إِن قال قائل ما معنى: (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) واللَّه عزَّ وجلَّ - قد علم ما يكون قبل كونه؟
فالجواب في ذلك أن اللَّه يعلم من يتبع الرسول مِمن لا يتبعه من قبل وقوعه وذلك العلم لا تجب به مجازاة في ثواب ولا عقاب ولكن المعنى ليعلم ذلك منهم شهادة فيقع عليهم بذلك العلم اسمُ مطيعين واسمُ عاصين، فيجب ثوابهم على قدر عملهم.
ويكون معلومُ مَا في حال وقوع الفعل منهم علم شهادة - كما قال عزَّ وجلَّ: (عَالمُ الغَيْبِ والشَهَادَةِ) فعلمه به قبل وقوعه علم غيب، وعلمه به في
حال وقوعه شهادة، وكل ما علمه الله شهادة فقد كان معلوماً عنده غيباً، لأنه يعلمه قبل كونه، وهذا يبين كل ما في القرآن مثله نحو قوله تعالى:
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١).
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)
زعم بعض. النحويين، أن " لَئِنْ " أجِيب بجواب " لوْ " لأن الماضي وَليها
كما وَليَ " لو " فأجيب بجواب " لو " ودخلت كل واحدة منها على أختها
قال اللَّه عزَّ وجلَّ: (وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١).
فجرت مجرى: " وَلَوْ أرْسَلْنَا رِيحاً " وكذلك قال الأخفش بهذا
القول، قال سيبويه وجميع أصحابه: إن معنى (لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ).
ليظَلُّنَّ ومعنى (لَئِنْ) غير معنى " لو " في قول الجماعة، وإِن كان هؤُلاءِ قالوا
إِنَّ الجواب متفِق فإِنهم لا يدْفعون أن معنى (لئن) مايستقبل ومعنى " لو " ماض
وحقيقة معنى " لو " أنها يمتنع بها الشيء لِامتناع غيره، تقول لو أتيْتني
لأكْرمتُك، أي لم تأتني فلمْ أكرمكَ، فإِنما امتنع إكرامي لامتناع إِتيانك.
ومعنى " إِنْ " و (لئِنْ) أنه يقع الشيء فيهما، لوقوع غيره في المستقبل
تقول إِنْ تأتِنِي اكْرِمْكَ، فالإكرام يقع بوقوع الِإتيان فهذه حقيقة معناهما.
فأما التأويل فإنّ أهل الكتاب قد علموا أن النبي - ﷺ - حق وأن صفته ونبوته في كتابهم، وهم يحققون العلم بذلك فلا تغني الآيات عند من يجد ما يعرف.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ).
لأن أهل الكتاب تظاهروا على النبي - ﷺ - واليهودُ لا تتبع قبلة النصارى، ولا النَصارى تتبع قبلة إليهود، وهم مع ذلك في التظاهر على النبي متفقون.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ)).
أي أنك لمنهم أن اتبعتَ أهواءَهم. وهذا الخطاب للنبي - ﷺ - ولسائر أُمَّتِه، لأن ما خوطب به (مِنْ هذَا الجنس) فقد خوطب به الأمة والدليل على ذلك قوله عزَّ وجلَّ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ)
أول الخطاب للنبي - ﷺ - وليس معه لفظ الأمة، وآخره دليل أن الخطاب عام.
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل، الزجاج
عبد الجليل عبده شلبي