ﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇ

ولمّا تحوّلت القبلة إلى الكعبة غضبت اليهود، حيث ترك قبلتهم، مكابرة وعناداً، وقالوا : لو بقي على قبلتنا لرجونا أن يكون هو النبيّ المبعوث في آخر الزمان فنتبعه، فردَّ الله عليهم وكذبهم فقال :
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
قلت : ولئن اللام موطِّئة للقسم، و إن شريطة، و أتيت فعل اشرط، و ما تبعوا جواب القسم المحذوف سد مسد جواب الشرط. قال في الألفية :

واحذِف لَدَى اجتماع شرطٍ وقسمْ جوابَ ما أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ
والله لئن أتيتهم بكل حجة وبرهان على صحة التوجه إلى الكعبة ما تبعوا قبلتك ؛ لأنهم ما تركوا قبلتك لشبهة تُزيلُها الحجة، وإنما خالفوك مكابرة وعناداً. وقد طمعوا أن ترجع إلى قبلتهم، ولست بتابع قبلتهم أبداً، بل لهم قبلتهم ؛ صخرة بيت المقدس، وللنصارى قبلتهم ؛ مطلع الشمس، وليس بعضهم بتابع قبلة بعض ؛ لتصلب كل حزب بما هو فيه، وإن كان على خطأ وفساد ؛ لأن مفارقة العوائد هنا صعب على النفوس إلا من سبقت له العناية.
ولئن اتبعت أهواءهم الباطلة وإراءهم الزائفة فَرْضاً وتقديراً من بعد ما جاءك من العلم الواضح والوحي الصحيح إنك إذاً لمن الظالمين ، لكنك معصوم، فلا يتصور اتباعك لهم أبداً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : مما جرت به سُنة الله تعالى في خلقه أن أهل الحقيقة منكورون عند أهل الشريعة، أو تقول : علماء الباطن منكورون عند علماء الظاهر، يقابلونهم بالإذاية والإنكار، مع أنه يعلمون أن الحقيقة حق من ربهم، وأن علم الباطن حق لقوله - عليه الصلاة والسلام - :" إن من العلم كهيئة المكنون، لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا سمعه أهل الغرة بالله أنكروه عليهم١ ". أو كما قال - عليه الصلاة والسلام-، وقال صلى الله عليه وسلم :" لِكلِّ آيةٍ ظَاهرٌ وبَاطِنٌ وحَدٍّ ومَطْلَع ".
وما الله بغافل عما يعلمون فجزاؤهم الحرمان عن لذة الشهود والعيان، فيقال لأهل الباطل : ولئن أتيتهم بكل آية وبرهان ما تبعوا وجهتك التي توجهت إليها ؛ لأنها مَنُوطة بموت النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس، وخرق العوائد لاكتساب الفوائد، ومفارقة الأوطان والغيبة عن الأهل والولدان، وما أنت أيها المريد بتابع وجهتهم التي توجهوا إليها، ولئن اتبعت أهواءهم من بعدما ظهر لك من علم التحقيق : إنك إذاً لمن الظالمين لنفوسهم.
الذين آتيناهم الكتاب من علماء الشريعة يعرفون علم الحقيقة، كما يعرفون أبناءهم، أي : يقرون به في الجملة وينكرون وجود أهله مخصوصين، وقد يتحققون به ويكتمون الحق حسداً، وهم يعلمون وجود خصوصيته، فيقال للعارف : هذا الذي أنت عليه من سلوك جادة الطريقة، وعلم التحقيق، هو الحق من ربك فلا تكونن من الممترين أنك على الحق المبين.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير