِه. والثاني: أَنْ يكونَ «عذاباً» مفعولاً ثانياً، كما تَقَدَّم، و «صَعَداً» بدلاً مِنْ عذاب، ولكنْ على حَذْفِ مضافٍ أي: عذابَ صَعَدٍ.
و «صَعَداً» بفتحتَيْن هو قراءةُ العامَّة. وقرأ ابن عباس والحسنُ بضمِّ الصاد وفتح العين، وهو صفةٌ تقتضي المبالغة ك حُطَمٍ ولُبَدٍ، وقُرِىءَ بضمَّتين وهو وصفٌ أيضاً ك جُنُب وشُلُل.
497
قوله: ﴿وَأَنَّ المساجد﴾ : قد تقدَّم أنَّ السبعةَ أجمعَتْ على الفتح، وأنَّ فيه وجهَيْنِ: حَذْفَ الجارِّ ويتعلَّقُ بقولِه: «فلا تَدْعُوا» وهو رأَيُ الخليلِ، وجَعَله كقولِه: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] فإنَّه
497
متعلِّقٌ بقولِه: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ﴾ [قريش: ٢] وكقولِه: ﴿وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٥٢] أي: ولأنَّ. والثاني: أنَّه عطفٌ على «أنَّه استمع» فيكون مُوْحَى. وقرأ ابن هرمز. وطلحة «وإنَّ المساجدَ» بالكسرِ، وهو مُحْتَمِلٌ للاستئنافِ وللتعليلِ، فيكونُ في المعنى كتقديرِ الخليلِ. والمساجد قيل: هي جَمْعُ «مَسْجِد» بالكسر وهو مَوْضِعُ السجُّودِ، وتَقَدَّم أنَّ قياسَه الفتحُ. وقيل: هو جمع مَسْجَد بالفتح مُراداً به الآرابُ الورادةُ في الحديث: «الجبهةُ والأنفُ والركبتانِ واليدانِ والقَدَمان. وقيل: بل جمعُ مَسْجَد، وهو مصدرٌ بمعنى السُّجود، ويكون الجمعُ لاختلافِ الأنواعِ.
498
قوله: ﴿يَدْعُوهُ﴾ : في موضع الحالِ أي: داعياً، أي: مُوَحِّداً له.
قوله: ﴿لِبَداً﴾ قرأ هشام بضمِّ اللامِ، والباقون بكسرِها. فالأولى. جمعُ لُبْدَة بضمِّ اللامِ نحو: غُرْفة وغُرَف. وقيل: بل هو اسمٌ مفردٌ صفةٌ من الصفاتِ نحو: «حُطَم»، وعليه قولُه تعالى: ﴿مَالاً لُّبَداً﴾ [البلد: ٦]. وأمَّا
498
الثانيةُ: فجمعُ «لِبْدَة» بالكسر نحو: قِرْبَة وقِرَب. واللِّبْدَة واللُّبْدة. الشيءُ المتلبِّدُ أي: المتراكبُ بعضُه على بعضٍ، ومنه لِبْدَة الأسد كقولِه:
٤٣٥٨ -...................... له لِبْدَةٌ أظفارُه لم تُقَلَّم
ومنه «اللِّبْدُ» لتَلَبُّدِ بعضِه فوق بعض، ولُبَدٌ: اسمُ نَسْرِ لُقمانَ ابنِ عادٍ، عاش مِئَتي سنةٍ حتى قالوا: «طال الأمَدُ على لُبَدٍ» والمعنى: كادَتِ الجِنُّ يكونون عليه جماعاتٍ متراكمةً مُزْدَحمِيْن عليه كاللَّبِدِ.
وقرأ الحسنُ والجحدريُّ «لُبُداً» بضمتين، ورواها جماعةٌ عن أبي عمروٍ، وهي تحتملُ وجهَيْنِ، أحدُهما: أَنْ يكونَ جمعَ لَبْد نحو: «رُهُن» جمعَ «رَهْن». والثاني: أنَّه جمعُ «لَبُود» نحو: صَبورُ وصُبُر، وهو بناءُ مبالغةٍ أيضاً. وقرأ ابن مُحَيْصن بضمةٍ وسكونٍ، فيجوزُ أَنْ تكونَ هذه مخففةً من القراءةِ التي قبلها، ويجوزُ أن تكونَ وَصْفاً برأسِه. وقرأ الحسن والجحدريُّ أيضاً «لُبَّداً» بضم اللام وتشديد الباء، وهو جمعُ «لابِد» كساجِد وسُجَّد، وراكع ورُكَّع. وقرأ أبو رجاء بكسرِ/ اللامِ وتشديدِ الباءِ وهي غريبةٌ جداً.
499
قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُو﴾ : قرأ عاصمٌ وحمزةُ «
499
قُلْ» بلفظِ الأمرِ التفاتاً أي: قُلْ يا محمدُ. والباقون «قال» إخباراً عن عبدِ الله وهو محمدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم. قال الجحدري: وهي في المصحفِ كذلك، وقد تقدَّمَ لذلك نظائرُ في ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ [الإِسراء: ٩٣] آخرَ الإِسراء، وكذا في أولِ الأنبياءِ [الآية: ٤]، وآخر «المؤمنون».
500
قوله: ﴿ضَرّاً وَلاَ رَشَداً﴾ : قرأ الأعرجُ «رُشُداً» بضمَتْينِ. وجعل الضَّرَّ عبارةً عن الغَيِّ؛ لأنَّ الضَرَّ سببٌ عن الغَيِّ وثمرتُه، فأقام المسبَّبَ مُقامَ سببِه. والأصلُ: لا أَمْلِكُ غَيَّاً ولا رَشَداً، فذكر الأهمَّ. وقيل: بل في الكلامِ حَذْفان، والأصل: لا أَمْلِكُ لكم ضَرَّاً ولا نَفْعاً ولا غَيَّاً ولا رَشَداً، فحذفَ مِنْ كلِّ واحدٍ ما يَدُلُّ مقابِلُه عليه.
قوله: ﴿مُلْتَحَداً﴾ : مفعولُ «أَجِدُ» لأنَّها بمعنى: أُصيبُ وأَلْقَى. والمُلْتَحَدُ هنا: المَسْلَكُ والمَذْهَبُ قال:
٤٣٥٩ - يا لَهْفَ نفسي ولَهْفي غيرُ مُجْديَةٍ عَنِّي وما مِنْ قضاءِ الله مُلْتَحَدُ
أي: مَهْرَبٌ ومَذْهَبٌ.
قوله: ﴿إِلاَّ بَلاَغاً﴾ : فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه استثناءٌ
500
منقطعٌ. أي: لكنْ إنْ بَلَّغْتُ عن اللَّهِ رَحِمني؛ لأنَّ البلاغَ من الله لا يكونُ داخلاً تحت قولِه: ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾، لأنه لا يكونُ مِنْ دونِ اللَّهِ، بل يكونُ من اللَّهِ وبإعانتِه وتوفيقِه. الثاني: أنه متصلٌ. وتأويلُه: أنَّ الإِجارةَ مستعارةٌ للبلاغِ، إذ هو سببُها، وسببُ رحمتِه تعالى، والمعنى: لن أجِدَ سبباً أميلُ إليه وأعتصمُ به، إلاَّ أَنْ أُبَلِّغَ وأُطيعَ، فيُجيرَني. وإذا كان متصلاً جاز نصبُه من وجهين، أحدهما: وهو الأرجح أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ «مُلْتحداً» ؛ لأنَّ الكلامَ غيرُ موجَبٍ. والثاني: أنه منصوبٌ على الاستثناءِ، وإلى البدليةِ ذهب أبو إسحاق. الثالث: أنه مستثنى مِنْ قولِه: ﴿لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً﴾ قال قتادة: أي لا أَمْلِكُ لكم إلاَّ بلاغاً إليكم.
وقرَّره الزمخشريُّ فقال: «أي: لا أَمْلِكُ إلاَّ بلاغاً من اللَّهِ، و ﴿قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي﴾ جملةٌ معترضةٌ اعترضَ بها لتأكيدِ نَفْيِ الاستطاعة». قال الشيخ: «وفيه بُعْدٌ لطولِ الفَصْلِ بينهما». قلت: وأين الطولُ وقد وقع الفَصْلُ بأكثرَ مِنْ هذا؟ وعلى هذا فالاستثناءُ منقطعٌ. الرابع: أنَّ الكلامَ ليس استثناءً بل شرطاً. والأصل: إنْ لا فأدغم ف «إنْ» شرطيةٌ، وفعلُها محذوفٌ لدلالةِ مصدرِه والكلامِ الأولِ عليه، و «لا» نافيةٌ والتقدير: إن لا أُبَلِّغْ بلاغاً من اللَّهِ فلن يُجيرَني منه أحدٌ. وجَعَلوا هذا كقولِ الشاعر:
501
٤٣٦٠ - فطَلِّقْها فَلَسْتَ لها بكُفْءٍ وإلاَّ يَعْلُ مَفْرِقَكَ الحُسامُ
أي: وإنْ لا تُطَلِّقْها يَعْلُ، حَذَفَ الشرطَ وأبقى الجوابَ. وفي هذا الوجهِ ضَعْفٌ من وجهَيْن، أحدهما: أنَّ حَذْفَ الشرطِ دونَ أداتِه قليلٌ جداً. والثاني: أنَّه حُذِفَ الجزآن معاً أعني الشرطَ والجزاءَ، فيكونُ كقولِه:
٤٣٦١ - قالَتْ بناتُ العَمِّ يا سَلْمى وإنْ... كان فقيراً مُعْدَماً قالت: وإِنْ
أي: قالَتْ: وإنْ كان فقيراً فقد رَضِيْتُه. وقد يُقال: إنَّ الجوابَ إمَّا مذكورٌ عند من يرى جوازَ تقديمِه، وإمَّا في قوةِ المنطوق به لدلالةِ ما قبلَه عليه.
قوله: ﴿مِّنَ الله﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنَّ «مِنْ» بمعنى عَنْ؛ لأنَّ بَلِّغ يتعدَّى بها، ومنه قولُه عليه السلام: «ألا بَلِّغوا عني» والثاني: أنَّه متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ ل «بلاغ». قال الزمخشري: «مِن» ليسَتْ صلةً للتبليغ، إنما هي بمنزلةِ «مِنْ» في قوله: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ الله﴾ [التوبة: ١] بمعنى: بلاغاً كائناً من الله «.
قوله: ﴿وَرِسَالاَتِهِ﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنها منصوبةٌ نَسَقاً على»
502
بلاغاً «كأنه قيل: لا أَمْلِكُ لكم إلاَّ التبليغَ والرسالاتِ، ولم يَقُلِ الزمخشريُّ غيرَه. والثاني: أنها مجرورةٌ نَسَقاً على الجلالةِ أي: إلاَّ بلاغاً/ عن اللَّهِ وعن رسالاتِه، كذا قَدَّره الشيخُ.
وجَعَلَه هو الظاهرَ. وتجوَّز في جَعْلِه «مِنْ»
بمعنى عن، والتجوُّزُ في الحروفِ رأيٌ كوفيٌّ، ومع ذلك فغيرُ منقاسٍ عندَهم.
قوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ﴾ العامَّة على كسرِها، جَعَلوها جملةً مستقلة بعد فاءِ الجزاءِ. وقرأ طلحةُ بفَتْحِها، على أنَّها مع ما في حَيِّزِها في تأويلِ مصدرٍ واقعٍ خبراً لمبتدأ مضمرٍ تقديرُه: فجزاؤهُ أنَّ له نارَ جهنمَ، أو فحُكْمُه: أنَّ له نارَ جهنَم. قال ابن خالويه: «سَمِعْتُ ابنَ مجاهدٍ يقول: لم يَقْرَأْ به أحدٌ، وهو لحنٌ؛ لأنه بعد فاءِ الشرط». قال: «وسمعتُ ابنَ الأنباريِّ يقول: هو صوابٌ ومعناه، فجزاؤُه أنَّ له نارَ جهنم». قلت: ابنُ مجاهدٍ وإنْ كان إماماً في القراءاتِ، إلاَّ أنَّه خَفِيَ عليه وجهُها، وهو عجيبٌ جداً. كيف غَفَلَ عن قراءتَيْ ﴿فَأنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ في الأنعام [الآية: ٥٤]، لا جرم أنَّ ابنَ الأنباريِّ اسْتَصْوَبَ القراءةَ لِطُولِ باعِه في العربية.
قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ حالٌ من الهاء في «له»، والعاملُ الاستقرارُ الذي تَعَلَّقَ به هذا الجارُّ، وحَمَلَ على معنى «مَنْ» فلذلك جَمَعَ.
503
قوله: ﴿حتى إِذَا﴾ : قال الزمخشري: «فإنْ قُلْتَ: بِمَ تَعَلَّق» حتى «وجُعِلَ ما بعدَه غاية له؟ قلت: بقولِه: ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ [الجن: ١٩] على أنهم يتظاهرون عليه بالعَداوةِ، ويَسْتَضْعِفون أنصارَه، ويَسْتَقِلُّون عَددَه، حتى إذا رَأَوْا ما يُوْعَدون مِنْ يوم بدرٍ، وإظهارِ اللَّهِ عليهم، أو مِنْ يومِ القيامةِ فسَيَعْلمونَ حينئذٍ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً. قال:» ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ دَلَّتْ عليه الحالُ: مِن استضعافِ الكفارِ واستقلالِهم فعددِه، كأنه [قال:] لا يزالون على ما هم عليه، حتى إذا رَأَوْا ما يُوْعَدون قال المشركون: متى هذا الموعدُ؟ إنكاراً له: فقال: قُلْ إنه كائنٌ لا ريبَ فيه. قال الشيخ: «قولُه: بِمَ تَعَلَّق؟ إن عَنَى تعلُّقَ حرفِ الجرِّ فليس بصحيح لأنَّها حرفُ ابتداءٍ فما بعدها ليس في موضعِ جرٍ خلافاً للزجَّاجِ وابنِ دُرُسْتَوَيْه فإنهما زعما أنها إذا كانَتْ حرفَ ابتداءٍ فالجملةُ الابتدائيةُ بعدها في موضع جرِّ. وإنْ عَنَى بالتعلُّقِ اتصالَ ما بعدَها بما قبلَها وكونَ ما بعدَها غايَةً لِما قبلَها فهو صحيحٌ. وأمَّا تقديرُه أنها تتعلَّقُ بقولِه: ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ فهو بعيدٌ جداً لطولِ الفَصْلِ بينهما بالجملِ الكثيرةِ. وقدَّر بعضُهم ذلك المحذوفَ المُغَيَّا، فقال: تقديرُه: دَعْهم حتى إذا. وقال التبريزي:» جازَ أَنْ تكونَ غايةً لمحذوفٍ «ولم يُبَيِّن ما هو؟ وقال الشيخ:» والذي يَظْهَرُ أنها غايةٌ لِما تَضَمَّنْتْه الجملةُ التي قبلَها مِنْ الحُكْم بكينونةِ النارِ لهم. كأنَّه قيل: إنَّ العاصِيَ يُحْكَمُ له بكَيْنونةِ النارِ، والحُكْمُ بذلك هو وعيدٌ، حتى إذا رَأَوْا ما حَكَم بكينونتِه لهم فسَيَعْلمون «.
504
قوله: ﴿مَنْ أَضْعَفُ﴾ يجوزُ في» مَنْ «أن تكونَ استفهاميةً فترتفعَ بالابتداء، و» أضعفُ «خبرُه. والجملةُ في موضعِ نصبٍ سادَّةً مَسَدَّ المفعولَيْن لأنها مُعَلِّقَةٌ للعلمِ قبلَها، وأَنْ تكونَ موصولةً، و» أَضْعَفْ «خبرُ مبتدأ مضمرٍ. أي: هو أَضْعَفُ. والجملةُ صلةٌ وعائدٌ. وحَسَّن الحَذْفَ طولُ الصلةِ بالتمييزِ. والموصولُ مفعولٌ للعِلْم بمعنى العِرْفان.
505
قوله: ﴿أَقَرِيبٌ﴾ : خبرٌ مقدَّمٌ و «ما تُوعَدون» [مبتدأ]. ويجوز أن يكون «قريبٌ» مبتدأً لاعتماده على الاستفهام. و «ما تُوعَدون» فاعلٌ به أي: أقربُ الذي تُوْعَدون، نحو: أقائمٌ أبواك. و «ما» يجوزُ أَنْ تكونَ موصولةً، فالعائدُ محذوفٌ، وأَنْ تكونَ مصدريةً فلا عائدَ/ و «أم» : الظاهرُ أنها متصلةٌ. وقال الزمخشري: «فإنْ قلتَ ما معنى ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ ربي أَمَداً﴾ والأمدُ يكونُ قريباً وبعيداً؟ ألا ترى إلى قولِه ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً﴾ [آل عمران: ٣٠] قلت: كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يَستَقْرِبُ المَوْعِدَ فكأنه قال:» ما أَدْري أهو حالٌ متوقَّعٌ في كلِّ ساعةٍ أم مُؤَجَّلٌ ضُرِبَتْ له غايةٌ «.
قوله: ﴿عَالِمُ الغيب﴾ : العامَّةُ على رفعِهِ: إمَّا بدلاً مِنْ «ربي»، وإمَّا بياناً له، وإمَّا خبراً لمبتدأ مضمرٍ أي: هو عالِمُ. وقُرِىء بالنصبِ على المدحِ. وقرأ السُّدِّي «عَلِمَ الغيبَ» فعلاً ماضياً ناصباً للغيب.
505
قوله: ﴿فَلاَ يُظْهِرُ﴾ العامَّةُ على كونِه مِنْ أظْهر. و «أحَداً» مفعولٌ به. وقرأ الحسن «يَظْهَرُ» بفتحِ الياءِ والهاءِ، مِنْ ظَهَر ثلاثياً. «أحَدٌ» فاعلٌ به.
506
قوله: ﴿إِلاَّ مَنِ ارتضى﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ منقطعاً أي: لكن مَنْ ارتضاه فإنه يُظْهِرُه على ما يشاءُ مِنْ غَيْبِه بالوَحْيِ. وقولُه: «مِنْ رسولٍ» بيانٌ للمُرْتَضِيْنَ.
وقوله: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ﴾ بيانٌ لذلك. وقيل: هو متصلٌ. و «رَصَداً» قد تقدَّم الكلامُ عليه. ويجوزُ أَنْ تكونَ «مَنْ» شرطيةً أو موصولةً متضمِّنَةً معنى الشرط. وقوله: «فإنَّه» خبرُ المبتدأ على القولَيْنِ. وهو من الاستثناءِ المنقطعِ أيضاً، أي: لكن. والمعنى: لكنْ مَنْ ارتضاه من الرُّسُلِ فإنه يَجْعَلُ له ملائكةً رَصَداً يَحْفظونه.
قوله: ﴿لِّيَعْلَمَ﴾ : متعلقٌ ب «يَسْلُكُ». والعامَّةُ على بنائه للفاعلِ. وفيه خلافٌ أي: لِيَعْلَمَ محمدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم. وقيل: لِيَعْلَمَ أي: ليَظْهَرَ عِلْمُه للناس. وقيل: ليَعْلَمَ إبليسُ. وقيل: ليَعْلَمَ المشركون. وقيل: لِيَعْلَمَ الملائكةُ، وهما ضعيفان لإِفرادِ الضميرِ. والضميرُ في «أَبْلَغُوا» عائدٌ على «مَنْ» مِنْ قولِه: «مَنْ ارتَضَى» راعى لفظَها أولاً، فأفردَ في قولِه: ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾، ومعناها ثانياً فَجَمَعَ في قولِه: «أَبْلَغُوا» إلى آخرِه.
506
وقرأ ابنُ عباس وزيدُ علي «لِيُعْلَمَ» مبنياً للمفعول. وقرأ ابن أبي عبلةَ والزُّهْري «لِيُعْلِمَ» بضمِّ الياءِ وكسرِ اللامِ أي: لِيُعْلِمَ اللَّهُ ورسولُه بذلك. وقرأ أبو حيوة «رسالة» بالإِفرادِ، والمرادُ الجمعُ. وابن أبي عبلة «وأُحِيْط وأُحْصِيَ» مبنيين للمفعول، «كلُّ» رفعٌ بأُحْصِي.
قوله: ﴿عَدَداً﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ تمييزاً منقولاً من المفعولِ به. والأصل: أحصى عددَ كلِّ شيءٍ كقولِه تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً﴾ [القمر: ١٢] أي: عيونَ الأرض، على خلافٍ سَبَقَ في ذلك. ويجوزُ أَنْ يكونَ منصوباً على المصدرِ من المعنى؛ لأنَّ «أحصَى» بمعنى عَدَّ، فكأنه قيل: وعَدَّ كلَّ الفعل، والفعلُ إلى المصدر. ومَنَعَ مكي كونَه مصدراً للإِظهار فقال: «عَدَداً» نَصْبٌ على البيانِ، ولو كان مصدراً لأدغم «قلت: يعني: أنَّ قياسَه أَنْ يكونَ على فَعْل بسكونِ العين، لكنه غيرُ لازمٍ فجاء مصدرُه بفتح العين. ولمَّا كان» لِيَعْلَمَ «مضمَّناً معنى: قد عَلِمَ ذلك، جازَ عَطْفُ» وأحاط «على ذلك المقدَّرِ.
507
Icon