والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ( ١٦٤ ).
٨٤- انظر إلى عجائب السفن وكيف مسكنها على وجه الماء، تسير فيها العباد لطلب الأموال وتحصيل مالهم من الأغراض، وجعلها من آياته ونعمته، فقال : والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس فجعلها بتسخيره تحملهم، وتحمل أثقالهم، وينتقلون بها من أقاليم إلى أقاليم، لا يمكن وصولهم إليها إلا بالسفن، ولو راموا التوصل بغيرها لأدى إلى أعظم المشقات وعجزوا عن نقل ما ينقل من المنقولات إلى ما بعد من البلاد والجهات، فلما أراد سبحانه وتعالى أن يلطف بعباده ويهون ذلك عليهم، خلق الأخشاب متخلخلة الأجزاء بالهواء ليحملها الماء ويبقى فيها من الفضاء عن نفسها ما يحمل بها الأثقال، وألهم العباد اتخاذها سفنا. ثم أرسل الرياح بمقادير في أوقات تسوق السفن وتسيرها من موضع إلى موضع آخر، ثم ألهم أربابها معرفة أوقات هبوبها وفترتها حتى يسيروا بالرياح التي تحملها شراعها. وانظر إلى ما يسره سبحانه في خلقه الماء، إذ هو جسم لطيف رقيق سيال متصل الأجزاء كائن شيء واحد لطيف التركيب سريع القبول للتقطع، حتى كأنه منفصل مسخر للتصرف قابل للاتصال والانفصال حتى يمكن سير السفن فيه. فالعجب ممن يغفل عن نعمة الله في هذا كله، وفي بعضه متسع للفكر، وكل ذلك شواهد متظاهرة، ودلائل متضافرة وآيات ناطقة بلسان حالها، مفصحة عن جلال بارئها معربة عن كمال قدرته وعجائب حكمته، قائلة : أما ترى تصويري وتركيبي وصفاتي زمنا، واختلاف حالي وكثرة فوائدي ؟ أيظن ذو لب سليم وعقل رصين أني تلونت بنفسي أو أبدعني أحد من جنس ؟ بل ذلك صنع القادر القهار العزيز الجبار. [ الحكمة في مخلوقات الله عز وجل، ضمن مجموعة رسائل الإمام الغزالي رقم ١ ص ١٨-١٩ ].
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي