وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ
تفسير المفردات :
بكل آية أي بكل برهان وحجة، وواحد الأهواء هوى وهو الإرادة والمحبة، والامتراء الشك.
المعنى الجملي :
كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتشوق لتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، ويقع في روعه أن ذلك كائن، لأن الكعبة قبلة أبيه إبراهيم، وقد جاء بإيحاء ملته وتجديد دعوته، ولأنها أقدم القبلتين، ولأن ذلك أدعى إلى إيمان العرب، وهم الذين عليهم المعول في إظهار الدين، لأنهم أكثر الناس استعدادا لقبوله، ولأنها كانت مفخرة لهم وأمنا ومزارا ومطافا، ولأن اليهود كانوا يقولون : ويخالفنا في ديننا ويتبعنا في قبلتنا، ولولا ديننا لم يدر أين يستقبل القبلة، فكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبلتهم حتى روي أنه قال لجبريل : وددت لو أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها، وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي كان يرجوه، فأنزل الله هذه الآيات
الإيضاح :
أي ولئن جئت اليهود والنصارى بكل برهان وحجة، على أن الحق هو ما جئتهم به من وجوب التحول من قبلة بيت المقدس في الصلاة إلى قبلة المسجد الحرام – ما صدقوا به ولا اتبعوك عنادا منهم ومكابرة.
وقصارى ذلك – إنهم ما تركوا قبلتك لشبهة تدفعها بحجة، بل خالفوك عنادا وصلفا، فلا يجدي معهم برهان ؛ ولا تقنعهم حجة. وكما أيأسه من اتباعهم قبلته، أيأسهم من إتباعه قبلتهم فقال :
وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ أي إن ذلك لا يكون منك، فإنك على قبلة إبراهيم الذي يجلونه جميعا، فهي الأجدر بالإتباع. وإذا كان اتباع إبراهيم لا يزحزحهم عن تعصبهم لما ألفوا والتقليد يحول بينهم وبين النظر في حكمة القبلة، وسر اجتماع الناس عليها، وكون الجهات كلها لله – أي آية ترجعهم عن قبلتهم ؟ وأي فائدة ترجى من موافقتك إياهم عليها ؟
وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ أي إن اليهود لا تترك قبلتها وتتجه إلى المشرق، والنصارى لا تغير قبلتها وتتجه إلى المغرب. لأن كلا منهما متمسك بما هو فيه، محقا كان أو مبطلا، ولا ينظر إلى حجة وبرهان، إذ التقليد أعمى بصيرته، فلا يبحث في فائدة ما هو فيه، ولا يوازن بينه وبين غيره، ليتبع أصلح الأمور وأكثرها نفعا.
{ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ) أي ولئن وافقتهم فيما يريدون، فصليت إلى قبلتهم مداراة لهم وحرصا على إتباعك والإيمان بك، بعد ما جاءك الحق اليقين، والعلم الذي لا شك فيه – لتكونن من جملة الظالمين – وحاشاك أن تفعل ذلك.
وتقدم أن مثل هذا من باب ( إياك أعني واسمعي يا جاره ) فالمراد أنه لا ينبغي لأحد من أتباعك المؤمنين أن يفكر في اتباع أهواء القوم استمالة لهم، فإن الحق قوي بذاته، فمن عدل عنه وجارى أهل الأهواء، رجاء منفعة أو اتقاء مضرة فهو ظالم لنفسه، ولمن سلك بهم هذا السبيل الجائر.
وإذا كان هذا الوعيد توجه لأعلى الناس مقاما عند ربه لو حاول اتباع الهوى استرضاء للناس بمجاراتهم على الباطل، فما ظنك بغيره ممن يتبع الهوى ويجاري الناس على شيء نهاهم الله عنه، فليعلم المؤمنون أن اتباع أهواء الناس ولو لغرض صحيح من الظلم العظيم الذي يوقع في مهاوي الهلاك، فكأنه قيل : إن هذا ظلم عظيم لا هوادة فيه مع أحد، فلو فرض وقوعه من أكرم الناس على الله لسجل عليه الظلم وما للظالمين من أنصار فكيف بمن دونه ممن لا يقاربه منزلة عند ربه ؟
ولا شك أن سماع هذا الوعيد وأشباهه يوجب على المؤمن أن يفكر طويلا ويتأمل فيما وصل إليه حال المسلمين اليوم، وكيف إن علماءهم يجارون العامة في بدعهم وضلالاتهم وهم يعترفون ببعدها عن الدين، ولا يكون لهم وازع من نواهيه، وقوارعه الشديدة. وزواجره التي تخر لها الجبال سجدا.
وأعجب من هذا مجاراتهم لأهواء الملوك والأمراء، حتى إنهم ليلفقون لهم من الحيل والفتاوى ما يسترضونهم به، ويكون فيه إشباع لشهواتهم واتباع لأهوائهم.
تفسير المراغي
المراغي