(بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكن لَّهُ صَاحِبَةٌ...)، وأنه لو كان له ولد تولد منه لكان له والد، وهو منزه عن ذلك فهو الواحد الأحد الذي ليس له والد ولا ولد.
الدليل الثاني: أنه لو كان له ولد لكان مفتقدا إلى من يكمل وجوده؛ لأن الولد امتداد لأبيه، فهو كمال وجوده، والله تعالى ليس بمفتقر لأحد؛ لأنه الكامل المنفرد بالكمال، وقد أشار سبحانه وتعالى إلى ذلك الدليل بقوله: (بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)، وبل هنا للإضراب والانتقال من تنزيه إلى تنزيه، والمعنى أن له
الملك الكامل والسلطان التام في السموات والأرض، فيستحيل أن يكون محتاجا إلى ولد، بل كل الوجود في سلطانه، وليس فقيرا إلى ولد يعينه، وهو يقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)، وأن كل شيء خاضع لسلطانه مسبح بحمده كما قال تعالى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفورَا).
الدليل الثالث: أنه إذا كان الوجود كله ملكا له، فكيف يتخذ ولدًا، وإنه إذا كان الوجود كله ملكا له، فكيف يكون محتاجا له، وإن الوالد قد يحتاج للولد ليكون مسخرا في حاجاته يقوم بحق الوالد عليه، والله لَا يحتاج إلى ذلك، لأن الوجود كله في قبضة يده، وكلهم خاضعون له؛ ولذلك قال: (كُلٌّ لهُ قَانِتُونَ) والقنوت: هو الخضوع المطلق، والعبادة والتسبيح له سبحانه وتعالى. والتنوين في قوله تعالى: (كُلٌّ) دال على عموم كل من في الوجود خاضع لله تعالى لَا يحتاج إلى من يكون في طاعته.
والقنوت يشمل العبادة من ذوي الإرادة، ومن يقنتون بمقتضى التكوين الفطري، والتكوين كما قال تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ).
الدليل الرابع: أن الله تعالى هو الذي أبدع السماوات والأرض على غير مثال، وخلق الوجود كله الأرض والسماء والأحياء فهو الذي ذرأ من في السماوات والأرض، وكلهم عبيده، كما قال تعالى: (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا)، فكيف يكون له ولد، وأنه إذا كان له ولد، فإنه يكون من جنسه، ويكون من مثله والله المبدع للوجود والخالق منزه عن أن يكون بعضه من الحوادث والولد بعض أبيه وبضعة منه.
وقد أشار سبحانه إلى هذا بقوله تعالى: (بَدِيع السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) وبديع بمعنى مبدع أي منشئ على غير مثال سبق، وقد أخذ بعض المفسرين من هذا دليلًا
على أنه لَا يمكن أن يكون الإبداع متفقا مع اتخاذ الولد، فقد قال الراغب في ذلك: " إن الأب هو عنصر للابن منه تكون، والله مبدع الأشياء كلها فلا يمكن أن يكون عنصرا للولد، فمن المحال أن يكون المنفعل فاعلاً " اهـ.
وإن هذا بلا ريب يتنافى مع الإبداع.
وإن الذين قالوا: إن الله اتخذ ولدا قالوا: إنه نشأ عنه ملازما له، كما ينشأ الضوء من الشمس وكما ينشأ النور من السراج، أي أنه نشأ من الموجد الأول نشوء المعلول من علته والمسبب عن سببه، وهم قالوا ذلك آخذين له من الفلسفة، وهي الأفلاطونية التي تتوافق مع النصرانية تمام التوافق، وهي بعد أن حرفت عما جاء به المسيح عليه السلام كما هي والأفلاطونية الحديثة على سواء.
فهم يقولون: إن الله ليس فاعلا مختارا وإنما نشأ الولد نشوء المعلول عن العلة؛ ولذلك كان رد الله تعالى عليهم بإثبات ملكه وقدرته على الخلق والتكوين، وأنه أبدع السماوات والأرض بإرادته رَدٌّ لكفرهم وضلال عقولهم، وأوهامهم الباطلة، التي ضلوا بها، وأضلوا الناس بالدعوة إلى تصديقها.
ولقد بين سبحانه إرادته المختارة بأنه مبدع السماوات، وبقوله تعالى: (وَإِذَا قَضي أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) أي أنه إذا أراد خلق شيء ممكن قال له كن فيكون.
والواو عاطفة والمعطوف عليه بديع السماوات والأرض، " بديع " صيغة مبالغة بمعنى مبدع فهي في معنى الفعل؛ ولذا صح عطف الفعل عليها، أو عطف الجملة الفعلية عليها.
وهي بيان الاختيار والفعل المنافي للتوالد، وقضى بمعنى أنشأ وخلق وكون، والأمر هنا هو بمعنى الشيء فإذا أراد الله تعالى خلق شيء لَا يكون بتوليد شيء في شيء أو مادة من مادة، إنما يكون بكلمة يقولها وهي " كن " والأمر أمر تكويني فيكون الشيء الذي أراده الله تعالى.
وهذا يدل على أمرين:
أولهما - أنه سبحانه وتعالى فاعل مختار يفعل ما يريد، وأن الأشياء نشأت بإرادته المختارة، فهو فعال لما يريد، والأشياء لم تنشأ نشوء المعلول عن علته، أو المسبب عن سببه.
ثانيهما - أنه لَا يمكن أن يكون له ولد؛ لأن الولد يتولد عن والد، ولا يخلق الله تعالى الأشياء بطريق التوالد، من توليد لاحقٍ بسابق، بل إنه سبحانه وتعالى ينشئ في الابتداء، والتوالد بين الأحياء يكون بسلطانه، وبحكمته وهو العزيز العليم.
إن المسيحية بعد المسيح عليه السلام سارت في ذلك المسار الذي انتهى بوثنيتها وانحرافها، وتحللها من العقيدة التي دعا إليها المسيح عليه السلام، وهي عقيدة المسيح، وأنه رسول الله تعالى، وأنه عبده (لَن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ...)، وقد دم ذلك على النحو التالي:
أ - عندما توفى الله المسيح إليه، توالى التعذيب على أتباعه، والتعذيب ابتدأ في حياته عليه السلام في هذه الدنيا فقد اضطهده اليهود ودسوا عليه عند الرومان حتى هموا بصلبه ونجاه تعالى إذ شبه لهم، وما قتلوه وما صلبوه وتوالى من بعد ذلك تعذيب الرومان، في عهد ملوك كثيرين منهم، فكان منهم نيرون الذي كان يطلي أجسامهم بالقار ويشعل فيه، ويسيرون في مواكبهم مشتعلين، وكان زينة موكبه تلك المشاعل الإنسانية، ومنهم دقلديانوس الذي قتل مقتلة عظيمة في سنة ٢٨٢، وإنه في وسط هذا الاضطهاد كان المسيحيون يقيمون شعائرهم الدينية في الخفاء إذ كلما ظهروا عذبوا، وكانوا إذا ظهروا أخفوا عقائدهم فكانوا يفتشون القلوب وينقبون عن خبايا النفوس، ولا يسلم الدين مع هذا الاختفاء إذ لَا يكون مرشد هاد، ولا رقيب يمنع دخول الزيف في دينهم.
بـ - وفي هذه العصور دخلت عناصر من الوثنيين يحملون وثنيتهم، وخلطوا ما بينها وبين عقيدة التوحيد التي جاء بها المسيح عليه السلام، وإن الاختلاط بمرضى الحقائق يجعل الضلال يسري إليهم كما تسري عدوى الأمراض.
ولعل أشد الوثنيين الذين أغاروا عليهم - بولس، الذي سموه رسولا، فقد كان عدوا للمسيح في حياته في هذه الدنيا، كان إلبًا عليه يحرض الرومان، ثم ادعى أنه دخل المسيحية، وما دخل، أو دخلها ليخربها وهو أول من أدخل الوثنية فيها، واطرح فيها تعاليم المسيح اطراحًا.
جـ - وقد كانت الأفلاطونية الحديثة تتكون، وأساسها أن الأوثان الرومانية فقدت قوتها، والفلسفة هي الأخرى فقدت سلطانها، فأرادت الأفلاطونية الحديثة أن تصل إلى نفوس الرومان باسم الدين وأرادت أن تجمع من بقايا من الوثنية، ومن اليهودية والنصرانية التي ظهرت دينا جديدا، فكانت النصرانية التي خرجت عن دين المسيح عليه الصلاة والسلام، وهي جمعت بين الوثنية بألوهية المسيح وروح القدس مع الله، واليهودية باعتبار التوراة أصلًا لها فصارت النصرانية.
والأفلاطونية الحديثة التي يعد أكبر رؤسائها أفلوطين المتوفى سنة ٢٧ ميلادية تعتقد أن العالم نشأ عن الشيء الأول، وهو الله أو العقل الأول عندهم، ثم نشأ عنه العقل الثاني وهو ما سمي عند النصارى بالابن، ثم نشأ عنهما الروح العامة المتصلة بالمخلوقات جميعا.
د - مع هذه الأعراض التي ظهرت في المسيحية، ومع هذه المحاولات الوثنية كان التوحيد هو المسيطر وهو الأكثر أتباعا في القرون الثلاثة الأول والثاني والثالث، وخصوصا في الأول والثاني، وإذا كانت وثنية تظهر، فإن الكثرة الموحدة تطردها كما يطرد الجسم السليم بحيويته الأمراض ويتغلب عليها، واستمرت كذلك طول هذه القرون الثلاثة.
حتى جاء بَطريق الإسكندرية، وهي موطن الأفلاطونية الحديثة، جاء باتفاق مع قسطنطين إمبراطور الرومان في أول القرن الرابع، وادعى أن التوحيد بدعة في المسيحية، وأن الأصل فيها ألوهية المسيح في زعمهم، وأن آريوس الموحد وكان في الإسكندرية قد ابتدع التوحيد مع أن كل كنائس مصر والشام موحدة لَا يرتاب أتباعها في ذلك.
وأنه يجب طرد أريوس الموحد المنكر لألوهية المسيح من المسيحية، مع أنه صورة للكثرة المسيحية الكاثرة التي كانت منبثة في ربوع مصر والشام.
هـ - دعي بسبب هذا لعقد مؤتمر عام في نيقية الذي عده النصارى المصدر الأخير لديانتهم، دعى في هذا الجمع العام ٢٠٤٨، ثمانية وأربعون وألفا أسقف، وجرى بينهم اختلاف، والسائد فيهم التوحيد وإن كان فيه انحراف من بعض الطوائف.
ولكن قسطنطين يريد الدخول في النصرانية، بعد أن يصيرها قريبة من دينه بإدخال الوثنية فاختار من هذا العدد الكبير ٣١٨ أي ثمانية عشر وثلاثمائة، وقد رضوا بما يدعو إليه، وسلطهم على المسيحيين كلهم وأعطاهم شارة الملك وصولجانه.
فقرروا ألوهية الابن أي المسيح بقيادة بطريق الإسكندرية مهد الأفلاطونية الحديثة، وكان ذلك المجمع سنة ٣٢٥.
ولكن المسيحيين عارضوا ذلك المجمع، واعتبروه خارجا على المسيحية، وأيدت المعارضة مؤتمرات في الشام كمؤتمر صور.
ولكن الأفلاطونية الحديثة لم تتم فصولها، فقد تقررت في هذا المجمع ألوهية الابن في زعمهم، ولكن ثالوث الأفلاطونية الحديثة الله أو الأب، أو العقل الأول، والابن أو العقل الثاني، وروح القدس لم يتقرر بعد! ولذا كان لابد من أن يتقدم بطريق من الإسكندرية سنة ٣٨١ بطلب تقرير ألوهية روح القدس فانعقد مؤتمر القسطنطينية، وقرر باقتراح بطريق الإسكندرية ألوهية روح القدس.
وبذلك تم ثالوث النصارى، وهو ثالوث الأفلاطونية الحديثة (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ... )، وهم بهذا وثنيون يشركون مع الله أحدا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
* * *
تشابه المشركين وأهل الكتاب
(وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩) وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)
* * *
اليهود يتعنتون والمشركون طلبوا آيات مختلفة، آيات حسية مطَّرحين الآيات المعنوية، مع أن الله تعالى أجرى على يديه خوارق للعادات باهرة كالإسراء، والطعام الكثير من الغذاء القليل، وَسَحِّ الماء بين يديه، وحنين الجذع إليه، وتعشيش اليمام حول الغار، وسير السحاب معه لتظله، ونصره بالرياح وقد اشتدت الشديدة، وغير ذلك كثير، ولكنه لم يتحد إلا بالقرآن؛ لأنه الآية الكبرى، والمعجزة الدائمة القاهرة.
ولقد قال تعالى في ذلك:
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة