تفسير سورة الحشر

الدر المصون
تفسير سورة سورة الحشر من كتاب الدر المصون في علوم الكتاب المكنون المعروف بـالدر المصون .
لمؤلفه السمين الحلبي . المتوفي سنة 756 هـ

قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الكتاب﴾ :«مِنْ» يجوزُ أَنْ تكونَ للبيانِ، فتتعلَّق بمحذوفٍ، أي: أعني من أهل الكتاب. والثاني: أنها حالٌ من «الذين كفروا».
قوله: ﴿مِن دِيَارِهِمْ﴾ متعلق ب «أَخْرَجَ» ومعناها ابتداءُ الغايةِ. وصَحَّتْ إضافةُ الديارِ إليهم لأنهم أَنْشَؤُوها.
قوله: ﴿لأَوَّلِ الحشر﴾ هذه/ اللامُ تتعلقُ ب «أَخْرَجَ» وهي لامُ التوقيتِ كقولِه: ﴿لِدُلُوكِ الشمس﴾ [الإسراء: ٧٨]، أي: عند أول الحشر. قال الزمخشري: «وهي اللامُ في قولِه تعالى: ﴿ياليتني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤] وقولِك» جئتُ لوقْتِ كذا «. قلت: سيأتي الكلامُ على هذه اللامِ في الفجرِ، إنْ شاءَ الله تعالى.
قوله: ﴿مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم﴾ فيه وجهان، أحدهما: أَنْ يكونَ»
حصونُهم «مبتدأً، و» مانِعَتُهم «خبرٌ مقدمٌ. والجملةُ خبر» أنهم «لا يُقال: لم لا يُقال:» مانِعَتُهم «مبتدأٌ؛ لأنه معرفةٌ و» حصونُهم «خبرُه. ولا حاجةَ
277
لتقديمٍ ولا تأخيرٍ؛ لأنَّ القصدَ الإِخبارُ عن الحصون، ولأنَّ الإِضافةَ غيرُ مَحْضَةٍ، فهي نكرةٌ. والثاني: أَنْ يكونَ» مانِعَتُهم «خبرَ» أنهم «وحصونُهم» فاعلٌ به. نحو: إنَّ زيداً قائمٌ أبوه، وإنَّ عَمْراً قائمةٌ جاريتُه. وجعله الشيخ أَوْلى؛ لأنَّ في نحو: قائمٌ زيد على أَنْ يكونَ خبراً مقدماً ومبتدأً مؤخراً خلافاً والكوفيون يمنعونَه فمحلُّ الوِفاق أَوْلى.
وقال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: أيُّ فَرْقٍ بين قولِك» وظنُّوا أنَّ حصونَهم تمنعُهم، أو مانِعَتُهم، وبين النظم الذي جاء عليه؟ قلت: [في] تقديمِ الخبرِ على المبتدأ دليلٌ على فَرْطِ وُثوقِهم بحَصانتِها ومَنْعِها إياهم، وفي تصييرِ ضميرِهم اسماً ل «أنَّ» وإسناد الجملةِ إليه دليلٌ على اعتقادِهم في أنفسِهم أنَّهم في عِزَّةٍ ومَنَعَة لا يُبالى معها بأحد يَتَعرَّضُ لَهم، وليس ذلك في قولك «حُصُونهم تَمْنعهم» انتهى. وهذا الذي ذكره إنما يَتأتَّى على الإِعرابِ الأولِ، وقد تقدَّم أنه مَرْجوحٌ، وتَسَلَّطَ الظنُّ هنا على «أنَّ» المشددةِ، والقاعدةُ أنه لا يعملُ فيها ولا في المخففةِ منها إلاَّ فعلُ عِلْمٍ ويقينٍ، إجراءً له مُجْرى اليقين لشدَّتِه وقوتِه وأنَّه بمنزلةِ العلم.
قوله: ﴿يُخْرِبُونَ﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً للإِخبار به، وأن يكونَ حالاً مِنْ ضميرِ «قلوبِهم» وليس بذاك. وقرأ أبو عمرو «يُخَرِّبون»
278
بالتشديد وباقيهم بالتخفيفِ وهما بمعنى واحدٍ؛ لأن خرَّب عَدَّاه أبو عمروٍ بالتضعيف، وهم بالهمزة. وعن أبي عمروٍ أنه فَرَّق بمعنىً آخرَ فقال: «خرَّب بالتشديد: هَدَم وأَفْسد، وأَخْرَبَ بالهمزة: تَرَكَ الموضعَ خراباً وذهَب عنه. واختار الهذليُّ قراءةَ أبي عمروٍ لأجل التكثير. ويجوزُ أَنْ يكونَ» يُخْرِبون «تفسيراً للرعب فلا مَحَلَّ له أيضاً.
279
قوله: ﴿الجلاء﴾ : العامَّةُ على مَدَّة وهو الإِخراجُ، أَجْلَيْتُ القومَ إجلاءً، وجلا هو جلاءً. وقال الماوردي: «الجَلاءُ أخصُّ من الخروجِ؛ لأنه لا يُقال إلاَّ لجماعةٍ، والإِخراجُ يكون للجماعةِ والواحد» وقال غيرُه: الفرقُ بينهما أنَّ الجلاءَ ما كان مع الأهلِ والولدِ بخلاف الإِخراجِ فإنه لا يَسْتلزِمُ ذلك.
وقرأ الحسن وعلي ابنا صالح «الجَلا» بألفٍ فقط. وطلحة مهموزاً من غيرِ ألفٍ كالنبأ. وقرأ طلحة «ومَنْ يُشاقِقْ» بالفكِّ كالمتفق عليه في الأنفال.
وقرأ طلحة " ومَنْ يُشاقِقْ " بالفكِّ كالمتفق عليه في الأنفال.
قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ﴾ :«ما» شرطيةٌ في موضع نصب ب «قَطَعْتم» و «مِنْ لينةٍ» بيانٌ له. و «فبإِذنِ اللهِ» جزاء الشرطِ. ولا بُدَّ مِنْ
279
حذفٍ، أي: فقَطْعُها بإذنِ الله، فيكون «بإذنِ الله» الخبرَ لذلك المبتدأ. واللينةُ فيها خلافٌ كثير، قيل: هي النخلةُ مطلقاً، وأُنْشِد:
٤٢٤٤ - كأن قُتودي فوقها عُشُّ طائرٍ على لِيْنَةٍ سَوْقاءَ تَهْفوا جُنوبها
وقال آخر:
٤٢٤٥ - طِراقُ الخوافِي واقعٌ فوقَ لِينة نَدَى لَيْلهِ في ريشه يَتَرَقْرَقُ
وقيل: هي النخلة ما لم تكن عجوةً. وقيل: ما لم تكن عَجْوةً ولا بَرْنِيَّة. وقيل: هي النخلةُ الكريمة. وقيل: ما تَمْرُها لُوْنٌ، وهو نوعٌ من التمر، قال سفيان: هو شديدُ الصُّفْرة يَشِفُّ عن نواةٍ. وقيل: هي العَجْوة. وقيل: هي الفُسْلان وأنشد:
280
وقال آخر:
٤٢٤٦ - غَرَسوا لينةً بمَجرى مَعِيْنِ ثم حُفَّ النخيلُ بالآجامِ
٤٢٤٧ - قد جَفاني الأَحْبابُ حين تَغَنَّوا بفراقِ الأحبابِ مِنْ فوقِ ليْنَهْ
وقيل: هي أغصان الشجر للينِها.
وفي عين «لِينة» قولان، أحدهما: أنها واوٌ لأنه من اللون، وإنما قُلِبَتْ ياءً لسكونِها وانكسارِ ما قبلَها كدِيْمة وقيمة. الثاني: أنها ياءٌ لأنها من اللِّين. وجَمْعُ اللِّينة لِيْن لأنه من بابِ اسم الجنس كتَمْرة وتَمْر. وقد كُسِّر على «لِيان» وهو شاذٌّ؛ لأنَّ تكسيرَ ما يُفَرَّقُ بتاءِ التأنيث شاذٌّ كرُطَبَة ورُطَب وأَرْطاب. وأُنْشد:
٤٢٤٨ - وسالفةٌ كسَحُوْقِ اللِّيا ن أَضْرَمَ فيه الغَوِيُّ السُّعُرْ
والضميرُ في «تَرَكْتموها» عائدٌ على معنى «ما» وقرأ عبدُ الله والأعمش وزيدُ بن علي «قُوَّماً» على وزنِ ضُرَّب؛ جمعَ «قائم» مراعاةً لمعنى «ما» فإنه جمعٌ. وقُرِىءَ «قائماً» مفرداً مذكراً. وقُرِىء «أُصُلِها» بغير واو. وفيه وجهان، أحدهما: أنه جمعُ «أَصْلٍ»، نحو: رَهْن ورُهُن. والثاني: أن يكونَ حَذَفَ الواوَ استثقالاً لها.
281
قوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ﴾ اللامُ متعلقةٌ بمحذوفٍ، أي: ولِيُخْزِيَ أَذِنَ في قَطْعِها، أو ليُسِرَّ المؤمنين ويُعِزَّهم ولِيُخْزِيَ.
282
قوله: ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ﴾ : الفاءُ جوابُ الشرطِ، أو زائدةٌ، على أنها موصولةٌ مضمَّنَةٌ معنى الشرط. و «ما» نافيةٌ. والإِيجافُ: حَمْلُ البعيرِ على السيرِ السريع يقال: وَجَفَ البعير يَجِفُ وَجْفاً ووَجِيْفاً ووَجَفاناً. وأَوْجفْتُه أنا إيجافاً. قال العَجَّاج:
٤٢٤٩ - ناجٍ طواه الأَيْنُ مِمَّا وَجَفا... وقال نُصَيب:
٤٢٥٠ - ألا رُبَّ رَكْبٍ قد قَطَعْتُ وجيفَهم إليك ولولا أنت لم تُوجِفِ الرَّكْبُ
قوله: ﴿مِنْ خَيْلٍ﴾ «مِنْ» زائدةٌ، أي: خَيْلاً. والرِّكاب: الإِبلُ.
قوله: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله﴾ : قال الزمخشري: «لم يُدْخِلِ العاطفَ على هذه الجلمةِ لأنها بيانٌ للأولى، فهي منها غيرُ أجنبيةٍ».
282
قوله: ﴿يَكُونَ دُولَةً﴾ قرأ هشام «تكون» بالتاء والياء «دُوْلةٌ» بالرفع فقط، والباقون بالياء مِنْ تحتُ ونصب دُوْلَةً. فأمَّا الرفعُ فعلى أنَّ «كان» التامَّةُ. وأمَّا التذكيرُ والتأنيثُ فواضحان لأنه تأنيثٌ مجازيٌّ. وأمَّا النصبُ فعلى أنها الناقصةُ. واسمُها ضميرٌ عائدٌ على الفَيْءِ، والتذكيرُ واجبٌ لتذكيرِ المرفوع. و «دُولة» خبرها. وقيل: عائد على «ما» اعتباراً بلفظِها. وقرأ العامَّةُ «دُوْلة» بضم الدال. وعلي بن أبي طالب والسُّلميُّ بفتحِها. فقيل: هما بمعنىً وهما ما يَدُول للإِنسان، أي: يدور من الجِدِّ والعَناء والغَلَبة. وقال الحُذَّاقُ من البصريين والكسائيُّ: الدَّوْلة بالفتح: من المُلك بضم الميم، وبالضم من المِلْكِ بكسرِها، أو بالضمِّ في المال، وبالفتح في النُّصْرة وهذا يَرُدُّه القراءة المرويَّةُ عن علي والسلمي؛ فإنَّ النصرةَ غيرُ مرادةٌ هنا قطعاً. و «كيلا» علةٌ لقولِه: «فللَّهِ وللرسول»، أي: استقرارُه لكذا لهذه العلَّةِ.
283
قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ﴾ : فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه بدلٌ مِنْ «لذي القُرْبى» قاله أبو البقاء والزمخشري. قال أبو البقاء: «قيل هو بدلٌ مِنْ» لذي القُربى «وما بعده» وقال الزمخشري: «بدلٌ مِنْ قوله» ولذي القُربى «وما عُطِف عليه. والذي مَنَعَ الإِبدالَ مِنْ» لله وللرسول «
283
والمعطوفِ عليهما وإنْ كان المعنى لرسول الله أن اللهَ عزَّ وجلَّ أخرجَ رسوله من الفقراءِ في قولِه: ﴿وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ وأنه تعالى يترفَّعُ برسوله عن تسميته بالفقير، وأنَّ الإِبدالَ على ظاهرِ اللفظ من خلافِ الواجب في تعظيمِ اللهِ عزَّ وجلَّ» يعني لو قيل: بأنَّه بَدَلٌ مِنْ «لله» وما بعدَه لَزِمَ فيه ما ذُكِرَ: مِنْ أنَّ البدلَ على ظاهرِ اللفظِ يكونُ من الجلالةِ فيُقال: «للفقراء» بدلٌ مِنْ «لله» ومِنْ «رسولِه» وهو قبيحٌ لفظاٌ، وإن كان المعنى على خلافِ هذا الظاهرِ، كما قال: إن معناه لرسولِ الله، وإنما ذُكر اللهُ عزَّ وجلَّ تفخيماً، وإلاَّ فاللهُ تعالى غنيٌّ عن الفَيْءِ وغيره، وإنما جعله بدلاً مِنْ «لذي القُرْبى» لأنه حنفيٌّ، والحنفية يشترطون الفقرَ في إعطاءِ ذوي القُربى مِنَ الفَيْءِ.
الثاني: أنه بيانٌ لقولِه ﴿والمساكين وابن السبيل﴾ وكُرِّرتُ لامُ الجر لَمَّا كانت الأُولى مجرورةً باللام؛ ليُبَيِّنَ أنَّ البدلَ إنما هو منها، قاله ابنُ عطية، وهي عبارةٌ قَلِقَةٌ جداً. الثالث: أن «للفقراء» خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أي: ولكنَّ الفَيْءَ للفقراء. وقيل: تقديرُه: ولكن يكونُ «للفقراء». وقيل: تقديرُه: اعجَبوا للفقراء.
قوله: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً. في صاحبِها قولان، أحدهما: للفقراء. والثاني: واو «أُخْرِجوا» قالهما مكي.
284
قوله: ﴿والذين تَبَوَّءُوا﴾ : يجوزُ فيه وجهان، أحدهما: أنه عطفٌ على الفقراء، فيكونُ مجروراً، ويكونُ من عَطْفِ
284
المفرداتِ، ويكون «يُحبُّون» حالاً. والثاني: أَنْ يكونَ مبتدأ، خبرُه «يُحِبُّون»، ويكون حينئذٍ مِنْ عطفِ الجُمل.
قوله: ﴿والإيمان﴾ فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه ضُمِّنَ «تَبَوَّؤوا» معنى لزِموا، فيَصِحُّ عَطْفُ الإِيمان عليه؛ إذ الإيمانُ لا يُتَبَوَّأ. والثاني: أنه منصوبٌ بمقدرٍ، أي: واعتقدوا، أو وأَلِفوا، أو وأحَبُّوا. الثالث: أن يُتَجَوَّز في الإِيمان فيُجْعَلَ لاختلاطِه بهم وثباتِهم عليه كالمكانِ المُحيطِ بهم، فكأنَّهم نَزَلوه، وعلى هذا فيكونُ جَمَعَ بين الحقيقةِ والمجازِ في كلمةٍ واحدةٍ، وفيه خلافٌ مشهورٌ. الرابع: أَنْ يكونَ الأصلُ: / دارَ الهجرة ودارَ الإِيمان، فأقامَ لامَ التعريفِ في الدار مُقام المضافِ إليه، وحَذَفَ المضافَ مِنْ دار الإِيمان، ووَضَعَ المضافَ إليه مَقامه. الخامسُ. أَنْ يكونَ سَمَّى المدينة لأنَّها دارُ الهجرة ومكانُ ظهورِ الإِيمان بالإِيمان، قال هذين الوجهَيْنِ الزمخشريُّ، وليس فيه إلاَّ قيامُ أل مَقامَ المضافِ إليه، وهو مَحَلُّ نَظَر، وإنما يُعْرَفُ الخلافُ: هل تقوم أل مَقامَ الضميرِ المضاف إليه؟ الكوفيون يُجيزونه كقولِه تعالى: ﴿فَإِنَّ الجنة هِيَ المأوى﴾ [النازعات: ٣٩]، أي: مَأْواه، والبصريون يمنعونه ويقولون: الضميرُ محذوفٌ، أي: المَأْوى له وقد تقدَّمَ تحريرُ هذا. أمَّا كونُها عِوَضاً من المضاف إليه فلا نَعْرِفُ فيه خلافاً.
السادس: أنَّه مصنوبٌ على المفعولِ معه، أي: مع الإِيمان معاً، قاله ابن عطية، وقال: «وبهذا الاقترانِ يَصِحُّ معنى قولِه» مِنْ قبلهم «
285
فتأمَّلْه» قلت: وقد شَرَطوا في المفعول معه أنَّه يجوز عَطْفُه على ما قبلَه حتى جَعَلوا قولَه ﴿فأجمعوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ﴾ مِنْ بابِ إضمار الفعل لأنَّه لا يُقال: أجمعتُ شركائي إنما يقال جَمَعْتُ، وقد تقدَّم القولُ في ذلك ولله الحمد مشبعاً.
قوله: ﴿حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنَّ الحاجةَ هنا على بابِها من الاحتياج، إلاَّ أنها واقعةٌ مَوْقعَ المحتاجِ إليه، والمعنَى: ولا يجدون طَلَبَ محتاجٍ إليه ممَّا أُوْتي المهاجرون من الفيء وغيِره، والمُحتاج إليه يُسَمَّى حاجةً تقول: خُذْ منه حاجتَك، وأعطاه مِنْ مالِه حاجتَه، قاله الزمشخري. فعلى هذا يكون الضميرُ الأول للجائين مِنْ بعدِ المهاجرين، وفي «أُوْتوا» للمهاجرين. والثاني: أنَّ الحاجةَ هنا مِنْ الحَسَدِ، قاله بعضُهم، والضميران على ما تقدَّم قبل. وقال أبو البقاء: مَسَّ حاجةٍ، أي: إنه حُذِف المضافُ للعلم به، وعلى هذا فالضميران للذين تبوَّؤوا الدارَ والإِيمان.
قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ﴾ واوُ الحال وقد تقدَّم الكلامُ عليها.
286
والخَصاصَةُ: الحاجةُ، وأصلُها مِنْ خَصاصِ البيت، وهي فُروجهُ، وحالُ الفقير يتخَلَّلُها النَّقْصُ، فاسْتُعير لها ذلك.
قوله: ﴿وَمَن يُوقَ﴾ العامَّةُ على سكون الواو وتخفيفِ القافِ مِنْ الوِقاية. وابنُ أبي عبلة وأبو حيوة بفتحِ الواو وشدِّ القافِ. والعامَّةُ بضمِّ الشينِ مِنْ «شُحَّ» وابنُ أبي عبلة وابنُ عمر بكسرها.
287
قوله: ﴿والذين جَآءُوا﴾ : يحتمل الوجهَيْن المتقدمَيْن في «الذين» قبلَه، فإن كان معطوفاً على المهاجرين ف «يقولون» حالٌ ك «يُحِبُّون» أو مستأنف، وإنْ كان مبتدأً ف «يقولون» خبرُه.
قوله: ﴿لإِخْوَانِهِمُ﴾ : اللامُ هنا للتبليغ فقط بخلافِ قولِه: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ فإنَّها تحتملُ ذلك وتحتمل العلةَ، وقوله: ﴿وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ﴾، أي: في قتالِكم، أو في خِذْلانكم.
وقوله: ﴿وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ﴾ أُجيب القسمُ المقدرُ لأنَّ قبل «إنْ» لاماً موطِّئة حُذِفَتْ للعِلْم بمكانِها، فإنَّ الأكثرَ الإِتيانُ بها. ومثلُه قولُه: ﴿وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ﴾ [المائدة: ٧٣] وقد تقدَّم.
قوله: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ﴾ : إلى آخره أُجيب القسمُ لسَبْقِه، ولذلك رُفِعَتِ الأفعالُ ولم تُجْزَمْ، وحُذِفَ جوابُ الشرطِ لدلالةِ جوابِ القسمِ عليه، ولذلك كان فِعلُ الشرطِ ماضياً. وقال
287
أبو البقاء: «قولُه:» لا يَنْصُرُوْنَهم «لَمَّا كان الشرطُ ماضياً تُرِكَ جَزْمُ الجوابِ» انتهى. وهو غَلَطٌ؛ لأنَّ «لا يَنْصُرونهم» ليس جواباً للشرطِ، بل هو جوابٌ للقسم، وجواب الشرطِ محذوفٌ كما تقدَّمَ تقريرُه، وكأنه توهَّم أنه من بابِ قوله:
٤٢٥١ - وإن أتاه خليلٌ يومَ مَسْأَلَةٍ يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ
وقد سبق أبا البقاء ابنُ عيطة إلى ما يُوْهِم شيئاً من ذلك، ولكنه صرَّح بأنه جوابُ القسم، وقال: «جاءت الأفعالُ غير مجزومةٍ في» لا يَخْرجون «ولا» يَنْصُرون «لأنها راجعةٌ على حكم القسم لا على حكمِ الشرط. وفي هذا نظرٌ» وقوله: «وفي هذا نظر» مُوْهِمٌ أنه جاء على خلافِ ما يقتضيه القياسُ، وليس كذلك، بل جاء على ما يَقْتضيه القياسُ. وفي هذه الضمائرِ قولان، أحدهما: أنها كلَّها للمنافقين. والثاني: أنها مختلفةٌ، بعضُها لهؤلاء وبعضُها لهؤلاء.
288
قوله: ﴿لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً﴾ :«رهبةً» مصدرٌ مِنْ رُهِبَ المبنيِّ للمفعولِ، فالرهبةُ واقعةٌ من المنافقين لا مِنْ المخاطبين، كأنه قيل: لأنتم أشدُّ مرهوبيَّةً في صدورِهم من اللهِ فالمخاطبون مَهوبون، وهو كقولِ كعبِ بن زهير رضي الله عنه في مَدْح رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلم:
288
٤٢٥٢ - فَلَهْوَ أَخْوَفُ عندي إذا أُكَلِّمُهُ... وقيل: إنك محبوسٌ ومقتولُ
مِنْ ضَيْغَمٍ بثَراءِ الأرضِ مُخْدَرُه ببَطْنِ عَثَّر غِيْلٌ دونَه غِيْلُ
و «رُهْبةً» تمييز.
289
قوله: ﴿جَمِيعاً﴾ : حالٌ و ﴿إِلاَّ فِي قُرًى﴾ متعلقٌ ب «يُقاتِلونكم».
وقوله: ﴿جُدُرٍ﴾ قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو «جدار» بالإِفرادِ. وفيه أوجهٌ، أحدُها: أنه أرادَ به السُّوْرَ، والسُّوْرُ الواحد يَعُمُّ الجميعَ من المقاتِلةِ ويَسْتُرهم. والثاني: أنه واحدٌ في معنى الجمع لدلالة السِّياقِ عليه. والثالث: أنَّ كلَّ فِرْقة منهم وراءَ جدار، لا أنَّهم كلَّهم وراءَ جدار. والباقون قَرَؤُوا جُدُر بضمتين/ اعتباراً بأنَّ كلَّ فِرْقةٍ وراءَ جدار، فجُمِعَ لذلك. وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن وثاب والأعمش، ويُرْوى عن ابن كثير وعاصمٍ بضمةٍ وسكونٍ، وهي تخفيفُ الأُولى. وقرأ ابن كثير أيضاً في وراية هارونَ عنه، وهي قراءةُ كثيرٍ من المكيين «جَدْرٍ» بفتحة وسكون فقيل: هي لغةٌ في الجِدار. وقال ابن عطية: «معناه أصلُ بنيانٍ كالسُّور ونحوه» قال: «ويُحتمل أَنْ يكونَ مِنْ جَدْر النخيل، أي: أو مِنْ
289
وراءِ نخيلهم. وقُرِىء» جَدَر «بفتحتين حكاها الزمخشريُّ، وهي لغةٌ في الجِدار أيضاً.
قوله: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ متعلِّقٌ بشديد و»
جميعاً «مفعولٌ ثانٍ، أي: مجتمعين و» قلوبُهم شَتَّى «جملةٌ حاليةٌ أو مستأنفةٌ للإِخبار بذلك. والعامَّةُ على» شتى «بلا تنوينٍ لأنَّها ألفُ تأنيثٍ. ومِنْ كلامهم:» شتى تَؤُوب الحَلَبةُ «، أي: متفرِّقين. وقال آخر:
٤٢٥٣ - إلى اللهِ أَشْكو فِتْنَةً شَقَّت العِصا هي اليومَ شَتَّى وهْي أَمْسِ جميعُ
وقرأ مبشر بن عبيد»
شتىً «منونة، كأنه جعلها ألفَ الإِلحاق.
290
قوله: ﴿كَمَثَلِ الذين﴾ : خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: مثلُهم مثلُ هؤلاء. و «قريباً» فيه وجهان، أحدهما: أنَّه منصوبٌ بالتشبيه المتقدم، أي: يُشَبِّهونهم في زمنٍ قريب سيقع لا يتأخر، ثم بَيَّنَ ذلك بقوله: ﴿ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾. والثاني: أنه منصوبٌ ب «ذاقوا»، أي: ذاقوه في زمنٍ قريب سيقع ولم يتأخَّرْ. وانتصابُه في وجهَيْه على ظرف الزمان. وقوله: ﴿كَمَثَلِ الشيطان﴾ [الحشر: ١٦] كالبيان لقولِه: ﴿كَمَثَلِ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقوله :*** ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ ﴾ [ الحشر : ١٦ ] كالبيان لقولِه :﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾.
قوله: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ﴾ : العامَّةُ على نصب «
290
عاقَبَتَهُما» بجَعْلِه خبراً، والاسمُ «أنَّ» وما في حَيَّزها؛ لأنَّ الاسمَ أَعْرَفُ مِنْ «عاقبتَهُما». وقد تقدَّم تحريرُ هذا في آل عمران والأنعام. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وابن أرقم برفعِها على جَعْلِها اسماً، و «أنَّ» وما في حَيِّزها خبراً كقراءةِ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ [الأنعام: ٢٣].
قوله: ﴿خَالِدَينَ﴾ العامَّةُ على نَصْبِه حالاً من الضمير المستكنِّ في الجارِّ لوقوعِه خبراً. وعبد الله وزيد بن علي والأعمش وابن أبي عبلة برفعِه خبراً، والظرفُ مُلْغَى فيتعلَّق بالخبر، وعلى هذا فيكون تأكيداً لفظياً للحرفِ وأُعيد معه ضميرُ ما دَلَّ عليه كقولِه: ﴿فَفِي الجنة خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود: ١٠٨] وهذا على مذهب سيبويه فإنه يُجيز إلغاءَ الظرفِ وإنْ أُكِّدَ، والكوفيون يَمْنَعونَه وهذا حُجَّةٌ عليهم. وقد يُجيبون: بأنَّا لا نُسَلِّمُ أَنَّ الظرفَ في هذه القراءةِ مُلْغَى، بل نجعلُه خبراً ل «أنَّ» وخالدان خبرٌ ثانٍ، وهو مُحْتمِلٌ لِما قالوه إلاَّ أنَّ الظاهرَ خلافُه.
291
قوله: ﴿وَلْتَنظُرْ﴾ : العامَّةُ على سكونِ لامِ الأمرِ. وأبو حيوة ويحيى بنُ الحارث بكسرِها على الأصل. والحسنُ بكسرها
291
ونصبِ الفعل، جَعَلَها لامَ كي، ويكونُ المُعَلَّلُ مقدراً، أي: ولْتنظر نفسٌ حَذَّركم وأَعْلمكم. وتنكيرُ النفسِ والغدِ. قال الزمخشري: «أمَّا تَنْكيرُ النفسِ فلاستقلالِ الأنفسِ النواظرِ فيما قَدَّمْنَ للآخرةِ، كأنه قيل: لتنظرْ نفسٌ واحدةٌ. وأمَّا تنكيرُ الغد فلتعظيمِه وإبهامِ أَمْرِه كأنه قيل: لِغدٍ لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ لعِظَمِه».
وقوله: ﴿واتقوا الله﴾ تأكيدٌ: وقيل: كُرِّر لتغايُرِ متعلَّق التَّقْوَيَيْنِ فمتعلَّقُ الأولى أداءُ الفرائضِ لاقترانِه بالعمل، والثانيةِ تَرْكُ المعاصي لاقترانِه بالتهديد والوعيدِ، قال معناه الزمخشري.
292
قوله: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ﴾ : العامَّةُ على الخطابِ. وأبو حيوة بالغَيْبة على الالتفاتِ.
قوله: ﴿أَصْحَابُ الجنة هُمُ الفآئزون﴾ : كالتفسير لنفي تساوِيْهما. و «هم» يجوزُ أَنْ يكونَ فَصْلاً، وأَنْ يكونَ مبتدأ، فعلى الأول الإِخبارُ بمفردٍ، وعلى الثاني بجملةٍ.
قوله: ﴿خَاشِعاً﴾ : حالٌ؛ لأن الرؤيةَ بَصَرية. وقرأ طلحة «مُصَّدِّعاً» بإدغام التاء في الصاد.
وأبو ذر وأبو السَّمَّال «القَدُّوس» بفتح القاف. وقرأ العامَّةُ «
292
المُؤْمِنُ» بكسر الميم اسمَ فاعل مِنْ آمَن بمعنى أَمَّن. وأبو جعفر محمد بن الحسين وقيل ابن القعقاع: بفتحها. فقال الزمخشري: «بمعنى المُؤْمَنِ به على حَذْفِ حرف الجر، كما تقول في قومَ موسى مِنْ قولِه ﴿واختار موسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] المختارون». وقال أبو حاتم: «لا يجوزُ ذلك، أي: هذه القراءة؛ لأنه لو كان كذلك لكان» المؤمَنُ به «وكان جارَّاً، لكن المؤمَنَ المطلقَ بلا حرفِ جر/ يكون مَنْ كان خائفاً فأُمِّنَ» فقد رَدَّ ما قاله الزمخشريُّ.
293
قوله: ﴿الجبار﴾ : اسْتَدَلَّ به مَنْ يقول: إن أمثلةَ المبالغةِ تأتي من المزيدِ على الثلاثةِ، فإنه مِنْ أَجْبَرَه على كذا، أي: قهره. قال الفراء: «ولم أسمع فعَّالاً مِنْ أَفْعلَ إلاَّ في جَبَّار وَدَّراك مِنْ أدرك» انتهى. واسْتُدْرك عليه: أَسْأَر فهو سَأر. وقيل: هو من الجَبْر وهو الإِصلاحُ. وقيل: مِنْ قولِهم نَخْلَةٌ جَبَّارة، إذ لم تَنَلْها الجُناةُ. قال امرؤ القيس:
قوله: ﴿المصور﴾ : العامَّةُ على كسرِ الواوِ ورفعِ الراءِ: إمَّا صفةً، وإمَّا خبراً. وقرأ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسن وابن السَّمَيْفَع وحاطب بن أبي بَلْتعة بفتح الواو ونصب الراء. وتخريجُها: على أن يكونَ منصوباً بالباري والمُصَوَّر هو الإِنسانُ: إمَّا آدمُ، وإمَّا هو وبنوه. وعلى هذه القراءةِ يَحْرُم الوقفُ على «المصوَّر» بل يجب الوصلُ ليظهرَ النصبُ في الراء، وإلاَّ فقد يُتَوَهَّمُ منه في الوقفِ ما لا يجوزُ. ورُوي عن أمير المؤمنين أيضاً فَتْحُ الواوِ وجَرُّ الراءِ. وهي كالأُولى في المعنى، إلاَّ أنه أضاف اسمَ الفاعل لمعمولِه تخفيفاً نحو: الضاربُ الرجلِ. والوقف على المصوَّر في هذه القراءةِ أيضاً حرامٌ. وقد نَبَّه عليه بعضُهم. وقال مكي: «ويجوز نصبُه في الكلام، ولا بُدَّ مِنْ فتح الواوِ، فتنصبُه بالباري، أي: هو اللهُ الخالقُ المصوَّر، يعني آدمَ عليه السلام وبنيه» انتهى. قلت: قد قُرِىء بذلك كما تقدَّم، وكأنه لم يَطَّلِعْ عليه. وقال أيضاً: «ولا يجوز نصبُه مع كسرِ الواوِ، ويُرْوى عن علي رضي الله عنه» يعني أنه إذا كُسِرَت الواوُ كان من صفاتِ اللهِ تعالى، وحينئذٍ لا يَسْتقيم نصبُه عنده؛ لأنَّ نَصْبَه باسمِ الفاعلِ قبلَه. وقوله: «ويُروى»، أي: كسرُ الواوِ ونصبُ الراء. وإذا صَحَّ هذا عن أمير
294
المؤمنين فيتخرَّج على أنه من القطع. كأنه قيل: أَمْدَحُ المصوِّر كقولِهم: «الحمدُ لله أهلَ الحمد» بنصب أهلَ، وقراءةِ مَنْ قرأ ﴿للَّهِ رَبَّ العالمين﴾ [الفاتحة: ١] بنصب «ربَّ» قال مكي: «والمصوِّر: مُفَعِّل مِنْ صَوَّر يُصَوِّرُ، ولا يحسُنُ أَنْ يكونَ مِنْ صار يَصير؛ لأنه يلزمُ منه أَنْ يقال: المُصَيِّر بالياء» ومثلُ هذا من الواضحات ولا يقبله المعنى أيضاً.
295
الموسوعة القرآنية Quranpedia.net - © 2024
Icon
٤٢٥٤ - سَوامِقُ جَبَّارٍ أثيثٍ فُروعُه وعالَيْنَ قِنْواناً مِن البُسْر أَحْمرا